الخطبة : 0218 - مسؤولية الآباء تجاه أولادهم2 - القدوة الحسنة - المشيمة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0218 - مسؤولية الآباء تجاه أولادهم2 - القدوة الحسنة - المشيمة.


1988-06-17

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

النبي عليه الصلاة والسلام أسوة و قدوة لنا :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ تحدثت في الأسبوع الماضي وفي خطبة الجمعة بالذات عن مسؤولية الآباء والمربين تجاه أولادهم أو تلاميذهم ، هم مسؤولون عن تربية أولادهم أو تلاميذهم تربية خلقية ، وهذا الموضوع متمم للموضوع السابق ، ما هي أنجع الوسائل في تربية الأولاد ؟ ما هي أجدى السبل في تربية التلاميذ ؟ ما هي أقوى الطرائق في نقل الحقائق والقيم ؟
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما من منهج تربوي إلا ويحتاج إلى قدوة من بني البشر ، لولا القدوة ما نجح التعليم ، ولا نجحت التربية ، لأن الإنسان يتعلم بعينيه لا يتعلم بأذنيه ، يتعلم بالقدوة أضعافاً مضاعفة مما يتعلم بالكلمة ، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام أسوة لنا ، وقدوة لنا ، ما من حالة إلا وذاقها ، وقف منها موقفاً ، وعلمنا من خلالها تعليماً ، ذاق حالة الشكر ، والصبر ، ذاق النعمة ، وذاق البلاء ، ذاق الرخاء ، وذاق الشدة ، ذاق النصر ، وذاق الضعف ، ذاق الصحة ، وذاق المرض ، ذاق البحبوحة ، وذاق الضيق .
 في كل هذه الأحوال التي جعلها الله لنا درساً بليغاً وقف النبي عليه الصلاة والسلام الموقف الكامل ، وتكلم الكلام الكامل ، فالنبي عليه الصلاة والسلام متمم للمنهج الذي أنزله الله عليه ، القرآن منهج وهو القدوة ، القرآن نظام وهو المثل ، القرآن دستور وهو المطبق ، فلا يحيا نظام ، ولا تحيا قيم ، ولا يحيا منهج من دون قدوة حسنة ، وأسوة صالحة ، ومثل أعلى ، فلذلك حينما يتجه الأب لتربية أولاده ، أو حينما يتجه المعلم إلى تربية تلاميذه ، أو حينما يتجه أي إنسان يحتل مركز القيادة لتربية أتباعه ، لا بدّ من أن يضع نصب عينيه حقيقة كبرى صارخة ألا وهي أن الإنسان لا يتعلم إلا بالمثل الأعلى .
 يوم كان الصحابة الكرام مثلاً عليا للناس بلغت فتوحاتهم المشرقين ، وحينما بقي الإسلام أفكاراً ، وحينما أصبح الإسلام كتباً توضع في المكتبات ، وحينما أصبح الإسلام مظاهر، وحينما أصبح الإسلام ثقافة ، وحينما أصبح الإسلام مناسبات يحتفل بها وغاب عن حياتنا وعن تعاملنا تراجع الإسلام .

 

حياة النبي دروس كاملة لكلّ إنسان ولكلّ حالة و بيئة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

[سورة الأحزاب) : 21]

 الفقير له برسول الله أسوة حسنة ، والمريض له برسول الله أسوة حسنة ، والقوي له بهذا النبي أسوة حسنة ، في ساعة النصر لنا برسول الله أسوة حسنة ، وفي ساعة الضعف لنا به أسوة حسنة ، وحينما نستمع إلى كلام بحق من نخاف على سمعتهم لنا برسول الله أسوة حسنة ، لقد كانت حياة النبي عليه الصلاة والسلام دروساً كاملة لكل إنسان ، ولكل حالة ، ولكل بيئة ، ولكل مناسبة .
 السيدة عائشة رضي الله عنها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابت إجابة موجزة بليغة ، قالت رضي الله عنها : " كان خلقه القرآن " وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين .
 فهل نحن نتخلق بأخلاق القرآن ؟ هل نسارع إلى المغفرة ؟ هل نسارع إلى الإنفاق؟ هل نحن نؤثر جانب الحق ؟ هل نؤثر الصدق والأمانة ؟ كان خلقه القرآن .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام عن نفسه :

((أدبني ربي فأحسن تأديبي ))

[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 الأنبياء أثر من آثار تأديب المولى سبحانه وتعالى ، ما رئي ماداً رجليه قط في حياته ، ما عاب طعاماً قط ، ما عنف قط ، ما قال لا قط في حياته .

