أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 092 أ - اسم الله الشهيد 1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 092 أ - اسم الله الشهيد 1


2008-06-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى:(الشهيد):

 أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الشهيد".

ورود اسم الشهيد في القرآن الكريم  :

 هذا الاسم ورد في كثير من النصوص القرآنية كما في قوله تعالى:

﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

(سورة سبأ)

 وفي قوله تعالى:

 

﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

 

( سورة فصلت )

 وقد ورد مقيداً في آيات كثيرة كما في قوله تعالى:

 

﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾

 

(سورة النساء )

ورود اسم الشهيد في السنة النبوية الشريفة:

 أيضا أيها الأخوة ورد هذا الاسم بالسنة الصحيحة، في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً يقول عليه الصلاة والسلام في حديث طويل:

(( ألا وإنه سَيُجاءُ برجال من أُمتي ـ دققوا الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ـ فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقول: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدَك، فأقول كما قال العبد الصالح : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال: فيقال لي: إنَّهم لم يزالوا مرْتَدِّينَ على أعقابِهِمْ منذ فارقتَهم ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]

 يعني وضع العالم الإسلامي في آخر الزمان لا يرضي النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ: فَأَقُولُ: بُعْدًا، بُعْدًا، أَوْ قَالَ: سُحْقًا، سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))

 

[أحمد عن أبي سعيد الخدري]

ثمن النصر و الاستخلاف و التمكين عبادة الله عز وجل:

 أيها الأخوة، قال الله عز وجل :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

 هذه وعود خالق السماوات والأرض، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، نحن في الحقيقة المرة لسنا مستخلفين، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين الآية:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

 كقانون

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

 الشرط:

 

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )

عظمة هذا الدين أنه دين اجتماعي شمولي أممي وفردي:

 أيها الأخوة، هناك بعض الأحاديث الشريفة تملأ قلب المؤمن ثقة، وراحة ، وتفاؤلاً، وأمناً.

(( النبي عليه الصلاة والسلام أردف وراءه سيدنا معاذ بن جبل، قال له يا معاذ ـ على أسلوب الحوار ـ: ما حق الله على عبادة ؟ فقال: الله ورسوله أعلى ـ سأله ثانية وثالثة ثم أجابه ـ قال: يا معاذ حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، ثم سأله، يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ ـ الله جل جلاله بكرمه، ورحمته أنشأ لك حقاً عليه ـ يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: الله ورسوله أعلم ـ سأله ثانية وثالثة على أسلوب الحوار، تشويقاً له ثم أجابه ـ قال: يا معاذ حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم ))

[ متفق عليه عن معاذ]

 عظمة هذا الدين، دين اجتماعي، شمولي، أممي، ودين فردي، لو أن الناس تفلتوا من منهج الله عز وجل، وعود الله للمؤمن قائمة وحدها، حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم.

 

الإنسان في مأمن من عذاب الله عز وجل إن طبق سنة النبي الكريم في حياته:

 تأتي الآية الكريمة:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 33 )

 ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في مناسباتهم الاجتماعية، في أخذهم للمال، في إنفاقهم للمال، في حلهم، في ترحالهم، في أفراحهم، في أتراحهم

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

 أي أن سنتك قائمة فيهم.
  فلذلك:

 

(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))

 

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 فلذلك يقول أمتي، أمتي:

 

(( فيقول: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدَك ))

 

[أحمد عن أبي سعيد الخدري]

  فلذلك الآية الواضحة:

 

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾

 

( سورة الزمر )

العذاب الأليم لمن تمكّن من انتزاع فتوى من فم رسول الله و لم يكن محقاً:

 شيء آخر: بعض المسلمين يتوهمون أنه إذا انتزع من فم إمام مسجد فتوى نجا من عذاب الله، يقول لك: أنا معي فتوى، وغاب عنه أن الإنسان لو استطاع بذكاء، وطلاقة لسان، وقوة حجة أن ينتزع من فم سيد الخلق، وحبيب الحق، من المعصوم، من الذي يوحى إليه فتوى لصالحه، ولم يكن محقاً، لا ينجو من عذاب الله، الدليل:

(( ولَعَلَّ بعضكم أن يكونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بحَقِّ أخيه، فإنما أَقْطَعُ له قطعة من النَّار ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أم سلمة أم المؤمنين ]

 لا ينجيك أن تتوهم أن الفتوى معك، هناك الفتوى، وهناك التقوى.
  مرة ثانية: إن تمكنت أن تنتزع من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم، وهو الذي يوحى إليه فتوى لصالحك، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله.
 ومرة ثانية وثالثة أؤكد لكم أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.

