الخطبة : 0210 - رمضان1 - علاقة الصيام بالقرآن وبالدعاء. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0210 - رمضان1 - علاقة الصيام بالقرآن وبالدعاء.


1988-04-15

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

علاقة الصيام بالقرآن :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ بدأنا في الدرس الماضي وبمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك بالحديث عن آيات الصيام في سورة البقرة ، ووصلنا إلى قوله تعالى :

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 185]

 شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَن
أيها الأخوة المؤمنون ؛ إنما سمي رمضان - كما قال عليه الصلاة والسلام - لأنه يرمض الذنوب ، ومعنى يرمض الذنوب أي يحرقها ، والرمضاء - كما جاء في المثل العربي - كالمستجير من الرمضاء بالنار ، الرمضاء هو الجمر المتوهج ، وإنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما صعد المنبر وقال : آمين ، سأله بعض أصحابه : علام آمنت يا رسول الله ؟ فقال : جاءني جبريل فقال : رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له ، فإن لم يغفر له فمتى ؟
 ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَن﴾

[ سورة البقرة : 185]

 بعض علماء التفسير قالوا : إنه بدأ تنزيل القرآن في شهر رمضان ، وبعضهم قال: إن القرآن تنزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا في شهر رمضان ، وبعضهم قال : إن هذا الشهر الكريم أنزل في فضله قرآن أو أنزل في وجوبه قرآن ، وبعض المفسرين يرجحون هذا المعنى الثاني أن القرآن الكريم نزلت فيه آيات تحدثت عن عظمة هذا الشهر ، وعن فوائده ، وعن أنه شهر المغفرة ، وعن أنه شهر القرآن ، فقد نزل قرآن في فوائده ، كأن تقول نزل في أبي بكر رضي الله عنه قرآن ، فعلى كلّ إما أن القرآن بدأ نزوله في هذا الشهر الكريم ، أو أنه تنزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا في هذا الشهر ثم نزل به جبريل الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم منجماً أي بحسب المناسبات والوقائع ، أو أن القرآن الكريم تنزل ، أو ذكر فضل هذا الشهر الكريم ، أو في القرآن الكريم وجوب صيام هذا الشهر ، هذه المعاني كلها مستفادة من قوله تعالى :

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَن﴾

[ سورة البقرة : 185]

 هذا القرآن

﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾

من طبق القرآن في حياته سعد في الدنيا و الآخرة :

 بادئ ذي بدء ؛ الله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض ، خلق الكون ، ومن تمام رحمته أن ينزل على عباده قرآناً يكون لهم هادياً إلى سواء السبيل ، لذلك قال الله تعالى :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾

[سورة الأنعام:1]

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾

[سورة الكهف:1]

 أي بشكل تقريبي كأن هذا الكون آلة معقدة ، ومعها نشرة من قبل المصنع تبين للذي يقتنيها طريقة استعمالها ، فالآلة دقيقة ونافعة ولكن دقتها ونفعها متوقفان على حسن استخدامها ، وهذا النشرة تضمن لمقتنيها حسن استخدامها ، فحينما يخرج الإنسان في حركته اليومية ، في حركته حركة الحياة ، في استجابته لرغباته ، في كسبه للمال ، وإنفاقه للمال ، في علاقته بالآخرين ، حينما يخرج عن توجيه القرآن الكريم فإنه يشقى ، لذلك :

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

[سورة طه: 123]

﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[سورة البقرة: 38]

 فلذلك نحن خلقنا على وجه الأرض ، وقد أودع الله فينا شهوات ، هذه الشهوات تدعونا إلى التحرر لكسب المال ، لـتأمين الطعام والشراب ، تدعونا هذه الشهوات للزواج ، أو للاقتراب من الجنس الآخر ، فإما أن نتحرك وفق هذا المنهج القويم فنسعد في الدنيا والآخرة ، وإما أن نتحرك بشكل عشوائي بعيد عن الهدى ، وعن القرآن العظيم فنشقى في الدنيا والآخرة ، لذلك قال الله تعالى :

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[سورة الإسراء : 9]

 وهذه آية مطلقة ، حيثما طبقت القرآن في حياتك ، في نشاطاتك ، في بيعك وشرائك، في زواجك ، في كل علاقاتك ، سعدت به في الدنيا والآخرة .

