الدرس : 37 - سورة البقرة - تفسير الآيات 97 - 101، الحق لا يتجزأ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 37 - سورة البقرة - تفسير الآيات 97 - 101، الحق لا يتجزأ


1999-04-30

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس السابع والثلاثين من سورة البقرة .

الحق لا يتجزَّأ والباطل لا يتجزَّأ :

 مع الآية السابعة والتسعين وهي قوله تعالى :

﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) ﴾

 أيها الأخوة الكرام، أراد الله في هذه الآية الكريمة أن يبيِّن لنا حقيقةً خطيرة في العقيدة وهي : أن العداوة لا تتجزَّأ، وأن الولاء لا يتجزَّأ .
 أنت مع من ؟ إن كنت مع الله فينبغي أن تكون مع رسوله، وإن كنت مع رسوله فينبغي أن تكون مع أصحابه الكرام الذين أثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، إن كنت مع أصحابه الكرام فأنت مع أهل الحق، هناك معركةٌ أزليَّةٌ أبديَّة بين الحق والباطل، فلا بد من أن تكون موالياً للحق متبرِّئاً من الباطل، أما أن تقول : أنا أحب النبي ولا أحب أصحابه، أو أنا أؤمن بالله وأكره جبريل، هذه التفرقة لا وجود لها، الحق لا يتجزَّأ والباطل لا يتجزَّأ .
 أنت مع من ؟ إن كنت مع الحق فأنت مع الكل، وإن كان هذا الإنسان الشارد مع الباطل، فهو مع أعداء الدين جميعاً، إما في خندق أهل الإيمان وإما في خندق أهل الكُفْران، إما مع الحق وإما مع الباطل، والدليل أن في الحياة اتجاهين، إن لم تكن على أحدهما فأنت على الآخر قطعاً، والدليل على ذلك قول الله عزَّ وجل :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

المعركة بين الحق و الباطل أزليَّة أبديَّة ولا بدّ من الولاء والبراء :

 قال تعالى :

 

﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ ﴾

( سورة يونس الآية : 32 )

 بعد الحق هناك ضلال، لأنه بين نقطتين لا يُرْسَم إلا مستقيمٌ واحد، فمهما وصلت بين النقطتين تأتي كل هذه المستقيمات فوق بعضها البعض، الحق لا يتجزَّأ أما الباطل فيتعدَّد، لأن الخطوط المُنحرفة والمنحنية والمنكسرة كثيرةٌ جداً، وقد أشار ربنا عزَّ وجل إلى هذه الحقيقة حين قال :

﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ (257) ﴾

( سورة البقرة )

 الظلمات جمع :

 

﴿ إِلَى النُّورِ (257) ﴾

( سورة البقرة )

 النور واحد :

 

﴿ وَأَنَّ هَذَا صرا طي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾

( سورة الأنعام الآية : 153 )

 الحق لا يتعدَّد، الباطل كثير جداً ؛ هناك باطل اعتقادي، وباطل سلوكي، هناك باطل انحرافه خمس درجات، عشر درجات، مئة درجة، وهناك إلحاد، الباطل يتعدَّد، وهناك معركةٌ أزليَّةٌ أبديَّةٌ بين الحق والباطل، ولا بد من الولاء والبراء، إن واليت الله يجب أن توالي رسول الله، أعداء الدين ينفذون إلى التفرقة، فهو يقول : أنا أريد القرآن ولا أريد السُنَّة . من قال لك ذلك ؟ إذا كان القرآن الكريم يقول :

﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

(سورة الحشر الآية : 7 )

 أنت إن رفضت سُنَّة النبي رفضت القرآن، القرآن، وسنة النبي العدنان، وسيرة صحابته الكرام، وسيرة السلف الصالح من المؤمنين والعلماء العاملين، هذا هو الحق ؛ والباطل هو كل انحرافٍ عن منهج الله ورفضٍ لأوامره وهو كفرٌ، فهذه التفرقة تفرقةٌ لا وجود لها، مفتعلة .

 

الناس رجلان ؛ رجلٌ عرف الله فسعد ورجلٌ غفل عن الله فشقي :

 ذكرت اليوم : أن الناس رجلان فقط، إنسانٌ عرف الله، فانضبط بمنهجه ـ سار على منهجه ـ وأحسن إلى خلقه، فاتصل به وسعد في الدنيا والآخرة ؛ ورجلٌ غفل عن الله، فتفلَّت من منهجه، وأساء إلى خلقه، فشقي في الدنيا والآخرة . ولن تجد رجلاً ثالثاً، يؤكِّد هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلَّم :

(( فَالنَّاسُ رَجُلانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ))

[الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه ]

 هذه حقيقة .