النبي الكريم قدوة و مثل أعلى لنا في :

1 ـ العبادة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كان عليه الصلاة والسلام قدوة لنا في العبادة ، فكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ، وقد قيل له : يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام : " أفلا أكون عبداً شكوراً " كان قدوة في العبادة ، وقالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها : " كان عمله ديمة " أي دائماً يحافظ على صلواته ، وعلى أذكاره ، وعلى أدعيته ، وعلى قيامه الليل ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول :

((أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ))

[البخاري عن عائشة رضي الله عنها]

 وكان عليه الصلاة والسلام رحمة بأمته ، يدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ، لذلك الفقهاء قالوا : إن السنة المؤكدة هي التي فعلها النبي كثيراً وتركها قليلاً ، والسنة غير المؤكدة هي التي فعلها قليلاً وتركها كثيراً رحمة بأمته ، وحسبنا قول الله عز وجل يخاطبه ويقول :

﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً﴾

[سورة المزمل: 1-4]

 وحسبنا قول الله عز وجل :

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾

[سورة الإنسان: 26]

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾

[سورة الإسراء: 79]

2 ـ الكرم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لنا في العبادة ، وكان قدوة لنا في الكرم ، فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، جاءه رجل وقد رأى وادياً من الغنم قال : لمن هذا يا محمد ؟ قال : هو لك ، قال : أتهزأ بي ! قال : لا والله ، عندئذ قال : أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر .
 وعن سيدنا أنس رضي الله عنه يصف النبي عليه الصلاة والسلام ويقول : ما قال لا في حياته أبداً ، لولا التشهد كانت لاؤه نعم ، كان يقول أشهد أن لا إله إلا الله .

 

3 ـ الزهد :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كان النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لنا في العبادة ، وكان قدوة لنا في الكرم ، وكان قدوة لنا في الزهد ، دخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد اضطجع على حصير ، وقد أثر في جنبه الشريف ، فبكى عمر وقال : يا رسول الله ! رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على حرير ! قال : يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً ، أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ؟
 دخل عليه عدي بن حاتم وكان ملكاً في الجزيرة العربية ، فدفع له النبي وسادة من أدم محشوة ليفاً ، قال : اجلس عليها ، ولم يكن في بيته غير هذه الأريكة ، فقال : بل أنت ، قال : بل أنت ، قال عدي بن حاتم : فجلست عليها وجلس رسول الله على الأرض ، كان مثلاً أعلى لنا في الزهد ، كان يقول عن نفسه :" مالي وللدنيا ، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة فقام وتركها " شيء مؤقت .
 وقد أثر عنه أنه ما شبع من خبز برّ قط ثلاثة أيام متتالية ، خبز البرّ أي خبز القمح ، وكان يقول : " اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً " وكان عليه الصلاة والسلام يؤكد من خلال زهده في الدنيا على معنى التعاون والبذل والإيثار ، لو لم يكن زاهداً لما كان للتعاون بين المؤمنين والبذل والإيثار طعم ، لذلك وصف الله المؤمنين فقال :

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

[سورة الحشر:9]

