الخطبة : 0221 - حكم الحج - الذي خلق سبع سماوات طباقا . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0221 - حكم الحج - الذي خلق سبع سماوات طباقا .


1988-07-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الحج امتحان لعبودية الإنسان لله تعالى :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هنيئاً لمؤمنٍ لبَّى دعوة ربه وسعد بقربه ، هنيئاً لمؤمنٍ ألقى الدنيا وراء ظهره ، وذهب إلى البيت الحرام لينال المغفرة والرضوان .

(( من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 هنيئاً لمؤمنٍ أحرم من الميقات ، فنظَّف بدنه وثوبه ، وتطيّب ، وتجرَّد من ثيابه المَخيطة ، ولبس ثوب الإحرام ، هنيئاً لمؤمنٍ رفع صوته بالتلبية قائلاً : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإمام الزمخشري يقول في معنى "لبيك" أي دواماً على طاعتك ، وإقامةً عليها مرةً بعد مرة ، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( من حج منكم فليُهل في عمرة في حِجته ))

[ من زيادة الجامع الصغير عن أم سلمة ]

 ومعنى" فليهل " أي ليرفع صوته بالتلبية . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :

(( ما أهلَّ مهلٌّ قطُّ إلا بُشِّر ، ولا كبَّر مكبرٌ قط إلا بُشِّر . قيل : يا نبي الله أبالجنة ؟ قال : نعم ))

[الدر المنثور عن أبي هريرة]

 كلما أهلّ مهل ، أو كبَّر مكبر أرسل الله له ملكاً يبشّره بالجنة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ على المحرم أن يطبّق الآية الكريمة :

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾

[ سورة البقرة : 197 ]

 وقد روى البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من محظورات الإحرام لُبْسُ المخيط من الثياب ، وتقليم الأظافر ، وإزالة الشعر بالحلق أو القص ، والتطيب في الثوب أو البَدَن ، والتعرض للصيد والأكل منه . هذه كلها مِن محظورات الإحرام ، إنها كلّها امتحاناتٌ لعبودية الإنسان لله عزَّ وجل.

 

ما يجب على المؤمن أن يفعله في الحج :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هنيئاً لمؤمنٍ وصل إلى مكة المُكرمة ، التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام :

(( واللهِ إنكِ لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ، وما أطيبكِ من بلدٍ وما أحبكِ إليّ ))

[ من مختصر تفسير ابن كثير ]

 هنيئاً لمؤمنٍ رأى البيت الحرام ، فقال في ضراعةٍ وخشوع : أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ، بسم الله ، اللهمَّ صلّ على محمد ، وعلى آل محمد وسلّم ، اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك ، اللهم زد هذا البيت تشريفاً ، وتعظيماً ، وتكريماً ، ومهابةً ، وزد من شرَّفه وكرَّمه ممن حجَّه أو اعتمره تشريفاً ، وتكريماً ، وتعظيماً ، وبراً ، اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيّنا ربنا بالسلام .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هنيئاً لمؤمنٍ قبَّل الحجر الأسود من دون صوت ، فإن لم يتمكَّن استلمه بيده وقبَّله عن بُعد ، فإن عجز أشار إليه بيده ، قال ابن عمر رضي الله عنهما: استقبل النبي عليه الصلاة والسلام الحجر واستلمه ، ثم وضع شفتيه وبكى طويلاً ، فإذا عمر يبكي طويلاً ، فقال :

((يا عمر هنا تُسكب العَبرات ))

 قال أحد العلماء : إن الحجر يمين الله في أرضه يصافح بها عباده . وتكره يا أيها الأخوة المؤمنون المزاحمة على الحجر الأسود إذا أدت إلى إيذاء المسلمين ، فتقبيله سُنّة ، وترك إيذاء المُسلمين واجب ، ولا يعقل أن يترك واجبٌ من أجل سنة . روى الشافعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه :

((أبا حفص إنك رجلٌ قوي ، فلا تزاحم على الركن فإنك تؤذي الضعيف ، ولكن إذا وجدت خلوةً فاستلم وإلا فكبِّر وامضِ))

