الخطبة : 0678 - وصية لقمان لابنه6 - عدم الكبر - البعد بين كواكب المجموعة الشمسية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0678 - وصية لقمان لابنه6 - عدم الكبر - البعد بين كواكب المجموعة الشمسية.


1998-10-16

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تلخيص لما سبق :

أيها الأخوة الكرام ، لازلنا في المنهج التربوي الذي ورد في وصية لقمان لابنه ، وقد ذكرت من قبل خطبة عن العقيدة وخطرها ، فالإنسان إذا صحت عقيدته صحّ عمله ، وإذا صحّ عمله سلم وسعد .
وذكرت خطبة عن العمل الصالح ، وفي رأس العمل الصالح برُّ الوالدين ، وذكرت أنه لابد من أن تتبع سبيل من أناب إلى الله ، لابد من الولاء والاتباع لأهل الحق ، ثم ذكرت ميزان العدل المطلق عند الله عز وجل ، قال تعالى:

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾

[سورة لقمان: 16]

ثم تحدثت عن الصلاة كأداة اتِّصال ، أداة تطهير ، أداة تنوير ، أداة إسعاد ، وانتقلت إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي الفريضة السادسة التي هي علة خيرية هذه الأمة ، ثم وصلت إلى الصبر وكيف أن الإيمان هو الصبر ، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب .

الكبرياء على العباد :

هذه الخطبة هي الأخيرة في موضوع منهج لقمان الحكيم التربوي الذي ورد في وصيته : الكبرياء على العباد ، لأن الفقرة الأخيرة :

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[سورة لقمان: 18]

هذا الموضوع الأخير الموضوع الأخلاقي . .
الكبرياء على العباد صفة ربّ العباد ، الذي خلق فسوَّى ، والذي قدَّر فهدى ، والذي إذا ظهر قهر ، وإذا تجلَّى طاشت لأنوار جلاله ألباب البشر . .

﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الجاثية: 36]

أما ذل العباد لربِّهم فبالحقِّ لا بالباطل ، وهو الخالق العظيم ، والرب الرحيم ، والمسيِّر الحكيم ، بديع السموات والأرض ، ذو الفضل العظيم ، ذو الجلال والإكرام ، ذو الطول والإنعام .

الكبر و المتكبر :

المتكبر مبطل متطاول يزعم لنفسه ما ليس لها
والمتكبِّر من بني البشر ، مبطل متطاول يزعم لنفسه ما ليس لها ، والكبر جملة من الخصال الخسيسة في طليعتها جحد الحق ، وتجاهل الواقع ، وسوء العشرة ، وتجاوز القدر ، وتحقير الفضل .
يقابل الغطرسة والكبر ، الذل والخنوع ، وقد يجهل الإنسان حقائق التوحيد ، أو يعتقد اعتقاداً فاسداً أساسه الشرك ، فيذل نفسه ، ويقبل الدنية في دينه ، لواحد من أمرين ، إما خوف أن يُصاب برزقه ، أو أن يُصاب بأجله ، مع أن الله جل جلاله قطع سلطان البشر عن الآجال والأرزاق جميعاً ، فليس لأحد إليهما سبيل ، وبيَّن الله في كتابه العزيز أن البشر لو اجتمعوا بأسرهم هم أذل من أن يمنعوا شيئاً أعطاه الله أو أن يعطوا شيئاً منعه الله ، قال تعالى:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[سورة فاطر: 2]

وقال أيضاً :

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة يونس: 17]

الذل والخنوع جهل بحقائق التوحيد
هذا الذل ايها الأخوة ذل الشرك ، وذل الخوف ليس من التواضع في شيء ، وقد يقصِّر الإنسان في أداء واجبه ، أو يهمل عمله ، أو صنعته ، أو يسيء إلى الناس في تعامله معهم ، فيأتيه اللوم والتقريع فيتطامن ويستخذي ، هذا الذل ذل التقصير ، والإيمان والإساءة ليس من التواضع في شيء ، ذلة العبد لعبد باطلة لا ريب فيها ، فقد حرم الإسلام على المسلم أن يهون ، أو أن يُستذل ، أو أن يُستضعف ، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 139]

((من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس مني))

[ الطبراني عن أبي ذر]

لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير ، احتجْ إلى الرجل تكن أسيره ، استغن عنه تكن نظيره ، أحسن إليه تكن أميره . . شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس .

 

عزة الإسلام تكون باعتزاز المسلم بنفسه و بدينه و بربه :

اعتزاز المسلم بنفسه وبدينه عزة للإسلام
اعتزاز المسلم بنفسه ، وبدينه ، وبربه هو عزة الإسلام ، عزة الإيمان وهو غير كبرياء الطغيان ، إنها أنفة المؤمن أن يصغر لجهة ، أو أن يتضع في مكان ، أو أن يكون ذَنَباً لإنسان ، إنها ترفع عن مغريات الأرض ، ومزاعم الناس ، وأباطيل الحياة ، إنها انخفاض إلى خدمة المسلمين ، والتبسط معهم ، واحترام الحق الذي يجمعه بهم ، إنها إتيان البيوت من أبوابها، وطلب العظمة من أصدق سبلها ، قال تعالى :

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾

[سورة فاطر: 10]

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[سورة فاطر: 10]

اجعل لربك كل عــزك يستقر ويثبـت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***

حق يقابله واجب ، وليس يُسمح للمرء أن يطالب بماله من حق حتى يؤدي ما عليه من واجب ، فإذا كُلفت بعمل فأديته على أصح وجوهه عندئذ لا سبيل لأحد عليك ، ولا يستطيع من فوقك ولا من دونك أن ينالك بلفظ جارح ، وتستطيع أن تحتفظ بعزة نفسك أمام كل الناس على اختلاف مراتبهم ، حين تسد الثغرات التي ينفذ منها إليك اللوم والتقريع ، إن ألد أعدائك يتهيبك ، قال تعالى :

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[سورة يونس: 26]

وقال صلى الله عليه وسلم :

((إياك وما يُعتذر منه ))

[الحاكم في الرقاق من صحيحه من حديث أبي عامر العقدي]

الكبر و الذل و التواضع و العزة أربعة مفهومات أخلاقية متداخلة :

في هذه المقدمة اتضح الكبر والذل والتواضع والعزة ، أربعة مفهومات أخلاقية متداخلة ، الذلة شيء ، والعزة شيء ، والتواضع شيء ، والكبر شيء آخر ، ينبغي أن تكون متواضعاً وأن تكون عزيزاً ، ولا ينبغي أن تكون متغطرساً ولا أن تكون خانعاً ، إلى الآيات الكريمة قال تعالى :

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[سورة لقمان: 18]

طلاقة الوجه تواضع
أي لا تُعرض بوجهك عن الناس ، إذا كلمتهم أو كلموك ، احتقاراً منك لهم ، واستكباراً عليهم ، ولكن ألن جانبك ، وابسط وجهك كما جاء في الحديث :

(( . . . لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلق أخاك بوجه طلق))

[مسلم عن أبي ذر]

طلاقة الوجه صدقة ، طلاقة الوجه تواضع ، طلاقة الوجه أخلاق .
يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إسبال الإزار مخيلة ، والمخيلة لا يحبها الله عز وجل ))

[الطبراني عن جابر ]

وقال بعض العلماء : ولا تصعر خدك للناس: أي لا تتكبر فتحتقر عباد الله ، وتعرض عنهم بوجهك .
لا تصعر خدك للناس : لا تتكلم وأنت معرض عنهم .
وقال بعض العلماء : التشدق بالكلام نوع من تصعير الخد للناس .
ولا تمش في الأرض مرحاً . .
المؤمن الكامل يفرح بعطاء الله ، يفرح إن قدَّر الله على يده عملاً صالحاً ، يفرح إن آتاه الله علماً ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[سورة النساء: 18]

لا تمش مشي خيلاء
فهذا الذي يفرح بالدنيا هناك ضعف في عقله ، متاع الدنيا قليل ، الدنيا منقطعة ، تأتي ساعة تفقد كل شيء في ثانية واحدة ، لكنَّ الآخرة متصلة .
ولا تمش في الأرض مرحاً . . أي لا تمش مشي خيلاء ، متكبراً ، جباراً ، عنيداً ، لا تفعل ذلك فإن الله يبغضك ، ولهذا قال : إن الله لايحب كل مختال فخور . . المختال المُعجب في نفسه ، والفخور على غيره . . يقول أنا أكثر منك مالاً ، أنا أكثر منك جاهاً ، أنا أوسع منك ثراءً .

﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ﴾

[سورة الإسراء: 37]

ذُكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشدد عليه فقال : " إن الله لا يحب كل مختال فخور "
سأله رجل إني لأغسل ثيابي ، فيعجبني بياضها ، ويعجبني شراك نعلي ، وعلاقة سوطي ، فهل هذا من الكبر؟ فقال :

((الكبر بطر الحق وغمص الناس))

[مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

أن ترد الحق ، ألا تقبل حكم الله ، ألا تقبل حكم رسول الله ، ألا تنصاع لحديث صحيح ، ألا تقبل سنة رسول الله ، هذا هو الكبر أن تستكبر عن طاعة الله ، أن تستكبر عن عبادته ، الكبر : بطر الحق وغمص الناس . .
إن أنكر الأصوات لصوت الحمير
غمص الناس : أن تحتقرهم ، أن تزدريهم وهم ليسوا كذلك ، أن تقلل من شأنهم وهم ليسوا كذلك ، أن تتهمهم في إيمانهم وهم ليسوا كذلك ، أن تتهمهم في نواياهم وهم ليسوا كذلك ، هذا هو الكبر ، بطر الحق وغمص الناس .
أما قوله تعالى: واقصد في مشيك : أي امش مشياً مقتصداً ليس بالبطيء المتثبط ، ولا السريع المفرط ، بل عدلاً وسطاً بين بين .
واغضض من صوتك : لا تبالغ في الكلام ، لا ترفع صوتك فيما لا فائدة منه ، لهذا قال الله عز وجل :

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾

[سورة لقمان: 19]

(( إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان))

[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

إن أنكر الأصوات لصوت الحمير .

الحكمة خير كثير و متاع الدنيا قليل :

أيها الأخوة الكرام ، دققوا في هاتين الآيتين :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[ سورة النساء : 77]

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[سورة البقرة: 269]

الحكمة عند الله خير كثير ، ومتاع الدنيا مهما كان كثيراً هو عند الله قليل ، لأنه زائل .
لا زلنا في جو هاتين الآيتين .

(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :

(( دخلت المسجد فإذا معاذ بن جبل يبكي عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت ما يبكيك يا معاذ ، قال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن اليسير من الرياء شرك ، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يُفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى ، ينجيهم الله عز وجل من كل فتنة مظلمة))

[الحاكم عن معاذ]

الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يُفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، ينجيهم الله عز وجل من كل فتنة مظلمة .

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره ))

[الحاكم عن أبي هريرة ]

لو قال : اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه إياها ، ولم يعطه من الدنيا شيئاً .

بطولة الإنسان أن يكون متفوقاً في مقاييس الله :

للناس مقاييس ، وعند الله مقاييس ، البطولة أن تكون متفوقاً في مقاييس الله عز وجل . ولم يمنعها إياه لهوانه عليه ، ليس عطائي إكراماً ، ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء .

(( وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن من ملوك الجنة من هو أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه ، إن استأذن الأمراء لم يؤذن له ، وإذا خطب الناس لا ينكح ، وإذا قال لم ينصت إليه ، في صدره حوائج ، يتجلجل بها صدره ، لو أقسم على الله لأبره ، ولو قُسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم ))

[ تفسير ابن كثير فصل في الخمول والتواضع عن أبي هريرة ]

الخمول :

أيها الأخوة الكرام ، إن لم تكن مشهوراً ، إن لم تكن علماً ، إن لم تُسلط عليك الأضواء ، إن كنت خامل الذكر ، قد تكون عند الله علي القدر .
أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه ؟ قال : أو مثلي ؟ قال : نعم يا أخي خامل في الأرض علم في السماء .

((قال عليه الصلاة والسلام: أحب عباد الله إلى الله الغرباء ، قيل ومن الغرباء ؟ قال : الفارون بدينهم))

[ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمرو]

ما عليك أيها الأخ الكريم أن تكون مذموماً عند الناس محبوباً عند الله . .
ورد أن سيدنا موسى في المناجاة قال : يا رب لا تبق لي عدواً ، فخاطبه الله عز وجل - وكان نجي الله - أن يا موسى هذه ليس لي ـ لابد للإنسان من أعداء ، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 112]

قال بعض العارفين: " اللهم إني أسألك ذكراً خاملاً "، وقال بعضهم الآخر: "اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك ، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك ، وعند الناس من أوسط خلقك ".