 

حقائق توضح العلاقة بين شهر رمضان وبين القرآن :

 يبدو من هذه الآية أن شهر رمضان من حكمه أن يكون هذا الشهر مناسبة لفهم كتاب الله ، لعل الجوع من أجل صفاء الذهن ، ولعل صفاء الذهن من أجل تفهم كتاب الله ، لذلك النبي الكريم كانت له في هذا الشهر خصلتان واضحتان : كثرة قراءة القرآن ، وكثرة الإنفاق في سبيل الله ، فلما قال الله عز وجل :

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَن﴾

[ سورة البقرة : 185]

 الصيام وسيلة المسلم لتلقي معاني القرآن الكريم
أي أنزل القرآن في فضل هذا الشهر ، أو أنزل هذا القرآن في وجوب صيام هذا الشهر ، أو أنزل القرآن ابتداء في هذا الشهر ، أو أنزل هذا القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا في هذا الشهر ، أو أن هذا الشهر من أجل القرآن ، من أجل أن تزداد فهماً لهذا الكتاب ، لعل ترك الطعام والشراب أن تبتعد عن متع الحياة ، وعن ملاذها التي ربما كانت في أغلب الأحيان حجاباً بين العبد وبين الله عز وجل . الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين يقول : " الخير كله مجموع في خزائن الجوع " ربما كان الجوع وسيلة لتصفية الذهن ولراحة الأعصاب ، ووضعاً مثالياً لتلقي معاني القرآن الكريم ، وليزداد الإنسان فهماً وتعمقاً لكلام الله عز وجل ، هذه بعض الحقائق التي جاءت لتوضح العلاقة بين شهر رمضان وبين القرآن .

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاس﴾

[ سورة البقرة : 185]

 تماماً الإنسان من دون قرآن كالأعمى في غابة ، فيها الوحوش ، وفيها الحشرات ، وفيها الحفر ، وفيها الأكمات ، وفيها الفواكه والثمار ، وفيها كل شيء نافع ، وكل شيء ضار ، وكأن القرآن مصباح متألق يكشف للإنسان الخير من الشر ، والنافع من الضار ، والحق من الباطل .

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاس﴾

[ سورة البقرة : 185]

قوام الدعوة إلى الله :

 الإنسان إما أن يكون على علم بهذا القرآن فيكون مهتد ، وإما أن يتخذ هذا القرآن وراءه ظهرياً فهو ضال مضل ، ومن قرأ القرآن وفهمه فهو هاد ومهتد .

﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾

  قد تهتدي إلى الخير ولكن لا تملك القدرة على أن تدل الناس عليه ، ففي القرآن الكريم هداية إلى الخير وبينات تعين من دعا إلى الله عز وجل على أن يقنع الناس كي يسلكوا سبيل الخير ، الهدى أنه يقول لك : السعادة في الإقبال على الله ولكن ما الدليل ؟ هناك أدلة تفصيلية ، الله عز وجل رحمة بنا لم يشأ أن يدلنا على الخير فقط من دون بينات ، من دون أدلة ، من دون براهين ، من دون شواهد ، من دون وقائع ، دلنا على الهدى وأعاننا على اتباع الهدى بأنه بيّن لنا الأدلة المأخوذة من هذا الهدى

﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾

 شيء آخر في الدعوة إلى الله : الموازنة بين الحق وبين الباطل ، بين اتباع طريق الحق وبين اتباع طريق الشيطان ، بين أن تؤثر ما عند الله وبين أن تؤثر ما في الدنيا ، في أكثر آيات القرآن الكريم موازنات من أجل أن تفرق بين الحق والباطل ، وبين الخير والشر ، إذاً في الكتاب هدى وفيه أدلة وفيه موازنات ومفارقات .
إذاً قوام الدعوة إلى الله أن تدعى بها إلى الهدى ، وأن تدعم بالأدلة والبراهين والبينات والشواهد ، وأن يوازن لك حياة المؤمن وحياة الكافر .

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

[سورة القصص: 61]

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة: 18]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية: 21]

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾

[سورة الحاقة: 19-29]

 الله تعالى بيّن لنا طريق الحق وطريق الباطل لنختر بينهما
هذه المشاهد المتناقضة ، هذه المفارقات الحادة بين حالة أهل الإيمان وبين حالة أهل العصيان ، بين حالات أهل الجنة وبين حالات أهل النار ، بين طريق الحق وطريق الباطل، بين الهدى وبين الضلال ، بين اتباع الرحمن وبين اتباع الشيطان ، إذاً :

﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾

  الفرقان به تفرق بين الحق والباطل . من أسماء هذا القرآن الكريم الفرقان ، قال تعالى :

﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾

[سورة الفرقان:1]

 من أسمائه الفرقان ؛ به تفرق بين الحق والباطل .

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾

[ سورة البقرة : 185]

 أدلة مأخوذة من الهدى ، أدلة تفصيلية على الهدى .

