رياض الصالحين - الدرس : 019 - باب المجاهدة -5- يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي -3 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رياض الصالحين - الدرس : 019 - باب المجاهدة -5- يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي -3


1988-11-13

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

اعلم هذه الحقيقة أيها المسلم:

 أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا مع دروس الحديث النبوي الشريف، ولا زلنا في الحديث السابع عشر، من باب المجاهدة، من كتاب رياض الصالحين، والحديث الذي بدأنا شرح بعض معانيه في دروسٍ عدة، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

((يَا عِبَادِي, إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي, وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ, فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ, فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ, فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ, يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ, وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا, فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ, يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي, وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ, مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي, فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي, إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ, يَا عِبَادِي, إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ, ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا, فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ, وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ, فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

 

[أخرجه مسلم في الصحيح وأحمد في مسنده]

 يعني ما دام هذا القلب ينبض, فباب التوبة مفتوح, قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

[سورة الزمر الآية: 53]

 وكما جاء في الحديث القدسي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ, قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

((يَا ابْنَ آدَمَ, إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي, غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي, يَا ابْنَ آدَمَ, لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ, ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي, غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي, يَا ابْنَ آدَمَ, إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا, ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا, لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)).

إذا رجع العبد العاصي إلى الله, نادى منادٍ في السموات والأرض, أن هنئوا فلاناً, فقد اصطلح مع الله.
 العجب العجاب: أن ترى إنساناً مقيماً على معصيةٍ، وباب التوبة مفتوح، والأيام تمضي، لو نظرت إلى ساعتك، انظر إلى عقرب الثواني, كلَّما تحرك هذا العقرب درجةً واحدة، فقد نقص العمر ثانية، واقتربت من الموت ثانية, صدق القائل:

دقات قلب المرء قائلةٌ  للـــه إن الحيـاة دقائـقٌ وثوانٍ
فارفع لنفسـك قبل موتك ذكرها  فالذكر للإنسـان عمرٌ ثانٍ

 إذا أيقن الإنسان بالموت، وإذا أيقن أن هناك إلهاً عظيماً, سيحاسبه عن كل عمله, قال تعالى:

 

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾

 

[ سورة الحجر الآية: 92]

﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 93]

 وأنه بعد الموت لا رجعة إلى الدنيا، وأنه إما إلى جنةٍ يدوم نعيمها، أو إلى نارٍ لا ينفد عذابها، فماذا ننتظر؟.
يقول سيدنا عمر:

((عجبت لثلاث؛ عجبت لمؤملٍ والموت يطلبه. -أيها الأخوة, وحول هذا الموضوع آلاف القصص، إنسان كان يحلم ببيت معين، بقي يبنيه، ويرتبه، ويزيِّنه، ويفرشه بأفخر الأثاث، ولم يستطع أن يسكن فيه، فكم من إنسانٍ بنى بيتاً، ولم يسكنه؟ وكم من إنسانٍ تزوج امرأةً، ولم يتمكَّن من أن يقترن بها؟ وكم من إنسانٍ نال شهادةً، ولم يبق في حياته فسحةٌ ليستفيد منها؟ هناك إنسان ينام فلا يفيق، وهناك إنسان يستيقظ فلا ينام، وهناك إنسان يذهب فلا يعود، وهناك إنسان وهو في زحمة العمل، وهو في أوج نجاحه، جاءه مَلَك الموت- فـ عجبت لثلاث: لمؤملٍ والموت يطلبه، وغافلٍ وليس بمغفولٍ عنه، وضاحكٍ ملء فيه, ولا يدري أساخطٌ عنه الله أو راضٍ؟))

 لذلك:

 

﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾

 

[سورة المدثر الآية: 8]

﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾

[سورة المدثر الآية: 9]

﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾

[ سورة المدثر الآية: 10]

 أحياناً يسترسل الإنسان، لكن حينما يسأل، وحينما يحاسب يقول: لم أر خيراً قط في حياتي.
في بعض الآثار: أن الإنسان حينما يموت، ويرى مقامه في الجنة يقول: لم أر شراً قط في حياتي.
كل المصائب التي ساقها الله له، وكأنها ليست بشيء، وأهل الدنيا إذا جاءهم الموت, يصيحون صيحةً, لو سمعها الناس لصعقوا.
 يروى أن إنسانًا ذميًّا، فقيرًا، شقيًّا، متعبًا، جائعًا، مريضًا، يعمل في مهنة حقيرة قذرة، رأى عالماً من علماء المسلمين, يركب فرسه، وحوله بعض أخوانه، وهو معززٌ، مكرمٌ، مبجلٌ، يرتدي أجمل الثياب، تفوح منه رائحةٌ عطرة، فهذا الذمي كان قد سمع, أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ, وَجَنَّةُ الْكَافِرِ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح]

 لم يحتمل هذا الحديث، كيف؟! فالتقى بهذا العالم الإسلامي في الطريق, وقال: يا سيدي يقول نبيكم:

((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ, وَجَنَّةُ الْكَافِرِ))

 فأيّ سجنٍ أنت فيه، وأية جنةٍ أنا فيها؟! فما كان من هذا العالم إلا أن قال له: لو قست ما أنت عليه, بما سوف ينتظرك, فأنت في جنة، ولو قست ما أنا عليه، وما ينتظر المؤمن, فأنا في سجن.
لهذا ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ اللَّهُ:

((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ؛ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ, وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ, وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ, فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ))

 

[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

 

 دائرة المشاهدات محدودة، لكن دائرة المسموعات أكبر منها بكثير، بينما دائرة الخواطر ليست محدودة،

((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ؛ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ, وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ, وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ))