 

﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ (97) ﴾

 الذي يؤمن برسول الله يجب أن يؤمن بالسيِّد المسيح عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، الذي يؤمن بالإسلام يجب أن يؤمن أن الله عزَّ وجل أنزل كتبه على أنبيائه السابقين، وأن هذه الرسالات فحواها واحدة، ومضمونها واحد .

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

المؤمن الصادق ليس عنده انتقاء الانتقاء من ضلالات أهل الرأي :

 كل الأنبياء جاءوا بهذه الحقيقة :

﴿ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (32) ﴾

( سورة المؤمنون)

 الدين كلُّه معرفة أنه لا إله إلا الله وعبادة الله عزَّ وجل وفق ما أمر، هذا الدين، الأمور واضحة كلها عند المؤمن، الأمور كلها منسجمة متناسقة، فهذه التفرقة هي من صنع الشيطان :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (159)﴾

( سورة الأنعام)

 قال الله عزَّ وجل في مُحْكَمِ كتابه :

 

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾

( سورة الفتح الآية : 18 )

 خالق الكون في عليائه رضي عنهم ؛ الذين كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية، وقد وضعوا أيديهم بيد النبي عليه الصلاة والسلام، وبايعوه على بذل أرواحهم في سبيل الله رضي الله عنهم، وفيهم أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، فمن هذا الذي لا يرضى عنهم إذا كان خالق الأكوان في عليائه قد رضي عنهم ؟!
 فالمؤمن الصادق لا يفرِّق بين أحدٍ من رسله، ولا يفرِّق بين أحدٍ من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وليس عنده انتقاء، الانتقاء من ضلالات أهل الرأي، النَصُّ أولاً، وفهمك للنص الصحيح يبنى عليه عقيدة ثانياً، أما أن أبدأ بالرأي وأبحث له عن نصٍ يؤيِّده وأُدخل نصاً لا يؤيِّده هذا ليس هو الدين، هذه ضلالات أهل الرأي ؛ الرأي أولاً والنص ثانياً والنص في خدمة الرأي، فالنصُّ الذي يخدم هذا الرأي أقبله، وأعظِّمه، وأرفع مكانته، والنص قطعي الدلالة والثبوت، والذي لا يؤيِّد هذا الرأي أهمله أو أكذِّبه، صار هناك ألف دين، إذا بدأنا بالرأي يوجد ألف دين، أما إذا بدأنا بالنص فهناك دين واحد .

إن أردت جوهر الدين فعُد إلى أصوله كتاب الله وسُنَّة رسوله :

 الشيء الذي ينبغي أن يكون هو أن هذا الإسلام الذي جاء به القرآن والذي جاء به النبي العدنان يجب أن يستمر كما بدأ إلى يوم القيامة، كيف يستمر ؟ يستمر بأن نمنع أن نزيد عليه أو أن نحذف منه، فإذا سمعتم كلمة تجديد، فالتجديد يعني أن نزيل عن الدين ما علق به مما هو ليس منه، هذا هو التجديد، وأوضح مثل هو : حينما نأتي ببناءٍ حجريٍ قديم، تراكمت عليه الأتربة والغبار حتى أصبح أسود اللون، فإذا أزلنا هذه الطبقة المسودَّة من على الحجر الأبيض الناصع، أرجعناه إلى نصاعته وبياضه وجماله، فهذا هو التجديد في الدين، إذا أردنا أن نجدِّد البناء ليس معنى ذلك أن نضيف عليه غرفةً، ولا أن نحذف منه طابقاً، التجديد أن نعيد له لونه الصافي، أن نزيل عن هذا البناء كل ما أضيف عليه، وأوضح مثل : اذهب إلى نبعٍ صافٍ عذبٍ زلال، واذهب إلى مصبِّ هذا النبع تجده أسوداً كالليل، من كثرة ما أضيف على هذا النهر من مياهٍ مالحةٍ سوداء . فإن أردت جوهر الدين فعُد إلى أصوله ؛ إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله :

(( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ))

[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

 فهذه التفرقة في العداوة هذه ليست من الدين في شيء، فاليهود لا يحبون سيدنا جبريل، يعادونه، يقول الله عزَّ وجل :

 

﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ (97) ﴾

 سيدنا جبريل مَلَك عظيم، بل هو رئيس الملائكة، وأنزل هذا القرآن على قلب النبي بإذن الله، هو عبدٌ مأمور، مخلوقٌ مأمور، فكيف تعاديه أنت ؟ وما ذنبه ؟

 

خصائص الفرق الضّالة :