 هنيئاً لمؤمنٍ طاف طواف القدوم مضطبعاً ، أي جاعل وسط الرداء تحت الإبط الأيمن ، وطرفيه على الكتف الأيسر ، مُحاذياً الحجر الأسود ، مقبِّلاً له ، أو مستلماً ، أو مشيراً، جاعلاً البيت عن يساره ، قائلاً : " بسم الله والله أكبر ، اللهمَّ إيماناً بك ، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك ، واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم" . فإذا أخذ في الطواف استحب له أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى ، فيسرع في المَشي ، ويقارب في الخُطا ، مقترباً من الكعبة ، ويستحب له أن يكثر من الذكر والدعاء . وإذا أخذ بالطواف قال : " سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله" . وإذا انتهى إلى الركن اليماني قال : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار " .
 ويستحب كلما حاذى الحجر الأسود أن يكبِّر ويقول : " اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكورا ، وذنباً مغفوراً" . ويقول عند الانتهاء من كل شوط : " ربّ اغفر وارحم واعف عما تعلم إنك أنت الأعزُّ الأكرم ، ربنا آتنا في الدنيا حَسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار " .
  ويستحب أن يقول بين الركنين : " اللهم قنعني بما رزقتني ، وبارك لي فيه ، واخلف على كل غائبةٍ بخير" .
 ويستحب يا أيها الأخوة المؤمنون استلام الركنين اليمانيّين لقول ابن عمر رضي الله عنهما : " لم أرَ النبي صلى الله عليه وسلم يمسُّ من الأركان إلا اليمانيين "، ويسن للطائف صلاة ركعتين بعد كل طوافٍ عند مقام سيدنا إبراهيم ، وإن كان في هذا صعوبة ، ففي أي مكانٍ من المسجد الحرام .
 ويستحب الشُرب من ماء زمزم ، والدعاء عند الملتزم ، فقد روى البيهقي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما ، أن النبي عليه الصلاة والسلام :

((كان يلزم ما بين الرُكن والباب وكان يقول : ما بين الركن والباب يدعى الملتزم، لا يلزم ما بينهما أحدٌ يسأل الله شيئاً إلا أعطاه الله إياه ))

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في جزءٍ من خطبةٍ قادمة نتابع مناسك الحج .

ثمار الحج :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الحج من العبادات التي ذكرناها قبل أسبوعين ، عبادةٌ بدنيةٌ ماليةٌ مكانيةٌ زمانيةٌ روحية ، الحج يرقى بالإنسان ، ثمار الحج ؛ أن ترقى مستوى عبادة الإنسان ، أن ترقى علاقاته مع إخوانه ، أن ترقى صلته بربه ، أن يرقى ورعه ، أن يزداد أدباً مع الله ومع خَلْقِه ، إذا ذهب الحاج إلى الحج وعاد بأخلاقٍ جديدة ، بمعرفةٍ جديدة ، بورعٍ جديد، فقد صَحَّ حجه . أما من ذهب وعاد كما ذهب ، ولا يدري لمَ حج ؟ ولا لم أحرم ؟ ولا لم ترك الإحرام ؟ فهذا ليس في مستوى هذه العبادة العظيمة التي سَنّها الله لنا .

 

للمؤمن على المؤمن سبعة حقوق :

1 ـ الإجلال له في عَيْنِه :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( للمؤمن على المؤمن سبعة حقوق . . . ))

 كلكم مؤمنون والحمد لله !

(( للمؤمن على المؤمن سبعة حقوق واجبةٌ لله عزَّ وجل . . .))

 أي أنَّ الله سبحانه وتعالى يحاسبك عن أخيك المؤمن ، هذه الحقوق تجب عليك لأخيك ، والله سبحانه وتعالى هو الذي يحاسب عنها .

(( للمؤمن على المؤمن سبعة حقوق واجبةٌ لله عزَّ وجل- الحق الأول - الإجلال له في عَيْنِه . . .))

