الخطبة : 1132 - الأدلة القطعية في تحريم الغيبة - من الكبائر التفريق بين الزوجين . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1132 - الأدلة القطعية في تحريم الغيبة - من الكبائر التفريق بين الزوجين .


2009-12-11

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وآل بيته الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

الإنسان يأخذ ما يعجبه ويدع ما لا يعجبه وكأن له ديناً خاصاً :

     أيها الأخوة الكرام، حقائق دقيقة وهي أن المسلم لا يشرب الخمر، لو سألنا مسلماً لمَ لا تشرب الخمر ؟ يجيبك إجابة بديهية أن الله عز وجل حرم شرب الخمر، لماذا ينتقي المؤمن بعض المحرمات فيبتعد عنها، وهناك محرمات أشد من الخمر لا يبتعد عنها ؟ هذا الموقف موقف انتقائي، وهذا الموقف خطير في الدين، يأخذ ما يعجبه ويدع ما لا يعجبه وكأن له ديناً خاصاً، فالذي يأكل الربا يتجاهل الآيات والأحاديث، قد يحج ويعتمر ويقدم أشياء كثيرة وهذا الموضوع يتجاهله:

﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً(52) ﴾

( سورة المدثر )

     يريد ديناً على هواه، أوضح مثل الخمر محرمة بالكتاب والسنة وبإجماع الأمة، والغيبة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلماذا يبتعد الإنسان عن بعض المعاصي التي أجمع الكتاب والسنة والأمة على تحريمها ثم يقترف بعض المعاصي التي حرمت أيضاً ؟ هذا الموقف من المسلمين موقف انتقائي يأخذ ما يعجبه ويدع ما لا يعجبه وكأن له ديناً خاصاً، لذلك هذا المنهج أيها الأخوة لا تقطف ثماره إلا إذا أُخذ كله بكل التفاصيل.

تحريم الغيبة تحريماً قطعياً في الكتاب والسنة وإجماع الأمة :

     أيها الأخوة، قال بعضهم: " الغيبة مائدة الكلاب وأدام الفساق وأعمال أهل الفجور ".
     وقال بعضهم: " في الغيبة متعة اجتماعية "، المعاصي محببة، أن تخوض في فضائح الناس متعة اجتماعية، لكن الكتاب والسنة وإجماع الأمة حرموها تحريماً قطعياً:

(( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

     البهتان أن تخترع تهمة لا أصل لها، أما الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره والذي ذكرته فيه.
     أيها الأخوة، الغيبة محرمة سواء أكانت في بدن أخيك ؛ شكله، طوله، لونه، أو في دينه، أو في دنياه، بيته، دخله، وظيفته، أو في نفسه، أو خلقه، أو ماله، أو ولده، أو زوجته، ووالده، أو ثوبه، أو مشيته، أو حركته، أو عبوسه، أو طلاقته، كل شيء يكره الإنسان أن يتداول دخل ضمن الغيبة، لم تقل شيئاً السيدة عائشة ذكرت أختها صفية فأشارت هكذا، في روايتين أحد الروايات قالت: قصيرة، قال: يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته.
     الآن الغيبة هي غيبة سواء ذكرتها بلسانك، أو كتبتها بقلمك، أو رمزت إليها بإشارة، بخيل لم تقل بخيل إشارة، أو أشرت بعينيك، أو يدك، أو رأسك، أو نحو ذلك تلميحاً أو تصريحاً كل هذا من الغيبة.