 أيها الأخوة حقيقةٌ ناصعة أضعها بين أيديكم : ما من فرقةٍ ضالَّةٍ في الإسلام على مدى الحِقَب، خلال التاريخ الإسلامي كله، ما من فرقةٍ ضالةٍ إلا وفيها أربع خصائص : أولاً تأليه الأشخاص، ثانياً اعتماد النصوص الموضوعة والضعيفة، ثالثاً تخفيف التكاليف، رابعاً النزعة العدوانيَّة، فإن وجدت فئةً تؤلِّه شخصاً، أو تعتمد نصَّاً ضعيفاً أو موضوعاً، أو تخفِّف التكاليف لدرجة أنها تجعل من الدين نمطاً يشبه النمط العصري الإباحي، أو ذات نزعةٍ عدوانيَّة فهي فرقة ضالَّة، والإسلام شامخٌ كالطود، وكل الانحرافات في الإسلام أصبحت في مزبلة التاريخ، وتلاشت كبيت العنكبوت، وبقي الإسلام بأصوله الصحيحة، ونصوصه الصحيحة، وقيمه الخالدة شامخاً كالجبل .
 نحن أيها الأخوة مأمورون أن نرجع إلى أصل الدين، فأنا أعادي جبريل ولا أعادي النبي !! جبريل ليس له علاقة، هو أنزل هذا الكتاب على قلب النبي بإذن الله، هو مخلوقٌ مأمور، فافتعال العداوات من شيَم أهل الضلالة، نحن عندنا طرفان الحق والباطل ؛ الله عزَّ وجل، ونبيُّه الكريم، وصحابته الكرام، والعلماء العاملون الصادقون، وأولياء الله الصالحون هؤلاء طرفٌ واحد، ومن أنكر شيئاً من كلام الله، أو من نبوَّة رسول الله، أو من حديث رسول الله، هذا الإنكار ينقله إلى الخندق الآخر .
 أيها الأخوة الكرام :

﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) ﴾

حلاوة الإيمان :

 المؤمن عنده ما يسمَّى بالولاء والبراء، هذا المعنى مستقى من أحاديث كثيرة، من أبرزها قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]

 هذا الحديث ينقلنا إلى موضوعٍ لا بد من أن نعالجه ـ دقيق جداً ـ هناك حقائق الإيمان، وهناك حلاوة الإيمان، الذي يشدُّك إلى الدين ليست حقائق الإيمان فحسب بل حلاوة الإيمان، والذي يبعدك عن الدين أن تفتقر إلى حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان شيءٌ يذوقه المؤمن وقد لا يستطيع أن يصفه، إن أردت أن تُسَمِّيَهُ سكينةً فهو السكينة التي تتنزَّل على قلب المؤمن، قال تعالى :

 

﴿ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

( سورة التوبة الآية : 26 )

 إن أردت أن تسميه نوراً يقذفه الله في قلب المؤمن فهو كذلك، إن أردت أن تسمي حلاوة الإيمان هذا التجلِّي الذي يتجلَّى الله به على قلوب عباده المؤمنين هو كذلك، إن أردت أن تسمي حلاوة الإيمان هذا الذوق الرفيع الذي يعيش فيه المسلم، هذا الذوق الرفيع الذي يذهله عن كل شيء، فمن عرف الله زهد فيما سواه هذه حلاوة الإيمان، هذه التي تشدُّه إلى الدين، هذه التي تجعله يدفع الغالي والرخيص والنفس والنفيس، هذه التي تجعله كالمِرْجَل لا يهدأ، هذه التي تجعله يقدِّم كل شيءٍ لله عزَّ وجل، هذا الذي يرفعه إلى أعلى عليين، هذا الذي يجعله في مراتب الصِدِّيقين، حلاوة الإيمان .

 

ثمن حلاوة الإيمان ثلاثة أشياء :

1 ـ أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما :

 أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، طبعاً قد يقول أحدكم والكلام سهل جداً : أنا أحب الله ورسوله أكثر من كل شيء، كلامٌ بسيطٌ سهلٌ يدَّعيه كل إنسان، ولكن علماء الحديث قالوا : أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما عند التعارض ؛ فمثلاً أنت في أمسِّ الحاجة إلى المال، وعُرِضَ عليك مبلغٌ كبير تُحَلُّ به كل مشكلاتك، ولكن هذا المبلغ فيه شبهةٌ للدين إن أخذته لا يرضى الله عنك، فإذا وضعته تحت قدمِك وقلت : الله هو الغني، حينما تعارض هذا المبلغ من المال مع النَص، آثرت طاعة الله على قبض هذا المبلغ، الآن أثبتَّ لنفسك وللناس أن الله ورسوله أحبُّ إليك مما سواهما، عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، قال تعالى :

 

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخوانكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ (24) ﴾

( سورة التوبة )

كل من حولك :

 

﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (24) ﴾

( سورة التوبة )

 كأن فعلت عملاً لا يرضي الله بل هو يرضي زوجتك، فعلت شيئاً لا يرضي الله بل يرضي أباك، فعلت شيئاً لا يرضي الله بل يرضي ابنك، فعلت شيئاً لا يرضي الله بل يرضي أخاك، أي أنك آثرت إرضاء هؤلاء المخلوقين على إرضاء خالق الأنبياء والمرسلين عندئذٍ أنت لا تُحِبُّ الله ولا ترجو رحمته، هنا المشكلة .