 فمؤمن يستخف بمؤمن هذا عملٌ فيه مخالفةٌ كبيرة ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ))

[ من الجامع الصغير ]

 قد يحتقره بكلمة ، وقد يحتقره بنظرة ، وقد يحتقره بابتسامة ، وقد يحتقره بتَصرُّف ، وقد يحتقره برسالة ، إذا دخل لا يقوم له ، هذا نوعٌ من الازدراء ، إذا مدَّ إليه يديه لا يصافحه ، هذا نوعٌ آخر من الازدراء .

(( بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ))

[ من الجامع الصغير ]

 ولو أنك في قمة المجتمع ، وأخوك المسلم في الدرجة السفلى ، بحكم الوظيفة ؛ لو أنك في منصبٍ رفيع وأخوك حاجبٌ على الباب ، إذا ازدريته فلست مؤمناً . .

(( للمؤمن على المؤمن سبعة حقوق واجبةٌ لله عزَّ وجل ؛ الإجلال له في عينه. . .))

 يجب أن تحترمه بأن تقف له ، بأن تصافحه ، بأن تصغِي إلى حديثه ، بأن تستأذنه إذا ذهبت ، بأن تلبي حديثه إذا دعاك ، بأن تواسيه في مرضٍ أو مصيبة ، بأن تعوده، هكذا ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام في حق الجار - وحق المسلم أبلغ من حق الجار-:

((إن استعان بك أعنته ، وإن استنصرك نصرته ، وإن مرض عدته ، وإن مات شيعته ، وإن أصابه غمٌ واسيته ، وإن أصابته مصيبةٌ واسيته ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]

 هكذا . لذلك :

(( . . . الإجلال له في عينه ))

 إذا كان هناك احترامٌ متبادل ، إذا كان هناك توقيرٌ يقول عليه الصلاة والسلام :

((ليس منا من لم يوقر كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن مالك ]

 الإجلال له في عينه ، هذا هو الحق الأول ، أيْ أن تقف منه موقفاً ينمُّ عن احترامك له ، ينمّ عن تقديرك إياه ، أن تكون معه في حركاتك ، وسكناتك ، ونظراتك ، وابتساماتك ، وحديثك ، وموقفك ، وتصرُّفك على غاية ما يكون الاحترام ، لأنه أخوك في الله، ومَن أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربّه ، هكذا . .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾

[ سورة الحجرات : 11 ]

 هكذا .؟ قالت : يا رسول الله إنها قصيرة . عن أختها السيدة صفية ، قال :

(( يا عائشة، لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ))

[ أبو داود عن عائشة ]

 كلمة " قصيرة ".

 

2 ـ الود له في صدره :

 الإجلال له في عينه ، والودُّ له في صدره . . . لا ينبغي أن تحقد عليه ، لا ينبغي أن تغتاظ منه ، لا ينبغي أن تتمنّى له الشَر ، لا ينبغي أن تحزن إذا أصابه خير ، لا ينبغي أن تتربَّص به ، لا ينبغي أن تنتظر المُصيبة وهي قادمةٌ عليه ، ليس هذا من شأن المؤمنين ، بل هذا من شأن المنافقين .

((المُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ لِبِعْضِهِمْ نَصَحَةٌ مُتَوَادُّونَ وَإِنِ افْتَرَقَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ ، وَالْفَجَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَشَشَةٌ مُتَخَاذِلُونَ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ))

[أبو الشيخ ابن حبان في كتاب التوبيخ والبيهقي في الشعب عن أنس]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ " والود له في صدره " هذا امتحانٌ لنا ، هل تحترم أخاك المؤمن في الظاهر ، هذا جزءٌ من الحق الذي لله عليك ، هل تُبادله محبةً بمحبةً ؟ هل تُكِنُّ له مودّة ؟ هل أنت حريصٌ على مصلحته ؟ هل يؤلمك ما يؤلمه ؟ هل يفرحك ما يفرحه؟ إذاً أنت مؤمن ، لأن الله سبحانه وتعالى وصف المنافقين فقال :

﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾

[ سورة آل عمران : 120 ]

 والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة النور : 19 ]

 على مستوى المحبة فقط ، هذا الذي يفرح إذا فُضِحَ المؤمن ، هذا الذي يفرح إذا خُدِشَت سمعة المؤمن ، هذا ليس مؤمناً .

