رياض الصالحين - الدرس : 009 - باب الصبر - الصدقة برهان.., سيرة التابعي: طاووس بن كيسان - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رياض الصالحين - الدرس : 009 - باب الصبر - الصدقة برهان.., سيرة التابعي: طاووس بن كيسان


1988-03-27

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

ماذا تعني الصدقة برهان ؟

 أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس العاشر من دروس الحديث النبوي الشريف، ومن كتاب رياض الصالحين، ومن باب الصبر، الحديث الشريف الذي نحن بصدده, هو قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أَبو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأانِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ, وَالصَّلَاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو, فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((وَالصَّلَاةُ نُورٌ))

 ، واليوم بتوفيق الله أشرح لكم:

((وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ))

 الحقيقة: أن الإنسان حينما يؤمن بالله عز وجل، ماذا فعل؟ يعني إذا آمنت أن هذه الآلة تعمل على الطاقة الكهربائية، أنت إذا آمنت بهذه الحقيقة، ماذا فعلت؟ ماذا قدمت؟ ماذا أحدثت؟ إذا آمنت بالحقيقة لا تكون قد فعلت شيئاً إلا أن تأخذ منها موقفاً، لذلك حينما يكتفي الإنسان بالإيمان بما هو حقيقي، بما هو واقع, من دون أن يكون له موقف دقيق، من دون أن يكون ذا عمل, يترجم إيمانه، فإيمانه لا قيمة له.
 في بالإسلام تشريعات كثيرة، هناك بعض التشريعات تتوافق مع طبيعة النفس، فلو أن الإنسان ذهب في الشتاء إلى العمرة، يستمتع بالحرمين المقدسين المكي والمدني، وقد يكون له أهل وأقارب هناك يرحبون به، ويمضي أياماً لطيفة جداً في الرحاب الطاهرة، طبعاً العمرة واجبة بنص الكتاب والسنة:

 

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾

 

[سورة البقرة الآية: 196]

 لكن الذهاب إلى العمرة، وأخذ إجازة بعيداً عن مشاكل الحياة، والإقامة في الحرمين المقدسين، والتمتع بما عند المضيف من إكرام، هذا يتوافق مع طبيعة النفس، وقد يقدم الإنسان على الزواج، ويقول: أنا أطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام، طبعاً كان يدخل إلى البيت, ولا أحد يؤنس وحشته، بعد الزواج صار له زوجة ترغب به، ويرغب بها، تؤنسه ويؤنسها، ويقول: أنا أطبق السنة، شيء جميل طبعاً، فتطبيق هذه السنة توافق مع رغبتك، لا يعد الزواج برهاناً على إيمان الإنسان، لأن كل الناس يرغبون في الزواج، ولا تسمى العمرة في الشتاء إلى الديار المقدسة برهاناً على الإيمان، لأنه شيء ممتع، ولكن الشيء الذي يؤكد إيمانك، ويكون دليلاً عليه، هو أن يكون الشيء متناقضاً مع حاجاتك الأساسية.
فربنا سبحانه وتعالى أودع في قلب الإنسان حب المال لقوله تعالى:

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

 

[سورة آل عمران الآية: 14]

 فالمال ذهباً، أو فضة، أو ورقاً, شيء أودع الله حبه في النفوس، فإذا بذل, يكون بذل المال متناقضاً مع حرص النفس عليه، إذاً: عندئذٍ يكون بذل المال شيئاً مؤكِّداً للإيمان، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾

 

[سورة آل عمران الآية: 133]

 المتقون ما صفاتهم؟ لهم آلاف الصفات، المتقون لهم صفات كثيرة، ولكن الصفة التي بدأ الله بها هي قوله تعالى:

 

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾

 

[سورة آل عمران الآية: 134]