 

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخوانكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا (24) ﴾

( سورة التوبة )

 تسكن بيتاً، وبإمكانك أن تبقى فيه إلى نهاية حياتك بالقوانين، لأنك محمي بالقانون، لكن لك بيتاً آخر وبإمكانك أن تحلَّ مشكلة صاحب البيت ليزوِّج به ابنه، وأنت لك بيت قد يكون أقل مستوى، لكن ألا تفعل هذا إرضاءً لله عزَّ وجل ؟ فإذا كانت المساكن التي ترضونها، والتجارة التي تخشون كسادها مشبوهة، الاقتصاد في المعيشة خيرٌ من بعض التجارة، فإذا كانت تجارة المواد محرَّمة، أو طريقة التعامل محرَّمة، أو فيها شبهات، الاقتصاد في المعيشة خيرٌ من بعض التجارة .

 

من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه بعد أن تثبت طاعته :

 قال تعالى :

 

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخوانكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)﴾

( سورة التوبة )

 أي إذا كان شيء من هذه الأشياء أغلى عليك من الله فالطريق إلى الله ليست سالكة، الطريق مُغْلَق .
 أيها الأخوة، هذه حقيقة :

(( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ... ))

[ مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]

 أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما عند التعارض، لكن صدِّقوا أيها الأخوة أنه :

(( ما ترك عبد شيئاً لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه ))

[رواه أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله عنه ]

 لكن متى ؟ بعد أن تستقر، بعد أن يبدو صدقك، بعد أن يبدو إصرارك على طاعة الله، بعد أن تضحي بالغالي والرخيص والنفس والنفيس .
 أتمنَّى أن أضع بين أيديكم حقيقةً مهمَّةً جداً تتضح من هذا المثل : إنسان يبيع الخمر في مطعم، تاب إلى الله توبةً نصوحاً، أليس الله قادراً على أن يجعل دخله اليومي عشر أضعاف حينما كان في المعصية ؟ ممكن، فلماذا يقلُّ دخله إلى الثُلث ؟ ليدفع ثمن طاعته، ليشعره الله عزَّ وجل أنه ضحَّى في سبيل مرضاة الله، لو أعطاه الغلَّة مضاعفة لأصبحت الاستقامة تجارةً رابحةً أقبل عليها الكفَّار، الإنسان يريد ربحاً كثيراً، لو ألغى أحدهم الخمر فتضاعفت الغلَّة، فيأتي كافر فاسق ويلغي الخمر كذلك وهذا شيء يلفت النظر .
 أحد المطاعم في مدينة من مدن سوريا، كتب صاحب المطعم : " شرب الخمر ممنوعٌ بأمر الرب والرزق على الله " ، على هذا المطعم إقبال منقطع النظير، فجيران هذا المطعم ـ المطاعم الأخرى ـ أصحابها ليسوا مسلمين كتبوا نفس العبارة ليستقدموا الزبائن .

بعد أن يدفع المؤمن ثمن الطاعة يرقى عند الله عز وجل :

 لو أن الله عزَّ وجل حينما يضحي الإنسان، حينما يلتزم، فجأةً يعطيه عشرة أضعاف، لأصبحت الاستقامة تجارةٌ في الدنيا أقبل عليها الكفَّار، لذلك حينما ترفض بيع الخمر يقلُّ الدخل، فأنت إذا صبرت على قلة الدخل، وعلى دخل قليل جداً لكنَّك أرضيت خالق الأكوان، بعد حين، بعد أن تثبت على هذا يعوِّض الله عليك أضعافاً مضاعفة، هذه نقطة مهمَّة جداً .

 

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾

( سورة التوبة الآية : 28)

 عندما منعتموهم من دخول المسجد الله الحرام ضعفت تجارة السياحة، لم يعد هناك سياح، فنادق فارغة، دور اللهو فارغة، المطاعم فارغة، فهذه السياحة دخل كبير جداً، قال :

 

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

( سورة التوبة الآية : 28)

 كلمة

﴿ فَسَوْفَ ﴾

 وليس الآن، بعد أن تدفعوا ثمن هذه الطاعة، تدفعوها جليَّةً واضحة، ترقون بها عند الله عزَّ وجل .
 أريد من هذا الكلام أيها الأخوة أنه : ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه . فلذلك أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما عند التعارض .

 

2 ـ أن يحبَّ المرء لا يحبُّه إلا لله :

 أن يحبَّ المرء لا يحبُّه إلا لله، هذا هو الولاء والبراء، يجب أن تحبَّ المؤمنين ولو كانوا ضعافاً، ولو كانوا فقراء، ولو كانوا في الدرجة الدنيا في المجتمع، ويجب أن تكره الكفَّار أعداء الله ولو كانوا أقوياء، ولو كانوا متألِّقين في الدنيا، لا تعجبك أموالهم، ولا أجسامهم، ولا أولادهم، هذا هو المؤمن .

