رياض الصالحين - الدرس : 017 - باب المجاهدة -3- فضل المجاهدة - يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي -1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رياض الصالحين - الدرس : 017 - باب المجاهدة -3- فضل المجاهدة - يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي -1


1988-10-23

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ما هو المقصود من نص الحديث كلمة: (يا عبادي) :

 أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في الحديث النبوي الشريف, وفي باب المجاهدة .
 عَنْ أَبِي ذَرٍّ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى, أَنَّهُ قَالَ:

((يَا عِبَادِي, إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي, وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا, يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ, فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ, فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ, فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ, يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ, وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا, فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ, يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي, وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ, مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي, فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي, إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ, يَا عِبَادِي, إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ, ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا, فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ, وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ, فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

[أخرجه مسلم في الصحيح وأحمد في مسنده]

 قَالَ سَعِيدٌ:

((كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ))

 وقال أحمد بن حنبل:

((ليس لأهل الشام حديثٌ أشرف من هذا الحديث))

 هذا الحديث طويل، وقرأته بسرعة غير إملائية، لأننا سوف نقف في بعض أجزائه إن شاء الله تعالى وقفات طويلة .
 ربنا سبحانه وتعالى يقول: يا عبادي؛ هذا نسب تشريف، لما ربنا عز وجل ينسب العباد إلى ذاته .
 أحياناَ يقول الأب لابنه: يا بني أنت ابني، فلو أن الإنسان كان على درجة ما, من الحساسية، من رقة الشعور، لذاب لهذه الكلمة، هل أنت من عباد الله؟ ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية: 63-66]

 الآيات طويلة، هذه الآيات تصف عباد الله، تصف عباد الرحمن، فالحقيقة: ثمة نَسَب بالضرورة، ونسب حقيقي، فكلنا عباد الله، لكن مَن منا في مستوى هذه العبودية لله، هنا المشكلة، كل إنسان على وجه الأرض بشكل أو بآخر، شاء أو أبى, هو عبد لله، لكن بين أن يكون هذا العبد عبداً حقيقة، وبين أن يكون هذا العبد عبداً شكلاً، فما دمت إنساناً على وجه الأرض تمشي, فأنت عبد لله، لكن شتان ما أبعد الثرى عن الثريا، ما أبعد الإنسان أن يكون عبداً لله بالضرورة، وأن يكون عبداً لله بالحقيقة .
 لذلك: يروى أن النبي عليه الصلاة والسلام, حينما وصل إلى سدرة المنتهى، هكذا تروي بعض الروايات، قال:

((يا محمد اطلب تعط، قال: يا رب اجعلني عبدك))

 اجعلني في مقام العبودية, فهو أشرف مقام يناله الإنسان، فالإنسان كلما كان عبداً لله, كلما رفعه الله عز وجل، وهل من مخلوق على وجه الأرض نال من العز، والرفعة، والتكريم ما نال النبي عليه الصلاة والسلام؟ لأنه كان عبداً لله قال:

((إنما أنا عبد, آكل كما يأكل العبد، وأنام كما ينام العبد))

 دخل عليه رجل, فأصابته رعدة، فقال عليه الصلاة والسلام:

((هَوِّن عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش, كانت تأكل القديد في هذه البطحاء))

 فمعاني العبودية معاني كثيرة جداً، فأنت في مستوى العبودية، فإذا تطلَّع الإنسان إلى ما لا يليق به, فقد تجاوز حد العبودية، إذا كَفَّر فلاناً أو علاناً, فقد تجاوز حد العبودية، إذا قال: سيكون كذا أو كذا, فقد تجاوز حد العبودية, ربنا عز وجل قال:

﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 50]

 سيد المرسلين، وإمام الأنبياء، وحبيب الله، وسيد ولد آدم, قال:

((لا أعلم الغيب))

 لذلك أية جهة على وجه الأرض, مهما علا شأنها، إذا ادعت أنها تعلم الغيب, فهي كاذبة، لا يعلم الغيب إلا الله, قال تعالى:

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾

[سورة الجن الآية: 26]

 انظر فمراتب العبودية لا تعلم الغيب .
 آية ثانية:

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

[سورة الأنعام الآية: 15]

 فهذا الذي يعصي ولا يخاف, ليس عبداً لله، من لوازم العبودية: أن الذي يعصي, لا بد من أن يدفع الثمن، لو تيقنت من هذه الحقيقة, لكنت إنساناً آخر .
 آية ثالثة:

﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾

[سورة الأعراف الآية: 188]

 أنا عندي سؤال لكم، سؤال يجب أن يسأله كل إنسان يسأل نفسه: هل أنا عبد لله؟ هل أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم؟ هذا الذي يعصي كيف يتوازن مع ذاته؟ كيف ينام الليل؟ كيف يطمئن؟ أن يسخط الله عنه وهو يضحك؟! .
سيدنا عمر يقول:

((عجبت لثلاث؛ عجبت لمؤملٍ والموت يطلبه, وعجبت لغافل وليس بمغفول عنه، وعجبت لضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط عنه الله أو راضٍ؟))

 فلذلك: كلمة: يا عبادي, هذه كلمة، لما ربنا عز وجل قال:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات الآية: 56]

 العبادة أن تطيعه طاعة طوعية، ولن تستطيع أن تطيعه هذه الطاعة الطوعية, إلا إذا عرفته معرفة يقينية، إذا أطعته هذه الطاعة الطوعية المبنية على معرفةٍ يقينية، فلا بد من أن تفضي بك إلى سعادة أبدية في الدنيا والآخرة .
 لذلك تكاد تكون العبادة كما أرادها الله عز وجل علة الخَلق، يعني خلقك ليسعدك، ولن تسعد إلا إذا أطعته، ولن تطيعه إلا إذا عرفته، لذلك العدو رقم واحد في حياة الإنسان, هو الجهل، ذلك قال الله عز وجل:

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾

[سورة طه الآية: 114]

 قال الإمام الشافعي: إذا أدرت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، إن الله عالم يحب كل عالم، لذلك ما طرح ربنا عز وجل في القرآن الكريم قيمةً يتفاضل بها الناس، إلا قيمة واحدة، ألا وهي قيمة العلم, قال تعالى:

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة الزمر الآية: 9]

 يكاد يكون طلب العلم فريضةً على كل مسلم، بل حقيقة طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، لذلك الإنسان بلا علم كالبهيمة، يأخذ من كل حيوان بعض أخلاقه، لكن الذي يتعلَّم العِلم الشريف, فهذا الذي يرقي إلى مستوى الإنسان .
 فدائماً في بالي هذا الموضوع: هل نحن في مستوى أن نكون عباداً لله عز وجل؟ العبد مطيع، العبد مستسلم، العبد متوكل، العبد راضٍ، العبد يصبر, قال تعالى:

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

[سورة الإنسان الآية: 24]

 الإنسان أحياناً يقرأ آية، معناها سهل وواضح، لكن أحياناً يتفاعل معها، ربنا عز وجل يخاطبك أيها العبد, يقول لك:

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

[سورة الإنسان الآية: 24]