 

الشهيد في اللغة:

 

  في اللغة، "الشهيد" كما تعلمون صيغة مبالغة، من اسم الفاعل الشاهد، شاهد شهيد، على وزن فعيل، والفعل شهد، يشهد، شهوداً، وشهادة، والشهود هم الحضور مع الرؤية والمشاهدة، الحضور الذين رأوا بأعينهم الذي وقع.
 أنت تركب مركبة، وصار في حادث، وأنت رأيت رأي العين أن السائق لم يخطئ، لكل الطفل هو الذي ألقى بنفسه أمامه، أما أن تشهد أمام أولي الأمر بما وقع هذا واجب يرقى إلى مستوى الفرض.

﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾

( سورة البقرة الآية: 282 )

  عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، فلما الإنسان يتهرب من أن يدلي بشهادته بوضع صعب، في حادث سير، في مشكلة، فهو آثم عند الله عز وجل.
 فالشهود هم الحضور، مع الرؤية والمشاهدة، وهذا الحديث فيه بشارة لنا، و فيه يقول عليه الصلاة والسلام بعد أن قال أُبيّ بن كعب:

 

(( صلَّى بنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوماً الصبحَ، فلما سلَّم قال: أشاهد فلان ؟ قالوا: لا، قال: أشاهد فلان ؟ قالوا: لا، قال: إنَّ هاتين الصلاتين أثقلُ الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتَيْتُموهما ولو حَبْوا على الرُّكَبِ ))

 

[ أبو داود عن أبيّ بن كعب ]

 وفي حديث آخر:

 

(( ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوا ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]

  بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

 

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يسمي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

 

[ورد في الأثر]

 أي في حفظ الله، في رعاية الله، في تأييد الله.

 

من معاني الشهادة:

1 ـ الإخبار بما شاهده المرء:

  الشهادة هي الإخبار بما شاهده المرء، شهد فلان على فلان بحق فهو شاهد وشهيد، والشاهد يلزمه أن يبين ما علمه على الحقيقة، واجب يرقى إلى مستوى الفرض.
 و:

(( ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر - ثلاثاً - قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: وشهادة الزور ثلاثا أو قول الزور))

[ البخاري عن أبي بكرة]

  وهناك أناس كثيرون يكذبون كلما تنفسوا، كل كلامه كذب.
 أيها الأخوة، دققوا في هذا القول الخطير كما قال النبي الكريم:

 

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))

 

[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]

  الخلال ؛ أي الطباع، الآن في علم الطباع، إنسان يحب الوحدة، إنسان اجتماعي، إنسان يحب السفر، إنسان انطوائي، إنسان ينفق أكثر من دخله، إنسان يدقق في إنفاقه، لكن بالمناسبة:

 

(( برئ من الشح: من أدى زكاة ))

 

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

  برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله.
  فالإنسان أحياناً يقصر، أو يتكلم بكلام غير صحيح، هذا قول الزور، وأن تشهد ولم ترَ.
  مرة إنسان في دعوى احتاج إلى شاهد، في عصور التخلف الديني، هناك من يشهد له بالأجرة، مع أنه لم يكن حاضراً، فاتفق مع إنسان أن يدلي له بشهادة مقابل مبلغ من المال يقدر بخمسة آلاف، فلما دخل أمام القاضي قال له: ضع يدك على المصحف، قال له: لحظة، عاد إلى الذي كلفه قال له: هناك يمين أريد عشرة آلاف، مشكلة كبيرة جداً.
 أقول لكم أيها الأخوة: أي إنسان يدلي بشهادة زور بأي رقم انتهى عند الله.