 

يجب على المؤمن أن يكون من أولياء الحق :

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

( سورة المائدة الآية : 54)

 لا أن تكون بالعكس، قاسٍ جداً على المؤمن أما أمام الكافر القوي فأنت ضعيف جداً، مسالم جداً، هذا الذي يقسو على المؤمنين قسوة لا مبرِّر لها، ويستخذل أمام الأقوياء ويضعف، فهذا إنسان بعيد عن أن يكون مؤمناً .
 أيها الأخوة الكرام، ساقني إلى هذا الكلام أن هذه الآية الكريمة تبيِّن أن الحق لا يتجزَّأ، يجب أن توالي الحق، أن تكون من أولياء الحق، مثلاً ـ وهذا المثل خطير ـ إن الذين يحبون فقط، ما فعلوا شيئاً، ما تكلَّموا ولا كلمة، ولا غمزوا، ولا لمزوا، ولا أشاروا، ولا نطقوا ببنت شفة، لكن :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا (19) ﴾

(سورة النور )

 أي ظهرت فاحشة، ارتاح، فإذا ارتحت لفاحشة شاعت بين المؤمنين، فاعلم علم اليقين أنك لست مؤمناً، وأنك في خندق المنافقين، لأن الله عزَّ وجل يقول :

 

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا(120) ﴾

(سورة آل عمران )

 هل في الأرض كلِّها أمٌ تتمنَّى فضيحة ابنتها ؟ لا، لا تجد، إلا أماً واحدة وهي ليست أم هذه البنت، تدَّعي أنها ابنتها وهي ليست كذلك، فأنت حينما تفرح لفاحشةِ شاعت بين المؤمنين فأنت في خندق المنافقين قطعاً، وسأعطيك مقياساً دقيقاً، حينما تفرح من أعماق أعماقك بقوَّة أخيك، وصحَّة أخيك، وغنى أخيك، ونجح أخوك بشهادة عالية، تزوَّج، اشترى بيتاً، وفِّق في دعوة، وأنت أعنته، هذه والله علامة إخلاصك وإيمانك، أما إذا نافسته، وحسدته، وطعنت به حسداً من عند نفسك وبغياً وعدواناً، فهذه علامة أهل النِفاق .

 

أهل الإيمان وحدةٌ لا تتجزَّأ والخصومات بين المؤمنين دليل سقوطهم من عين الله :

 أنا أُرَكِّز في هذا الدرس على أن أهل الإيمان وحدةٌ لا تتجزَّأ، والخصومات بين المؤمنين، والعداوات بين المؤمنين دليل سقوطهم من عين الله، لا تجد قوماً الإله عندهم واحد، النبي واحد، الكتاب واحد، السُنَّة واحدة، الهدف واحد، ثم يختلفون لماذا العداوة ؟ ما الذي يضعف المسلمين اليوم ؟ تشتُّتهم، تفرًُّقهم، عداواتهم، طعنهم، يطعن بعضهم ببعض، هذا والله دليل عدم إخلاصهم، ولو كنت مخلصاً لله لعاونت أخاك ولم تنافسه، وأقول لكم هذه الحقيقة وأعيدها كثيراً : هناك دعوةٌ خالصةٌ إلى الله، وهناك دعوةٌ إلى الذات مغلَّفةٌ بدعوةٍ إلى الله، دعوة إلى الذات لكنها مغلَّفةٌ بدعوةٍ إلى الله، الدعوة إلى الله من خصائصها الاتباع لا الابتداع، " إنما أن متَّبع ولست بمبتدع " ، من خصائصها التعاون لا التنافس .
 لفت نظري أخ كريم، كان مسافر في بلد وعاد، وهو أهل أن يكون داعيةً، قلت له : أتحبُّ أن أُهَيِّئ لك منبراً ؟ قال : لا أنا أعاونكم، نحن واحد . هذا الذي ينكر ذاته ويعاون أهل الحق له أجرٌ كأجرهم، القضيَّة قضية تحقيق رسالة وليست قضية منافسة، ولا قضية مكاسب، ولا قضية مناصب، قضية أن تكون فـي خدمة الحق .
 بالمناسبة أُؤكِّد لكم أيها الأخوة، لا تقلق على دين الله أبداً، إنه دين الله، والله عزَّ وجل متكفِّلٌ بنصرة دينه ـ إن للكعبة ربَّاً يحميها ـ ولكن اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً للحق، اقلق على هذه، واسأل نفسك أيها الأخ : ماذا قدَّمت لله غداً ؟ قد تكون كل أعمال المؤمن ونشاطاته لخدمة نفسه ؛ عمله، بيته، مكانته، تأسيس بيته وراحته . ولكن ماذا فعلت في سبيل الله ؟ ما الذي فعلته من أجل أن يرضى الله ؟ لو أن الله أوقفك بين يديه يوم القيامة يقول لك : يا عبدي ماذا صنعت من أجلي ؟ يا رب اشتريت بيتاً، وسكنت في البيت، يا رب اشتغلت وحصَّلت دخلاً كبيراً أتاح لي أن آكل أطيب الطعام، وأن أرتدي أجمل الثياب، وأن أسافر . ولكن هذا من أجلك فماذا فعلت من أجلي ؟ لا بد من ساعة تأمُّل ذاتيَّة، يسأل الواحد نفسه : ماذا فعلت من أجل الله ؟