 أي يا عبدي, إذا ما استوعبت شيئًا، أو لم تفهمه, أو وجدت في قسوة فاصبر، وسوف ترى أن الصبر مفتاح الفرج، واصبر وما صبرك إلا بالله، يعاب من يشكو الرحيم إلا الذي لا يرحم، الصبر نصف الإيمان، الإيمان نصف صبر، ونصف شكر، الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، إذا كنت عبداً لله, يجب أن تصبر، هذه مشيئته، هذا المحبوب هو أراد ذلك، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادته متعلقةٌ بالحكم، والحكمة متعلقةٌ بالخير المطلق، الشيء قبل أن يقع اسع واجتهد، لكن ما دام قد وقع, فقد أراده الله، وما دام الله قد أراده, فإن هذا الشيء فيه حكمة بالغة، وهذه الحكمة متعلقة بالخير المطلق، ولكن اصبر وسوف ترى أن الله سبحانه وتعالى, يريك طرفاً من حكمة هذا الشيء .
 لذلك أهل الجنة إذا دخلوا الجنة, يلخِّصون علاقاتهم كلها مع ربهم, منذ أن خلقهم ربهم, إلى أن أدخلهم الجنة بكلمة واحدة, وهي: الحمد لله رب العالمين .
 في الدرس الماضي ذكرت بعض الملاحظات, حول السير في طريق الإيمان، الحقيقة خطر في بالي مثل: أن الإنسان أحياناً لكي يتحرك إلى الله عز وجل، حتى يتصل بالله، في شروط لا بد من توافرها، أنت اشتريت آلة، وهذه الآلة معلق عليها آمال كبيرة، أخي إنتاجها بالساعة أربعون ألف قطعة، القطعة فيها ربح مئة بالمئة، هذه الآلة لها شروط، تحتاج إلى تركيب معين، إلى مواد أولية معينة، إلى صيانة معينة، فإذا أنت أهملت هذه الشروط, تتوقف الآلة، ويتوقف معها الربح .
 فإذا كنت أنت حريصا على الاتصال بالله عز وجل, فهناك شروط، لذلك الفرق بين الثقافة الدينية والسير في طريق الإيمان فرقٌ شاسع، أنت يمكن ألاّ يكون عندك بيت، وليس بإمكانك أن تشتري بيتًا، لكن جلست مع مهندس, أراك خرائط لبناء ضخم، وعلى قدر ما وجدت معادلات, وزوايا, وحساب، ما هذا المهندس، إنسان عظيم، أنت بلا بيت، لا يوجد عندك بيت، لكن هذا المهندس أعطاك نماذج من حساباته الدقيقة، شيء يأخذ بالألباب، ثلاث عشرة خريطة، هذا أول طابق، هذه الأساسات، هذا ثاني طابق، هنا معدل الإسمنت، هنا قوى الضغط، هنا قوى الشد، ما هذا؟ .
 فإذا علمك إنسان شيئًا من الدين، أعطاك أحكامًا معينة، فأنت تعجب بهذه الأحكام، لكن إذا دلك إنسان على الله عز وجل, حيث تسكن في بيت، فشتان بين أن ترى خرائط رائعة، وتعجب بالمهندس، وبين أن تسكن في بيت مريح، مرتب، مفروش، منظَّم، متين، فالطريق إلى الله عز وجل أعظم من الثقافة الإسلامية، الإنسان يقرأ كتابًا فيتثقف في الإسلام، يقرأ كتابًا ، يسمع محاضرة، يسمع شريطًا أحياناً، يقول لك: هذا شيء جميل، والله خطبة رائعة، أهذه هي العملية؟! العملية أخطر من ذلك، وأعقد من ذلك, إذا أنت لم توفر الشروط للسير إلى الله عز وجل، فهذا الذي تعلمته أو سمعته, لا يعدو أن يكون ثقافة، معلومات إسلامية محشورة بالذهن فقط، لكن من أجل أن تسعد بالله عز وجل، يجب أن توفِّر جميع الشروط, التي تعينك على الاتصال به .
 فأولاً: الاستقامة، فإذا ظنّ الواحد الدين عملية سماع دروس، وذهاب إلى المسجد، وعودة من المسجد، ولم يلتزم التزامًا صحيحًا، فهذا البرميل متى يُملأ؟ إذا كان له قعر، الاستقامة هي القعر، ولكن لا يوجد قعر، إذاً: هناك خلل، ثقب صغير, يفرغه في ربع ساعة، إذا لم يكن له قعر, فلا يُملأ إطلاقاً، فلما لا يستقيم الإنسان, كل شيء يسمعه, ليس له أثر في حياته، فقط محسوب على المسلمين، محسوب عند الناس, أن هذا صاحب دين، هذا من الجامع الفلاني، فإذا لم يستقم, لم يقطف ثمار الدين، فحتى يتعامل مع الله تعاملا صحيحًا، حتى يتعامل معه تعامل الصلح، والصلح مبني على التوبة، وعلى العبودية لله عز وجل .
 فلهذا لما يقول ربنا عز وجل: يا عبادي, معنى ذاك: أنك يجب أن تكون عبداً لله في الطاعة، وفي الاتصال، وفي التقرب، وفي التوكل، وفي الصبر، وفي الاستسلام، وفي الانقياد ، وفي كل الصفات التي وجب أن تكون متحلياً بها .
 فهذا الذي أقوله نابع من حرصي عليكم، إذا كان أحدنا لم يعمل مراجعات وحسابات مع نفسه، هناك خلل ومخالفات بالدخل، بالتعامل مع الناس، بالعلاقات الاجتماعية، بالصرف، بإنفاق المال، بكسب المال، باللسان: يا ترى أنا لساني فيه مخالفات؟ عشرون آفة من آفات اللسان مرت معنا في إحياء علوم الدين؟ يا ترى أنا مطهر لساني من هذه الآفات؟ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]

 يا ترى لساني مطهر؟ يا ترى عيني هل تنظر إلى عورات المسلمين؟ تتبع عينك منظر امرأة؟ يا ترى أذني هل تستمع إلى شيء باطل؟ هل تستمع إلى ما حرمه الله من غناء، من لهو، من غيبة، من نميمة، من فحش، من بذاءة، من مزاح رخيص؟ يا ترى أنت ضبطت بصرك، ضبطت سمعك، ضبطت تفكيرك؟ الخواطر الشريرة العقاب عليها, أنها ربما أصبحت أفعالاً تحاسب عليها؟ يا ترى ضبطنا عيوننا، ضبطنا آذاننا، ضبطنا خواطرنا، ضبطنا أيدينا, ضبطنا أرجلنا، ضبطنا علاقاتنا الاجتماعية في البيت، ضبطنا علاقاتنا مع الزوجة، مع الأولاد ، مع البنات، مع الجيران، مع الزبائن، مع المراجعين إذا كنت موظفًا؟ .
 فلما يضبط الإنسان علاقاته مع الله عز وجل, يصبح إنسانًا آخر، ربنا عز وجل يتجلى على قلبه، يقول لك: ليس هناك أسعد مني، وهذه من علامة الإيمان، إذا التقيت مع إنسان مؤمن حقاً, يشعر أن الدنيا ترقص له، لأن الله عز وجل راض عنه، إذا كنت عنا راضياً فهو قصدنا, صدق القائل:

 

فـليتـك تحلـو والحياة مريرة  وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبــينك عامر  وبيـني وبين العالمين خراب

 فالذي أرجوه وأتمناه عليكم, حتى الإنسان يكسب حياته، وحتى يصل إلى ثمرة يانعة, يقطفها في الدنيا قبل الآخرة، عليه أن يضبط علاقاته الاجتماعية، وعلاقاته مع ربه، ليست القضية قضية حضور، وليست القضية قضية سماع، ولا القضية قضية كتابة، ولا القضية فهم, ولا القضية تكلم، القضية قضية التزام كامل في الإسلام، فمَن شاء أن يتزود بالثقافة الإسلامية, فالقضية سهلة جداً، منابع الثقافة الإسلامية واسعة جداً؛ كتب لا تعد ولا تحصى، خطب، دروس، محاضرات، كل شيء متوافر، ولكن أثمن ما في الإسلام, هو أن تسير إلى الله عز وجل، هذا السير يريد مجاهدة .
 ألخص لكم هذه الكلمة بقول الإمام الغزالي رضي الله عنه: جاهد تشاهد، عندما تستقيم استقامة كاملة الله عز وجل, يفتح لك حجاب، لما يحصل هذا الاتصال مع الله عز وجل، ويأتيك هذا التجلي, فكأنك إنسان آخر، وتقول، وأنا معك في هذا القول: إنني ولدت من جديد، إنني إنسان آخر، فلذلك: ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام بأصحابه؟ كانوا أشخاصًا في الجاهلية, فجعل منهم أناساً كأنهم فوق البشر، كأنهم ملائكة، هم بشر، ولكنهم كالملائكة، لأنه ضبطهم ووجههم إلى الله عز وجل, قال تعالى:

 

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 164]

 فنحن لا نريد إنسانًا يقول: لي سنتان، ثلاث، خمس، حتى يكون هذا الزمن, قد استهلكه من أروع طريقة, يجب أن تلتزم بأمر الله .
 فربنا عز وجل قال: يا عبادي، وكأنه يريد أن نكون عباده كما يريد, عبد الله لا يغضب إذا حرمه الله من الدنيا، فهو دائماً في استسلام، إذا أعطاها إياه يشكره، وإذا منعه منها يصبر، عبد الله متوكل على الله عز وجل، إذا أردت أن تكون أغنى الناس, فكن بما في يدي الله, أوثق منك بما في يديك .
 الآن: في العالم الإسلامي هل هناك شرك جلي؟ لا يوجد، لو ذهبت إلى كل أقطار العالم الإسلامي من أقصاها إلى أقصاها، في محيط ألف مليون إنسان, لا يوجد شرك جلي، ما هو الشرك الجلي؟ أن تعبد بوذا، بوذا إله يعبد من دون الله، في أمم في شرق آسيا، وفي جنوب بعض البلاد, تعبده من دون الله، فهذا الشرك؛ إذا عبدوا بوذا، وجعلوه إلهاً، وجعلوا الميكادوا إلها باليابان، فهذا اسمه شرك جلي .
 لكن لما يعتمد الإنسان على الأسباب؛ إذا اعتمد على ماله, فهذا شرك خفي، إذا اعتمد على أولاده, هذا شرك خفي، إذا اعتمد على زوجته, فهذا شرك خفي، إذا اعتمد على فلان وفلان, وما أدراك ما فلان؟ فهذا شرك خفي، لذلك قالوا: الاعتماد على الأسباب هو الشرك الخفي، والذي يعتمد على الأسباب معذَّبٌ دائماً، لأنه لا يخلوا من أن يخاف من فقدِ الأسباب، فالذي معتمد على ماله, ما الذي يخيفه؟ أن يذهب هذا المال، فهو في عذاب، فهو في عذاب خوف أن يذهب المال، وهو في عذاب حينما يذهب المال، إذاً: في كلا الحاليين فهو معذب بهذا الشرك، أما إذا اعتمدت على الله عز وجل, فهذا هو التوحيد .
 فأردت أن أقف في هذا الحديث القدسي عند كلمة: يا عبادي، لأنها وردت مرة, اثنين ، ثلاثة، مرات عديدة وردت، يا عبادي، وكأن الله سبحانه وتعالى ينسب عباده إلى ذاته العلية ، وهذا نسب تشريف، فربنا عز وجل شرفنا, وقال: يا عبادي، فإذا كان للمسلم أخطاء، وعليه ذنوب, فليتلُ قوله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[سورة الزمر الآية: 53]

 استغل ضربات القلب، ما دام القلب يضرب, فالباب مفتوح، استغلها ما دام في الحياة بقية، ما دام فيك رمق، ما دام هناك أمد في الحياة, فباب التوبة مفتوح على مصراعيه, قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[سورة الزمر الآية: 53]

