الدرس : 40 - سورة البقرة - تفسير الآيتان 105 - 106، لا نسخ في العقائد بل في الأحكام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 40 - سورة البقرة - تفسير الآيتان 105 - 106، لا نسخ في العقائد بل في الأحكام


1999-05-21

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الأربعين من دروس سورة البقرة .

الشارد عن الله عزَّ وجل لا يتمنَّى الخير للمؤمن بينما المؤمن يتمنَّى الخير لغيره:

 مع الآية الخامسة بعد المئة، وهي قوله تعالى:

﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ﴾

 أيها الأخوة الكرام، يتضح في هذه الآية أن الشارد عن الله عزَّ وجل لا يتمنَّى الخير للمؤمن، بينما المؤمن يتمنَّى الخير لغيره، وذلك لأن المؤمن منضبطٌ بمنهج الله، وقد سَمَت نفسه باتصالها بالله فصار يحب الخير لكل الخلق، المؤمن يتمنَّى الخير لكل الخلق حقيقةً .
 في قصة سيدنا عمر مع عمير بن وهب شاهد على ذلك: " كان عمير من ألدِّ أعداء النبي أراد قتل النبي، فلمَّا وصل إلى المدينة وقد توشَّح سيفه، أخذه عمر وقيَّده بحمَّالة سيفه وساقه إلى النبي، فقال: " يا رسول الله هذا عمير جاء يريد شرَّاً " ـ والقصَّة معروفة عندكم ـ قال: " دعه يا عمر ـ أطلقه ـ اقترب مني يا عمير، ما الذي جاء بك إلينا يا عمير ؟ " ، قال له: " جئت لأفدي ابني " ، فقال له: " وما هذه السيف التي على عاتقك ؟ " قال: " قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر ؟ "، قال له: " ألم تقل لصفوان: لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً، وأرحتكم منه ؟ " فوقف عمير وقال: " أشهد أنَّك رسول الله، لأن هذا الذي قلتُه لصفوان لا يعلمه أحدٌ إلا الله وأنت رسوله " . وآمن .
 تعليقي على القصة أن سيدنا عمر قال: " دخل عميرٌ على النبي الكريم والخنزير أحبَّ إليَّ منه، وخرج من عنده وهو أحبُّ إليَّ من بعض أولادي "، المؤمن يتمنى الخير لكل الخلق، وإذا كره الكافر يكره عمله، لا يكره ذاته بل يكره عمله، بينما الكافر ـ كما ترون وكما تسمعون ـ لا يتمنَّى الخير للمؤمن .

 

لك أن تفعل الخير مع كل الناس ولكنك لا تود إلا من تحب لأن الود متعلق بالحب:

 قال تعالى:

﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ (105) ﴾

﴿من﴾

 في اللغة تفيد استغراق أفراد النوع، جُزئيات النوع، أي لو قلت لي: ألك رغبةٌ أن تشاركني في تجارةٍ عريضة ؟ أقول لك: لا مال عندي، ما عندي هذا المال، تطلب مني ملايين لا مال عندي، أما إذا قلت لك: ما عندي من مالٍ أي ولا ليرةٍ واحدة،

﴿من﴾

 تفيد استغراق أفراد النوع:

﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾

 الحقيقة لك أن تصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، وقد ورد في الأثر:

(( اصنع المعروف إلى من هو أهله، وإلى غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله ))

[ رواه ابن النجار عن علي ] .

 لك أن تفعل الخير مع كل الناس، ولكنك لا تود إلا من تحب، الود متعلِّق بمن تحب، فـالمؤمن يتمنَّى الخير لكل الخلق، بينما غير المؤمن لا يتمنى ولا يحب الخير للمؤمن مهما قَلَّ .

المؤمن يتمنى الخير لغير المؤمن وبغضه له بغضٌ لعمله لا لذاته:

 قال تعالى:

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (22)﴾

( سورة المجادلة )

 كلامي دقيق، قلت: المؤمن يتمنى الخير لكل الخلق، ولكن المؤمن ما يكون له أن يتودَّد لغير المؤمن . التودُّد أساسه الحب، فإذا كان الله لا يحب الكافرين، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب الظالمين فكيف تحبُّ من لا يحبُّه الله ؟ يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (22)﴾

 

( سورة المجادلة )

 النقطة الثانية :

 

﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ (105) ﴾

 لا يتمنَّون الخير لكم، ولا يحبونكم . بل إنهم لا يحبونكم في الأصل، مع أن المؤمن يتمنى الخير لغير المؤمن، وبغضه له بغضٌ لعمله لا لذاته، وبمجرَّد أن يعود الشارد عن الله إلى الله يحبه المؤمن، لمجرَّد أن يؤمن غير المؤمن يصبح له ما للمؤمنين وعليه ما على المؤمنين .