 

من غيّر قناعته بمبلغ مهما كان كبيراً سقط من عين الله:

 بالمناسبة: أي إنسان يغير قناعته بمبلغ مهما كان كبيراً سقط من عين الله.

(( وكان متكئا فجلس فقال وشهادة الزور ثلاثا أو قول الزور))

[ البخاري عن أبي بكرة]

 إذاً:

 

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))

 

[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]

  هناك إنسان منفتح، إنسان منغلق، إنسان اجتماعي، إنسان فردي، إنسان يحب السفر، إنسان يحب الإقامة، إنسان عصبي المزاج، هذه كلها طباع على العين والرأس، إنسان يعتني بثيابه كثيراً، إنسان أقل عناية، إنسان ينفق كثيراً، إنسان أقل إنفاقاً، إنسان يعتني ببيته كثيراً، كلها طباع.

 

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))

 

[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]

 فإذا كذب أو خان فليس مؤمناً، هذا يذكرني بآية كريمة:

 

﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء ﴾

 

( سورة ص الآية: 24 )

 الخلطاء الأزواج، الشركاء، الأقرباء، الأخوة، الورثة:

 

﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾

 

( سورة ص الآية: 24 )

 استنبط الإمام الشافعي أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً، يعني الشريك الذي يريد أن يأخذ الشركة وحده، ولا يسمح لشريكه الذي دخل معه بوضوح تام هذا ليس مؤمناً، أي إنسان أراد أن يغتصب حقّ أخيه بنص هذه الآية ليس مؤمناً.

 

2 ـ الحُكم:

 أيها الأخوة، الشهادة لها معنى آخر، المعنى الآخر: هو الحُكم، فقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت أبي السائب وهو مسجى على السرير، فسمع امرأة من وراء الستر تقول:

(( رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله ـ فالنبي عليه الصلاة والسلام كلامه سنة، تشريع، فعله تشريع، وإقراره تشريع، لو بقي ساكتاً لكان كلام أم العلاء صحيحاً ـ رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمَهُ ؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله ؟ فقال: أمّا هو فقد جاءه اليقين ))

[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

( سورة الحجر )

  الموت.

 

(( والله إِني لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعَلُ بي ؟ قالت: فوالله لا أُزَكِّي أحداً بعده أبداً يا رسول الله ))

 

[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]

  أي أخطأت، إذا سُئلت عن إنسان، أظنه صالحاً فيما أعلم، ولا أزكي على الله أحداً، وفي رواية قالت:

 

(( فأحْزَنني ذلك، فَنِمْتُ، فرأيتُ لعثمان عينا تجري، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: ذلك عمله ))

 

[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]

تقييم الأشخاص من شأن الله وحده:

  الذي يحكم على الآخرين حكماً قطعياً على مستقبلهم في الجنة أو في النار وقع في معصية كبيرة، سماها العلماء التألي على الله، اعلم علم اليقين أن تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، وليكن قدوتك سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة المائدة )

  هذا ليس من شأني، وطن نفسك ألا تقيّم أحداً، قل تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، هذا من حيث اللغة.

 

من معاني الشهيد:

1 ـ الله جلّ جلاله رقيب على خلقه أين ما كانوا:

  أما أن الله جلّ جلاله هو "الشهيد" فهو الرقيب على خلقه أين ما كانوا، حاضر، شهيد، أقرب إليّهم من حبل الوريد، يسمع ويرى وهو بالمنظر الأعلى، وعلى العرش استوى فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، يعني استوى على العرش، الاستواء معلوم والكيف مجهول.
 وهو سبحانه فوق عرشه على الحقيقة، وبالكيفية التي تليق به، وشاهدته على خلقه شهادة إحاطة شاملة كاملة:

﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

  لذلك قال بعضهم: الحمد لله على وجود الله، شهادته على خلقه شهادة إحاطة كاملة، تشمل العلم، والرؤية، والتدبير، والقدرة، إن تحركت فهو يعلم، فهو يراك، وإن تكلمت فهو يسمعك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه، إن تحركت فهو يراك، وإن نطقت فهو يسمعك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه.