(( للمؤمن على المؤمن سبعة حقوق واجبةٌ من الله عزَّ وجل ؛ الإجلال له في عينه ، والود له في صدره . . .))

 في الظاهر إجلال ، وفي الباطن مودةٌ ومحبة ، هكذا المؤمنون . لذلك المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشُدّ بعضه بعضاً ، من علامات النفاق أن ترى الناس جميعاً ، وتحسبهم جميعاً وقلوبهم شتَّى ، متفرّقون ؛ على مستوى الأسرة الواحدة ، على مستوى أرباب المصلحة الواحدة ؛ يتنافسون تنافساً مؤذياً ، يتحاسدون ، يتباغضون ، ليس هذا من شأن المؤمنين ، ليس هذا من شأن المسلمين :

(( . . . والود له في صدره ))

3 ـ المواساة له في ماله :

 كان السلف الصالح إذا جاءه من يشتري من دكانه يقول له : اذهب إلى دكان أخي فإنني قد استفتحت :

(( . . . والمواساة له في ماله . . .))

 المواساة له في ماله حقٌ من حقوق المؤمن عليك ، كيف يرضى الله عنا إذا أُتخم الأغنياء وجاع الفقراء ؟ الأغنياء أوصيائي، والفقراء عيالي ، ومن منع مالي عيالي أذقته عذابي ولا أبالي .
 عبد الله بن المبارك ، العارف بالله ، كان في طريقه إلى الحج فرأى طفلةً تنقِّب في قمامة ، حتى عثرت على طائرٍ ميت ، فأخذته إلى بيتها ، فتبعها ، فعرف أنها أسرةٌ فقيرة، فأعطاها نفقة الحج وعاد إلى بلاده ، ورأى أن إغاثة هذه الأسرة من الجوع القاتل أفضل من حجه بيت الله الحرام ، هكذا .

(( . . . والمواساة له في ماله . . .))

 لا ينبغي أن يجوع مؤمنٌ بين المؤمنين ، لا ينبغي أن يعرى مؤمنٌ بين المؤمنين ، أين التكافل الاجتماعي ؟ أين المَحبّة ؟ أين التعاطف ؟ أهكذا فعل الأنصار بالمهاجرين ؟ بل كانوا يقولون لهم : " يا أخي لي بستانان خذ واحداً منه ، لي دكانان خذ واحدةً منها " هكذا كانوا. .

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

[ سورة الحشر : 9 ]

4 ـ أن يحرِّم غيبته :

 والحق الرابع . .

(( . . . وأن يحرِّم غيبته . . . ))

(( من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوّته ، وحرمت غيبته ))

[ ورد في الأثر]

 كيف تغتابه وهو يصلي ويصوم ؟ وهو على أمر الله قائم ؟!

(( . . . وأن يحرم غيبته ))

5 ـ أن يعوده في مرضه :

 و :

((...أن يعوده في مرضه ))

(( أيما رجل عاد مريضاً فإنما يخوض في الرحمة ))

[ من الجامع الصغير عن انس ]

6 ـ أن يشيِّع جنازته :

(( . . . وأن يشيِّع جنازته ))

7 ـ ألا يقول فيه بعد موته إلا خيراً :

 ثم :

((.....وألا يقول فيه بعد موته إلا خيراً ))

 أيها الأخوة الكرام ؛

(( اذكروا محاسِنَ موتاكم ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر ]

 هكذا علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام ، ما مِن رجلٍ كان أشد عداءً لرسول الله من أبي جهل ، ومع ذلك حينما جاء ابنه مسلماً ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( .... فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت ))

[الحاكم عن عبد الله بن زبير ]