 فالزهد كان شعراً له ، لأنه بهذا يؤكد قيم التعاون ، قيم الإيثار ، قيم التضحية ، قيم البذل ، قيم العطاء .
 أيها الأخوة ؛ والعيش الكفاف يعين على نشر الدعوة ، ويعين على طلب مرضاة الله عز وجل ، أما الذين غرقوا في النعيم وغرقوا في ملذات الدنيا ومباهجها فهؤلاء تقعد بهم هذه الملذات عن طلب المعالي ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يؤثر الزهد وخشونة العيش على رخائه لئلا يطمئن الإنسان إلى الدنيا ويقعد عن طلب مرضاة الله سبحانه وتعالى .
 شيء آخر ؛ أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يقطع على الكفار والمنافقين والفجار تفسيراتهم الحقيرة من أن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يسيطر على قومه ، أعرض عن الدنيا ، أعرض عن النساء ، أعرض عن المال ، أعرض عن كل شيء يبتغيه معظم الناس ليؤكد أن هذه الدعوة خالصة لله عز وجل لا تشوبها شائبة .

 

4 ـ التواضع :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي صلى الله عليه وسلم كان قدوة لنا في العبادة ، وكان قدوة لنا في الكرم ، وكان قدوة لنا في الزهد ، وكان قدوة لنا في التواضع ، كان يبدأ بالسلام هو وينصرف بكله إلى محدثه ، وإذا صافح أحداً كان آخر من يسحب يده ، وكان يجلس حيث ينتهي به المجلس ، وكان يذهب إلى السوق بنفسه ، ويحمل حاجته بيده ، وكان نبي هذه الأمة سيد الخلق ، لم يتكبر على عمل الأجير والصانع ، كان يجيب دعوة الحرّ والعبد والأمة ، كان يقبل عذر المعتذر ، كان يرفو ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم أهله ، ويعقل بعيره، ويأكل مع الخادم ، ويقضي حاجة الضعيف والبائس ، وكان يجلس أحياناً على الأرض ، كان مثلاً أعلى في التواضع وهو قمة البشر ، وهو سيد ولد آدم .

 

5 ـ الحلم :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كان النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لنا في الحلم فكان يصبر على جفوة الأعراب ، قال له أحدهم : اعدل يا محمد ، فما زاد النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن قال له : ويحك من يعدل إذا لم أعدل ؟ وكان بإمكانه أن يقطع رأسه ، قال له أحدهم بعد أن أعطاه عطاء : هل أحسنت لك يا أعرابي ؟ قال : لا ولا أجملت ، كان يحلم عليه، كان مثلاً أعلى في الحلم ، أما حينما دخل مكة فاتحاً بعد سنوات طويلة من التنكيل والتعذيب والحرمان والمهاجمة ، دخل عليهم وكان بإمكانه أن يبيدهم عن آخرهم ، قال : ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، كان مثلاً أعلى في الحلم على أعدائه ، جاءه عكرمة مسلماً ، فقال عليه الصلاة والسلام : لا تسبوا أباه ، فإن سبّ الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت ، وتعلمون من عكرمة ؟! أعدى أعداء النبي عليه الصلاة والسلام .

 

6 ـ القوة الجسدية :

 وكان مثلاً أعلى في قوته الجسدية ، سيد المصارعين في عصره اسمه ركانة صرعه مرات ثلاث متتاليات ، حتى قال له : أشهد أنك رسول الله ، وأمية بن خلف في معركة أحد قال : أين محمد لا نجوت إن نجا ، فقال : أنا ، أصحابه الكرام تمنوا أن يقفوا أمامه وأن يدافعوا عنه ، قال : لا ، دعوني وإياه ، وكزه وكزة برمح فولى أمية بن خلف هارباً وهو يصيح لقد قتلني محمد ، فقيل له : لم يقتلك ؟ قال : والله لو بصق عليّ لقتلني .
 كان مثلاً أعلى في القوة الجسدية ، وكان أصحابه الكرام يلوذون به إذا حمي الوطيس ، وكانوا في المعركة يحتمون به ، ولم يكن في المعركة أحد أقرب للعدو منه عليه الصلاة والسلام ، وفي غزوة الخندق استعصت عليهم صخرة فطلبوا من النبي أن يعينهم على تفتيتها وقد فعل ، كان عليه الصلاة والسلام مثلاً أعلى في القوة الجسدية .

