الخطبة : 0667 - سورة الكهف1 - الأوامر التكوينية والأوامر التكليفية - آيات العلم والمعرفة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0667 - سورة الكهف1 - الأوامر التكوينية والأوامر التكليفية - آيات العلم والمعرفة.


1998-07-31

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

سورة الكهف شفاء من الشكوك و الوساوس و الضيق :

 أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾

[ سورة الإسراء: 82 ]

 شفاء من الشكوك، من الوساوس، من الضيق، من سوء الفهم، من سوء الظن.. ما هو شفاء. والنبي عليه الصلاة والسلام، يقول في بعض أحاديثه:

(( مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ))

[ الدارمي عن أبي سعيد ]

 إذا قرأت سورة الكهف يوم الجمعة امتصت هذه السورة كل المشكلات النفسية، وكل التساؤلات، وكل الشكوك، وكل الضيق الذي يعتري الإنسان.
 في هذه السورة دروس عظيمة كثيرة، نكتفي في هذه الخطبة بأحد دروسها، درس سيدنا موسى، وسيدنا الخضر العبد الصالح.

 

أساليب القرآن الكريم في عرض الحقائق :

 كتمهيد لهذا الموضوع أضع بين أيديكم الحقيقة التالية: القرآن الكريم له أساليبه المتعددة في عرض الحقائق، من هذه الأساليب الأسلوب المباشر، المركز، المكثف، قال تعالى:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 216]

 هذه حقيقة مكثفة، مركزة، مباشرة.. تمديد هذه الحقيقة، تمديدها قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر، هذه القصة بأحداثها، بحوارها، بوصفها، بسردها، بمغزاها، بحركتها، بعقدتها، تُعد تمديداً وشرحاً مشوقاً للحقيقة المكثفة:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 216]

 القصة مشوِّقة، والقصة مؤثرة، والقصة فيها حقيقة مع البرهان عليها، حقيقة مكثفة مجردة مباشرة:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة يوسف: 21]

 هذه الحقيقة المكثفة، المجردة، المباشرة، ممددة في أطول قصة في القرآن الكريم، قصة سيدنا يوسف عليه السلام، قصة يوسف تمديد لهذه الحقيقة المكثفة، كيف أنك تلعق لعقة عسل أحياناً، وكيف أنك تشرب شربة عسل أحياناً.. لعقة العسل مكثفة، بينما شربة العسل ممددة. فقصة سيدنا يوسف تمديد لقوله تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة يوسف: 21]

 أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد.. وقوله تعالى:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 هذه الحقيقة المكثفة، المركزة، المباشرة، ممددة في قصة، شائقة، ممتعة، مفيدة، لها أثر بليغ في النفس، قال تعالى:

﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ﴾

[ سورة الكهف:65]

 سيدنا موسى مع غلامه.. قال علماء التفسير، هذا العبد عند جمهور العلماء هو سيدنا الخضر، وهو نبي أيضاً عند جمهور العلماء، هو نبي، وهو عبد صالح، اسمه الخضر في أصح الروايات.
 أما الرحمة ففُسرت بالنبوة، وأما العلم الذي آتاه الله إياه فهو علم التكوين.

 

الفرق بين الأمر التكويني والتكليفي :