 

الخير لا يخضع لرغبة الخلق بل هو بيد الله يعطيه لمن يشاء باستحقاقٍ وبطلب:

 هناك لفتةٌ في الآية دقيقةٌ :

 

﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ (105) ﴾

 الخير من الله، لا من الغرب ولا من الشرق، وحينما توقَّعنا الخير من الشرق خاب ظنُّنا، وإذا توقَّعنا الخير من الغرب سيخيب ظنُّنا، الخير من الله وحده، هذه حقيقة .
 أيها الأخوة، الخير الذي من عند الله وحده لا يخضع لرغبة أحد، فأنت إذا تمنيت الخير لفلان أو لم تتمن له الخير لا تمنِّيك يعطيه الخير ولا عدم تمنيك يمنع عنه الخير.

 

 

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

 

( سورة فاطر)

 أي إذا أراد الله أن يكرمك وأراد أهل الأرض مجتمعين عكس ذلك ما استطاعوا، وإذا أراد الله بقومٍ سوءً فلا مردَّ له لو أن معك أهل الأرض جميعاً ما انتفعت بهم، الله وحده هو الذي يعطي وهو الذي يمنع، هو الذي يرفع وهو الذي يخفض، وهذا هو التوحيد، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، الخير لا يخضع لرغبة الخلق، الخير بيد الله يعطيه لمن يشاء باستحقاقٍ وبطلب .

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ﴾

( سورة الزخرف)

 وقال:

 

﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾

 

آيات من الذكر الحكيم دالة على أن الخير بيد الله يختص به من يشاء:

 كلامٌ دقيقٌ أيها الأخوة، رحمة الله من الله وحده، والخير وهو رحمة الله يختص به من يشاء . قال تعالى في آياتٍ كثيرة :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(6) ﴾

( سورة المنافقون)

 وقال:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾

( سورة المائدة)

 وقال:

 

﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾

 الشيء الثاني: رحمة الله لمن طلبها:

 

 

﴿ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ (218)﴾

( سورة البقرة)

رحمة الله لمن طلبها وقدّم موجباتها وهي محجوبة عن الكافرين والظالمين والفاسقين:

 رحمة الله لمن قدَّم موجباتها، رحمة الله محجوبةٌ عن الكافرين، ومحجوبةٌ عن الظالمين، ومحجوبةٌ عن الفاسقين، ورحمة الله لمن طلبها:

 

﴿ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ (218)﴾

( سورة البقرة)

 رحمة الله للمحسنين:

 

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) ﴾

( سورة الأعراف )

 رحمة الله للطائعين، رحمة الله للمُصَّلين، رحمة الله للعابدين، رحمة الله للمُخلصين، رحمة الله للتائبين، فربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾

 هذه آيةٌ محكمة جاءت تفصيلاتها في آياتٍ كثيرة، إنه لا يهدي القوم الفاسقين ولا الكافرين ولا الظالمين، بل يُعطي رحمته لمن يطلبها، ويعطيها لمن دفع موجباتها، كان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الأدب وهو يقول:

 

((اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ ))

[من الأذكار النوويَّة عن أم سلمة]

 وقال:

 

﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ﴾

تقنين الله تقنين تأديبٍ وتربيةٍ لا تقنين عجزٍ وبخل:

 يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْر))

[ مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه ]

 أي لو أن البشر جميعاً من لدن آدم إلى يوم القيامة، كل هؤلاء البشر وقفوا على صعيدٍ واحد، وسألني كل واحدٍ منكم مسألته ؛ واحد يريد خمسة أطنان من الذهب، خذ، ألف قصر خذ، مليون سيارة خذ .

(( مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))

[ مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه ]

 إذا كان يبدو لكم أن في الأرض تقنيناً ؛ الأمطار قليلة، المكاسب قليلة، المطالب كثيرة، هناك فقر، نقص مياه، ونقص مواد غذائيَّة، لا يمكن أن يكون تقنين من الله عزَّ وجل إلا تقنين تأديب، أما أن يكون تقنين الله عزَّ وجل تقنين عجزٍ، أو تقنين بُخْلٍ هذا لا يليق بحضرة الله عزَّ وجل:

 

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾

( سورة الشورى الآية: 27 )

 هذه حقيقة في التوحيد، قرأت في مجلَّةٍ علميَّة أنه تمَّ اكتشاف سحابةٍ عن طريق مراصد تعمل بالأشعَّة تحت الحمراء، هذه السحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض كلَّها ستين مرَّةً في الأربع والعشرين ساعة، أي أن كل أربعة وعشرين ساعة هذه السحابة فيها مخزون من الماء ما يملأ محيطات الأرض مجتمعةً ستين مرَّة في اليوم:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) ﴾