لماذا بدأ الله تعالى بهذه الصفة؟ لأن هذه الصفة تؤكِّد تقواهم، فالإنسان إذا جاءت الأوامر الإلهية متوافقةً مع طبيعة النفس، لا تكون هذه الأوامر برهاناً على إيمانه، ولكنها إذا جاءت متناقضةً مع طبيعة النفس، عندئذٍ تكون الصدقة برهان.
 أنت إذا أنفقت ألف ليرة أو مئة ليرة, إنك بحاجة ماسة إليها، إنك تقضي بها بعض الحوائج، إنها شيء محبب، إنها جهدك، إن المال تعبير عن قيمة مطلقة، إنها رمز الجهد، إنها رمز العمل، إنها بذل رمز الطاقة التي أودعها الله في الإنسان، فإذا أنفقتها, أنفقت جزءً من طاقتك، أنفقت جزءًا من عملك، أنفقت جزءًا من جهدك، أنفقت جزءًا من وقتك، الوقت إذا بذلته تكسب به المال، فإذا أنفقت المال أنفقت وقتك، وأنفقت خبرتك، وأنفقت عملك، وأنفقت جهدك، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ))

 الإنسان أحياناً يأتيه الشيطان، ويقول له: أنت لست مؤمناً، أنت منافق، الشيطان يوسوس للإنسان، فإذا دفع الإنسان مبلغاً من المال, من دون أن تعلم شماله ما أنفقت يمينه, فإن هذا الإنفاق, يلقم الشيطان حجراً يسكته، دفعت المال، وقد حبب إليك، دفعته، ولم يدرِ بهذا الدفع أحد، إنك بهذا ترجو الله عز وجل، لذلك من كان في شكٍ من أمره، من كان في شك من إيمانه، مَن كان في شك من حبه لله عز وجل، فلينفق دون أن يذكر إنفاقه، فإن في هذا الإنفاق قطعاً لوسوسة الشيطان، إن في هذا الإنفاق برهاناً.
 فأحياناً الإنسان يكون له صديق، فيزوره، يحتفل فيه، يدعوه لزيارته، فيرد الإكرام بإكرام مثله، عواطف جيَّاشة، وكلمات لطيفة، كلمات حارة، عبارات أنيقة، يعلق على العلاقة، يقول له: أنا أحبك، أنت جزء من كياني، أنا أتعاطف معك، هذا كله كلام، والسهرات متع, والرحلات فيها متع أيضاً، ولكن إذا جاءك هذا الصديق، وقال: هل معك مبلغ تقرضني إياه، فأنا في أشد الحاجة إليه؟ هنا تظهر المحبة الحقيقية، ما دام الأمر لا يوجد فيه بذل، في مجاملات، في عبارات دافئة، في كلمات رنَّانة، في تعليقات عاطفية، في تعبيرات عما في النفس من عواطف جياشة، ما دام الأمر على مستوى الكلام، فكله كلام بكلام، ولكن حينما يأتيك طالباً منك بعض المال، حينما تعطيه هذا المال، وأنت حريص عليه، فذا الدفع يؤكد إخلاصك له, صدق القائل:

 

إن الصديق الحق مَن كان معك  ومن يضر نفسه لينفعك
ومَن إذا ريب الزمان صدعـك  شتت فيك شمله ليجمعك

 فلذلك:

 

((وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ))

 ، برهان على أنك تحب الله ورسوله، برهان على أنك واثق بما عند الله من خيرٍ كبير، برهانٌ على أن الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام, من دعوة إلى الإنفاق؛ في قلبك, وفي سمعك, وأنت مصدق النبي العدنان، فلذلك ربنا عز وجل قال:

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

 

[سورة التوبة الآية: 103]

 من يقرأ القرآن الكريم في ثماني آيات فيما أذكر على سبيل الحصر, يؤكد الله سبحانه وتعالى أن كل شيء تنفقه الله سبحانه وتعالى يخلفه, قال تعالى:

 

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾

 

[سورة سبأ الآية: 39]

 فإذا قرأت القرآن، وصدقت الله سبحانه وتعالى, عندئذٍ تنفق، فإذا أنفقت، فإنفاقك تصديق وبرهان على أنك مصدق لكلام الله، هذا معنى آخر، إنفاق المال في حد ذاته برهان على طاعتك لله، برهان على إيمانك، برهان على محبتك، ولكن إنفاق المال أيضاً؛ دليل على أنك مصدق لوعد الله، إذا أنفقت المال, فالله سبحانه وتعالى لابد من أن يخلفه عليك، من هنا تأتي كلمة:

((وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ))

 ذاق طعم القرب من أنفق ماله ابتغاء وجه الله، إن الصدقة لتقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد الفقير، إن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يسترضى بالصدقة، باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها، فإذا سنحت من الإنسان سانحة لا ترضي الله عز وجل؛ وقع في مخالفة، وقع في تقصير، وقع في غيبة، خطفت نفسه صورة امرأة من دون أن يشعر، لم يكتف بالنظرة الأولى، زلت قدمه، زلَّت عينه، خانته عينه، وشعر أن الله ليس رضياً عنه، وشعر بالحجاب، وشعر بالتقصير، شعر بالمخالفة، إذا أسأت فأحسن، ادفع من مالك الذي كسبته حلالاً استرضاءً لله عز وجل.
والله الذي لا إله إلا هو, لا يعلم هذه المعاني إلا من ذاقها، إذا الإنسان وقع في غفلة، وقع في حجاب، وقع في مخالفة صغيرة عن غير قصد، وكانت هذه المخالفة حجاباً بينه وبين الله، بإمكانه أن يبادر في دفع صدقة, تزيل هذه الجفوة بينه وبين الله، تذيل هذا الحجاب الذي كان بينه وبين الله.
لذلك:

((وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ))

 ، لا أعتقد في واحد من الأخوة الحاضرين, لا يعرف عشرات, بل مئات, بل ألوف القصص التي تؤكد: أنك إذا أنفقت المال عوض عليك ما أنفقه أضعافاً مضاعفة، فالله سبحانه وتعالى يسترضى بالصدقة، غضب الله عز وجل يطفأ بالصدقة، البلاء يرد بالصدقة، المرض يعالج بالصدقة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((داووا مرضاكم بالصدقة))

 يعني إذا أردت أن تتقرب إلى الله عز وجل، فالمال جعله الله بين يديك مادةً للتقرب إلى الله عز وجل، يقول لك: فلان كيف مفتاحه؟ كيف نجعله يوافق على هذه الشيء؟ يقال لك: فلان مفتاحه ويوجهه توجيه معين، فالله سبحانه وتعالى إذا تصدقت, فإن هذه الصدقة تطفئ غضب الرب، إن هذه الصدقة تمنع البلاء، إن الصدقة تمحو السيئة،

((اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))

 ودرهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك، لا تعلم قد يبدو للورثة أن يتهموا أباهم بالجنون، ويقولون: هذا أبونا يحتاج إلى حجر صحي، يريد حجرًا على عقله، ربما لا تنفذ وصيتك، وقد يحتال في تنفيذها، أما إذا قدمت مالك أمامك سرك اللحاق به، أما إذا تركته خلفك آلمك تركه، لذلك:

((وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ))

 مرة ثانية, قال تعالى:

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

 

[سورة التوبة الآية: 103]

والذي لا إله إلا هو, إذا أنفقت من مالك الحلال, لا تبتغي سمعة، ولا رياء، ولا ضجيجاً، ولا مكانة، ولا علواً في الأرض، ولا تألقاً، لا تبتغي إلا أن يرضى الله عنك، كان هذا المال مطهراً لنفسك، مزكياً لها، مقرباً لك من الله عز وجل، والإنسان لا يقول: ليس معي، قال عليه الصلاة السلام، وقد أنفق بعضاً من ماله، قال: ((يا رب هذا جهد من مقل ))، لأن رُبَّ درهم سبق ألف دهم، إذا الإنسان دفع عشرة ليرات، ولا يملك غيرها, فقد دفع ماله كلها.
شاب، له مخصصات أسبوعية، خمس وعشرون ليرة، لو أنه دفع منها خمس ليرات، ما معنى خمس ليرات؟ أي دفع خمس ماله، رب درهم سبق ألف درهم.
شيء آخر: درهم تنفقه في إخلاص خير من مئة ألف درهم ينفق في رياء.
 فهذه الصدقة برهان، أخوة كثيرون, يروون عشرات القصص, كيف أنها تطفئ غضب الرب؟ كيف أنها تمنع البلاء؟ كيف أنها تقي مصارع السوء؟ صنائع المعروف تقي مصارع السوء، كيف أنها تقرب من الله عز وجل؟ كيف أنها تطهر النفس؟ كيف أنها ترقى بصاحبها؟.
فلذلك آيات الإنفاق التي وردت في القرآن الكريم أكثر من أن تعد، كثيرةٌ جداً، والأحاديث الشريفة التي بينت فضل الإنفاق، أكثر من أن تحصى، وإذا أردت أن تتعامل مع الله بهذه الأحاديث، لا أقول لك: جرب, لأن الله لا يجرب، الله سبحانه وتعالى لا يجرب ولا يشارط، ولكن زوال الكون أهون على الله من أن تنفق نفقة من مالك الحلال، ولا يعوضها الله عليك بعشرات الأمثال في الدنيا قبل الآخرة، لذلك الحديث القدسي:

((عبدي أَنفق أُنفق عليك ))

 ، بل للصدقة معنى آخر، يقول عليه الصلاة والسلام:

((استنزلوا الرزق بالصدقة))

 أخ كريم, حدثني أن عمله أوشك أن يقف، ولا مورد له آخر، فاستمطر الرزق كما قال عليه الصلاة والسلام بالصدقة, صار ينفق من ماله كل يوم مبلغاً يسيراً، فالمبيعات كثرت إلى أن صار ينفق كل يوم مبلغاً كبيراً جداً, يتناسب مع حجم مبيعاته، إذاً: بالصدقة تجلب الرزق، وبالصدقة تطفئ غضب الرب، وبالصدقة تدفع البلاء، وبالصدقة تمحو السيئة، وبالصدقة تثبت لنفسك أنك مؤمن, وأن الله يحبك، وأن دفع المال رمٌز لإخلاصك في حب الله.
 بقي هذا الدفع، الأفضل أن يكون في حياتك، لأنه درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك، والأفضل أن يكون هذا الدفع بإخلاص شديد، درهم أنفق في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهم أنفقت في رياء.

 

ماذا يعني الصبر ضياء ؟

 

 أيها الأخوة, والصبر ضياء, قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

[سورة الزمر الآية: 10]

 لماذا هو ضياء؟ الصبر تماماً كطفلٍ صغير, جلس على مقعد طبيب الأسنان، هذا الطفل الصغير, لجهله بعلم الطبيب، ولجهله بحكمته، ولجهله بأن هذا الذي يفعله في أسنانه لمصلحته , تراه يصيح، ويثور، ويبكي، أما الراشد الكبير قد يتألم، وقد يشد على طرف المقعد من ألمه، ولكنه لا يتكلم، ولا يضجر، ولا يقول إلا الكلام اللطيف مع الطبيب، لأنه يعلم علم اليقين أن هذا الذي يفعله الطبيب لمصلحته.
 لذلك:

((الصَّبْرُ ضِيَاءٌ))

؛ معنى الصابر: أنت تعلم أن هذا الذي يجري لمصلحتك, عملية معالجة، الدواء دائماً مر، كان في تقصير، كان في وقاية، فربنا عز وجل أراد أن يقي هذا الإنسان, أو أن يعالجه، فساق له بعض الشدائد، فالصابر هو الذي يعرف أن الله سبحانه وتعالى بيده الخير، كل شيء وقع أراده الله، وإرادة الله متعلقة بحكمته، وحكمته متعلقة بالخير المطلق.
 يجب أن تعلم علم اليقين: أن الذي وقع, هو خيرٌ مطلق، فإذا سمَّاه علماء التوحيد: شراً، والإيمان بالقدر خيره وشره، هذه التسمية بحسب ما نفهم نحن في أشياء مؤلمة؛ الفقر مؤلم، المرض مؤلم, هذا الفقر في ظاهره مؤلم، لكن في حقيقته ربما كان الطريق إلى الله عز وجل، لذلك إن المصائب والحكم حكماً جليلة، وهي أنها تدفع العبد إلى باب الله سبحانه وتعالى، وتلجئه إلى أن يكون عبداً له، لذلك: ولو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، ما من عثرة, ولا اختلاج عرق, ولا خدش عود, إلا بما قدمت أيديكم, وما يعفو الله أكثر, قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