 

7 ـ الشجاعة :

 أما في الشجاعة فقد فزع الناس في أحد الأيام بالمدينة فخرجوا من بيوتهم ليروا ما الأمر ، فرأوا النبي قد سبقهم إلى مصدر الصوت على فرس لأبي طلحة عريانة ، وعلى عاتقه سيف ، واستطلع ورجع وطمأنهم ، وقال : لن تراعوا لن تراعوا ، كان قدوة لهم في الشجاعة ، ويوم حنين حينما تفرق أصحابه عنه ولم يبق إلا هو وقلة قليلة ممن معه ، قال : أنا النبي لا كذب ، أن ابن عبد المطلب .

 

8 ـ حسن السياسة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كان النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً أعلى في الشجاعة ، وكان مثلاً أعلى في حسن السياسة ، يوم وجد الناس عقب غزوة حنين على النبي عليه الصلاة والسلام حين وزع الغنائم على أناس دون أناس ، فسأل سعد بن عبادة فقال : بلغني أن قومك قد وجدوا عليّ في أنفسهم أين أنت منهم يا سعد ؟ قال : ما أنا إلا من قومي ، قال : اجمع لي قومك ؟ فقال : أيها الأنصار مقالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها عليّ في أنفسكم من أجل لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ، أما ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم ؟ أما أنتم لو شئتم لقلتم أتيتنا مكذباً فصدقناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فأغنيناك ، فقال : يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ؟ وأعداء فألف بين قلوبكم ؟ وعالة فأغناكم الله ؟ عندئذ بكوا حتى أخضلوا لحاهم وقالوا : رضينا برسول الله قسماً وحظاً ، هذا مثل أعلى في السياسة .

9 ـ الثبات على المبدأ :

 وكان عليه الصلاة والسلام مثلاً أعلى في الثبات على المبدأ ، أناس كثيرون في بعض الأحيان لهم مبادئ ، فإذا جاءتهم الدنيا تخلوا عن مبادئهم وتبعوا شهواتهم ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام عرضت عليه الدنيا زعامة قريش ، وعرضت عليه أجمل فتيات قريش ، وعرض عليه أن يكون أغنى أغنياء قريش ، ومع ذلك قال : "والله يا عم لو وضع الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه " .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كان النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً أعلى في الكرم ، وفي العبادة ، وفي الزهد ، وفي التواضع ، وفي الحلم ، وفي القوة الجسدية ، وفي الشجاعة ، وحسن السياسة والثبات على المبدأ .

 

التأثير في الناس لا يكون إلا لمن اتخذ النبي الكريم قدوة له :

 ماذا كانت النتائج ؟ كانت النتائج أن خبيب بن عدي حينما عرض على القتل قيل له : أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ قال : والله ، ما أحبّ أن أكونَ في أهلي وولَدي وعندي عافيَةُ الدنيا ونعيمها ويصابُ رسول الله بشَوكة ، امرأة من الأنصار بلغها أن أخاها وأباها وزوجها قتلوا جميعاً في أحد كانت تقول : ما فعل رسول الله ؟ فطمأنوها أنه بخير ، فقالت لهم : أريد أن أنظر إليه ، فلما رأته بخير حالة قالت : يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يا من يتصدى لتربية الأولاد ، يا من يتصدى لتربية الأبناء ، يا من يتصدى لتربية الناس لا تستطيع أن تؤثر فيهم إلا إذا كنت قدوة لهم ، ولن تكون قدوة لهم إلا إذا كان النبي عيه الصلاة والسلام قدوة لك .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