 لله عز وجل أمران، أمر تكليفي وأمر تشريعي، الأمر التشريعي: افعل ولا تفعل، فرض، واجب، مستحب، مباح، مكروه تنزيهاً، مكروه تحريماً، حرام.. هذا أمر الله عز وجل التكليفي، فالأنبياء والمرسلون يعلمون الأمر التكليفي، افعل ولا تفعل، لكن سيدنا الخضر أو العبد الصالح الذي ورد هكذا اسمه في القصة يعلم الأمر التكويني، الأمر التكويني يراه الناس جميعاً، لكنَّ سيدنا الخضر يعلم حكمة الأمر التكويني، هذه الحكمة تغيب عن أناس كثيرين، ولا يعلمها إلا قليل من عباد الله المؤمنين، سيدنا موسى يعلم الأمر التكليفي، وسيدنا الخضر يعلم الأمر التكويني.
 لنوضح لكم الفرق بين الأمر التكويني والتكليفي: قد تمشي في طريق فترى لوحة حمراء كُتب عليها: ممنوع المرور، هذه اللوحة أمر تكليفي لكن الطريق سالكة، بإمكانك أن تعصي، وتدفع الثمن، أما حينما يوضع على الطريق مكعبات من الإسمنت المسلح، ارتفاع الواحد منها متر.. هذه المكعبات تمنع السير، هذا أمر تكويني، فرق كبير بين الأمر التكليفي وبين الأمر التكويني.. الأمر التكليفي سيدنا موسى قمة في معرفته، وحكمة الأمر التكويني آتاها الله لهذا الولي الكبير سيدنا الخضر لحكمة سوف نراها فيما بعد.
 حقيقة لابد من أن تكون تمهيداً لهذه القصة؛ كل شيء وقع أراده الله، لأنه لا يُعقل أن يقع شيء في ملك الله دون أن يريد الله ذلك، كل شيء وقع - اقرؤوا الأخبار - ما دام الشيء وقع فقد أراده الله، وقال العلماء: أراد ولم يرض، أراد ولم يأمر، ليس معنى أن الله أراده أي رضيه وليس معنى أن الله أراده أي أمر به، أراد ولم يأمر، أراد ولم يرض معنى أراد أي سمح، سمح بوقوع هذا الشيء لحكمة بالغة بالغة، لذلك استنبط العلماء أن لكل واقع حكمة، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة.
 معنى الحكمة المطلقة: أن هذا الشيء الذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، أن هذا الشيء الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، أن هذا الشيء الذي وقع لو وقع على نحو آخر لكان نقصاً في حكمة الله، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، قال تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة آل عمران : 26]

 لم يقل بيدك الخير والشرُّ، قال: بيدك الخير... إيتاء الملك خير، ونزعه خير، الإعزاز خير، والإذلال خير، خير في العاقبة، خير في النهاية لا في البداية، لذلك لا يُسمى الشرُّ شراً إلا عند القاصر، عند قاصر النظر، فلا بد من أن نسميَ الشرَّ شراً نسبياً، لأن الشرَّ المطلق لا وجود له في الكون، الشّرّ المطلق يتناقض مع وجود الله، بيده الخير.. كيف أن السيارة صُنعت لتسير، وفيها مكابح، والمكبح وظيفته عكس علة صنع السيارة، علة صنعها السير، والمكبح يمنعها من السير، فعلة صنع المركبة السير، والمكبح يتناقض مع علة صنع المركبة، ولكنه ضروري جداً لسلامتها، وسلامة ركَّابها، هذا هو الفهم الدقيق لكل ما يجري في الكون، مما يكرهه الإنسان.. ألم أقل في بداية الخطبة، ألم أذكر قوله تعالى:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾

[ سورة الإسراء: 82]

 القرآن الكريم بآياته المكثفة، المركزة، المباشرة، أو الممددة التفصيلية، هي شفاء للصدور. هذه الحكمة من أمر الله التكويني، أي من أفعاله، يسوق مطراً، يسوق صقيعاً فتتلف ألوف الملايين من المحاصيل، يسوق مرضاً، يسوق صحةً، يسوق زلزالاً، يسوق أعاصير، يسوق مصائب لا تُعد ولا تُحصى، هذه ينبغي أن تُفهم في ضوء القرآن الكريم، وإلا كانت هذه المصائب إن لم تفهم في ضوء القرآن الكريم سبباً في البعد عن الله عز وجل.

 

سبب متاعب الإنسان وقوفه عند الأشياء الظاهرة فقط :

 سيدنا الخضر آتاه الله علماً، قال تعالى:

﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ﴾

[ سورة الكهف:65]

 وعلمناه من لدنا علماً هذا العلم هو حكمة الأمر التكويني، أو كما قال المفسرون في القرطبي: الحكم الباطنة لأفعال الله عز وجل، بينما سيدنا موسى أعطاه الله الأمر التكليفي.
 القصة تلفتنا إلى الحكم العظمى لأفعال الله عز وجل، والتي تخفى على كثير من الناس.
 بشكل صريح؛ سبب متاعب الإنسان هو أنه يقف عند الأشياء الظاهرة فقط، فإذا حدث أمامه شيء يكرهه اعتقد أنه شرٌّ، فشقي بهذا الاعتقاد، وإذا حدث أمامه شيء يحبه اعتقد أنه خير، فتوهم أنه في سعادة، وربما كان العطاء عين المنع، وربما كان المنع عين العطاء، ربما منعك ليعطيك، وربما خفضك ليرفعك، وربما حرمك ليغنيك، وربما ساق لك من المصائب ما تكون سبباً لقربك منه.