 سبعة حقوق يجب أن تحفظوها ، يجب أن تعيشوها ، يجب أن تطبِّقوها ، يجب أن تَرْعَوها خلال حياتكم :" الإجلال له في عينه ، والود له في صدره ، والمواساة له في ماله، وأن يحرّم غيبته ، وأن يعوده في مرضه ، وأن يشيع جنازته ، وألا يقول فيه بعد موته إلا خيراً ".
 هذه أخلاق المؤمن ، هذه أخلاق المسلم ، مَن حج البيت الحرام وعاد بهذه الأخلاق فقد صَحَّ حجه ، من حج البيت الحرام وعاد تائباً ورعاً مستقيماً فقد صحَّ حجه ، من حج البيت الحرام وعاد مُنيباً راجعاً إلى الله عزَّ وجل فقد صحَّ حجه ، الله سبحانه وتعالى غنيٌ عن عبادةٍ فيها مشقةٌ وسفر ، وليس فيها تَبَدُّلٌ نَفْسِيّ ، ماذا يفعل الله بهذه العبادة إذا ذهبنا وعدنا كما ذهبنا ؟ ماذا يفعل الله بصومنا إذا تركنا الطعام والشراب ولم تنته جوارحنا عن المعاصي ؟ ماذا يفعل الله بصلاتنا إذا ركعنا وسجدنا ولم تنهنا صلاتنا عن الفحشاء والمنكر .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ العبادات ليست هدفاً بذاتها ، إنما هي وسيلة لتحقيق هدفٍ كبير .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

 

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

تفسير قوله تعالى :

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً﴾

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في سورة تبارك :

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾

[ سورة الملك : 1-4]

 نقف عند ثلاث كلمات . . .

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً﴾

 يقول علماء الفضاء : إن الطبقة الأولى هي طبقة الهواء السفلى ، التي تعيش فيها الأحياء ، من طيور ، وما شاكل ذلك ، وهذه الطبقة أيضاً مؤلفةٌ من عِدّة طبقات وهي متقلبةٌ من حالٍ إلى حال ، ومتحولةٌ من مكانٍ إلى مكان ، من حالة الحر ، إلى حالة البرد ، إلى حالة الغيوم ، إلى حالة الأمطار ، إلى حالة العواصف ، مِن حالٍ إلى حال ، ومِن مكانٍ إلى مكان ، تنتقل هذه المنخفضات ، وهذه المرتفعات من مكان إلى مكان ، وانتقالها أساس التنبُّؤات الجوية . فهذه الطبقة السفلى أيها الأخوة المؤمنون لا يزيد ارتفاعها في أول الأمر عن ستة عشر كيلو متر .
 والطبقة الثانية ، هي طبقةٌ فيها جزئياتٌ غازيةٌ كبريتية ، هذه الجزئيات الغازية الكبريتية تلقِّح السحاب ، وتسهِّل عملية الأمطار ، ولولا هذه الطبقة الكبريتية ، لما هَطَلَت الأمطار ، ولما كانت الحياة على سطح الأرض .
 وفي الطبقة الثانية أيضاً ، طبقة الأوزون ، وهي غلافٌ من الأوكسجين الثلاثي، الذي يمتصُّ الأشعة فوق البنفسجية القتَّالة ، لأن هناك في الشمس أشعة فوق البنفسجية قاتلة ، تمتصُّ طبقة الأوزون هذه الأشعة القاتلة ، ولا تسمح بمرور هذه الأشعة القاتلة إلا بجزءٍ يسيرٍ يسير يقتل الجراثيم الضارة بالكائنات الحية ، فالتعرُّض للشمس مفيد ومطهِّر ، ولكن قد أصاب طبقة الأوزون بعض الخلل ، من كثرة رحلاتِ الفضاء ، والأقمار الصناعية ، وقد سمعت أن مؤتمراً سيعقد بعد قليل للبحث في طريقة وقاية هذه الطبقة ، لأن سرطانات الجلد بدأت تنتشر ، بأعدادٍ وبائية ، في بعض الدول المتقدمة التي تُكْثِرُ من إرسال سفنِ الفضاء ، والأقمار الصناعية ، إن طبقة الأوزون في تلك الأماكن أصابها بعض الخلل ، وارتفاع الطبقة الثانية ، من ستةَ عشر كيلومتر إلى ثمانين كيلومتر .
 وأما الطبقة الثالثة . . فهي تشبه فرناً ذريَّاً شديد اللّهب ، فيلتهب ويتشهَّب أي شيءٍ يدخل في هذه الطبقة ، ولولا هذه الطبقة ، لكانت الأحجار الكونية ، والكوَيْكبات قد دمَّرت كل شيء على الأرض ، ولكن هذه الطبقة تصهر كل شيء ؛ من نيازك ، من معادن ، من كويكبات ، من أحجار ، تصلُّ إلى الأرض بفعل الجاذبية ، إنها تحترق في هذه المنطقة ، وتتشهب ، وتصبح رماداً ، لا يرى إلا بالمجاهر . . .
 الطبقة الرابعة ، لها تفصيلاتٌ دقيقة ، لا يتسع لها المقام الآن . وأما الطبقة الخامسة ، فهي تمتد من ألف كيلو متر إلى خمسة وستين ألف كيلو متر ، يقلُّ الهواء تدريجياً في هذه الطبقة ، إلى أن ينعدم ، فطبقة الهواء المحيطة بالأرض يزيد سمكها عن خمسة وستين ألف كيلو متر نحو الأعلى ، أما الشيءُ الذي لا يصدق فهو أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾

[ سورة الأنبياء : 32]

 سقف محفوظ ، أي به تُحْفَظ الأرض ، وقال بعض العلماء الأجانب بالحرف الواحد : إن الجو الأرضي حاجزٌ حقيقي ، هو حقاً قليلُ الكثافة ولكنه سميكٌ جداً ، فهو يوقف الأشعة ، ويحرق الشُهُب ، إنه يحمي حياتنا الدنيوية ، ويحافظ عليها ، لأنه لا يسمح إلا لكلِّ ما هو نافعٌ لنا بالوصول إلى سطح الأرض ، وهذا مصداق قول الله عزَّ وجل :

﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾

[ سورة الأنبياء : 32]

 لا يسمح جو الهواء للنيازك ، ولا للشهب ، ولا للمعادن ، ولا للأحجار ، ولا للكويكبات ، ولا للأشعة القاتلة ، كل ما يؤذي الأرض ، فالهواء إما أن يحرقه ، وإما أن يمنعه ، فالأوزون يمنع الأشعة القاتلة ويمتصُّها ، والطبقة الرابعة الحارَّة تَصْهِر كل شيء .
 أذيع في العام الماضي ، وعلى متن طائرة الحج ، أن الحرارة خارج الطائرة هي خمسون درجة تحت الصفر ، وكان الجو مثل هذه الأيام في الديار المقدسة خمسة وستين درجة في الظل ، وأما في الجو فخمسون تحت الصفر .
 أما هذه الطبقة الخامسة التي تحرق كلَّ شيء ، تزيد الحرارة فيها عن ألف درجة ، ينصهر الحديد في هذه الدرجة ، ويصبح رماداً .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما يقول الله عزَّ وجل :

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

[ سورة الملك : 3 ]

 هذه آيةٌ كونيةٌ عُظْمَى ، لا يعرفها إلا مَن عَلِم ، لهذا يقول الله عزَّ وجل :

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[ سورة فاطر : 28]

 كل كلمة في القرآن تشير إلى علوم ، وإلى تفصيلات ، لو أن الإنسان أمضى حياته كلها في دراسة هذه الآيات لما انتهى .

 

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا .
 اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا. اللهم استر عيوبنا ، واغفر ذنوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ارزقنا حجاً مبرورا ، وسعياً مشكوراً ، وذنباً مغفورا . اللهم اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين ، والمقيمين والمرابطين ، في برّك و بحرك من أمة محمدٍ أجمعين. اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018