 

الله عزَّ وجل لن يقبل دعوى محبَّته من دون دليل :

 والله أيها الأخوة في أعماق أعماقي أشكر أخوة كثيرين، هذا أخ طبيب يقول لك: أعالج أي إنسان يأتي من طرفك مجاناً وهذه بطاقتي وهذا توقيعي، هذا قدَّم الذي عليه، اختصاصه طب، أراد أن يقدِّم اختصاصه لكل فقير، تجد صاحب مخبر يقول : أي إنسان يأتي من طرفكم وتعرفه فقيراً أنا أُحلِّل له من دون مقابل، فبذلك أدَّى الذي عليه، صاحب مصلحة يقول : أنا أقدِّم خبرتي لبيت الله إذا توجد خدمة فأنا جاهز، وهذا رقم هاتفي، فأنت اسأل نفسك : أنا ماذا قدَّمت في سبيل الله ؟ أنا ألاحظ أحياناً أخاً منذ خمسة وعشرين سنة ما غاب درساً واحداً، وقد كنت أتمنَّى أن يقدِّم شيئاً، أبداً إنه مستمع من الطراز الأول فقط ولا يقدِّم شيئاً، قدِّم لله عزَّ وجل دون أن أعلم .
 قدم لله شيئاً من أجل أن يرضى، يا رب عاملت زوجتي معاملةً طيِّبةً لعلَّك ترضى عني، ربَّيت أولادي كما تريد، يا رب تحرَّيت الحلال وكان قليلاً، ورفضت الحرام وكان كثيراً، يا رب آثرت طاعتك على الدنيا وما فيها . قدِّم شيئاً لله عزَّ وجل، فالاستماع جيِّد لكن لا يكفي .
 كنت قبل ساعةٍ في عقد قِران، والمنشدون أنشدوا إنشاداً طيِّباً في مدح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فكان تعليقي على إنشادهم بأن قلت : الإنشاد طيِّب، وأن تمدح النبي شيءٌ عظيم، وشيء يثلج الصدر، ولكن لو أن ابناً جاهلاً لا يقرأ ولا يكتب، وله أبٌ عالِمٌ كبير، أمضى هذا الابن كل حياته في مدح أبيه أمام الناس، هل يرتقي ؟ أبداً، المديح طَيِّب يثني على أبيه ولكن هو لا يدرس .
 مرَّةً في العمرة صليت في مصلَّى النبي عليه الصلاة والسلام وبكيت كثيراً والله، ثمَّ جاءني خاطر فقلت : لو أن إنساناً يحمل أعلى الشهادات في العالَم، وله مئة مؤلَّف، وعنده مستخدَم ـ حاجب ـ ففي غيبة هذا العالِم الكبير جاء هذا الحاجب وقفز وجلس على كرسيِّ سيده . هل يرقى ؟ لا والله لا يرقى، أما إذا نال أقل شهادة سار في طريق سَيِّدِهِ، أخذ كفاءة، أخذ الثانوية، دخل جامعة، إذا بدأ يدرس سلك في طريق سيده، أما في غيبة سيده قعد مكانه، أمسك الهاتف كما يمسكه، ارتدى ثوباً أبيضاً كما يرتدي، هذا شيء لا يقدِم ولا يؤخِّر، أنا لست ممن يحارب التبرُّك، لا، ولكنني أريد أن لا نكتفي بمدح الرسول، نكتفي أن نمدحه فقط ولا نطبِّق سُنَّته، والله عزَّ وجل لن يقبل دعوى محبَّته من دون دليل، قال :

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾/p>

(سورة آل عمران الآية : 31 )

الوحي نوعان ؛ وحيٌ متلو هو القرآن ووحيٌ غير متلو هو سُنَّة النبي العدنان :

 أيها الأخوة، محور هذا الدرس أن الحقَّ لا يتجزَّأ، الحق وحدة كاملة، فإن كنت محبَّاً لله ينبغي أن تكون محباً لرسول الله، هناك دعوة واضحة جداً : نكتفي بالقرآن ولا نريد السنَّة، إنها تعبّر عن مرحلةٍ مضت، إنها فهمٌ مرحلي لحُقْبَةٍ معيَّنة، هذه دعوة رائجة الآن : نكتفي بالقرآن ولا نريد السُنَّة، مع أن الله عزَّ وجل يقول :

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾

( سورة النجم )

 هناك وحيٌ متلو هو القرآن، ووحيٌ غير متلو هو سُنَّة النبي العدنان .