 

الحقائق شيء و الظواهر شيء آخر :

 أيها الأخوة الأكارم: لا زلنا مع قوله تعالى:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾

[ سورة الكهف: 67]

 لماذا؟ لأن مقام النبوة، ومقام الرسالة، لا يمكن أن يقرّ على خطأ، هذه حقيقة، كان عليه الصلاة والسلام في بيت أحد أصحابه الذين توفوا - أبو السائب- فسمع امرأة من وراء الستار تقول: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله.. لو أن رجلاً سمع هذه المقولة وسكت لا شيء عليه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام سكوته تشريع، سنته أقواله، وسنته أفعاله، وسنته إقراره، فإذا تكلم رجل في حضرة النبي كلاماً، وسكت النبي فهذا الكلام صحيح وهو تشريع، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( وما يدريك أن الله أكرمه ؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم ))

[البخاري عن أم العلاء رضي الله عنها ]

 أيها الأخوة الكرام: في هذه الآية حقيقة مكثفة، آية:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 الحقائق شيء، والظواهر شيء آخر، وقد - في الأعم الأغلب - تختلف الحقائق عن المظاهر، قد ترى إنساناً محاطاً بكل متع الحياة الدنيا وقد يكون أشقى الناس، وقد ترى رجلاً يعاني من شظف العيش، وقد يكون أسعد الناس، وهذا من حكمة الله العظمى، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124]

 تساءل السادة المفسرون: ما بال الأغنياء، وما بال الأقوياء، وأين هي المعيشة الضنك لإنسان يملك مئات الملايين؟ وأين هي المعيشة الضنك لمن ملك كل شيء؟
 قال العلماء: إنه ضيق القلب، قد يعطيك الدنيا ويحجب عنك قربه فأنت أشقى الناس، وقد يحجب عنك الدنيا ويتجلى على قلبك، فأنت أسعد الناس.

 

أدب المتعلم مع المعلم :

 قال له موسى: هل أتبعك؟ دقق في هذا الأدب، هو نبي عظيم، رسول من أولي العزم:

﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ﴾

[سورة الكهف: 66]

 استُنبط من هذا الكلام أن العبد الصالح يعلم ما لا يعلمه سيدنا موسى، وسيدنا موسى كما قلت قبل قليل من أولي العزم، وليس مما يضع من قيمته أن يتعلم من عبد آخر شيئاً لا يعلمه هو، لذلك قالوا: قد يشذّ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضله الله عز وجل، مرتبة الرسالة أعلى من مرتبة النبوة، ومرتبة أولي العزم من الرسل أعلى من مرتبة الرسل بشكل مطلق، فالفاضل من فضله الله، والله عز وجل فضل هذا النبي الكريم، وهذا الرسول العظيم، وهذا لا يمنع أن يتعلم من العبد الصالح شيئاً لا يعلمه.
 أي هذا لا يمنعك أن تحمل أعلى شهادة، وتطلب العلم الديني، هناك أناس متكبرون، لمجرد أنه وصل إلى اختصاص دقيق، أو شهادة عليا في أي مجال، يرى نفسه أكبر من أن يجلس في مجلس علم، أكبر من أن يستمع إلى من يعلمه العلم الديني. نبي عظيم، ورسول كريم، من أولي العزم، قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟ وهذا يعطينا أدب المتعلم مع المعلم.

إن المعلم والطبيب كلاهما لا  ينصحان إذا هما لم يُكرما
***

 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( تواضعوا لمن تتعلمون منه، وتواضعوا لمن تعلمونه))

[ الأمالي الشجرية عن علي بن أبي طالب]

ظاهر الأحداث يعلمها جميع الناس أما حقائقها فالله يطلع عليها من يشاء :

 لكنَّ العبد الصالح سيدنا الخضر يعلم يقيناً أن سيدنا موسى لن يصبر عليه، والسبب واضح، لماذا؟ لأن سيدنا موسى سيرى الظاهر، ولا يعلم الباطن، لا يعلم حكمة هذا الأمر التكويني، إلا أن يعلمه الله، الله عز وجل أعلم سيدنا الخضر حقيقة الأمر التكويني، سيدنا موسى معه تشريع، معه أشياء محرمة، ولأنه نبي مرسل لا يمكن أن يقرَّ على خطأ.
 فشيء طبيعي جداً، إنسان يحمل الأمر التكليفي؛ افعل ولا تفعل، هذا أمر، وهذا نهي، وهذا حرام، وهذا واجب، ورجل آخر يفعل شيئاً خلاف الأمر والنهي، ولا يعلم سيدنا موسى الحكمة الكامنة من الفعل التكويني:

﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾

[سورة الكهف: 66-68]

 شيء واضح، أنا حينما أرى إنساناً، أي إنسان، إنسان يعلم مبادئ الشريعة، حينما ترى إنساناً يعتدي على إنسان، لابد من أن تنكر هذا العدوان، أما أن تعلم حكمة هذا الذي اعتدي عليه، فهذا أمر يحتاج إلى تفصيل.
 آلاف القصص تؤكد هذه الحقيقة، نحن جميعاً نستمع إلى آلاف القصص، نستمع إلى فصلها الأخير، فنرى ظلماً أحياناً، نرى عدم الحكمة أحياناً، أما لو أتيح لك أن تعرف القصة من أول فصل فيها، إلى آخر فصل لسجدت لله عز وجل على حكمته ورحمته وعدله.
 مثل بسيط من السيرة، النبي عليه الصلاة والسلام قبل معركة بدر أعطى توجيهاً، قال: لا تقتلوا عمي العباس، بلا تعليل!.. عمه العباس مسلم في مكة، وهو عينه في مكة، وما من قرار يُتخذ هناك إلا ويصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولو أنه أخبر أن عمه من المؤمنين لكشف أمره وانتهت مهمته، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام سمح له ألا يشارك أهل مكة في معركة بدر لكشف نفسه، لو قال: لا تقتلوا عميَّ العباس لأنه مسلم كشف أمره، لو سكت ولم يقل لا تقتلوه لقتلوه، فلا بد من أن ينهى عن قتله بدون تعليل... بعض الصحابة قال: ينهانا عن قتل عمه وأحدنا يقتل أباه وأخاه، رأى في هذا خللاً، فلما كشفت له الحقيقة، قال: بقيت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله. ما كل ما يُعلم يقال، ما كل شيء يقع ظاهراً تأخذه على ظاهره هناك حكم بالغة، لو اطلعت عليها لذابت نفسك محبةً لله، وإقراراً بعدالته، وإقراراً بحكمته.

﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ﴾

[ سورة الكهف : 69]

 الشيء الدقيق أن العالم مليء بالأسرار، لكنَّ ظاهر الأحداث يعلمها جميع الناس، أما حقائقها، أما حكمها، أما أسرارها، فالله عز وجل يطلع عليها من يشاء من خلقه.

 

كل أمر إلهي علته أنه أمر إلهي فعلى الإنسان أن يطبقه ولو لم يعرف حكمته :

 حقيقة المؤمن أن المؤمن يصبر على شيء يكرهه، ورد عن سيدنا علي رضي الله عنه: " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ".
 فالمؤمن يصبر بيقينه أن وراء هذا الحدث المكروه حكمةً، حينما يصبر ويستسلم لإيمانه بحكمة الله المطلقة، وبعدله المطلق، وبرحمته المطلقة، وبعلمه المطلق، حينما يستسلم ويسلم الأمر إلى الله، يعطيه الله أجر الصابرين، قال تعالى:

﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ﴾

[ سورة الإنسان: 12]

 ويعطيه الله ثواب العابدين، وفوق هذا وذاك يكشف له الحكمة فيصبح من المحسنين، يجمع الحسنيين، جمع ثواب العبادة، ثواب التعبد لله والاستسلام له، مع فهم الحكمة.
 قال العلماء: كل أمر إلهي علته أنه أمر إلهي، فعليك أن تقبل على تطبيقه ولو لم تعرف حكمته، لأن حكمته في الأصول، ما دام أمراً إلهياً، ففيه حكمة مطلقة، فكل أمر إلهي علته أنه أمر إلهي، فإذا أقبلت عليه منفذاً، وإذا كان نهياً أقبلت منتهياً، رفعك الله إلى درجة العبَّاد الصادقين، ثم كشف لك حكمته فأصبحت من العلماء، أصبحت عابداً عالماً في وقت واحد، لأنك انصعت لأمر الله، يقيناً بحكمته، فلما كُشفت لك الحكمة أصبحت من الخبراء بأفعال الله عز وجل.
 آية من آيات الله المتعلقة بهذا الموضوع:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 112-113]

لكلّ واقع حكمة :