 حينما يتوب الإنسان، ويتوب الله عليه، يعرف طعم التوبة، طعم التوبة لا يوصف، وحينما يتوب يشعر وكأنه أصبح إنساناً آخر، بعد الصُلح مع الله، حينما يفتح الله لك صفحةً جديدة، ويطوي كل الصفحات، فالإسلام يجبُّ ما قبله، ويهدم ما كان قلبه، إذا فُتِحَت لك مع الله صفحة جديدة, تشعر أنك إنسان آخر، لذلك يصب في قلب التائب من سعادة، ومن تجلي، حيث إنه يرى أنه أسعد الناس جميعاً، فباب التوبة مفتوح، والله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي:

((للهُ أفرح بتوبة عبده؛ من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد))

 

دليل هذه الحقيقة هذا الحديث: يا عبادي إنكم تخطئون............أغفر لكم:

 فهذه الفقرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أن:

((يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ))

 الحقيقة: ليس العار أن يخطئ الإنسان، لأن الإنسان غير معصوم أولاً، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ, وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 ليس العار أن تخطئ، ولكن العار أن تصرَّ على خطئك، لذلك يفرق العلماء بين الأمي والجاهل، فرقٌ كبير، الأمي إنسان وعاؤه فارغ، يقبل أيّ شيءٍ يوضع فيه، فتعليم الأمي سهل جداً، إنسان وعاء نفسه فارغ يتقبل منك أي شيء، لكن الجاهل هو الذي امتلأ وعاؤه مغالطات, وعلاقات غير صحيحة, لا يؤكدها الواقع، لذلك هناك مشقة كبيرة في إقناعه بالحق، هو ينطلق من قواعد غير صحيحة، من علاقات لا يؤكدها الواقع، فالجاهل هو الذي يعلم، ولكن لا يعمل بما يعلم، أو هو الذي ينطوي على مفاهيم، وعلاقات، ومنطلقات خاطئة أو غير صحيحة,

((يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ))

 ليس العار أن تخطئ، ولكن العار أن تصر على خطئك، ليس العار أن تخطئ، ولكن العار ألا تتوب, وباب التوبة مفتوح.
 هناك آيةٌ تلفت النظر، الله سبحانه وتعالى في بعض الآيات يقول:

 

﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾

 

[سورة التوبة الآية: 118]

 ربنا عزَّ وجل لشدة رحمته أحياناً, يلجئ العبد إلى التوبة، يلجئه، يضيق عليه، يصيبه ببعض المصائب، يحيطه بجوٍ مخيف، يلقي في قلبه الذعر، يلقي في قلبه الهم، هذا التضييق هو معنى قوله تعالى:

 

﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾

 

[سورة التوبة الآية: 118]

 فإذا قلت لشخص: الله يتوب عليك، لا تظن هذه الكلمة سهلة، هذه كلمة دقيقة، ولها أبعاد عميقة، وربنا عزَّ وجل لا يدع المؤمن من دون أن يمحِّصه، ومن دون أن يتوب عليه.
فـ..

((يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ, وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا, فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ)).

 بعض المؤمنين الصادقين, يحاسب نفسه حسابًا يوميًّا، وحسابًا دقيقًا، فإذا زلت قدمه، أو أخطأ لسانه، أو وقعت منه نظرةٌ لا ترضي الله عزَّ وجل، أو وقعت منه كلمةٌ لا ترضي الله عزَّ وجل، يبادر بعملٍ صالح, يمحو به تلك الخطيئة، لقول الله تعالى:

 

﴿إِنَّ الْحَسَناَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾

 

[سورة هود الآية: 114]

فمؤمن تكلم عن أخيه، وثرثر، وتكلم عن أخيه، ووقع في الغيبة، يلزم نفسه بصدقةٍ.
 الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه, كان إذا حلف يميناً في البيع والشراء، كان يلزم نفسه بمبلغٍ معين، ثم بدأ يرفع هذا المبلغ، إلى أن كف عن حلف اليمين في البيع والشراء، قال عليه الصلاة والسلام، طبعاً اليمين صادق، لكن الأكمل لا تحلف، لكن اليمين الكاذبة كما وصفها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها:

((الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ))

[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة]

 يقول الشاعر:

لا يعرف الشوق إلا مَن يكابده  ولا الصبابة إلا مَن يعانيها

 إذا تاب الإنسان إلى الله توبة نصوحا، وعاهد الله على أن يلزم نفسه بطاعة الله بكل ما أمر الله، يلقي الله في قلبه طمأنينةً، وتجلياً، ونوراً, لا يعرفه إلا مَن ذاقه.

من أركان التوبة كما يبينها الإمام الغزالي:

الإمام الغزالي رحمه الله تعالى, يبين أن التوبة أساسها: علمٌ، وندمٌ، وعمل، إن صح التعبير للتوبة أركانٌ ثلاثة: العلم، والندم، والعمل، أو كان يقول: علمٌ، وحالٌ، وعمل.
 أنت أيها الأخ الكريم, تحضر مجالس العلم لتكتسب العلم، فبالعلم تعرف أين أنت من الشرع؟ هل هناك شبهة في دخلك؟ هل هناك شبهة في إنفاق المال؟ هل هناك معصية في البيت؟ هل هناك مخالفة في العلاقة مع زوجتك، مع أولادك، مع جيرانك، مع زبائنك؟ هل هناك تقصير مع ربك في العبادات؟ كيف تعرف أنك لست على الحق؟ كيف تعرف أن هناك خللاً في حياتك؟ لا بد من العلم، فإذا حضر الإنسان مجلس العلم، وكما يقول بعضهم: إن بذل الوقت لحضور مجلس العلم زكاة الوقت.
 ربنا عزَّ وجل أحياناً بغلطة بسيطة, يجعل وقتك يستهلك استهلاكا رخيصًا، غلطة في التعامل مع الآلة أحياناً فتتعطل، تبذل ثمانين ساعة لتصليحها، مع الهم، والحزن، والسفر، ودفع المال، فلما يضن الإنسان على ربه بساعة، أو ساعتين في الأسبوع, يحضر فيها مجلس علم, يتعرف إلى الله عزَّ وجل، يتعرف إلى معاني كتابه الكريم، يتعرف إلى معاني حديث رسول الله، يتعرف إلى أحكام الفقه، يتعرف إلى هؤلاء الصحابة الكرام الذين كانوا مُثُلاً عليا، إذا ضن الإنسان بوقته ليحضر مجلس علم، ربما ضاع من وقته ساعاتٍ طويلة مع الغيظ، والألم، والنكد، فإذا حضر الإنسان مجلس العلم, فكأنما زكَّى عن وقته، لأن الوقت مال، كيف هو مال؟.
 الذي عنده محل تجاري، وإغلاق المحلات الساعة الثامنة، فإذا بقي من الساعة السادسة للساعة الثامنة حتماً فيها بيع وشراء، قد يحصل في هذه الساعتين مئة ليرة، مئتين، ستمئة، بحسب نوع العمل، فلما أغلق المحل، وذهب إلى المسجد, ليحضر مجلس العلم، فكأنما دفع شيئاً من المال، كان من الممكن أن يقبض هذا المال، ها هو يمتنع عن قبض هذا المال فكأنما دفعه في سبيل الله، فلذلك حضور مجلس العلم من نوع تأدية زكاة الوقت، والقصص حول التوفيق الذي يناله الإنسان إذا ضحى بوقته, من أجل معرفة ربه، لا تعد ولا تحصى.
 فالتوبة؛ علم وحال وعمل، علم لا بد من أن تعرف شرع الله, من أجل أن تقيس أعمالك بهذا الشرع، الشرع مقياس في كسب المال، في إنفاق المال، في العلاقات الاجتماعية، في الحواس الخمس، كيف أنظر؟ كيف أغض بصري؟ ماذا أسمع؟ ماذا ينبغي أن أسمع؟ ماذا ينبغي ألا أسمع؟ لا بد من معرفة أوامر الشرع، فالتوبة من أركانها العلم.
 وركنها الثاني: الحال، يعني لا بد من أن يشعر التائب بندمٍ شديد على ما مضى من ذنوب، هذا الندم يؤكد صحة توبته، وهذا الحال حال الندم, لا بد من أن ينقل الإنسان إلى حالٍ آخر، أو إلى عمل، ينطلق إلى طاعة الله، يلغي كل معصية، كل مخالفة، يصحح كل مخالفة متعلقة بحقوق العباد، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾

[سورة الأحقاف الآية: 31]

 هذه (من) للتبعيض، يعني يغفر لكم بعض ذنوبكم المتعلقة فيما بينكم وبين الله عزَّ وجل، الذنب الذي بينك وبين الله، الله سبحانه وتعالى يغفره، ولكن الذنب الذي بينك وبين العباد, لا بد من أن يغفر لك العباد، لهذا جاء في قوله تعالى:

 

﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾

 

[سورة الأحقاف الآية: 31]

 فلا بد من علم، ولا بد من حالٍ، ولا بد من عمل، النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((النَّدَمُ تَوْبَةٌ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

 ومعنى:

((النَّدَمُ تَوْبَةٌ))

 يعني لخص العلم, والحال, والعمل بكلمة واحدة، وهذه من روائع إيجازه: لا بد من علمٍ أوجب الندم، ولابد من حالٍ دفع إلى العمل، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((النَّدَمُ تَوْبَةٌ)).

 لمجرد أن تندم, معنى ذلك: أنك قد علمت أن هذه مخالفة للشرع، ولمجرد أنك قد ندمت، تعقد العزم على ألا تعود إلى مثلها ثانيةً، وانتهى الأمر.

 

إليكم هذا الحديث الذي يصب في معنى هذا البحث:

 أيها الأخوة, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, وَأَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَا, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ, حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ, نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا, فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ, حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ؟))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

 فإذا سألني أخ سؤالا واقع في مشكلة عويصة، أو أزمة، أمامه شبح مصيبة، خائف من جهة، أقول له: عليك بقيام الليل، صلِ ركعتين قبل الفجر، واسأل ربك في السجود, هذه الحاجة، أخذاً من هذا الحديث:

((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ, حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ, نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا, فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ, حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ؟))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

 رب العزة، خالق السموات والأرض، مَن بيده ملكوت السموات والأرض، من بيده كل البشر؛ كبيرهم وصغيرهم، قويهم وضعيفهم، خطيرهم وحقيرهم بيده، وأنت واقع بمشكلة مع أحدهم، اسأل ربك:
لا تسألن بني آدم حاجةً وسل الذي أفضاله لا تحجب
إذا سئل الإنسان يغضب، وربك سبحانه وتعالى يغضب إن تركت سؤاله، الليل جعله الله عزَّ وجل, لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، فمن أحب أن يشكر ربه عزَّ وجل على نعمة الإيمان، على نعمة الصحة، على نعمة الزواج.
 كان السلف الصالح, إذا واجه نعمة, لها سجود الشكر، واحد تزوج، ليلة العرس, رأى في زوجته كمالاً وصلاحاً، رآها كاملة في الخلق، وصالحة في الأخلاق, فصليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلمت وجدتها تصلي بصلاتك، وتسلم بسلامك، وتشكر شكرك، فإذا واحد الله عزَّ وجل كَمَّله، سلَّم له صحته، زوجته كما يريد، أولاده أبرار، ساكن في بيت يأويه، متدفئ، شبعان، قم في هذا الليل, اشكر ربك عزَّ وجل على هذه النعمة، فلعل الله سبحانه وتعالى لا يزيحها عنك، الشكر على النعمة أمانٌ من زوالها, قال تعالى:

﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾

[سورة الفرقان الآية: 62]

 لك عنده حاجة، راغب في شكره، راغب في مغفرته، لك عنده قضية، خائف من جهة، واقع في ورطة، قضية معسَّرة، لا تجد بيتًا، لا تجد زوجة صالحة، جاء التحليل أن في معك نسبة عالية، في الجسم موضع يحتاج لعملية، مشكلة بالبيت مع زوجتك، مع أولادك بعملك، اسأله، إن الله يحب أن تسأله حاجتك، من لا يدعني أغضب عليه، إن الله يحب من عبده, أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، اسأله يا أخي، اسأله وترجاه، باب عظيم, فلما يكون للإنسان علاقة مع الله مباشرةً, معنى هذا أنه عرفه، صدق القائل:
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميتُ

من تتمة معاني هذا الحديث: يا عبادي إنكم تخطئون........أغفر لكم:

 يقول الله عزَّ وجل:

((يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ, وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا, فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ))

 الواحد لا يطل في الذنب، إذا غلطت اليوم, فاستغفر في العشي، لا ينام على معصية، زلت قدمه، العصر يستغفر، إذا نام ينام على طاعة، خرج من بيته وقع بمشكلة، رأساً يدخل لمسجد يصلي، ويتوب لله عزَّ وجل، هكذا المؤمن مذنب تواب، وربنا عزَّ وجل يفتح لك باب التوبة على مصراعيه، ولا تعرف، ولا تذوق طعم التوبة إلا إذا كنت تائباً، تشعر نفسك خفيفًا، والله أنا أشعر أن المذنب ثقيل، وكأن جبال وكوابيس فوق أكتافه، جبل فوق صدره جاثم، والتائب خفيف، يقول لك: دبر ألا تدبر، أنا إن شاء الله على طاعة الله، وعلى الله الباقي، هذا الشعور بالأمن, قال تعالى:

 

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

 

[سورة الأنعام الآية: 81]

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 82]

 الشعور بالأمن، أن تشعر أن خالق الكون راضٍ عنك، والله هذا الشعور لا يقدر بثمن، تحس حالك إنسان آخر، أنت غالي على الله, قال تعالى:

 

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 

[سورة الطور الآية: 48]

 أنت في ظلِّه، لأنك مطيعٌ لأمره, أنت في ظله، أنت في حمايته، أنت في رعايته، تحس في عناية, صدق القائل:

وإذا العناية لاحظتك جفونها  نم فالمخاوف كلهـن أمان

تشعر أن الله معك؛ يسددك، يكرمك، يتجلى على قلبك، يوفقك، يلهمك القول السديد، والموقف الصحيح، هذا الشر صرفه عنك، هذا الموقف نجاك عنه، هذه الأزمة خلصك منها، تحس بمعاملته، فالإنسان متى يثبت في الحق؟.
 يثبت في الإيمان, حينما يشعر أن الله معه، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ تخاف من مَن؟ إذا كان الجندي أبوه قائد الجيش، هذه الرتب كلها لا يخاف منها, والده أعلى قائد بالجيش، إن رأى ملازمًا، إن رأى مثلاً نقيبًا، يحس بطمأنينة عجيبة، هكذا حال المؤمن, قال تعالى:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾

[سورة هود الآية: 55]

﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة هود الآية: 56]

 كل هؤلاء الدواب آخذٌ بناصيتها, قال تعالى:

 

﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

 

[سورة هود الآية: 56]

فلذلك: باب التوبة مفتوح، وربنا عزَّ جل ينتظر أن تتوب إليه.
لو يعلم المعرضون انتظاري لهم, وشوقي إلى ترك معاصيهم, لتقطعت أوصالهم من حبي، يا داود, هذه إرادتي في المعرضين, فكيف إرادتي في المقبلين؟.
 هذا المعرض الذي يعصي، يسب الأديان، هذا المعرض لو يعلم انتظار الله له, وشوقه إلى ترك معاصيه, لتقطعت أوصاله من حبه، ولماتوا شوقاً إلي، يا داود, هذه إرادتي في المعرضين, فكيف إرادتي في المقبلين؟ فربنا عزَّ وجل يقول:

((يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ, وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا, فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ))

 ماذا ننتظر؟ لا بد للإنسان ألا ينام الليل لهذا الحديث، لا يتأخر ثانية في التوبة إلى الله عزَّ وجل، من أعماقك: يا رب تبت إليك توبةً نصوحا, قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾

 

[سورة التحريم الآية: 8]

 الإنسان يغلب الشيطان بالاستغفار، عوِّد نفسك الاستغفار، كلما زلت قدمك قل: يا رب اغفر لي ذنبي، إن لم تغفر لي, فمن يغفر لي؟ يعني النبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف نستغفر الله عزَّ وجل؟.
هذا الحديث مهم, لأن فيه فقرات دقيقة جداً، فقرة متعلقة بالهداية، فقرة متعلقة بالرزق، فقرة متعلقة بالعبودية، فقرة متعلقة بالاستغفار.