[سورة الشورى الآية: 30]

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

 

[سورة البقرة الآية: 155-156]

 بعضهم قال في تفسير هذه الآية: وإنا راجعون إلى الله بها, قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 157]

 إذاً:

((وَالصّبرُ ضياءٌ))

ماذا يعني القرآن حجة لك أو عليك ؟

 أيها الأخوة, ((والقرآنُ حجةٌ لك أو عليك))، القرآن إذا طبقته فهو حجة لك، فإن لم تطبقه فهو حجة عليك، إذا عرفت أن هذا الكلام كلام الله، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن كلام الله يعلو على كل كلام، وان مصداقيته من أعلى درجة، وأن السعادة كلها في تطبيقه، وأن الشقاء كله في تركه، وأن القرآن غنىً لا فقر بعده، ولا غنى دونه، إذا علمت هذا العلم وطبقته كان حجة لك، فإذا علمت ولم تطبق كان حجة عليك.
 لذلك كلمة: صدق الله العظيم, كلمة خطيرة جداً، نقرأ جزءًا، حزبًا، عشرًا، ونقول: صدق الله العظيم، هل أنت مصدق ما في هذا الكتاب؟ طبعاً، كلمة: نعم سهلة، هل عملك في اليوم؟ وهل كسبك للمال؟ وهل علاقتك الاجتماعية؟ وهل علاقتك الزوجية؟ وهل منطلقاتك النظرية؟ وهل ممارساتك العملية, تنطلق من هذا القرآن أم من أشياء أخرى؟ فيكفي أن الله سبحانه وتعالى يقول لك:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

[سورة النور الآية: 30]

 فإذا كنت مصدقاً قوله تعالى:

﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾

[سورة النور الآية: 30]

 رب العزة يقول: غض البصر أزكى لك وأطهر في الدنيا والآخرة، فإذا رأيت أن في النظر متعةً، فأنت بهذا, لست مصدقاً ما قاله الله عز وجل.
إذا قال الله:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

[سورة البقرة الآية: 276]

 ورأيت أنه لا بد من أن يستثمر المال بفائدة, لئلا تقل قيمته، هكذا رأيت أنت، رأيت شيئاً يخالف كلام الله، عندئذٍ الله سبحانه وتعالى يمحق الله الربا، فهذا الذي نقوله:

((والقرآن حجة لك أو عليك))

تفسير بقية الحديث: ((كل الناس فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها)):

 

 أيها الأخوة, ((كل الناس يغدو, فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها))، كل إنسان ينطلق في حياته، إما أن يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، فينجو من عذاب الدنيا والآخرة، وإما أن يبيعها للشيطان, فيخسر الدنيا والآخرة، كل الناس يغدو, قال تعالى:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

[سورة الليل الآية: 1-4]

 كل إنسان ينطلق؛ هذا إلى عقد صفقة، وهذا إلى كسب مال حرام، وهذا إلى طلب علم شريف، وهذا إلى خدمة أخ صادق، وهذا إلى معاونة أرملة، وهذا إلى رعاية أيتام، وهذا يغدو إلى صلة الرحم، وهذا يغدو إلى طلب العلم، وهذا يغدو إلى تعليم العلم, قال تعالى:

 

﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

 

[سورة الليل الآية: 4]

متفاوتة بالدوافع والأهداف والنتائج، فالإنسان العاقل هو الذي يسعى لمرضاة الله.
 رواه الترمذي في الدعوات، وقال: إنه حديث حسن صحيح، فقد روي من طريق فكان صحيحاً، وروي من طريق فكان حسناً، كلمة صحيح أعلى صفة في الحديث، وأعلى منها المتواتر، وبعد المتواتر الصحيح، وبعد الصحيح الحسن، وبعد الحسن الضعيف، هذه مراتب الحديث.
فإذا مر معكم, أن هذا الحديث صحيح حسن، يعني من طريق هو صحيح, ومن طريق آخر هو حسن، هذا الحديث حسن صحيح, صححه النسائي, وابن عساكر، وغيرهم، وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير.
نعيده مرة سريعة لنجمع المعاني التي مَنَّ الله بها علينا في هذه الدروس الثلاث, عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأانِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ, وَالصَّلَاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو, فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))