 

2 ـ الله عز وجل شهد لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط:

  هناك معنى آخر للشهيد، "الشهيد" جلّ جلاله هو الذي شهد لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط، كما قال الله عز وجل:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة آل عمران )

 هذا المعنى دقيق جداً، الإنسان حينما يعتمد على جهة غير الله عز وجل.

 

(( ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أبواب السماء والأرض دونه فإن دعاني لم أجبه، وإن سألني لم أعطه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السموات رزقه، فإن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وإن استغفرني غفرت له ))

 

[ كنز العمال عن علي]

  لذلك الله يشهد لنفسه أنه الواحد الأحد، فإذا اعتمدت على سواه أمره أن يتخلى عنك تأديباً لك، يقول الله عز وجل:

 

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾

 

( سورة الأنعام الآية: 19 )

 

تأديب الله عز وجل من اعتمد على سواه:

 الآن أي مؤمن يعتمد على ما سوى الله، الله عز وجل يؤدبه، حتى صحابة رسول الله، وهم صفوة البشر، وفيهم سيد البشر، حينما اعتمدوا في حنين على عددهم وقالوا:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

  لم ينتصروا وقال الله عز وجل :

 

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

 

(سورة التوبة )

الله عز وجل يشهد لكل مخلوق أن هذا القرآن كلامه من خلال:

1 ـ إذاقته للحياة الطيبة إذا استقام على أمره:

 أيها الأخوة، قضية أن الله يشهد أنه واحد أحد فرد صمد دقيقة، يعني مثلاً إذا آمن الإنسان كما ينبغي، وعمل صالحاً بصدق وإخلاص، أذاقه الله طعم الحياة الطيبة من طمأنينة، واستقرار، وتيسير، وتوفيق، وسعادة، عندئذٍ يشعر من خلال الحياة الطيبة التي يحياها والتي ذاقها مصداق لوعد الله أن الله جلّ جلاله شهد له بأن هذا القرآن كلامه، وأن هذه الحياة الطيبة من فعله، قدرها له تحقيقاً لوعده.
  وحينما أنظر إلى الشهادة، يطابق فعل الله مع ما في القرآن، يقوم الدليل القطعي على أن القرآن كلام الله، كيف يشهد الله جلّ جلاله للمؤمن أن هذا القرآن كلامه ؟ يؤمن كما ينبغي، يستقيم كما ينبغي، يفعل الأعمال الصالحة كما ينبغي، يذيقه الله الحياة الطيبة والحياة الطيبة من فعل الله.
 إذاً إذاقته للحياة الطيبة شهادة من الله لهذا المؤمن أن التطابق بين ما في القرآن وما في حياته الطيبة دليل أن القرآن كلام الله.

2 ـ تحقق الوعد و الوعيد:

 مثل آخر:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

( سورة طه الآية: 124 )

  الآن

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾

 عن ذكر الله، والقرآن هو ذكر الله، هجره، وجعله وراءه ظهريا، استحل محارمه، ولم يعبأ لا بأمره ولا بنهيه، ولا بوعده ولا بوعيده، أذاقه الله مذاق المعيشة الضنك، من خوف، وقلق، وضيق، وشدة، وتعسير، وإحباط، وشقاء، وضياع، عندئذٍ يشعر من خلال هذه المعيشة الضنك التي ذاقها مصداقاً لوعيد الله أن الله شهد له بأن هذا القرآن كلامه، الله عز وجل يشهد لكل مخلوق، في كل وقت، وفي كل مكان، أن هذا القرآن كلامه، من خلال تحقق الوعد والوعيد، حينما تستقيم على أمر الله تذوق الحياة الطيبة.
  إذاً كلام الله حق، وحينما يعرض الإنسان عن كلام الله يذوق الضنك، إذاًً كلام الله حق، الله عز وجل يشهد في كل وقت، وفي كل مكان، أن هذا القرآن كلامه، بل إن إعجاز القرآن العلمي شهادة من الله لخلقه، أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن، وللموضوع تتمة إن شاء الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018