 

رسالة من عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري:

وإلى سيرة سيدنا عمر رضي الله عنه.
 العجيب تدخل قصر العدل، تجد وراء القاضي وصية سيدنا عمر لأبي موسى الأشعري، هذه الوصية تعد دستوراً للقضاة، أصحاب رسول الله من أي جامعة تخرجوا؟ ما الشهادة التي نالوها؟.
إنسان عاش في الصحراء؛ النبي عليه الصلاة والسلام علَّم أصحابه، فكان أصحابه أبطالاً، يسمى عصر النبي عليه الصلاة والسلام: عصر الأبطال.
 سيدنا عمر يرسل كتابًا إلى أبي موسى الأشعري، يعد هذا الكتاب دستوراً للقضاة حتى الآن, حتى أكثر الأحكام الشرعية في القضاء مأخوذة من هذه الوصية، يقول: ((من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس سلامٌ عليك، أما بعدُ؛ فإن القضاء فريضةٌ محكمة، وسنةٌ متبعة، فافهم إذا أُدْلي إليك، -يعني القاضي ومن قام مقام القاضي.
 أحياناً يكون المتهم, يتكلم عن أحداث المشكلة، والقاضي يفكر بالغداء، هذه مشكلة، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ, وَهُوَ غَضْبَانُ, قَالَ هِشَامٌ فِي حَدِيثِهِ: لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ))

[أخرجه ابن ماجه في سننه]

 حملوا على ذلك, إذا كان جائعًا، أو إذا كان غضبان، أو إذا كان معه مشكلة، فلا بد من الصفاء، لابد من التفهم.
قلت لكم مرة: الحجر الذي ضج بالشكوى إلى الله عزَّ وجل, قال:

((يا رب عبدتك خمسين عاماً، وتضعني في أس كنيف, فقال: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم))

 والحديث النبوي الشريف, عَنْ بُرَيْدَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ, رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ, فَعَلِمَ ذَاكَ, فَذَاكَ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ, فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ, فَهُوَ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ, فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 واحد قرأه لي خطأ من يومين, قال لي: قاضيان إلى النار، وقاضٍ إلى جهنم، يعني الثلاثة إلى النار، هو:

((الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ, رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ, فَعَلِمَ ذَاكَ, فَذَاكَ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ, فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ, فَهُوَ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ, فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 فقال له: فافهم إذا أدلي إليك حقوق العباد، الظلم يهتز له عرش الرحمن، -اسمع هذا الحديث، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ:

((اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ, فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

كافر، مجوسي، عابد صنم، ملحد، لا شأن لك، هذا عبد لله عزَّ وجل, عليك أن تعدل في حكمك.
 أحياناً معلم, يأتيه طالبان صغيران متخاصمان، فيضرب الاثنان معاً، حطمت الطفل الصغير، واحد مظلوم، والثاني ظالم، ضرب الاثنين، وقال لهم: اخرجوا إلى خارج المدرسة، ماذا فعلت أنت؟ هذا طفل، هذا نفس، شك بالقيم كلها، حقد على الإنسانية، ما عمل شيئًا إلا أن رفيقه ضربه، جاء عندك، وعملك قاضي, قال لك: أستاذ هذا ضربني، افتح يدك, ضرب الأول والثاني، حتى على هذه الحادثة ظلم شديد.
 أحياناً الأب يكرم ابنًا دون ابن، يعتني بابن دون ابن، النبي عليه الصلاة والسلام نهانا أن نميز بين أولادنا في القُبَل، أنت جربها إذا كان عندك ابن صغير قبِّله، وانظر إلى الثاني تجده ينظر إليك، وكأنه يزورك، ما تقبلني أنا, تحطمه، فهذا القضاء ليس على الذي يجلس على القوس، ولكن الأب قاض، المعلم قاض، مدير المعمل قاض، رئيس الدائرة قاض، عملياً القاضي يفصل بين المرؤوسين، فلما يميل الإنسان فقد قال الله عزَّ وجل:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾

[سورة الأنعام الآية: 81]

 انظروا الأمن, قال تعالى:

﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 81]

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 82]

نفهم من الآية: أن هناك مَن يؤمن بالله، ويلبس إيمانه بظلم، هذا لن يكون آمناً في حياته، ما دام في ظلم، أحياناً زوجتان، ظلم واحدة منهن، أحياناً ولدان، أو بنتان؛ بنت أخذ لها بيتًا، واعتنى بزوجها، والثانية لا يحب زوجها، هذه يكرمها، وتلك لا يكرمها.
 أحياناً الحمو تظلم الكنة كثير، إذا تجدها ابنتها حريصة عليها، إذا تأخرت بالنوم تقول: مسكينة تعبت، أما إذا الكنة تأخرت، مثل القردة، لماذا إلى الآن متأخرة بالنوم؟ هذا ظلم كبير، فهذا الكلام ليس للقاضي فقط، للحمو، للزوج، للأب، للمعلم، لرئيس الدائرة، كل إنسان تحت يده في عشرة، خمسة-.
فقال له: فافهم إذا أدلي إليك, وأنفذ إذا تبين لك، -إذا أدلى لك الخصم فافهم تمام, اطلب الأدلة.
 التنفيذ ضروري جداً، فمما يذهب قيمة العدالة عدم التنفيذ، قرار صدر لا بد من سرعة التنفيذ، فإنه لا ينفع حقٌ لا نفاذ له، القرار ما عاد له قيمة، إذا أنت حكمت على فلان، وفلان ما تنفذ فيه الحكم، ما عاد للقرار قيمة- قال له: فافهم إذا أدلي إليك، وأنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفق حقٌ لا نفاذ له، آسي بين الناس في مجلسك ووجهك.