[أخره مسلم في الصحيح]

كلمة مختصرة عن تابعينا في هذا اليوم:

 

 أيها الأخوة, تابعي اليوم: طاووس بن كيسان، هذا التابعي قال عنه كتاب السيرة بخمسين نجماً من نجوم الهداية استضاءت، فغمره الثناء، وتدفق عليه النور؛ نور في قلبه، ونور في لسانه، ونور يسعى بين يديه، وعلى خمسين علماً من أعلام مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم, تخرج هذا التابعي الجليل، فإذا هو صورة لصحابة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في رسوخ الإيمان، وصدق اللهجة، والتعالي على عرض الدنيا، والتفاني في مرضاة الله، والجهر بكلمة الحق مهما كان ثمن هذه الكلمة، لقد علمته المدرسة المحمدية: أن الدين النصيحة؛ لله، وكتابه، ورسوله، وأئمة المسلمين, وعامتهم.

من هم الأمراء الذي دخل عليهم طاووس ونصحهم ؟

1- والي اليمن:
 في غداة يوم بارد من أيام الشتاء, دخل على والي اليمن طاووسٌ, ومعه وهب بن منبِّه، فلما أخذا مجلسيهما عنده، طفق طاووس يعظه، ويرغبه، ويرَهِّبه، والناس جلوس بين يديه، فقال الوالي لأحد حجابه:

((يا غلام, أحضر طيلساناً -الطيلسان كساء أخضر اللون, غالي الثمن, تلبسه الخاصة، الطبقة العلية في المجتمع- فعمد الحاجب إلى طيلسان ثمين، وألقاه على كتفي طاووس، وظل طاووس متدفقاً في موعظته، وجعل يحرك كتفيه في تؤدة, حتى ألقى الطيلسان من على عاتقه، وهب واقفاً
وانصرف، وترك الطيلسان في المجلس.فغضب محمد غضباً, ظهر في احمرار عينيه، واحتقان وجهه، غير أنه لم يقل شيئا، فلما صار طاووسٌ وصاحبه خارج المجلس, قال وهب لطاووس: والله لقد كنا في غنىً عن إثارة غضبه علينا، فماذا كان يضيرك لو أخذت الطيلسان منه، ثم بعته، ودفعت ثمنه للفقراء والمساكين؟ فقال طاووس: هو ما تقول، لولا أنني خشيت أن يقول الناس من بعدي: نأخذ كما يأخذ طاووس، ثم لا يصنعون فيما أخذوه ما تقول أنت))

 هذا موقف من مواقفه الجريئة.
2- الخليفة عمر بن عبد العزيز:
 ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة بعث إلى طاووس يقول:

((أوصني يا أبا عبد الرحمن, فكتب إليه طاووس رسالة في سطر واحد، قال فيها: إذا أردت أن يكون عملك خيراً كله، فاستعمل أهل الخير والسلام.فلما قرأ عمر الرسالة قال: كفى بها موعظة, كفى بها موعظة))