 

3 ـ يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار :

 يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار، أي ما دامت الأمور جيِّدة فأنا مع الحق، الأمور صعبة ترك الجامع، ترك الالتزام، ترك الصلاة، هذا على حرف، هذا الذي :

 

 

﴿ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ﴾

(سورة الحج الآية : 11 )

 هذا ليس من الذين يحبهم الله عزَّ وجل :

 

﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (97) ﴾

 الكتب السماويَّة يؤيِّد بعضها بعضاً، فالإنجيل يؤيِّد التوراة، والقرآن يؤيِّد التوراة والإنجيل، وما في التوراة والإنجيل والقرآن موضوعٌ واحد .

 

 

الحب في الله عين التوحيد والحب مع الله عين الشِرك :

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

 هذا يقودنا إلى موضوعٍ آخر هو أن هناك حباً في الله وحباً مع الله، فإذا نقلتك محبة أهل الإيمان إلى محبة النبي فهذا حبٌ في الله، وإذا نقلتك محبة النبي إلى محبة الله فهذا حبٌ في الله، إذا نقلتك محبَّتك للقرآن إلى محبتك لله هذا حبٌ في الله، إذا نقلتك محبتك لبيت الله الحرام إلى محبة الله فهذا حبٌ في الله محبة، كل شيءٍ ينقلك إلى الله حبٌ في الله، أما إذا نقلك الشيء إلى البعد عن الله فهذا حبٌ مع الله، الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشِرك، ونعوذ بالله أن نحبَّ مع الله أحداً .
 زاد العلماء على ذلك : الحبُّ مع الله، لو أن إنساناً بعيداً عن الله أعطاك عطاءً كبيراً فأحببته لعطائه فهذا شرك، لو أن الذي يحب الله تضايقت منه وكان على حق فكرهته فهذا شرك، ينبغي أن تحبَّ المؤمنين ولو أزعجوك، وينبغي أن تكره الكفَّار والمنافقين ولو أكرموك، هذا هو الولاء والبراء .

 

﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) ﴾

 إذا عادى الإنسان الملائكة فهو يعادي الله عزَّ وجل، عادى الرُسُل فهو يعادي الله عزَّ وجل، عادى جبريل فهو يعادي الله عزَّ وجل، عادى ميكال :

 

 

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) ﴾

 

ذم العرب باستمرار وبغضهم مفارقة للدين :

 خاطب رسول الله أحد الصحابة باسمه، وهو سلمان الفارسي، فقال له :

(( يَا سَلْمَانُ لا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ ؟ قَالَ : تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي ))

[الترمذي عن سَلْمَانَ رضي الله عنه ]

 مشكلة كبيرة جداً أن تذم العرب باستمرار، يجب أن تذم الأناس الشاردين عن الله، الأمم التي تبدو في عينك متحضِّرَة وهم وحوش، ألا تراهم ماذا يفعلون في العالَم ؟ وحوش من أعتى أنواع الوحوش، الميِّزة لما يجري في العالَم الآن هي أن هذه الأقنعة المزيَّفة سقطت، وهذا العالَم الراقي المتقدِّم الذي فيه حقوق الإنسان وقيم وحضارة وعلم أصبح الآن بالوحل، الذي يفعله بنو البشر الشاردون عن الله عزَّ وجل، يفعلون شيئاً تندى له البشريَّة، تستحي والله أن تنتمي إلى الجنس البشري مما يجري في بلاد أخرى، هذا الإنسان البعيد عن الله وحش، والله حينما نقول : وحش، يجب أن تعترض علينا الوحوش لأننا نسبُّهم بهذا، والله أشرس من الوحوش، الدين يسمو بالإنسان، يجعله في أعلى مرتبة، إذاً :

 

﴿ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) ﴾

 عداوة فقرة من فقرات الحق تنقلك إلى عداوة الله عزَّ وجل، هناك شيء مؤلم جداً أتمنَّى أن لا يكون إطلاقاً، يدخل إنسان إلى مسجد، قد يؤذيه أخ كريم عن قصد أو عن غير قصد، فمن ضعف إيمان الثاني يفارق الدين كُله، يقول لك : أهل الدين غلط، فهذا غلط كبير، المفروض إذا كان الإنسان في مسجد أن يكون سفير المسلمين، يجب أن يعلم علم اليقين أنه ربَّما إذا أساء لإنسان أن تسبِّب هذه الإساءة للطرف الثاني أن يفارق الدين كله، أنت مهمَّتك أن تحبِّب، مهمتك أن تقرِّب، مهمتك أن تَدْعَم، مهمتك أن تكون مثلاً أعلى، فانتبه، أنت على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتينَّ من قِبَلِك .