المشيمة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في المشيمة هذا الذي يسمونه العامة الخلاص قرص كبير يرافق الجنين في رحم الأم ، هذه المشيمة تلقى بعد الولادة ، في المشيمة أيها الأخوة دورتان دمويتان يفصل بينهما غشاء رقيق اسمه الغشاء المشيمي ، الدورتان الدمويتان دورة دم الأم ودورة دم الجنين ، ومعلوم لديكم أن زمرة دم الأم غير زمرة دم الجنين ، كل دم له زمرة قائمة بذاته ، هاتان الدورتان تفصلان في المشيمة ، ويفصل بينهما غشاء رقيق ، هذه الغشاء الرقيق فيه معجزة كاملة ، إنه يفصل بين دماء الجنين ودماء الأم ، ولكن يسمح بمرور الغذاء المنتقى والمختار بعناية فائقة من دم الأم إلى دم الجنين ، غشاء عاقل ، الجنين يحتاج إلى بوتاس ، الجنين يحتاج إلى كلس ، الجنين يحتاج إلى منغنيز ، الجنين يحتاج إلى كذا وكذا ، هذا الغشاء يسمح بمرور ما يحتاجه الجنين ، غذاء منتقى بعناية فائقة يلائم الجنين ويعين على نموه ، ويسمح هذا الغشاء أيضاً بمرور الأكسجين من دم الأم ، الأم تتنفس وتأخذ من الهواء الأكسجين ويعطى إلى دم الجنين عبر هذا الغشاء ، ويسمح هذا الغشاء أيضاً بمرور مواد المناعة للأمراض والأوبئة ، مناعة الأم في دمها ، المناعة تعني المصول المضادة في دم الأم تمر عبر هذا الغشاء إلى دم الجنين ، وهذا الغشاء يسمح بأن ينتقل من دم الجنين إلى دم الأم المواد السامة ونتائج الاحتراق ، أي ثاني أكسيد الكربون الناتج عن عمليات البناء والهدم ، أي فضلات الجنين الموجودة في الدم تنتقل عبر هذا الغشاء إلى دم الأم ، إذاً غشاء يسمح بمرور الغذاء المنتقى والأكسجين ، ويسمح بمرور المصول المناعية ، ويمنع مرور الجراثيم والأوبئة ، ويسمح بمرور الفضلات الناتجة عن احتراق الخلايا في جسم الجنين إلى دم الأم ، ما هذا الغشاء !!!
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كل هذا يتم من دون أن يختلط دم الأم مع دم الجنين ، دم الأم مستقل ودم الجنين مستقل ، وهذا الغشاء يفصل بينهما ، آية من آيات الله الدالة على عظمته ، دم الأم من زمرة ودم الجنين من زمرة ، والجنين يأخذ الأكسجين والمصول المناعية ويأخذ الغذاء المنتقى ويطرح الفضلات عبر هذا الغشاء ، وهذا الغشاء لا يسمح للجراثيم والأوبئة أن تمر إلى الجنين ، أي لو أصيبت الأم بمرض جرثومي هذا المرض لا ينتقل إلى جنينها عبر هذا الغشاء ، غشاء عاقل هكذا يسميه علماء الطب ، غشاء يسمح بمرور ما يحتاجه الجنين ويسمح بطرح ما يؤذي الجنين ، ولا يسمح بمرور ما يؤذي الجنين ، أي ما يؤذي الجنين يطرح من دم الجنين إلى دم الأم ، أما ما يؤذيه فلن يسمح بانتقاله من دم الأم إليه ، هذه آية من آيات الله الدالة على عظمته .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لخص بعض العلماء وظيفة المشيمة الخلاص بأنه يعطي الأكسجين ويأخذ ثاني أكسيد الكربون ، أي يقوم بوظيفة الرئة ، رئة الجنين في الخلاص ، ويعطي الغذاء المهضوم بالقدر المعلوم ، وقد تتبع العلماء هذا الغذاء عبر أشهر فوجدوا أن هذه المشيمة تعطي الجنين غذاء معيراً تعييراً يومياً بحسب نموه ، إذاً تقوم هذه المشيمة بوظيفة جهاز الهضم ، وهذه المشيمة أيضاً ترسل هرمونات تُثبّت الجنين في الرحم ، وترسل هرمونات تنمي الثديين استعداداً لفرز الحليب ، كل هذا الذي يلقيه الناس في القمامة أو في مكان آخر أو في التراب حسب السنة هذه المشيمة لو يعلم الإنسان ما فيها من أجهزة ومن دقائق لخرّ لله ساجداً .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018