( سورة الحجر )

 اعتقد هذا، تقنين الله تقنين تأديبٍ وتربيةٍ لا تقنين عجزٍ وبخلٍ، إذاً:

 

﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ﴾

(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْر))

[ مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه ]

 لهذا الحديث روايات عدَّة: ذلك لأن عطائي كلام ـ كن فيكون ـ وأخذي كلام، أخطر ما في الحديث:

(( فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزّ َوَجَلّ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ))

[ رواه مسلم عن أبي ذر ]

الله عزَّ وجل أجلّ وأعظم من أن يكلك إلى مخلوقٍ مثلك فالأمر كله بيده وحده سبحانه:

 أيها الأخوة الكرام الآية أصبحت :

 

﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ (105) ﴾

 المؤمن يتمنى الخير لكل الخلق، وإيمانه يقيِّده عن أن يفتك بأحد:

 

(( إِنَّ الْإِيمَانَ قَيْدُ الْفَتْكِ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ ))

[مسند أحمد عن ابن الزبير]

 لا يحب غير المؤمن الخير مهما كان قليلاً للمؤمنين، وهم يفتكون بهم ـ كما ترون ـ هذه حقيقة، لكن رحمة الله لا يمكن أن تكون بمشيئة أحد من خلقه، أي أن الله عزَّ وجل أجل وأعظم من أن يكلك إلى مخلوقٍ مثلك، ولو أنه وكلك إلى مخلوقٍ مثلك كيف يأمرك أن تعبده ؟ قال تعالى:

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾

( سورة هود الآية: 123 )

 ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كلَّه بيده .

 

من الشرك أن تعقد الآمال على غير الله أو أن تتوجه إلى غيره :

 قال تعالى:

﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾

 رحمته تابعةٌ لمشيئته، والخير من الله وحده، لا يوجد خير في الأرض إلا من الله، وكل مسلم يعقد الآمال على غير الله سيخيب ظنُّه، وكل مسلم يتوجَّه إلى غير الله لينال منه الخير سيخيب ظنه، وهذا نوعٌ من الشرك:

 

﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾

 هذه المشيئة مفصَّلة في آيات أخرى، رحمة الله عزَّ وجل محجوبةٌ عن الفاسقين، محجوبةٌ عن الكافرين، محجوبةٌ عن الظالمين، محجوبةٌ عن المتكبِّرين، محجوبةٌ عن المشركين، لمن هي مبذولة ؟ لمن يطلبها، لمن يقدِّم موجباتها، لمن يكون صادقاً، لمن يكون مخلصاً، لمن يكون تائباً، لمن يكون متطهِّراً .

 

﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ﴾

 

النسخ في اللغة أن تنقُل النص لنسخةٍ ثانية وهذا المعنى ليس مطلوباً في هذه الآية :

 أيها الأخوة، الآية التي بعدها :

﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)﴾

 النسخ في اللغة أن تنقُل النص لنسخةٍ ثانية، استنسخت هذا الكتاب أي كتبت نسخةً ثانيةً عنه، هذا المعنى الأول، هذا المعنى هنا غير وارد:

 

﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(29) ﴾

( سورة الجاثية)

 نستنسخ أي كل أعمالكم مسطَّرة عندنا:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾

( سورة إبراهيم )

 الاستنساخ بمعنى أن كل أعمال الإنسان محفوظةٌ عند الله عزَّ وجل، سوف تُعرض عليه يوم القيامة عرضاً تفصيلياً:

 

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً(14) ﴾

( سورة الإسراء)

 سمعت أن أحدث وسائل التحقيق مع المتهم توفيراً للوقت وإقامةً للحُجَّة أن تعرض عليه فيلماً يصوِّر انحرافه وجريمته، يسكت، هل كنت في هذا الطريق مخالفاً لنظام السير ؟ لا لم أكن، خذ هذه الصورة، الصورة مسكتة، هذه صورة مركبتك، وهذا رقمها، وهذا التاريخ، فربنا عزَّ وجل يعرض على الإنسان كتاب أعماله .

 

آيات من القرآن عن كل صغيرة وكبيرة تعرض على الإنسان في كتاب أعماله يوم القيامة:

 قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً(14) ﴾

( سورة الإسراء)

 وقال:

 

﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ (49) ﴾

( سورة الكهف)

 كتاب الأعمال:

 

﴿ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً (49) ﴾

( سورة الكهف)

 يوجد في بعض البلاد المتقدِّمة صفحة بالكمبيوتر لكل مواطن، تسجَّل عليه مخالفة السير، ويسجل عليه تخلفه عن دفع دين، شيء محيِّر، فكل حركاته، وسكناته، وأعماله، ومخالفاته مسجَّلة عليه، إذا أراد أن يسافر لا يسافر حتى يسدد، إن أراد أن يبحث عن وظيفة عليه أن يسدِّد، صار عند الإنسان بحكم التقدُّم التكنولوجي ـ إن صحَّ التعبير ـ تسجيل لكل شيء . فكيف بالواحد الديَّان ؟!!