 

 

عداوة الملائكة والأنبياء وأهل الإيمان نوعٌ من أنواع الكفر :

 بالمناسبة : ألف تصرُّف ذكي مخلص يشدُّ إنساناً إلى جهة أو إلى شيء، تصرُّف أحمق واحد يبعدك عن هذا الشيء، فقبل أن تسئ لمؤمن عد للمليون، انتبه قبل أن تقسو عليه فأنت تمثِّل الإسلام، كل واحد منكم في محيطه يمثِّل الدين، أنت محسوب على أسرتك وعلى من حولك أنك شيخ، يقول لك : (فلان تشيّخ)، طلب العلم، صار في الجامع الفلاني . فأنت كل حركاتك وسكناتك مرصودة تحت الأضواء الكاشفة، إذا أخطأت تسبِّب السمعة السيئة لمن حولك ولجامعك، فالآيتان اليوم :

 

 

 

﴿ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) ﴾

 هذا كفر، عداوة الملائكة، عداوة الأنبياء، عداوة أهل الإيمان نوعٌ من أنواع الكفر، وقد قال عنه العلماء : كفرٌ دون كفر .
 أيها الأخوة الكرام، محور هذا الدرس أن الحق لا يتجزَّأ، وأن الاتباع والولاء هو الذي ينبغي أن نفعله كمؤمنين، ثم إن عداوة جزءٌ من الدين تجرُّك إلى عداوة الدين كله ـ هذه حقيقة خطيرة ـ ثم يقول الله عزَّ وجل :

 

﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) ﴾

 هناك علاقة بين التكذيب والفسق وبين الإيمان والاستقامة، سأدلُّك على الطريق، لمجرَّد أن تستقيم على أمر الله تتقبَّل الحق، تتقبَّل الحق بشغفٍ شديد، ويسعدك الحق لأنك مستقيم، ولا تقبل الحق بقدر الفسق .

 

 

المؤمن الصادق يتوب توبة واحدة أما ضعاف المؤمنين كلَّما عقد توبةً نقضها :

 قال تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ (99) ﴾

 آيات بيِّنات، واضحات، نيِّرات، مُقنعات، باهرات :

 

 

﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) ﴾

 مثلاً يقول لك إنسان دخله ربوي : هذا الدين لا يتناسب مع العصر، يقول لك : هناك آيات غير معقولة، أمعقول أن يجمد الإنسان ماله ؟ لماذا بدأ يشكُّ في مصداقية كلام الله؟ لأنه انطلق من الربا، إنسان يعيش الاختلاط بكل بشاعته لا يقبل آيات الحجاب أبداً، يرفضها، يقول لك : هذا الحجاب بدعة جاءتنا في العهد العثماني، استمع إلى حجج الفَسَقَة كلهم يتناغمون، كلهم يرفضون الحق، لأنهم إذا رفضوا الحق دافعوا عن أنفسهم، توازنوا، لو قبل معك الحق وهو غير مستقيم انكشف واختل توازنه، صار عنده مشكلة، فلا بد أن يرفض الحق كي يعيد التوازن، فلذلك :

 

﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (100) ﴾

 المؤمن الصادق يتوب توبة واحدة، أما ضعاف المؤمنين كلَّما عقد توبةً نقضها، تغلبه نفسه :

 

﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾

( سورة المؤمنون الآية : 106 )

إذا كان الإيمان قوياً تضعف الشهوة لكن ما دام الإيمان ضعيفاً فالشهوة قويَّة :

 قال تعالى :

 

﴿ أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) ﴾

 لأن إيمانه ضعيف وشهوته قويَّة، أما إذا كان الإيمان قوياً تضعف الشهوة، ما دام الإيمان ضعيفاً فالشهوة قويَّة، الإنسان مندفع ومع اندفاعه يحتاج إلى مقود، هو الشرع، إذا لم يكن هناك مقود فالحادث حتمي، اندفاع بلا مقود فالحادث حتمي، فكل إنسان عنده شهوات يندفع إلى تحقيقها، ووقوعه في حادث مروِّع أمر حتمي إذ لم يوجد عنده منهج يسير عليه :

 

 

﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) ﴾

 كانوا يستفتحون على الذين آمنوا، سيأتي نبيٌ، وسنؤمن به، ونتفوَّق عليكم :

 

﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ (89)﴾

( سورة البقرة )

 وقال :

 

﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا (102) ﴾

 وهذه الآيات إلى الدرس القادم إن شاء الله .

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018