إليكم المعنى الرئيسي من شق هذا الحديث: ( يا عبادي ............ فلا تظالموا) :

 الشيء الثاني: يقول الله في هذا الحديث القدسي:

((يا عبادي, إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا))

 تظالموا على وزن تفاعلوا، وزن تفاعل فيه مشاركة، إذا قلنا: فلان أرسل إلى فلان رسالة، عندنا مرسِل، وعندنا مرسَل إليه، إذا قلنا: فلان قتل حشرةً، عندنا قاتل، وعندنا مقتول ، فوزن فعل: قتل، أرسل، هذا يفيد أن هناك فاعل، وهناك مفعول به، لكن إذا قلنا: راسل، هو أرسل رسالة, فهو فاعل، وتلقى رسالة، فهذا الفعل على وزن فاعل, فيه مشاركة، فنقول: قاوم ، ناضل، قاتل، راسل، ناوش، دافع، فهذا الوزن وزن مشاركة .
 فربنا قال: لا تظالموا، أي لا يظلم بعضكم بعضاً، أحياناً الإنسان يظلم المشتري بالعسر، قال له: هذه بضاعة أجنبية، وهي غير أجنبية، أخذ منه سعرًا عاليًا، هذا بللور ياباني ، وهو بللور وطني، صنّفه مع الأجنبي، أخذ ثمنه ثلاثمائة ليرة، هذا ظالم، ظلمته بالسعر، أو ظلمته بالنوع، أو ظلمته بالكمية، تجد الكمية أقل مما يجب، فهناك ظلم بالكمية، وظلم بالنوعية ، وظلم بالسعر، فهذا كله ظلم، لا تظالموا .
 أحياناً الإنسان يظلم زوجته، أحياناً هي تظلمه، لا تعطيه حقه؛ له عندها حق، تمنعه حقه، وقد يمنعها حقها، أحياناً الإنسان يظلم أولاده، أحياناً الأولاد يظلمون أباهم، أحياناً يظلم الإنسان جاره، فكل أنواع الاعتداءات هو ظلم، أي تجاوز الحق إلى حق الآخرين، لذلك ربنا عز وجل قال:

((يا عبادي, إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا))

 لذلك تكلمنا قبل قليل: لو سمعت مليون قصة مفادها: أن فلانا أو علاناً يعلم الغيب, فهذه القصص كلها كاذبة، قولاً واحداً، الآن لو سمعت مليون قصة، أن هناك ظلمٌ بين العباد, فهذه القصص كلها غير صحيحة، في ظلم ظاهري، وربنا عز وجل قال:

﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾

[سورة الإسراء الآية: 71]

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾

[سورة الكهف الآية: 49]

﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾

[سورة الروم الآية: 9]

 فهذه الآيات والأحاديث تفيد أنه لا ظلم، هناك ظلم ظاهري، ولكن ليس بظلم حقيقي .
 في آخر الحديث القدسي فقرة هي الحقيقة، يسمونها بيت القصيد، آخر الحديث يقول الله سبحانه وتعالى:

((يا عبادي, إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوَفِّيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك, فلا يلومن إلا نفسه))

((يا عبادي, إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا .. ))

 طبعاً هذه فلا تظالموا، هذه تعقيب عليها:

((فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))

 إن شاء الله في درس قادم، نتابع شرح هذا الحديث القدسي، وهو من الأحاديث التي فيها أسس كبيرة من أسس التوحيد .

 

ما قصة هذه المقولة : (متى استعبدتم الناس .......) :

 والآن إلى سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه .
 سيدنا عمر له قصةٌ مع سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقد وفد على سيدنا عمر فتىً مكروب حزين من مصر، هذا الفتى وفد عليه, وقال:

 

((يا أمير المؤمنين, هذا مقام العائذ بك .
سيدنا عمر يستوضح من هذا الفتى الأمر، فعلم أن محمد بن عمرو بن العاص قد أوجعه ضرباً، لأنه سابقه فسبقه، فعلا ظهره بالسوط، وهو يقول: خذها وأنت ابن الأكرمين، ابن سيدنا عمرو بن العاص, هو الذي فتح مصر .
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه, دعا عمرو بن العاص وابنه محمداً، قال الكاتب: ولندع أنس بن مالك رضي الله عنه, يروي لنا النبأ, كما شهده ورآه، قال: فو الله إنا لجلوس عند عمر، وإذا بعمرو بن العاص يقبل في إزارٍ ورداء، فجعل عمر يتلفَّت باحثاً عن ابنه محمد، فإذا هو خلف أبيه، فقال: أين المصري؟.
فقال: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين .
فقال عمر: خذ الدرة، واضرب بها ابن الأكرمين، فضربه حتى أثخنه، يظهر أن قلبه ملئ منه .
يقول سيدنا مالك ابن أنس: ونحن نشتهي أن يضربه، فلم ينزع عن الضرب حتى أحببنا أن ينزع، اشتهينا مرة ثانية أن يوقف عن الضرب، من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين .
عندئذٍ قال هذا الرجل: يا أمير المؤمنين, قد استوفيت، واشتفيت، وضربت مَن ضربني.
عندئذٍ يقول عمر: أما والله, لو ضربته ما حُلنا بينك وبينه, حتى تكون أنت الذي تدعه.
والتفت إلى عمرو بن العاص, وقال: يا عمرو، متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ .
-هذه المقولة تعد هي المادة الأساسية في حقوق الإنسان، فالغرب يطبل، ويزمر, ويملأ الدنيا صخباً وضجيجاً, لأنه أقر حقوق الإنسان، سيدنا عمر قبل ألف وأربعمائة عامٍ وزيادة قال:

((متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟))

((لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى))

 مر أحد الصحابة فيما أذكر, مر بساعة انفعال, أو غضب، أو غلط, فقال لسيدنا بلال:

((يا بن السوداء، فبلغ هذا النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا فلان, إنك امرؤ فيك جاهلية))

 -ماذا فعل فلان؟- وضع رأسه على الأرض, ليضع بلال قدمه فوق رأسه, فلعل النبي يرضى))

 

قال له: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟، ثم التفت سيدنا عمر إلى المصري، وقال: انصرف راشداً، فإن رابك ريب فاكتب إلي))

 

أي شيء يحصل بلغني، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

((عدل ساعة أفضل من عبادة ستين عاماً))

من ذكريات سعيد بن عامر الجمحي :

 الآن له مواقف من ولاته، له موقف صارم جداً من أحد الولاة, واسمه سعيد بن عامر الجُمَحِيّ، هذا سعيد بن عامر الجمحي، في عنده حالة إغماء من حين إلى آخر، يكون واقفاً فيقع فجأةً، فمرة سأله: لماذا أنت هكذا؟ .
 هذا سيدنا سعيد ابن عامر الجمحي, كان مشركاً قبل أن يسلم، وقد حضر مصرع خبيب، فسيدنا خبيب وقع أسيراً بيد قريش، وأرادت أن تصلبه، وأن تقتله، فتقدم منه سيدنا معاوية, قال له:

((يا خبيب, أتحب أن يكون محمد مكانك؟ فقال خبيب: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة, يقول سيدنا معاوية : والله ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً
-سيدنا سعيد بن عامر الجمحي, كان يشهد مصرع خبيب، وكان مشركاً، وكان بإمكانه أن ينقذه فما فعل- فيقول: كلما تذكرت موقفي يوم مصرع خبيب، تأتيني هذه الغاشية, يقع مغمياً عليه))

ما هي الشكوى التي أرسلت إلى عمر ضد واليه سعيد بن عامر الجمحي, وماذا أجاب الوالي

 فذات يوم تلقى شكوى ضد والٍ له هو سعيد بن عامر الجمحي، في هذه الشكوى ثلاثة بنود؛ البند الأول: أنه لا يخرج إلى الناس حتى يتعالى النار، والبند الثاني: أنه لا يجيب أحداً بليل، والبند الثالث: أنه يغيب عن الناس كل شهر يوماً، فلا يرى أحداً ولا يراه أحد .
 سيدنا عمر, استدعاه وواجهه بالبنود الثلاثة أو بالشاكين، وقال لهم:

((تكلموا .
فقالوا: لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار .
فقال: أجبهم .
فقال: والله يا أمير المؤمنين, إن كنت لأكره ذكر السبب، ليس لأهلي خادم, فأنا أعجن معهم عجيني، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ وأخرج إليهم، ما عندي خادم ، وأعين أهلي .
وأشرقت أسارير عمر، فقد بدا أنه لن يساء في رجل وثق في دينه، ثم قال للشاكين: وماذا أيضاً؟ .
قالوا: لا يجيب أحداً بليل .
فقال سعيد: والله إني كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم، والليل لله عز وجل، هذا وقت العبادة .
قال عمر: وماذا أيضاً؟ .
قالوا: إن له في الشهر يوماً لا يقابل فيه أحداً .
فقال سعيد: ليس لي خادم يغسل ثيابي، ففي هذا اليوم أغسلها، وأنتظرها حتى تجف، ثم أخرج إليهم آخر النهار .
سيدنا عمر غمره البشر والحبور, وقال: الحمد لله الذي لم يخيب فراستي فيه))

 يعني جاءت الإجابات مقنعة .