 

لا تكن وعاءً للعلم بل كن واعياً له فهناك فرق كبير بينهما:

 قال تعالى:

 

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً(14) ﴾

( سورة الإسراء)

 وقال:

 

﴿ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً (49) ﴾

( سورة الكهف)

 الاستنساخ أي أخذ صورة عن كتاب، كتابة نسخة ثانية . هذا المعنى ليس مطلوباً في هذه الآية .
 قيل للإمام الغزالي رحمه الله تعالى: إن فلاناً حفظ كتاب الأم ـ كتاب دقيق جداً بالفقه ـ تبسَّم الإمام الغزالي وقال: " زادت نسخة " ، كونوا للعلم وعاةً، لا تكن وعاءً للعلم بل كن واعياً له، فرقٌ كبير بين أن تكون واعياً وبين أن تكون وعاءً، إذا كنت وعاءً زادت نسخة، والنسخة الأصلية أدق منك بكثير، إذا حفظت الكتاب بصماً فالكتاب الأصلي أدق منك ولكن المطلوب أن تكون واعياً أحكامه، وعلى كلٍ هذه المعاني ليست مطلوبةً في هذه الآية .
 النسخ بالمعنى الثاني إلغاء الحكم، ضوء الشمس ينسخ الظلام، ألغى الظلام، الظلام ينسخ ضوء الشمس، الإلغاء، آيةٌ منسوخة أي توقَّف حُكمها .
 بادئ ذي بدء اعترض اليهود على المسلمين كيف أن القبلة تحوَّلت من مكَّة إلى بيت المقدس، ثم رجعت إلى مكَّة، ما هذا التبديل ؟!!

 

الاختلاف بين الناس على أنواعٍ ثلاثة :

 بالمناسبة هناك موضوع دقيق جداً هو أن الاختلاف بين الناس على أنواعٍ ثلاثة:

1ـ اختلافٌ طبيعي وهو لا محمود ولا مبغوض:

 اختلافٌ طبيعي سببه نقص المعلومات:

 

﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا (19)﴾

( سورة يونس)

 وقال:

 

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ (213) ﴾

( سورة البقرة)

 هذا الخلاف طبيعي لا يُمدح ولا يُذَم، خلاف نقص المعلومات حلُّه المعلومات، فنحن بيوم وقفة سمعنا صوت مدفع، نتساءل: هل هو صوت مدفع أم هو تدمير بالجبل ؟ طريق فيه صخرة ففجَّروها أم مدفع العيد ؟ وقعنا في اختلاف، اختلفنا، سمعنا في الأخبار أن غداً العيد، هذا الخبر الصادق حسم الخلاف:

 

﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا (19)﴾

( سورة يونس)

 وقال:

 

﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ (213) ﴾

( سورة البقرة)

 بهذه البعثة ـ ببعثة النبيين ـ حُسِمَ الخلاف .

 

2ـ اختلاف الحسد والبغي وهو اختلاف مبغوض:

 الآن بعد أن جاء النبيون وأُنزلت عليهم الكتب اختلف الناس، هذا اختلاف قذر، اختلاف الحسد والبغي:

 

 

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ (19)﴾

( سورة آل عمران)

 دقِّق . قد نختلف لنقص المعلومات ونحن صادقون، ونحن مخلصون، ونحن أحباب، لكننا اختلفنا في هذا الموضوع لنقصٍ في معلوماتنا، ولكن قد نختلف ونحن آثمون، ونحن بعيدون عن الله عزَّ وجل، قد نختلف بسبب الحسـد، والبغي، وجلب المكاسب، وتحطيم الخصوم، هذا اختلافٌ قذر لا يحبه الله عزَّ وجل:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (159) ﴾

( سورة الأنعام )

 هذا دليل عدم الإخلاص، حينما تختلف مع أخيك والكتاب واحد، والسُنَّة واحدة، والمنهج واحد، والإله واحد فهذا اختلاف بغيٍ وعدوانٍ وحسد، وهذا خلافٌ يبغضه الله عزَّ وجل، قال تعالى :

 

﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ (213) ﴾

( سورة البقرة )

3ـ اختلاف التنافُس وهو خلاف محمود:

 الخلاف الثالث خلاف محمود، خلاف التنافُس، هذا يعتقد أن أفضل شيء تعليم العلم، هذا يعتقد أن أفضل شيء تأليف الكتب، هذا يعتقد أن أفضل شيء الدعوة إلى الله، هذا يعتقد أن أفضل شيء بناء المساجد، هذا اختلاف محمود، قال تعالى:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26) ﴾

( سورة المطففين )

 وقال:

 

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61) ﴾

( سورة الصافات )

 هذا اختصَّ في التفسير، وهذا في الفقه، وهذا في الحديث، وهذا في العقائد، وهذا في خدمة الخلق، وهذا في إطعام الجائعين، وهذا في تأسيس الجمعيات الخيريَّة، هذا كلَّه مقبول، اختلاف التنافس محمود، اختلاف الحسد مبغوض، الاختلاف الطبيعي اختلاف لا محمود ولا مبغوض .

 

النسخ بالمعنى الثاني إلغاء الحكم وهو المقصود في الآية التالية:

 يبدو أن أهل الكتاب اختلفوا مع المسلمين، السبب أنهم رأوا أن الذي جاء للمسلمين من خيرٍ عن طريق رسول الله عليه الصلاة والسلام ليس عندهم مثله، هم تمسَّكوا بما عندهم وحسدوا المؤمنين فاختلفوا معهم، بدؤوا يترصَّدون لهم، ويطعنون بدينهم، ويشكِّكون في مصداقية نبيِّهم عليه الصلاة والسلام، قال ربنا عزَّ وجل:

 

﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا (106)﴾

 هناك موضوع دقيق، قال بعضهم: لا نسخ في القرآن، انطلاقاً من أنه ينفي البداءة عن الله عزَّ وجل، ما البداء ؟ طبيب وصف دواء لمريض، بعد أن وصف له الدواء واشترى المريض هذا الدواء، وبدأ يأخذ منه بعض الحَبَّات بدا للطبيب أن هذا الدواء لا يصلح له، ولا بد من دواءٍ آخر، فأمره أن يلغي الدواء الأول وأن يأخذ الدواء الثاني . إذا كان النسخ بهذا المعنى فلا وجود له في القرآن، لأنه لا يمكن أن يبدو لله شيءٌ لم يكن بادياً له من قبل، هذه صفات البشر وليست صفات خالق البشر .
 أما أن يأمر الطبيب المريض أن يأخذ حبَّات أسبرين لتمييع الدم، بعد هذا قرَّر الطبيب إجراء عملية قلب مفتوح لهذا المريض فأعطاه أمراً بإلغاء تناول الأسبرين . حدَّثني طبيب قلب جرَّاح فقال لي: حدث خطأ من مريض أنه أخذ الأسبرين ولم يبلِّغ . نجحت العمليَّة نجاحاً باهراً، ولكن أثناء الخياطة ـ خياطة القلب ـ كان الدم يخرج من الجُرح بشكلٍ غير معقول أثناء النبض، مما أدى لموت المريض، لأن الدم مائع . فالطبيب الذي يأمرك بأن تأخذ حبَّات الأسبرين من أجل تمييع الدم، ثم يقرِّر أن يجري عملية قلبٍ مفتوح، يعطي أمراً معاكساً، يجب أن توقف الأسبرين . في مرحلةٍ من المرض لا بد من تمييع الدم، فلمَّا أردنا إجراء عمليَّة لا بد من إلغاء التمييع وإلا يموت المريض، فهذا الطبيب أمر ثم نسخ الأمر أي ألغاه، وقد يعود إليه مرَّة ثانية بعد العمليَّة . هذا المعنى هو نفسه المقصود في القرآن .

 

 

الحكمة من نسخ التوجُّه إلى بيت الله الحرام وأن يحل محله التوجُّه إلى بيت المقدس:

 يقول الله عزَّ وجل :

﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا (106)﴾

 هناك ثلاث حالات، آيةٌ يلغى حكمها، وآية يأتي مكانها حكم آخر من مثلها، وآيةٌ يلغى حكمها ويأتي حكمٌ آخر خيرٌ من الأول، ما تفصيل ذلك ؟
 لماذا أمر الله عزَّ وجل المسلمين بالتوجُّه لبيت المقدس ونُسِخَ التوجُّه إلى الكعبة، طبعاً إذا توجَّه المصلي إلى بيت المقدس ليس هناك جُهد إضافي، وبالمقابل لا يخفَّف عنه بجهدٍ آخر، العمليَّة هكذا أو هكذا، نحو مكَّة أو نحو بيت المقدس، ولكن الله أراد من هذا النسخ ـ نسخ التوجُّه إلى بيت الله الحرام، وأن يحل محله التوجُّه إلى بيت المقدس ـ هذا الأمر من أجل أن يعلم الخلق جميعاً أن الدين الإسلامي هو دين أهل الأرض، وهو خاتم الأديان، لذلك الأديان السماويَّة مركزها في بيت المقدس . والمسلمون توجَّهوا لبيت المقدس ؛ أولاً هذا الدين يستوعب كل الأديان، وثانياً بعدئذٍ ينبغي أن تتبعه الأديان كلها+ .
 هذا النسخ لعلَّةٍ إيمانيَّةٍ محضة، ليس هناك مكان مقدَّس ولكن هناك أمرٌ إلهيٌ مقدَّس، القدسيَّة لا في المكان ولكن في الأمر الإلهي، وأراد الله أن يمتحن المؤمنين، هناك من يتعلَّق بالمكان وهناك من يتعلَّق بخالق المكان، فهذا امتحان، أنت مع المكان أم مع خالق الأكوان ؟ فالمؤمنون الصادقون أُمروا بالتوجُّه إلى بيت المقدس فتوجَّهوا له، ثم أُمروا أن يعودوا إلى الكعبة المشرَّفة فعادوا إليها، انتهى الأمر، أنا مع خالق الأكوان ولست مع المكان لعلَّةٍ إيمانية ولحقيقة قرآنية وهي أن القدسية في الأمر وليست في المكان، وهم لم يتكلَّفوا شيئاً إضافياً، ولا وضع عنهم تكليفٌ معيَّن .

المعنى الأول لكلمة (خير منها):

 قال تعالى:

﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (106)﴾

 نغفل نسخها:

 

﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا (106)﴾.

 كيف تكون خيراً منها ؟ فالصحابة في أول إقبالهم على هذا الدين الجديد:

 

﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ (65) ﴾

( سورة الأنفال)

 أي واحد لعشرة، إذا كان الصحابي تولَّى من ساحة المعركة والعدد كان تسعة يحاسب بأكبر معصية وهي التولي في الزحف . ثم قال الله عزَّ وجل :

﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مئة صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ (66)﴾

( سورة الأنفال)

 كان الواحد لعشرة صار واحد لاثنين، فعندما دخل الناس في دين الله أفواجاً، هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام ليسوا في مستوى الصحابة الأوَل، فالصحابة الأوَل كان قياسهم واحد لعشرة، أما الداخلين في الدين بعد حين واحد لاثنين، فالخير المُطلق للصحابة واحد لعشرة، والخير المطلق لمن جاء بعدهم واحد لاثنين، صار هناك نسخ، الأول خير والثاني خير، الأول خير لهؤلاء النخبة المتفوِّقين السابقين، والحكم الثاني خير للاحقين .

 

المعنى الثاني لكلمة (خير منها) :

 هناك معنى ثانٍ: قال الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 102 )

 وفي آية أخرى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (16) ﴾

( سورة التغابن )

 حقَّ تقاته أي أن تبذل كل ما في وسعك، " يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ " قال: " الله ورسوله " ، بعد هذا:

 

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (16) ﴾

( سورة التغابن )

 البذل والعطاء بقدر ما تستطيع، ما كلَّفك الله عزَّ وجل ما لا تطيق، فالحالة الأولى للأوائل خير

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

 أي ابذل كل شيءٍ في سبيل الله . الحالة الثانية بقدر ما تستطيع .
 هناك نقطة دقيقة: مسيلمة الكذَّاب الذي ادَّعى النبوَّة كانت دعوته في وقتٍ مبكِّر، قبض على صحابيين وقال للأول: " أتشهد أني رسول الله ؟ " قال: " ما أسمع شيئاً ". فقتله . وقال للثاني: " أتشهد أني رسول الله ؟ " قال: " أشهد أنك رسول الله " .
 ماذا كان تعليق النبي عليه الصلاة والسلام ؟ تعليقٌ رائع، قال:
أما الأول فقد أعزَّ دين الله فأعزَّه الله، وأما الثاني فقد قبل رخصة الله " .
 الأول أعزَّ دين الله والثاني مقبول، الثاني قَبِلَ هذه الرخصة ـ لكن واحد قبض بالدولار والثاني بالتركي ـ الاثنان لهم أجر، أما الأول فقد أعزَّ دين الله فأعزَّه الله، وأما الثاني فقد قبل رخصة الله عزَّ وجل .