3- الخليفة هشام بن عبد الملك:
 ولما آلت الخلافة إلى هشام بن عبد الملك، كان لطاووس معه مواقف مأثورة, من ذلك: إلى أن هشاماً, قدم البيت الحرام حاجاً, فلما صار الحرم, قال لخاصَّته من أهل مكة: التمسوا لنا رجلاً من صحابة رسول الله.
فقالوا له: إن الصحابة يا أمير المؤمنين, قد تلاحقوا بربهم, لم يبق منهم أحد، واحداً إثر آخر.
فقال: إذاً: فمن التابعين؟.
فأوتي بطاووس بن كيسان، فلما دخل عليه, خلع نعليه بحاشية بساطه، وسلم عليه من غير أن يدعوه بأمير المؤمنين، وخاطبه باسمه دون أن يكنيه، وجلس قبل أن يأذن له بالجلوس.
 فاستشاط هشام غضباً, حتى بدا الغيظ في عينيه، ذلك أنه رأى في تصرفاته اجتراءً عليه، ونيلاً من هيبته أمام جلسائه, ورجال حاشيته، بيد أنه ما لبث أن تذكر, أنه في حرم الله عز وجل، فرجع إلى نفسه, وقال لطاووس: ما حملك يا طاووس على ما صنعت؟.
فقال: وما الذي صنعته؟.
فعاد إلى الخليفة غضبه وغيظه, وقال له: خلعت نعليك بحاشية بساطي، وكان ينبغي أن تخلعهما خارج المكان، ولم تسلم عليّ بإمرة المؤمنين، وسميتني باسمي ولم تكنني، ثم جلست من غير إذني.
 فقال طاووس بهدوء: أما خلع نعلي بحاشية بساطك, فأنا أخلعهما بين يدي ربِّ العزة كل يوم خمس مرات، فلا يعاتبني، ولا يغضب علي، وأما قولك: إني لم أسلم عليك بإمرة المؤمنين, فلأن جميع المؤمنين ليس راضين بإمرتك، وقد خشيت أن أكون كاذباً, إن دعوتك بإمرة المؤمنين، وأما ما أخذته عليَّ من أني ناديتك باسمك ولم أكنك، فإن الله عز وجل نادى أنبيائه بأسمائهم، فقال: يا داود، ويا يحيى، ويا عيسى، وكنى أعداءه فقال: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾، وأما قولك: إني جلست قبل أن تأذن لي، فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول:

((إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، فانظر إلى رجل جالس, وحوله قوم قيام بين يديه))

 ، فكرهت أن تكون ذلك الرجل الذي عُدَّ من أهل النار.
قال: فأطرق إلى الأرض خجل

 

من نصائحه لأهل الخاصة:

 

 وقد روى عطاء بن رباح قال:

((رآني طاووس في موقف لم يرتح له، فقال: يا عطاء, إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق في وجهك بابه، وأقام دونك حُجَّابه، وإنما اطلبها ممن أشرع لك أبوابه، وطالبك بأن تدعوه، ووعدك بالإجابة))

أي الله عز وجل, صدق القائل:

لا تســألن بني آدم حاجة  وسل الذي أبوابه لا تُحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله  وبني آدم حين يسأل يغضب

 كان يقول لابنه:

((يا بني, صاحب العقلاء تنسب إليهم، وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال, فإنك إن صحبتهم, نسبت إليهم، وإن لم تكن منهم))

 لذلك الفقهاء ذكروا حالات كثيرة تجرح العدالة منها: صحبة الأراذل، إذا إنسان له سمعة منحطة، أو منحرف الأخلاق، يكفي أن تمشي معه, فإن هذا يجرح عدالتك، وترفض شهادتك إذا سرت معه، فالذي يصحب الأراذل، والذي يتحدث عن النساء، والذي يتنزه في الطرقات، والذي يعلو صوته في البيت, حتى يسمعه من في الطريق، والذي يطفف بتمرة، والذي يأكل لقمةً من حرام، والذي يطلق لفرسه العنان -المسرع في المركبة- والذي يقود برذوناً، والذي يمشي حافياً، والذي يبول في الطريق، والذي يأكل في الطريق، والذي يلعب النرد، هذه الأعمال كلها تجرح عدالتك، وترفض شهادتك.

الغاية المقصودة التي كان ينشدها عبد الله الشامي من زيارته لهذا التابعي:

 وقد امتدت الحياة بطاووس حتى بلغ المئة، أو جاوزها، غير أن الكبر والشيخوخة, لم ينالا شيئاً, من صفاء ذهنه، وحدة خاطره، وسرعة بديهته.
حدث عبد الله الشامي قال: ((أتيت طاووس في بيته لآخذ عنه، وأنا لا أعرفه، فلما طرقت الباب، خرج لي شيخ كبير فحييته, وقلت: أأنت طاووس بن كيسان؟.
قال: لا, أنا ابنه.
فقلت: إن كنت ابنه, فلا آمن أن يكون الشيخ, قد هرم وخرف، وإني قصدته من أماكن بعيدة, لأفيد من علمه.
 فقال: ويحك، إن حملة كتاب الله لا يخرفون، ادخل عليه, فدخلت، وسلمت، وقلت: لقد أتيتك طالباً علمك راغباً في نصحك.
فقال: سل وأوجز.
فقلت: سأوجز ما وسعني الإيجاز إن شاء الله.
 فقال: أتريد أن أجمع لك صفوة ما في التوراة, والزبور, والإنجيل, والقرآن؟.
فقلت: نعم.
 قال: خف الله تعالى خوفاً حيث لا يكون شيء أخوف لك منه، وارجه رجاءً أشد من خوفك إياه، وأحب للناس ما تحب لنفسك

متى توفي طاووس بن كيسان, وفي أي مكان, ومن صلى عليه ؟

 وفي ليلة العاشر من ذي الحجة, سنة ستٍ ومئة, أفاض الشيخ المعمَّر طاووس مع الحجيج, من عرفات إلى المزدلفة, للمرة أربعين، فلما حط رحاله في رحابها الطاهرة، وأدى المغرب مع العشاء، وأسلم جنبيه إلى الأرض, يلتمس شيئاً من الراحة, أتاه اليقين, قال تعالى:

 

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾

 

[سورة الحجر الآية: 99]

 أي الموت، فلقيه بعيداً عن الأهل والوطن, تقرباً إلى الله، ملبياً، محرماً، رجاءً لثواب الله، خارجاً من ذنوبه كما ولدته أمه بفضل الله، فلما طلع عليه الصبح، وأرادوا دفنه, لم يتمكنوا من إخراج جنازته, لكثرة ما ازدحم عليها من الناس، فوجه إليهم أمير مكة حرساً, ليزودوا الناس عن الجنازة، حتى يتاح لهم دفنها، وقد صلى عليه خلق كثير, لا يحصى عددهم، وكان في جملة المصلين, خليفة المسلمين, هشام بن عبد الملك.
هذا طاووس بن كيسان، من التابعين الأجلاء, كان مثلاً؛ للعلم، والورع, والإخلاص, والجرأة, والزهد.

 

إليكم هذه الكلمة عن هذه المناسبة:

 

 أخ كريم, طلب إلي, أن أتكلم كلمة عن مناسبة النصف من شعبان, التي نحن على مشارفها.
أولاً: في هذه الليلة, حولت القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة المشرفة, قال تعالى:

﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾

[سورة البقرة الآية: 144]

 إذاً: هذه الليلة, فيها تم تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، أما ما يظنه بعض الناس أن الآية التي تقول:

 

﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾

 

[سورة الدخان الآية: 4]

 هذه الآية متعلقةٌ بليلة القدر، وليس بليلة النصف من شعبان، وقد ورد في صحيح البخاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم أكثر شعبان، قالت عائشة:

((ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما, قلت:

((يا رسول الله, لمَ أراك تصوم في هذا الشهر, ما لم تصمه في شهور أخرى؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك شهر, يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم))

[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما]

 أما قيام ليلة النصف من شعبان، وأما صوم يوم النصف من شعبان, فلم يرد به دليلٌ صحيح، ورد به حديث ضعيف، ضعفه علماء الحديث، أما الذي ورد في كتب الصحاح هذا الذي قرأته عليكم ليس غير.
على كل: من أراد أن يصوم, فهو صوم نفل، وشعبان كله, كان النبي عليه الصلاة والسلام, يصوم أكثر أيامه, إلا إذا فعلت نافلة, أدت إلى ترك واجب.
عندنا قاعدة أصولية: لا ينبغي أن تكون النافلة ذريعة إلى ترك واجب، فهناك أشخاص, لهم أعمال شاقة, مثلاً: عليهم تبعات كبيرة، أعمالهم ضرورية، فإذا كان الصوم متاحاً لهم, فهو صوم نفل, الله سبحانه وتعالى يثيب عليه، أما إذا أدى صوم النفل إلى ترك واجب, فالأولى القيام بالواجب، وليس أكثر من هذا الذي ذكرته لكم, في موضوع النصف من شعبان.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018