 

لماذا استدعى عمر واليه على حمص عمير بن سعيد, وماذا رأى عمر من حال هذا الوالي ؟

 في مرة أرسل إلى عُمَيْر بن سعيد واليه على حمص، أرسل له كتابًا, مضت سنوات لم يبعث له أي خبر، أو أي رسالة، أو أي رسول، فخاف أن يكون هذا الإنسان قد انحرف، فاستدعاه .
 قال:

 

((وذات يوم, شهدت شوارع المدينة, رجل أشعث أغبر، تغشاه وعثاء السفر، يكاد يقتلع قدميه من الأرض اقتلاعاً, من طول ما لاقى من عناء السفر, وبذل الجهد، على كتفه اليمنى جرابٌ وقصعة، وعلى كتفه اليسرى قربةٌ صغيرة فيها ماء، ليتوكأ على عصا، ولا يؤده حمله الضامر الوهنان، ودلف إلى مجلس عمر في خطواتٍ وئيدة، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين .
يرد عمر السلام، ثم يسأله، وقد آلمه ما رآه عليه, من جهد وإعياء, ما شأنك يا عمير؟! .
قال: شأني كما ترى، ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا أجرها بقرنيها .
قال: وماذا معك؟ .
قال: معي جرابي, أحمل به زادي، وقصعتي آكل فيها، وأداتي أحمل فيه وضوئي وشرابي، وعصاي أتوكأ عليها، وأجاهد بها عدواً إن عرض، فو الله ما الدنيا إلا هذا المتاع، -هذه هي الدنيا- .
قال عمر: أجئت ماشياً؟ .
قال: نعم .
قال: أولم تجد من يعطيك دابة تركبها؟ .
قال: إنهم لم يفعلوا، وأنا لم أسألهم، جئتك ماشياً .
قال: فماذا عملت فيما عهدنا إليك؟ ما هي أخبارك؟ وماذا فعلت في تلك الفترة؟ .
قال: أتيت البلد التي بعثتني إليه، فجمعت صلحاء أهله، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم, حتى إذا جمعوها, وضعتها في مواضعها، ولو بقي لك منها شيء لجئتك به، أموال الأغنياء أعطيتها للفقراء .
فقال عمر للكاتب وهو منبهر: جدد العهد لعمير .
فقال عُمير له: تلك أيام قد خلت، والله لا عملت لك, ولا لأحدٍ بعدك، انتهت المسألة, ثم حاول، فقال له: انتهت هذه, مضت تلك أيام خلت، والله ما عملت لك, ولا لأحدٍ بعدك))

ورع عمر :

 قال: والويل الشديد للوالي, إذا فكر أن يهدي لعمر هدية، والحق أنهم جميعاً كانوا من الفطنة, حيث لم يتورَّطوا قط في هذا .
 لكن ذات يومٍ, عاد سيدنا عمر إلى داره, فرأى رقعة من سجاد, لا تزيد عن متر وبعض المتر، فسأل عاتكة زوجته: أنى لك هذه؟ .
 قالت: أهداها إلينا أبو موسى الأشعري .
 فقال: ائتوني به .
 ويأتي أبو موسى تسبقه مخاوفه، ولا يكاد يقترب من عمر, حتى ينهره, ويقول: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين, ولكن أمير المؤمنين يقول له: وما يحملك على أن تهدي إلينا؟ خذها فلا حاجة لنا فيها .

 

تأمل في هذا :

 مرة أحد ولاته أنزل جزاء بأحد ولاته، سيدنا عمر عاقب أحد ولاته، زوجته عاتكة انتهزت ساعةً من ساعات صفوه, وفراغه, وهدوئه, وشفعت للرجل، فقالت له كلمتان فقط:

 

((يا أمير المؤمنين, فيما وجدت عليه؟!! .
قال: وهناك انتفض عمر, كأنما انهد من دين الله ركن، وصاح فيها: يا عدوة الله, وفيما أنتِ وهذا؟))

 هل هذا شغلك؟ ما قالت: إلا يا أمير المؤمنين, فيما وجدت عليه؟ لماذا غضبت منه؟ .

 

من أخبار عمر بن الخطاب :

 جاء أيضاً في خبر, عن عبد الله بن عامر بن ربيعة, قال:

 

((صحبت عمر بن الخطاب من المدينة إلى مكة في الحج، ثم رجعنا، فما ضرب له فسطاط, ولا خباء، ولا كان لنا بناءٌ نستظل به، إنما يلقي كساء على شجرة فيستظل تحته .
ويقول بشار بن نمير: سألني عمر: كم أنفقنا يا بشار في هذه الحجة؟ .
قلت: خمسة عشر ديناراً .
فقال: لقد أسرفنا في هذا المال))

 مع الأيام كانت تزداد تبعات سيدنا عمر، وتزداد احتياجاته ونفقاته، فكان يرفع رواتب المسلمين في المدينة وخارجها، كلما صارت أزمات يرفع الرواتب، لكنه لا يفكر في أن يزيد لنفسه درهماً، ترفع جميع الرواتب إلا راتبه، حتى سمع أصحابه يوماً, أن أمير المؤمنين يقترض ليعيش، فاجتمع نفر من الصحابة منهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، واتفقوا على أن يتحدثوا مع عمر، ويطلبوا إليه أن يزيد في راتبه ومخصصاته، لكنهم عادوا، وتهيَّبوا، وخافوا أن يفتحوا معه هذا الموضوع، لأنهم يعرفون أنه في هذه المسألة بالذات شديد الوطأة، لافح الغضب، فقال عثمان:

((فلنستبرئ ما عنده من وراء الوراء، واتجهوا إلى حفصة بنت عمر، واستكتموها أمرهم، وطلبوا منها أن تستطلع أمر أبيها، وذهبت حفصة إلى عمر متهيبةً، وأخذت تسوق الحديث بحذر ورفق, قال عمر: من بعثك بهذا الأمر؟ .
قالت: لا أحد .
قال: بل بعثك بهذا قومٌ, لو عرفتهم لحاسبتهم، ثم قال لابنته: يا حفصة, لقد كنت زوجة رسول الله، فماذا كان يقتني في بيتك من الملبس؟ .
قالت: ثوبين اثنين .
قال: فما أطيب طعمةٍ رأيته يأكلها؟ .
قالت: خبز شعيرٍ طري مثرودٍ بالسمن.
قال: فما أوطأ فراشٍ كان لك في بيتك؟ .
قالت: كساءٌ ثخين, نبسطه في الصيف، فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه، وتدثرنا بنصفه الثاني .
فقال: يا حفصة، فأبلغي الذين أرسلوك إلي، إن مثلي ومثل صاحبي النبي وأبي بكر, كثلاثة سلكوا طريقاً، فمضى الأول وقد تزوَّد فبلغ المنزل، ثم اتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه، ثم الثالث، فإن لزم طريقهما، ورضي بزادهما، لحق بهما، وإن سلك غير طريقهما, لم يجتمع بهما))

واقعة حدثت :

 يقولون:

((في يوم صائف قائظ, يكاد حره يذيب الجبال، أطل عثمان بن عفان من بيته العالي, فرأى رجلاً يسوق أمامه بعيرين صغيرين، والهواء الساخن يغشاه كلفح السموم، فقال محدثاً نفسه: ما على هذا الرجل لو أقام بالمدينة حتى يبرِد؟ وأمر خادمه أن ينظر من هذا الرجل العابر من بعيد، والذي تخفي الزوبعة والرمال السافيات معالمه, ونظر الخادم من فرجة الباب فقال: أرى رجلاً معمماً بردائه، يسوق بكرين أمامه، وانتظر حتى اقترب الرجل، فعرفه الخادم وصاح : إنه عمر، إنه أمير المؤمنين .
فأخرج عثمان رأسه من كوةٍ صغيرة متوقياً سخونة الريح, ونادى: ما أخرجك هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ .
فأجاب عمر: بكران من إبل الصدقة, تخلَّفا عن الحمى، وخشيت أن يضيعا، فيسألني الله عنهما .
فقال عثمان: هلم إلى الظل والماء، ونحن نكفيك هذا الأمر .
فقال عمر: عد إلى ظلك يا عثمان .
فقال: عندنا من يكفيك هذا الأمر يا أمير المؤمنين .
قال مرة أخرى: عد إلى ظلك يا عثمان، ومضى لسبيله, والحر يصهر الصخر، فقال عثمان مأخوذاً ومبهوراً: من أراد أن ينظر إلى القوي الأمين, فلينظر إلى عمر))

 قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾

[سورة القصص الآية: 26]

خاتمة القول عن خليفة الإسلام عمر بن الخطاب :

 حُمِلَ إليه يوماً مالٌ وفير من أحد الأقاليم، فسأل عن مصدره, وسر وفرته, وكثرته، فلما علم أنها الزكاة التي يدفعها المسلمون، والجزية التي يدفعها أهل الكتاب، قال وهو ينظر إليه بكثرة عارمة:

((إني لأظنكم قد أهلكتم الناس؟ .
قالوا: لا والله، ما أخذنا إلا صفواً عفواً .
قال: بلا سوطٍ ولا موت؟ .
قالوا: نعم .
عندئذ أشرق وجهه, وقال: الحمد الله الذي لم يجعل ذلك عليَّ، ولا في سلطاني))

 هذه بعض اللقطات من سيرة هذا الإمام العادل؛ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

 

نهاية المطاف :

 أيها الأخوة, الإسلام يصنع رجال, والله هم فوق الرجال، هم إلى أن يكونوا ملائكةً أقرب إلى أن يكونوا من الرجال، وباب البطولة مفتوح، كل واحد بقدر صدقة، بقدر استقامته، بقدر عمله الصالح، بقدر تضحياته، بقدر إقباله، ينال من الله، فالإنسان لا يقنع بالقليل: أنا أريد وراء الباب بالجنة, لا، بل اطلب المراتب العليا .

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018