 

الشهرة :

هذا عن الخمول فماذا عن الشهرة ؟ هذا ضمن قوله تعالى :

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[سورة لقمان: 18]

ما صدق الله من أحب الشهرة
بحسب المرء من الشر إلا من عصم الله أن يُشار إليه بالأصابع في دينه ودنياه ، وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، فقيل للحسن إنه يشار إليك بالأصابع فما قولك ؟ سبط رسول الله قال : إنما المراد من يشار إليه في دينه ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :" لا تبدأ لأن تشتهر ، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم ، واصمت تسلم ، تَسُر الأبرار ، وتغيظ الفجار "
ويقول إبراهيم بن الأدهم سلطان العارفين : " ما صدق الله من أحب الشهرة ، وما صدق الله عبد إلا سرَّه ألا يُشعر بمكانه ، ومن عرف مكانه عند الله ما ضره مقالة الناس فيه "
ومن أحب الله أحب ألا يُعرف عند الناس .
وقال بعضهم : " إياك وكثرة الأخلاء ، إن أحببت أن يسلم إليك دينك فأقلل من المعارف " ، شبكة العلاقات الواسعة جداً هذه تبعد عن الله عز وجل .
ومرةً يقول سليم بن حنظلة : بينما كنا حول أبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرة ، قال : هذا التجمع مذلة للتابع فتنة للمتبوع .
وعن ابن عون عن الحسن قال : " كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يُشتهر بها، ومن الثياب الرديئة التي يُحتقر فيها " .
بين ثوب مشهور ، وبين ثوب مهجور ، هذه هي السنة ، والفضيلة وسط بين طرفين .
وقال بعض العلماء : إن قوماً جعلوا الكبر في قلوبهم ، والتواضع في ثيابهم . . هناك أشخاص متكبرون ، مظهرهم فيه تواضع ، الغلاف غلاف تواضع لكن الحقيقة فيه كبر .
ويروى عن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام أنه قال لبني إسرائيل : ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان ، وقلوبكم قلوب الذئاب ، البسوا ثياب الملوك ، وألينوا قلوبكم بالخشية . وهذا الموضوع الثاني موضوع الشهرة ضمن قوله تعالى:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾

[سورة لقمان: 18]

حسن الخلق :

بقي حسن الخلق ؛ كان عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس خلقاً ،

(( أَيُّ المؤمنين أفضل؟ قال: أَحْسَنُهُم خُلُقا))

[ أخرجه زيادات رزين عن أنس بن مالك]

و :

(( إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة ، وشرف المنازل ، وإنه لضعيف العبادة ، وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو عابد ))

[ ابن كثير عن أنس]

حسن الخلق هو الإيمان ، من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة .

(( إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار))

[المستدرك على الصحيحين كتاب الإيمان عن عائشة]

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه ، سئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس النار ، فقال : الأجوفان ؛ الفم والفرج ))

[أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه]

الفم : المال ، تشتري به الطعام النفيس ، والفرج : الشهوة الجنسية ، من هنا يؤخذ الناس ، من هنا يسقطون ، من هنا يهانون ، ومن هنا يحاسبون ، من هنا تُنشر تقاريرهم في أحدث وسائل النشر ، ألفا صفحة نُشرت فيها فضائح ، وفيها مخاز لا يعلمها إلا الله ، من طريق الفم والفرج يسقط الإنسان ، ويُحتقر بين الناس .

(( وسئل عليه الصلاة والسلام : ما خير ما أعطي الإنسان ؟ قال : حسن الخلق))

[المستدرك على الصحيحين عن أسامة بن شريك]

وقيل :

(( مَا مِنْ شَيءٍ أثْقَلُ في المِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُق ))

[ رواه الترمذي عن أبي الدرداء ]

و :

(( إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً ))

[ صحيح عن عبد الله بن عمرو]

و :

((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَيُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ كَمَا يُعْطِي الْمُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَغْدُو عَلَيْهِ وَ يَرُوحُ ))

[ ابن كثير عن الحسن بن علي]

و :

(( إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا، أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني منزلا في الجنة مساويكم أخلاقا، الثرثارون المتشدقون المتفيهقون))

[ ابن كثير عن أبي ثعلبة]

و :

(( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون))

[رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]

أيها الأخوة الكرام : ما حسَّن الله خُلق رجل وخلقه ودخل النار ، ما دام الله عز وجل قد شرف هذا الإنسان وحسن خلقه إذاً مصيره إلى الجنة .

الكبر :

البخل ليس من طبع المؤمن
خصلتان لا تجتمعان في المؤمن البخل وسوء الخلق ، وما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق ، لأن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر .

((وعن رجل من قريش قال : قال عليه الصلاة السلام : ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق ، إن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد ، وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل ))

[تفسير ابن كثير عن أبي سعيد مرفوعا]

مثل طريف قد يأتيك ضيوف كثيرون ، ليس عندك شيء تقدمه إليهم : عندك كيلو لبن ، يمكن أن تضيف إلى هذا اللبن خمسة كيلو ماء وتجعله شراباً سائغاً وتقدمه لهم ، أما هذا اللبن لو أضفت إليه نقطة نفط لأفسدته ، ولألقيته وضحيت فيه ، لماذا ؟ لأن الكبر يتناقض مع العبودية لله عز وجل .
لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، نهايته إلى الجنة ، ومن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر أكبه الله على وجهه في النار ، ولا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يُكتب عند الله من الجبارين ، فيصيبه ما أصابهم من العذاب .
وما دخل قلب شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدر ذلك ، كلما ازداد الكبر ضعف العقل .
وقال بعض العلماء : ليس السجود كبر ، ولا مع التوحيد نفاق .
ومن جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه .
الكبر وحسن الخلق ، والشهرة والخمول ، موضوعات أربعة ضمن قوله تعالى:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[سورة لقمان: 18]

أيها الأخوة الكرام : حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت ، قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

***

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُقِ العظيم ، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

البعد بين كواكب المجموعة الشمسية :

من الحقائق المقطوع بها أن في الكون مئة ألف مليون مجرة إلى الآن ، هذا المنظور الحالي ، مئة ألف مليون مجرة ، مجرتنا درب التبابنة إحدى هذه المجرات ، وهي مجرة متوسطة ، فيها مئة ألف بليون نجم وكوكب ، طولها مئة ألف سنة ضوئية ، عرضها خمسة وعشرون ألف سنة ضوئية ، القمر بعده عنا ثانية ضوئية واحدة ، الشمس ثماني دقائق ، المجموعة الشمسية ثلاث عشرة ساعة ، أما هذه المجرة درب التبابنة فطولها مئة ألف سنة ضوئية ، عرضها خمسة وعشرون ألف سنة ضوئية ، الضوء ماذا يقطع في السنة ؟ يقطع عشرة مليون مليون كيلو متر ، أي ثلاثة عشر صفراً .
المسافات بين الكواكب تخضع لتتابع رياضي عجيب
الآن المجموعة الشمسية التي نحن فيها طولها ثلاث عشرة ساعة ضوئية ، لاحظ فلكي ألماني اسمه جوهان بوت أن المسافات مسافات الكواكب في المجموعة الشمسية تخضع بتتابع رياضي عجيب ، نشر ورقة كتب عليها صفر ، ثلاثة ، ستة ، ضعف ثلاثة ، اثنا عشر، أربعة وعشرون ، ثمانية وأربعون ، ستة وتسعون ، مئة واثنان وتسعون ، كل رقم ضعف الذي قبله ، وأعطى عطارد أول رقم صفر ، والزهرة ثلاثة ، والأرض ستة ، والمريخ اثنا عشر ، وتوقف هنا ، ثم أضاف رقم أربعة إلى كل هذه الأرقام ، ثم قسمها على عشرة ، فإذا الناتج هو بعد كل كوكب عن الشمس ، هذا القانون ظهر في القرن التاسع عشر وقام حوله ضجة كبيرة ، وعليه مأخذان ، رقم أربعة وعشرين غير موجود ، لا يوجد نجم بهذا المكان ، ورقم مئة واثنين وتسعين ليس هناك نجم بهذا المكان ، واتهم هذا القانون بأنه غير صحيح ، ثم اكتُشف في الرقم أربعة وعشرين هناك مجموعة كويكبات ، وفي موقع مئة واثنين وتسعين هناك كوكب أورانوس ، فهذه المجموعة الشمسية تخضع لقانون دقيق جداً ، أي كل نجم رتبه بسلسلة هندسية أو حسابية، وأضاف رقم أربعة ، وقسم على اثني عشر ، الناتج بعد كل كوكب عن الشمس ، كان يوجد فراغان ؛ أربع وعشرون ، و مئة واثنان وتسعون ، ثم اكتشف الكويكبات في المكان الأول، وأورانوس في المكان الآخر .
هذا الكون الذي تبدو فيه عظمة الله عز وجل ، هذا الكون الذي هو تجسيد لأسماء الله الحسنى ، هذا الكون الذي هو مظهر لعظمة الله عز وجل ، قال تعالى:

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة يونس: 101]

وحذرنا من أن نمر على هذه الآيات ونحن عنها غافلون .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك.
اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018