 أي كتاب يُطرح في السوق، فيه ضلالات، فيه تشكيك، شيء لا يُحتمل، لكن الله سمح به، لحكمة قد تغيب عنا، هذه الكتب هي في الحقيقة كالمصل الذي يُعطى للإنسان كي يكتسب مناعةً، ما معنى مصل الكوليرا؟ نعطيه لقاح الكوليرا، نعطيه جرثوم الكوليرا مضعفاً فالجسم يعمل، ويصنع مصلاً مضاداً، حتى إذا جاءت هجمة شرسة كان عنده السلاح جاهزاً، فهذه الكتب التي تطرح الضلالات، سمح الله بها لحكمة بالغة، طلاب العلم يتحركون، والعلماء يتحركون، والمناقشات تفضي بالناس إلى يقينيات وحقائق رائعة جداً، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 112-113]

 حدثني أخ أثق بصدقه، أن كتاباً لمؤلف من الباكستان، وصف بيت النبي وصفاً لا يليق به، وصف بنات النبي وصفاً لا يليق بهن، وتطاول على النبي عليه الصلاة والسلام، وطُبع هذا الكتاب مئات الطبعات، حدثني من أثق به أن عشرين ألف إنسان بريطاني أسلموا بسبب هذا الكتاب، لم يسلموا عن طريق هذا الكتاب، بل بسبب هذا الكتاب، ما صدقوا أن النبي بهذا الوصف الذي وصفه به المؤلف، فبحثوا عن كتب صحيحة، تحدثهم عن حقيقة الدين الإسلامي، فاقتنعوا فأسلموا، لذلك نقول لكل واقع حكمة.
 قال بعض العلماء: إن لكل حدث يقع حكمةً، لو عُرفت قبل وقوعه لسعى الإنسان إلى الحدث ليقع، ولدعا الله أن يتم هذا الحدث، لو كشف الله لك حكمة الحدث قبل وقوعه، لسعيت أنت بكل طاقتك لبلوغ هذا الحدث، ولدعوت الله أن يتمه، لهذا قال بعض العلماء - الإمام الغزالي - ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
 طفلة بعمر الزهور، جميلة جداً، أصيبت بمرض عضال في دمها، لها أب وأم شاردان، بعيدان عن الدين بعداً كثيراً، فالله سبحانه وتعالى ساق لهما هذه المصيبة، أنفقا على ابنتهما كل ما يملكان، إلى أن باع الأب بيته الذي يسكنه، وأخذها إلى بلد غربي، ولم يستفد شيئاً، وهي في طريق الموت، خطر في باله خاطر، أنه لو تاب إلى الله هو وزوجته وأقاما منهج الله في بيتهما، لعل الله يشفي هذه البنت، وهذا الذي فعله، بدأ يصلي، وحجب زوجته، وأقاما منهج الله في البيت، توصلاً إلى أمل أن يشفي الله ابنته، والذي حصل أنها شفيت، وبعد حين، دُعيت إلى عقد قران، وألقيت كلمةً في هذا العقد، ولمَّا خرجت، سألت الأب أهي هي ؟.. قال هي هي!.. جاء هذا المرض وحمل والديها على التوبة إلى الله، فلما تابا أزيح هذا المرض، هكذا أفعال الله عز وجل أن المرض مخيف، المرض ترتعد له الفرائص، المرض لو سمعت به لوقع الإنسان مغشياً عليه، هذا المرض سبب هداية الأب والأم، فلما اهتديا إلى الله أزيح هذا المرض.. قلت له: هي هي ؟ قال لي: هي هي.
 مثل افتراضي أقوله لكم: لو أن أباً وأماً أنجبا طفلة جميلة وماتت في عمر الزهور، أليست هذه مصيبة ما بعدها مصيبة؟ لو أن الله أطلع والديها أن هذه حينما تكبر وحينما تنضج ستمتَهِنُ الدعارة ألا يرضى الأب والأم أن تموت هذه البنت في سنٍّ مبكرة وبهذا تقي الأسرة السمعة السيئة وتقي الأب والأم الشقاء الذي لا ينتهي؟ هذا مثل تركيبي لو فرضاً أطلع الله أباً وأماً ماتت ابنتهما في سنٍّ مبكرة مصير هذه الفتاة، كان هذا في منتهى الحكمة واللطف.