علَّة أي أمرٍ أنه أمر من الله عزَّ وجل:

 أيها الأخوة، الشيء الدقيق علَّة الأمر أنه أمرٌ صادرٌ عن الله، علَّة أي أمرٍ أنه أمر . سمعت أن أحد علماء هذه البلدة الطيِّبة كان في أمريكا، وجرى نقاشٌ وحوارٌ بينه وبين عالمٍ قد أسلم حديثاً، وطُرِح موضوع لحم الخنزير، فهذا العالِم أجاد وأطال وأحسن في شرح حكمة تحريم لحم الخنزير، وبعد أن انتهى قال له ـ لهذا العالِم الذي أسلم حديثاً كلمة رائعة ـ قال له: " يا أستاذ كان يكفيك أن تقول لي إن الله حرَّمه " . يكفي هذا، إذا كان خالق السماوات والأرض قد حرَّم شيئاً كل الشر فيه، من دون تفاصيل .
 امرأة تعمل في الجامعة في مصر ـ اختصاصها أعتقد علم نفس ـ سألوها: ما قولك في تعدُّد الزوجات ؟ فقالت: " كيف أُدلي برأيٍ وقد سمح الله به ؟ " هذا هو المؤمن .

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 36 )

 علَّة أي أمرٍ أنه أمر من الله عزَّ وجل .
 السجود لآدم، التعظيم، لأن الله أمر أن يسجد الملائكة له، التعظيم لورود الأمر بالسجود، وأنت حينما تعظِّم الحجر الأسود لأن الله أمرنا أن نعظِّمه عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، فدائماً التقديس لأمر الله في السجود لا لآدم بالذات، لا يوجد مكان مقدَّس، ولا زمان مقدس، ولا شخص مقدَّس لكن أمر الله هو المقدَّس، وأنت تنصاع لأمر الله فقط .
 هناك حكمة ثانية: أن البيوت ـ بيوت الله عزَّ وجل في بقاع الأرض ـ قد أُنشئت باختيار الخلق، مثلاً، الذين بنوا هذا المسجد ـ جزاهم الله خيراً ـ اختاروا هذا المكان، والذين بنوا المسجد الأول اختاروا هذا المكان، فكل المساجد في الأرض باختيار الخلق، لكن البيت الحرام باختيار الرب .

 

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

 الله عزَّ وجل أمر كل هؤلاء المساجد التي أنشئت باختيار الخلق أن تتجه إلى المسجد الذي اختاره الله عزَّ وجل، هذا للتعبير عن وحدة المسلمين، وعن وحدة المَصدر، المصدر هو الله عزَّ وجل .

 

الآيات المنسوخة تعليمٌ لنا أنك إذا دعوت إلى الله فخُذ الأمر بالتدريج لا تأخذه بالشدَّة والعُنف :

 قال تعالى:

 

﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)﴾

إذا نُسخَت آية أُلغي حكمها كلياً فلحكمةٍ بالغة، ونُسخت وحلَّ محلَّها آيةٌ مساويةٌ لها فلحكمةٍ بالغة، أو نُسخت وحلَّ محلها آيةٌ فيها خيرٌ أكثر، فيها خيرٌ أكثر للذين جاءوا من بعدهم .
 الآن أنت قد تعطي سؤالاً يُعَد مثالاً لشعبة عاديَّة، يمكن أن تلغي السؤال الأول وتعطي سؤالاً آخر أصعب بكثير لشعبة متفوِّقة، السؤال الأول للشعبة المتفوِّقة يُحتقر، الطالب سيحتقر كل الامتحان، إذا قلت لك: ما مجموع اثنين وثلاثة ؟ خمسة، صفِّقوا له، ما هذه صفقوا له ؟ إذا كانت شعبة رياضيات متفوِّقة اثنين وثلاثة خمسة صفقوا له !! لا بد من سؤال دقيق فيه تحدي، أحيان تقتضي المرحلة هذا الحكم، والمرحلة الثانية تقتضي حكماً آخر، هذا تعليم لنا .
 كيف حرم الله الخمرة التي هي كلُّها شر ؟ جُمِع الشر كله في بيت وأُرتج عليه فكان مفتاحه السُكر، يروى ـ قصَّة رمزيَّة ـ أن إنساناً خُيِّر بين أن يزني، وبين أن يقتل، وبين أن يشرب الخمر، توهَّم أن أهون شيء شرب الخمر فاختارها، فزنى، وقتل بعدها، هذه الخمرة التي هي أم الخبائث كيف حرَّمها الله ؟ بالتدريج، قال تعالى:

 

﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً (67)﴾

( سورة النحل)

 أي مادَّة مسكرة:

 

﴿ وَرِزْقاً حَسَناً (67)﴾

( سورة النحل)

 معنى هذا أن السَكَر رزق غير حسن، هذه أول إشارة، ثم يقول الله عزَّ وجل :

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (43) ﴾

( سورة النساء )

 كان مسموحاً للإنسان أن يشرب بين الصلوات، ثم قال الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90) ﴾

(سورة المائدة)

 هذا نسخ تدريجي، كذلك طبعاً لا يجوز أن يعود الحُكم الذي نُسِخ الآن، ولكن بقاء هذه الآيات المنسوخة تعليمٌ لنا أنك إذا دعوت إلى الله فخُذ الأمر بالتدريج لا تأخذه بالشدَّة والعُنف . دعا أحدهم عدداً من غير المسلمين إلى الإسلام فأسلموا، كلهم رجال، أمرهم أول شيء بالطهور، فرفضوا الدخول في هذا الدين !!! خذ الأمر بالتدريج .