الغيبة و البهتان و الإفك :

     أيها الأخوة الكرام، الغيبة من أوسع المعاصي التي يقترفها الناس وهم لا يشعرون في مجالسهم، وسفرهم، ولقاءاتهم، وولائمهم، وأعراسهم، وفي أحزانهم، وفي أفراحهم، فما دام اللسان ينهش أعراض الناس فهو واقع في الغيبة.
     والغيبة كما تعلمون من الكبائر.
     أيها الأخوة، إتماماً لموضوع الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره والذي ذكرته موجود فيه، غيبة، أما إذا ذكرت شيئاً ليس فيه فهو بهتان، أما إذا نقلت قولاً من دون تحقيق قيل في أخيك هذا النقل اسمه إفك، فالغيبة شيء والبهتان شيء والإفك شيء ثالث.
     ابن سيرين ذكر رجلاً قال: هذا الرجل أسود، ثم قال: أستغفر الله إني أراني لقد اغتبته، لذلك قال سيدنا عمر: " ذكر الله شفاء وذكر الناس داء ".
     فالأخ الكريم من خلال حضوره لدروس العلم، أو خطب الجمعة، أو من خلال مطالعاته لكتب الدين، ألا يستطيع إذا كان في جلسة أو في سهرة أو في لقاء أن يذكر بالله عز وجل ؟
(( لا يَقْعُدُ قومٌ يذكرون الله عزَّ وجلَّ إِلا حَفَّتْهُم الملائكةُ، وغشيتهم الرحمةُ ونزلت عليهم السكينةُ، وذكرهم الله فيمن عنده ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ]

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ ))

[ رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

     تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:

(( لا يغتابن أحدكم أحداً، فإني قلت لامرأة مرة وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذه لطويلة الذيل فقال لي: الفظي الفظي فلفظت مضغة لحم ))

     أي كأنها أكلت لحم أختها ميتة.

[أخرجه ابن أبي الدنيا وابن مردويه في التفسير من كتاب إحياء علوم الدين ]

﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ (12) ﴾

( سورة الحجرات)

أساليب الغيبة لا تعد و لا تحصى :

     أيها الأخوة الكرام، أحياناً يذكر فلان أنت لا تغتابه، يا رب عافينا من البخل، دعوت الله هذه غيبة، لمَ دعوت هذا الدعاء الآن عندما ذكر فلان ؟ يا ربي عافني من البخل، معنى هذا أنه بخيل، يا رب عافني من النفاق معنى هذا أنه منافق، هناك أساليب لا تعد ولا تحصى هي غيبة مع أنها في الظاهر هي دعاء إلى الله عز وجل، هناك طريق يظن الأذكياء أنه ليس غيبة، إنسان سيئ جداً في مجلس كبير تثني عليه ما شاء الله، فأنت بهذا الثناء تستفز الحاضرين كي يغتابوه، أنت ما اغتبته، أنت أثنيت عليه، لكن ثناءك عليه استفزاز لهم، فنزلوا نهشاً في عرضه، أنت ساكت، أنا الحمد لله ما اغتبته، أنت السبب بثنائك عليه جعلتهم يغتابونه وشفيت صدرك منه.
     السيدة عائشة أيضاً تقول:

(( دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي إنها قصيرة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد اغتبتها ))

الإصغاء إلى الغيبة من الغيبة أيضاً :

     المحاكاة التقليد، تقليد مشية إنسان، تقليد أسلوبه بالكلام، تقليد حركاته، وسكناته، هذا أشد من الغيبة، ليضحك الناس، لكن إذا كان في عيوب، كيف تصحح ؟ كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا "، ما بال أقوام الذي فعل هذا الخطأ واحد يقول: ما بال أقوام ؟
     الآن أضيف لكم هذه الحقيقة ومن الغيبة الإصغاء إلى الغيبة، كان الشيخ بدر الدين الحسني ـ رحمه الله تعالى ـ إذا إنسان ذكر إنساناً أمامه يقول له: اسكت يا بني أظلم قلبي، الإصغاء إلى الغيبة يعد من الغيبة، لذلك مجلس تنهش فيه أعراض الناس لا تبقى في المجلس قم وأعطِ من حولك درساً بليغاً، هذا مجلس غيبة، صدقوا ولا أبالغ أن رجلاً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام سأل عنه النبي وهو في تبوك أين فلان ؟ فقال واحد: يا رسول الله إنه منافق، شغله بستانه عن الجهاد معك، فقام سيدنا سعد قال: لا والله يا رسول الله، لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، سُرّ النبي عليه الصلاة والسلام.
     أنت مؤمن وفي مجلس اتهم مؤمن، وأنت موقن أنه بريء لا تسكت، سكوتك خطأ كبير، المؤمنون كالجسد الواحد، دافع عنه، فهذا الذي قال: منافق شغله بستانه عن الجهاد معك، فقام سيدنا سعد قال: لا والله يا رسول الله، لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، فسر النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الموقف.