 

رسالة من أحد الولاة إلى عمر بن الخطاب:

 -قيل: إن سيدنا عمر, جاءته رسالة من أحد الولاة, قال له:

((إن أناساً, قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم, إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت؟. فقال له: ويحك أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله؟ وهل ينجيك رضائي من سخط الله؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت، فخذهم بالبينة, ثم ادعهم للإقرار، فإن أقروا, فخذهم بإقرارهم، ثم ادعهم لحلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، وايم الله لأن يلقوا الله بخياناتهم, أهون من أن ألقى الله بدمائهم))

من روائع التاريخ:

 يروى أن سيدنا عمر, كان إلى جانبه سيدنا علي، جاء رجل يهودي يرفع قضيةً على سيدنا علي، ماذا فعل سيدنا عمر؟ قال له:

((قم يا أبا الحسن فقف إلى جنب الرجل، -لأنه آسِ بين الناس في مجلسك ووجهك، فسيدنا علي غضب، ليس له حق يغضب, هذا قضاء، حكم بالقضية لسيدنا علي، لأن الحق كان مع سيدنا علي- قال له: يا أبا الحسن أوجدت علي؟ قال له: نعم, -ما هو الموضوع؟- قال له: لم قلت لي: يا أبا الحسن، ولم تقل لي: يا علي؟ لقد ميزتني عليه))

 إذا قال القاضي للواحد: أبو فلان، ما هو الموضوع, اذكره لنا؟ تفضل، هذا كرسي، والخصم الثاني واقف: ما هو الموضوع؟ ما هو اسمك أنت؟ هذا القاضي وقع في إثم كبير، اسم باسم، اقعد اقعد، قف قِف، عبوس عبُوس، طلاقة وجه، طلاقة وجه، واحد تفضل اقعد، وواحد عبس في وجهه، واحد أبو فلان، وواحد ما هو اسمك أنت؟ هذا ظلم.

 

من ذاكرة التاريخ:

 يروى أنه في العهد الأموي, كان أحد القضاة, عُرف أنه يحب الرطب, بل يحبه في بواكيره، في أول ما يثمر، فمرة طرق الباب، جاء رجل, فقدم لهذا القاضي طبقًا من الرطب، فسأل:

((من جاء بهذا؟. قال له الخادم: جاء رجل شكله كذا وكذا، فعرف القاضي أن هذا الرجل أحد الخصوم في قضية عنده، فردَّه له، ما قبض، وثاني يوم ذهب إلى أمير المؤمنين وقال له: أعفني من هذا المنصب, لمَ؟. قال له: والله لا أريد، فبعد أن ألح عليه, قال له: والله حدث معي البارحة كذا وكذا، فأنا رددت الطبق، لكن تمنيت في اليوم الثاني, أن يكون الحق مع الذي قدم الطبق، فقط تمنيت، وقد رددته، فكيف لو أخذته؟ -الطبق رده ولم يأخذه، ولكنه تمنى في اليوم الثاني, أن يكون الحق مع هذا الذي قدم هذا الطبق- قال له: هذا مع أني رددته, فكيف لو قبلته؟))

 فالعدالة دقيقة جداً، وربنا عزَّ وجل هو الحق.
 يقولون: إنه في الحرب العالمية الثانية، إحدى الدول المهزومة بالحرب، رئيس وزارة التفت لأعضاء المجلس، وسألهم واحِداً واحداً قال له: كيف الوضع عندك يا فلان؟ قال له: المعامل كلها مهدمة، كيف الوضع عندك؟ قال له: في إفلاس عام، كيف الوضع؟ فالتفت إلى مَن بيده أمور العدل قال له: وكيف العدل عندك؟ قال له: بخير، فقال: نحن جميعاً بخير، مادام العدل صحيحًا, فنحن جميعاً بخير-.

 

من وصايا عمر في القضاء:

 

1-موضوع البينة:
قال سيدنا عمر: آس بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريفٌ في حيفك، ولا ييأس ضعيفٌ من عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.
 -يعني عبء تقديم الأدلة على المدعي، والمدعى عليه إذا أنكر، فلك أن تدعوه لحلف اليمين الحاسمة، وهذه اليمين الحاسمة يمين غموس، ومعنى غموس: أن الإنسان لو حلف كذباً, لاقتطاع حق امرئ مسلمٍ, فقد غمس في النار، وهذه اليمين الغموس ليس لها كفَّارة، لماذا؟ لأنها تخرج صاحبها من الإسلام، الموت ما له دواء، مات، الدواء لواحد فيه حياة، فيه أمل، الكفارة ليمين منعقدة، أما اليمين الغموس فلا كفارة لها، لأنها تغمس صاحبها في النار، يحتاج الإنسان بعدها إلى تجديد إسلامه، يشهد الشهادتين مرة جديدة.
وربنا عزَّ وجل أحياناً, الإنسان يسمع حوادث, أن هذا حلف يمين، وما صار له شيء، مضت ثماني سنوات أخذ المليون، وما صار له شيء، وإنسان لا يتخطى باب المحكمة إلا ويقع مفلوجًا، يا ترى ما هذه وما تلك؟ ربنا عزَّ وجل قال:

﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 137]

 وقال في آية ثانية:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 11]

 (ثم, والفاء)، قد تكون الحكمة: أن الله سبحانه وتعالى, يعاقب هذا الذي حلف يميناً غموساً في الساعة نفسها، وقد تكون الحكمة أن يمد له، يعطيه فرصة، فهذه من حكمة الله عزَّ وجل-.
فالبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائزٌ بين المسلمين, إلا صلحاً أحل حلالاً أو حرم حراماً.
 -كل عقد خلاف نص القانون باطل، اعمل عقدًا مع إنسان على دكان, أن هذه إجارة سنة واحدة، تقدر تقيم دعوى على إنسان؟ لأن هذه المادة خلاف القانون، المحل التجاري لا يخلف، لأنه مدفوع فروغ، مليون فروغ، وتريد إخراجه انتهى العقد, يجب أن يأخذ فروغ أولاً ليبيع هذا المحل، كل عقد مخالف للقانون باطل، وهذه القاعدة: الصلح جائزٌ بين المسلمين إلا صلحاً أحل حلالاً أو حرم حراماً، يعني أي اتفاق بين المسلمين إذا كان مخالف لكتاب الله باطل-.
2- مراجعة الحكم إذا ألبس عليه والعودة إلى الحق:
قال: ولا يمنعنك قضاءٌ قضيته بالأمس, فراجعت فيه نفسك، وهُديت لرشدك, أن ترجع إلى الحق.
 -أنا أعد الإنسان بطلاً, إذا تراجع عن خطئه، من علامات بطولته، من علامات رجولته، من علامات فهمه، من علامات ورعه، من علامات استقامته أن يقول: أخطأت بملء فمه.
سيدنا عمر على المنبر, وهو ثاني الخلفاء الراشدين, قال:

((أصابت امرأة وأخطأ عمر))

مكانته هي هي، ولكن الإنسان يغلط أحياناً، الإنسان غير معصوم.
 فقال له: إذا ارتكب واحد غلطة يعتذر، يتراجع، يبين الصواب، فكل إنسان يتعنت، ويصر على خطئه، وعلى انحرافه, أو على أفكاره غير الصحيحة, فهذا إنسان غير عالم-.
قال: فلا يمنعنك قضاءٌ قضيته بالأمس, فراجعت فيه نفسك، وهديت لرشدك, أن ترجع إلى الحق, فإن الحق قديم لا يبطله شيء.
 -عوّد أن تتراجع عن خطأك مع أسرتك، مع أولادك، مع جيرانك، مع زبائنك، مع طلابك، تزداد عندهم رفعة، نصف العلم لا أدري، لا يوجد شيء اسمه: إنسان لا يخطئ، الأنبياء معصومون، الأولياء محفوظون، عامة الناس يصيبون ويخطئون، ما جاءنا عن هذه القبة الخضراء، سيدنا رسول الله فعلى العين والرأس، وما جاء عن سواهم, فهم رجال ونحن رجال، كل إنسانٍ يؤخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب هذه القبة الخضراء.
 إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، لولا الدليل لقال: مَن شاء ما شاء، عوِّد نفسك أن تطلب الدليل، لا تقبل من إنسان شيء إلا بالدليل، لا ترفض إلا بالدليل، أنت بذلك عالم، أما هذا الذي يقبل من غير دليل, هذا إنسان مقلد-.
3- مراجعة الحق خير لك من التمادي في الباطل مع مثال عليه:
قال: ومراجعة الحق خيرٌ لك من التمادي في الباطل.
-لما كان سيدنا عمر مع سيدنا ابن عوف رضي الله عنهما، وشاهدوا قافلة قد جلست, تستريح في المدينة ليلا، فقال له:

((تعال نحرس هذه القافلة، فسمع صوت طفلٍ يبكي, فنبه أمه أول مرة, والثانية, والثالثة، ففي المرة الثالثة قال لها: يا أمة السوء أرضعيه, قالت: إنني أفطمه، وعمر لا يفرض لنا العطاء, إلا إذا كان فطيماً. سيدنا عمر خاطب نفسه وقال: ويحك يا بن الخطاب, كم قتلت من أطفال المسلمين؟ ولما صلى الفجر بالمسلمين, يقول بعض أصحابه: أنهم ما فهموا قراءته أبداً, لشدة بكائه))

 تبقى مكانتك هي هي، غلطت تتراجع، تبقى أنت حيث أنت، بل تزداد في نظر الناس رفعةً-.
4- بيان موضع الاجتهاد:
 قال: الفهم الفهم, فيما تلجلج في صدرك, مما ليس في كتاب الله.
-إذا كان في قضية, فيها آية قرآنية, انتهى الأمر، لأنه:

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

[سورة الأحزاب الآية: 36]

 إذا حرم الله الربا فهو حرام، انتهى الأمر، لا يوجد فلسفة هنا، أخي الوضع صعب، بعد ما ربنا عزَّ وجل حرَّم حرَّم، حلال حلال، حرام حرام، بينهما أمور مشتبهات، من ترك الشبهات, فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومَن حام حوى الحمى, يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى, ألا وإن حمى الله محارمه، فالإنسان فيما فيه نص، لا اجتهاد في موطن النص، في قضية فيها نص, قال تعالى:

 

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

 

[سورة النور الآية: 30]

 هذه الآية ليست كما تقصد أنت، لأن الزمان صعب، والطريق كله نساء، والواحد شغلته مع النساء، أين يذهب بعيونه؟ قال تعالى:

 

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

 

[سورة النور الآية: 30]

 لا اجتهاد في مورد النص، وإذا وُجد حديث صحيح شريف, انتهى الأمر، كذلك لا يوجد اجتهاد، أما قضية ليس فيها نص قرآني, ولا من السنة، الآن نحتاج للقياس والإجماع، الإجماع والقياس, هذان مصدران تشريعيان فرعيان، الأصيلان القرآن والسنة-.
فقال له: الفهم الفهم, فيما تلجلج في صدرك, مما ليس في كتاب الله، ولا في سنة نبيك، واعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور عند ذلك.
-النبي قال:

((لا يقضي القاضي وهو غضبان))

 قاس العلماء عليها: وهو جائع، وهو منزعج، هو حاقن, لا يجوز يقضي، هذا قياس، الخمر حرام، والحشيش حرام، وكل المسكرات حرام، يقاس عليها- اعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق فيما ترى.
5- إيجاد العذر للمدعي أول مرة ويسقط في المرة الثانية إن لم يأت ببينة:
قال: واجعل لمن ادعى حقاً غائباً.
 -واحد ادعى واضطر يسافر، لأنه غاب أول جلسة الدعوى تسقط؟ لا، بل تعطيه تأخير شهر ثاني، اجعل لمن ادعى حقاً غائباً، أو بينةً، أمداً ينتهي إليه، إذا غاب ثاني جلسة, تسقط الدعوى، ويصدر في حقه حكمٌ غيابي للمدعى عليه, فإن أحضرت، قال لك: أمهلني, أريد أن آتي لك بالوثيقة، مبلغ أنا دافعه، أين دافعه؟ عندي إيصال، والإيصال تركته بمكتبتي, نسيت أين هو، وأحتاج شهرا لأخرجه.
إذا طلب أحد الأطراف من القاضي تأجيل الدعوى لإحضار بينة, فعلى القاضي أن يفعل ذلك- فإن أحضر بينةً, أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضاء، فإن ذلك أنفى للشك، وأجدى للعمى، وأبلغ في العذر.
6- المسلمون عدول في الشهادة:
 قال: المسلمون عدولٌ في الشهادة، -الأصل في الحياة: أن الإنسان بريء ما لم يتهم، الأساس أنه بريء ما لم يتهم- فالمسلمون عدولٌ في الشهادة بعضهم على بعض، إلا مشدوداً في حد، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاءٍ أو قرابة.
-شريح القاضي, جاءه سيدنا علي رضي الله عنه، يدعي على يهودي اغتصابه درعاً له، سيدنا علي عنده درع ثمينة جداً، افتقدها، رآها مع يهودي، قال:

((هذه لي, قال: كلا, بل هي لي، -اختصموا وهو أمير المؤمنين- رفع الأمر إلى شريح القاضي, فقال له: يا أمير المؤمنين البينة، أو شاهداك، فجاء بشاهد وهو غلامه، وجاء بابنه سيدنا الحسن، فقال له: أما غلامك فشهادته مقبولة، وأما الحسن فشهادته مرفوضة، قال له: النبي عليه الصلاة والسلام بشره بالجنة))

-مرفوضة.
 الآن القاضي لا يأخذ بشهادة الابن، طبعاً هذه الشهادة من مصلحة أبيه، ولا البنت، ولا الزوجة، ولا الأب، ولا الأخ، ولا الأخت، عندنا مجموعة أقارب لا تقبل شهادتهم، لأنه قطعاً هذه الشهادة لمصلحة الأب، هو حكم لليهودي أن الدرع له، ما في بينة كافية، يقال أن اليهودي أسلم، أنه أنا أقف مع أمير المؤمنين أمام قاض، ولأن القضية تفتقر إلى شاهد، صار الحكم لي، أعلن إسلامه-.
 فالمسلمون عدولٌ في الشهادة بعضهم على بعض، إلا مشدوداً في حد، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاءٍ أو قرابة، ولاء أو قرابة، -الآن الشريك مع شريكه، يمكن القاضي يرفض أن يشهد الشريك لشريكه في مصلحة بينهما، شريك، أخ، صديق، إذا كان في علاقة في مصلحة، الشهادة مرفوضة-.
7- إليكم شرح بقية الوصية:
قال: فإن الله قد تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات، وإياك والقلق، والضجر، والتأذي بالناس.
 -إذا أحب الله عبداً, جعل حوائج الناس إليه، فالإنسان لا يتأذى، لا يضجر، لا يتبرم، لا يتململ، لا يسأم، فإذا سئم, ما عرف أن الله سبحانه وتعالى ساق هذا الخير إليه، ورفعه بهذا، يمكن أن تنفر الناس منك وترتاح، لا أحد يطرق بابك أبداً، ولا أحد يكلفك بعمل، لكن عند الله عندئذٍ لن تكون رضياً-.
قال: وإياك والقلق, والضجر, والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر.
 -القضية تحتاج لكشف، لا أطلع، اذهب يا أخي، قال لك: تحتاج لكشف، اطلع اكشف على البيت، أحياناً يكون القرار غير صحيح, حتى لا يبذل القاضي جهدا، هذا محاسب عليه، يقرأ المذكرات كلها قراءة دقيقة جداً-.
قال: فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى, يكفه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيَّن للناس فيما يعلم الله خلافه منه، شانه الله, وهتك ستره, وأبدى فعله.
-كل إنسان يحب أن يكون له موقف أمام الناس جيد، أما هو على خلافه، الله عزَّ وجل يفضحه في عقر داره، لذلك الدعاء الذي يقطع الظهر:

((اللهم إني أعوذ بك, أن أتزين للناس بشيءٍ يشينني عندك، وأعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك, أرجو به أحداً سواك، وأعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني، وأعوذ بك أن أكون عبرةً لأحدٍ من خلقك)) تتزين للناس بشيء، وأنت عند الله لست مقبولاً, هذه مشكلة، ومصيبة كبيرة-.
قال: فما ظنك بثوابٍ عند الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته؟ والسلام))

 طبعاً لو كلفنا مختصين بالقضاء, ليشرحوا هذه الوصية, لاحتاجت إلى سنوات، هذه دستور إن صح التعبير في أصول المحاكمة، هذه الرسالة محورها أصول المحاكمات، أخلاق القاضي, صفات القاضي، حقوق المتخاصمين، المدعي، المدعى عليه، هذه رسالة، لذلك الإنسان كلما اقترب من الله عزَّ وجل نور الله قلبه، وكشف عن بصيرته.

 

موقف أخير لعمر بن الخطاب:

 

 

 يروى أنه دخل على سيدنا عمر وفد من المجاهدين، كانوا يفتحون تكريت وجلولاء، فرأى جسومهم ضامرة، ووجوههم شاحبة، فيسألهم عن سبب ضعفهم، فيجيبونه:

((لأنها بلادٌ رطبة، فكتب لسيدنا سعد, يأمره أن يحسن اختيار مكانٍ يلائم الناس، ويرسم له الطريق فيقول: ابعث سلمان رائداً وحذيفة, فليبحثا عن منزلٍ, ليس بيني وبينكم فيه بحرٌ ولا جسر، وادع أبا زياد بن مالك، وأمره أن يجعلها مناهج - يعني شوارع - عرض مكلٍ منها أربعون ذراعاً، وأخرى عرض كل منها ثلاثون ذراعاً، وأخرى عرض كل منها عشرون ذراعاً))

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018