 

عدم التسرع بالحكم على ظواهر الأشياء :

 أيها الأخوة الكرام: لا تتسرع، لا تحكم على ظواهر الأشياء، اجعل هذه الآية شعاراً لك:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 كنت ماشياً في الطريق فسألني رجل قال لي: رجل فتح محله التجاري ليسترزق، نشبت مشادة بين شخصين، يحمل أحدهما مسدساً أطلق النار فأصابت الرصاصة صاحب المحل التجاري في عموده الفقري فشُلَّ فوراً.. قال لي: ما ذنب هذا الإنسان البريء ؟ الذي جاء ليسترزق، ليكسب رزق أولاده، ولا علاقة له بهذا ؟ قلت له: لكل واقع حكمة، ولكنني لا أعرفها. والله بعد عشرين يوماً أحد إخوتي الكرام قال لي: لنا جارٌ أكل أموال أبناء أخيه الأيتام، والمبلغ كبير، وسطوا أحد علماء دمشق ليكون وسيطاً في إرجاع المال لهم، فرفض هذا العم أن يرجع المال، قال: في اليوم التالي ذهب إلى محله، ونشبت مشادة وروى القصة نفسها... أنت ماذا رأيت؟.. رأيت إنساناً ليس له علاقة، فني فوراً، لا تتسرع، ليس هناك شيء طائش في الحياة أبداً، لا شيء طائش أبداً، شظية طائشة، غلط، كل شيء مسوم، عليها اسم صاحبها، لذلك المؤمن يستسلم لله، لحكمة الله، يستقيم على أمر الله لينال حفظ الله، يستقيم على أمر الله ليحفظ الله له صحته، ليحفظ الله له أهله، ليحفظ الله له ماله. المال الذي يأتي بطريق غير مشروع، يذهب مصادرةً، يذهب سرقة، يذهب بألف طريق غير مشروع.
أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل
 أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

العلم هو الإيمان و الإيمان هو العلم :

 أيها الأخوة الكرام: في الخطبة القادمة إن شاء الله نتابع قصة سيدنا موسى مع الخضر، أتحدث عن السفينة التي خُرقت، وعن الغلام الذي قُتل، وعن الجدار الذي بُني بلا أجر، وهذه القصص الثلاث تعلمنا آلاف الدروس، قس عليها كل شيء، لكل واقع حكمة، عرفتها أم لم تعرفها.
 ورد في القرآن الكريم العلم ومشتقاته في سبعمئة واثنتين وثمانين آية والمعرفة في تسع وعشرين آية، والمجموع ثمانمئة وإحدى عشرة آية، وورد ذكر الإيمان ومشتقاته في ثمانمئة وإحدى عشرة آية، بالتمام والكمال، فكأن العلم هو الإيمان، والإيمان وهو العلم، وكأن العلم يفضي إلى الإيمان، وكأن الإيمان يعتمد على العلم.
 شيء آخر، الآية الأولى في القرآن الكريم:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

[ سورة العلق: 1-2 ]

 أي اقرأ وتعلم، ولكن يجب أن يكون هذا العلم في ظل الإيمان، اقرأ باسم ربك.
 من الحقائق المذهلة التي لم تكن معروفةً وقت نزول القرآن هي قوله تعالى:

﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

[ سورة يس : 38-40]

 قال العلماء: الشمس تجري في مجرتها بسرعة عشرين كيلو متر في الثانية الواحدة، لكنها تدور مع المجرة بسرعة مئتين واثنين وسبعين كيلو متر في الثانية، تدور شأنها شأن كل كوكب في الكون، قال تعالى:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

[ سورة الطارق: 11]

 أو أن كل كوكب في الكون يرجع إلى مكان انطلاقه النسبي، وهذه الصفة الجامعة الشاملة لكل كواكب الكون، تدور بسرعة مائتين واثنين وسبعين كيلو متر في الثانية، وتجري لمستقر لها بسرعة عشرين كيلو متر في الثانية.
 أحد العلماء أجرى إحصاءً للآيات الكونية في القرآن الكريم، فكانت ألفاً وثلاثمئة واثنتين وعشرين آية، فإذا كانت مجمل آيات القرآن الكريم فوق الستة آلاف، معنى ذلك سدس آيات القرآن الكريم تعريف بما في الكون من آيات دالة على عظمة الله، هذه الآيات الكونية صنفها العلماء فجاءت في العلوم الطبية، والفيزياء والكيمياء، وعلم الأحياء، والنبات والحيوان، والفلك والفضاء، والجغرافيا والزراعة، والرياضيات والإحصاء، وعلم طبقات الأرض، والتعلم والبحث العلمي، وعلم البحار والأنهار، وعلم وسائط النقل، وأصل الإنسان، وبقية المخلوقات، وعلم الهندسة، وعلم اللغة. هذه الألف والثلاثمئة آية موزعة بين هذه العلوم بنسب متفاوتة.
 أيها الأخوة الكرام: الكون خلقه، والقرآن كلامه، والحوادث أفعاله، وهو واحد في خلقه، وفي أفعاله، وفي كلامه.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018