انتشار المعصية لا يلغي حرمتها :

     أيها الأخوة الكرام، حكم الغيبة حرام بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، الأدلة، بالمناسبة المعصية إذا انتشرت بين الناس، إذا كان هناك مليار وخمسمئة مليون مسلم و فعل هذه المعصية مليار وأربعمئة وتسعين مليون مسلم، تبقى معصية مهما انتشرت، يتوهم الجهلة أن المعصية إذا انتشرت ليست معصية، لا، مهما انتشرت، مهما شاعت، في أي مجلس، الحديث عن زيد وعبيد، وفلان وعلان، وفلانة وعلانة، هذا الحديث تمتلئ المجالس بالغيبة، انتشار هذه المعصية لا يلغي حرمتها تبقى معصية، لكن بعضهم قال: هناك غيبة دون غيبة، مثلاً إنسان اغتبته بدينه، منافق، إنسان اشترى شيئاً واللون لم يعجبك قلت: اللون غير جيد، وهذه غيبة، الثانية سهلة جداً أنت اتهمته بذوقه، أما في الأولى اتهمته بدينه.

المعصية الوحيدة التي توعد الله مرتكبها بالحرب هي الربا و الغيبة أشد من الربا :

     لذلك العلماء قالوا: هناك غيبة دون غيبة، أما الشاهد الأول:

(( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ))

[ مسلم، الترمذي، أبو داود، ابن ماجه عن أبي هريرة ]

     والعِرض موضع المدح والذم في الإنسان:

(( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ))

[ مسلم، الترمذي، أبو داود، ابن ماجه عن أبي هريرة ]

     حديث آخر:

(( من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ))

[أخرجه العسكري في الأمثال والديلمي في مسنده عن الحسين بن علي]

     يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

     تأتي الغيبة بالكلمة الثالثة دمه، وماله، وعرضه، وعرض الرجل موضع المدح والذم فيه.
     شاهد آخر:

((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

     التحسس تتبع الأخبار الطيبة، والتجسس تتبع الأخبار السيئة، المعصية الوحيدة التي توعد الله عليها مرتكبها بالحرب هي الربا، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279) ﴾

( سورة البقرة )

     يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ))

[أبي داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ]

     إذاً الغيبة أشد من الربا:

(( إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ))

[أبي داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ]

الأدلة القطعية في القرآن الكريم  والسنة في تحريم الغيبة :

     أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا (58) ﴾

( سورة الأحزاب)

     الغيبة تدخل في هذه الآية.
     والسيدة عائشة قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم:
(( حسبك من صفية كذا وكذا ـ تعني: قصيرة ـ فقال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: لقد قلت كلمة لو مزجت بماءِ البحر لمزجته ))

[ أبو داود عن عائشة]

     وأنا الآن أذكر لكم الأدلة القطعية في القرآن الكريم والسنة، بل من أصح كتب السنة البخاري ومسلم في تحريم الغيبة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))

[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وأحمد عن أبي هريرة]

     كلمة، وفيما رواه:

(( لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الَّذِين يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ ))

[أبو داود عن أنس بن مالك ]

     هل هناك واحد من المسلمين يشك أن الزنا حرام ؟ يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا ))

[رواه ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن جابر وأبي سعيد]

ذهاب إيمان الإنسان بالغيبة و النميمة :

     أيها الأخوة الكرام، يقول النبي عليه الصلاة والسلام ـ ولا زلت في الأدلة القطعية من الكتاب والسنة في تحريم الغيبة ـ:

(( من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه يوم القيامة فيقال له كله ميتاً كما أكلته حياً ))

[الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

(( أَنَّهُ اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْنَبَ أَعْطِيهَا بَعِيرًا فَقَالَتْ أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ صَفَرًٍ ))

[أبو داود عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]

     كم شهر هجرها ؟ ثلاثة أشهر، طبعاً زوجته، كانت بنت حيي:

((نَظَرَ فِي النَّارِ فَإِذَا قَوْمٌ يَأْكُلُونَ الْجِيَفَ فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ))

[ أحمد عن ابن عباس رضي الله عنه ]

(( أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَب

َ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

     كم دليل من الكتاب ومن أصح كتب السنة، الآن مؤمن اغتابه الناس، وأنت تعلم علم اليقين أنه طاهر وعفيف والذي يقال فيه غير صحيح:

((من حمى مؤمنا من منافق أراه قد بعث الله عز و جل إليه ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم ))

[ أبي داود عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

     بأي جلسة الناس يتسلون بالحديث عن المؤمنين، يتهمونهم اتهامات باطلة، فأنت بجلسة اتهم فيها مؤمن، وتعلم علم اليقين أنه طاهر بريء:

((من رمى مسلماً بشيء يريد شينه به حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال )).

[ أبي داود عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

(( مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ أُرَاهُ قَالَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ ))

[ أبي داود عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

(( الغيبة والنميمة يحطان الإيمان كما يقطع الراعي الشجرة ))

[عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ]

     أي إيمانك يذهب بالغيبة والنميمة.

من تقرب إلى قوي بذم المؤمنين حاسبه الله حساباً عسيراً في الدنيا و الآخرة :

     الآن حالة نادرة إنسان قوي أو غني يكره مؤمناً، فأنت حينما ذممت هذا المؤمن أحبك هذا القوي، وأحبك هذا الغني، فأطعمك طعاماً، وأعطاك عطاءً:

(( مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ كُسِيَ ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ بِهِ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[أحمد عَنْ وَقَّاصِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ ]

     أيضاً ذممت مؤمناً عند قوي، فهذا القوي أعطاك ثياباً جديدة، فالإنسان يتألق إذا ذم المؤمنين يقول: متخلفون، جهلة لا يرون إلا الذكر، أحياناً الإنسان يتقرب إلى قوي بذم المؤمنين.

(( الصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا، قَالَ أَبُو مُحَمَّد: يَعْنِي بِالْغِيبَةِ))

[الدارمي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ]

     أحد الصحابة الكرام سيدنا معاذ سأل النبي عليه الصلاة والسلام:

(( يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِم ْ))

[ أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))

[ أحمد عن أنس بن مالك]

     أيها الأخوة الكرام، محور هذه الخطبة الأدلة القطعية القرآنية والنبوية، والنبوية في أعلى مستوى في تحريم الغيبة، فاسأل نفسك هذا السؤال أنت مسلم لماذا لا تشرب الخمر ؟ الجواب البديهي لأن الله حرمها، والغيبة حرمها الله عز وجل، كم دليل ؟ الخطبة كلها أدلة على تحريم الغيبة.
     حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه أجمعين.

الشقاء الزوجي من أعظم الأخطار التي تهدد العالم الإسلامي :

     أيها الأخوة،

(( إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ وَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ قَالَ فَيُدْنِيهِ مِنْهُ أَوْ قَالَ فَيَلْتَزِمُهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ)).

[ مسلم عن عن جابر ]

     يبدو أن من أعظم الأخطار التي تهدد العالم الإسلامي الشقاء الزوجي، جنود إبليس كثيرون جداً، كل جندي يأتيه بمنجزاته، يقول له: لم تفعل شيئاً إلى أن يقول له أحدهم: فرقت بينه وبين زوجته، لذلك قال تعالى:

﴿ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ(102) ﴾

( سورة البقرة)

     أي إنسان دون أن يشعر قد يفرق بين زوجين بكلمة، بكلمة غير مدروسة، بكلمة ظالمة، بكلمة عابرة، فهذا قام مقام إبليس، أي من أعظم الكبائر أن تفرق بين زوجين.

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018