القرآن نزل بالتدريج والتحريم بدأ بالتدريج وهذه حكمة الله عزَّ وجل :

 قال تعالى:

﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)﴾

 أي أن الله قادر أن يعطي الأحكام الشديدة دفعة واحدة، القرآن نزل بالتدريج، نزل منجَّماً، والتحريم بدأ بالتدريج، وهذه حكمة الله عزَّ وجل، أي خذ الأمر بالتدريج ، لذلك تحتاج الدعوة إلى الله ـ كما يقولون ـ إلى التدرُّج لا إلى الطَّفرة، إلى التربية لا إلى التَعْرِيَة، الإحسان قبل البيان، القدوة قبل الدعوة، الأصول قبل الفروع:

 

﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)﴾

 ألم تعلم يا محمَّد ؟ ألم تعلم أيها المؤمن ؟ الأمر كلَّه بيد الله، فأنت تتلقَّى هذا المنهج من رسول الله وهو قمة في الكمال، قمة في الآية التي لم تُنسخ، وقمة الكمال في الآية التي نُسِخَت ولم يأتِ مكانها بديل، وقمَّةٌ في الآية التي نُسخت وجاء البديل مساوياً لها، وقمةٌ في الآية التي نُسخت وجاء البديل أفضل منها نسبياً، كما ذكرت، أصحاب النبي المتفوِّقون، السابقون واحد مقابل عشرة، هذه الآية نُسخت، دخل الناس بعدئذٍ في دين الله أفواجاً، علم أن فيكم ضعفاً صار واحد مقابل اثنين .

 

الاستقامة حَديَّة أما العمل الصالح نِسبي:

 أصحاب النبي:

 

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 102 )

 دخل الناس في دين الله أفواجاً:

 

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (16) ﴾

( سورة التغابن )

 أي بالإنفاق، أما بالترك فالحد واحد:

 

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

( سورة هود الآية: 112 )

 الاستقامة حَديَّة، والعمل الصالح نِسبي، لو جاء مسلم في آخر الزمان يجب أن يستقيم على أمر الله كما استقام النبي العدنان، أما في البذل والعطاء الصحابة الكرام

﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

 نحن

﴿ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

 بالبذل والعطاء، بقدر طاقة الإنسان . أوضح مثل: مستودع إحكامه حَدِّي، أما إملاؤه نسبي، لا بد من أن يكون محكماً، لا يوجد بالإحكام حل وسط، محكم يعني محكم، أما إملاؤه بقدر ما معك، تملأ فيه مئة لتر، مئتي لتر، ألف لتر، فالعمل الصالح نسبي بقدر ما تستطيع، أما الاستقامة حديَّة .

 

فحوى دعوة الأنبياء جميعاً واحدة ولكن التشريعات متفاوتة:

 أهم شيء في هذا الدرس أنه لا نسخ في العقائد، مستحيل، النسخ في الأحكام فقط، العقائد لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، حتى الأديان في جوهرها واحد:

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

 تبيِّن هذه الآية أن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً واحدة، ولكن التشريعات متفاوتة، كل ديانةٍ تنسخ التي قبلها، لكن هل يعقل أن تكون التي قبلها غير جيِّدة ؟ لا هي لأهلها ولأصحابها قمَّةٌ في الكمال . فدائماً تعطي ابنك سؤالاً وهو في الصف الثالث الابتدائي غير الصف السادس، غير الصف السابع، غير الصف العاشر، غير دكتوراه بالرياضيات، كل مستوى له منهج، فالأديان السماويَّة متساوية في العقائد والتوحيد، والدليل:

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

 أما المناهج فمختلفة . سيدنا موسى نزل عليه تشريع، وجاء السيد المسيح، ثم جاء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، فالتشريع الإسلامي خاتم الشرائع السماويَّة، وإن الدين عند الله الإسلام .
 الشيء الثاني: لا نسخ في العقائد ولا نسخ في الأخبار عن الله عزَّ وجل، فإذا أخبرنا الله عزَّ وجل عن شيء مستحيل أن ينسخ هذا الخبر، فالنسخ ممنوع في العقائد والأخبار، مسموح توقيفاً عن الله عزَّ وجل في التشريعات .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018