 

حكم الصيام في السفر و المرض :

﴿وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه﴾

  معنى شهد خلافاً لما يتوهمه البعض ، من كان حاضراً في مصره - أي بلده - مقيماً صحيحاً ، شهر الصيام مفروض على الصحيح المقيم ، أي من شهده في أهله وفي بلده وكان صحيحاً فليصمه .

﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

[ سورة البقرة : 185]

 في درس ماض تحدثنا عن المرض الذي يبيح للمسلم الفطر ، وعن السفر ، فالمرض الخطير الذي يتأذى فيه الإنسان بالصوم يجب عليه أن يفطر فيه ، ومن صام فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة ، وأما الذي يصوم مع مشقة كبيرة بمعنى ( وعلى الذين يطيقونه ) أي يتحملون الصيام بمشقة كبيرة ، هؤلاء إن أفطروا عليهم فدية ، والأولى أن يفطروا ، أما الذين يطيقون الصيام من دون مشقة فالأولى لهم أن يصوموا ، فمن كان الصيام ضاراً به أشدّ الضرر يجب أن يفطر ، ومن أطاق الصيام مع المشقة الأولى أن يفطر ، ومن أطاق الصيام من دون مشقة الأولى ألا يفطر ، هذا تحدثت عنه في الأسبوع الماضي .

﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

[ سورة البقرة : 185]

الدين الإسلامي دين يسر و بساطة :

 إذاً لما قال الله عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾

[ سورة البقرة :183-184]

 لا بدّ من أن تصوم هذه الأيام المعدودات ، إما أداء وإما قضاءً ، لا بدّ من أن تصومه .

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾

  هذه الأيام الأخر على التوسعة ، معك العام بأكمله ، وعلى المذهب الحنفي معك العام والذي يليه من أجل أن تصوم هذه الأيام التي فاتت المريض أو المسافر أو الحائض أو النفساء ، وأداء هذه الأيام إما تتابعاً وإما تفرقاً ، كلاهما صحيح .

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾

 الإسلام دين يسر واقبال على الله عز وجل
هذا أصل من أصول الدين ، ما جعل عليكم في الدين من حرج ، النبي عليه الصلاة والسلام ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون معصية ، من أقوال النبي عليه الصلاة والسلام : " الدين يسر " من وصية النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا معاذ وصحبه : " يسروا ولا تعسروا ، سددوا وقاربوا ، بشروا ولا نفروا " فالدين في بساطة ويسر وليس فيه حرج ، فالإنسان حينما يدعو إلى الله عز وجل يجب أن يكون معتدلاً وواقعياً ، قال تعالى :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

[سورة آل عمران:159]

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾

  ليس القصد التجويع ، ليس القصد التعذيب ، الله سبحانه وتعالى غني عن تجويعنا ، وغني عن تعذيبنا ، ولكن الله عز وجل يريدنا أن نقبل عليه ، يريد أن تطهر نفوسنا ، يريد أن تسمو قلوبنا إليه ، من هنا شرع الصيام ، ليس الجوع هو القصد ، إنما الجوع والعطش وسيلة لإحكام العبادة ، ولتطهير النفس ، وللسمو بها ، لذلك جاء في تعريف الصيام أنه ترك الطعام والشراب و كل المفطرات من الفجر الصادق إلى غروب الشمس مع النية ، وتمامه ترك المعاصي والآثام وإلا لا معنى لترك الطعام والشراب ، رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب ، ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه .

﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾

  أياماً معدودات لا بدّ من أن يصومها المؤمن إما أداءً أو قضاءً .

تكبيرات العيد تعبير عن حمد الإنسان وشكره للإله الذي منّ عليه بالهدى :

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾

  إذاً فهم من هذه الآية أن القصد البعيد من صيام رمضان أن تهتدي إلى الواحد الديان ، والدليل قولك يوم العيد : الله أكبر ، هي تكبير وحمد على الهدى الذي أنعم الله به عليك ، لا بدّ من أن تدخل رمضان بحالة وتخرج من رمضان بحالة أخرى ، أن تدخل رمضان بنفسية وأن تخرج منه بنفسية أخرى ، هذا الشيء إن لم يكن ففي الصيام شك .

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾

  كذلك الحج الهدف منه الهدى ، والزكاة كذلك ، والصوم كذلك ، الهدف أن تهتدي إلى الله عز وجل ، وما تكبيرات العيد إلا تعبير عن حمدك وشكرك للإله الذي منّ عليك بالهدى الذي هو أثمن ما في الأرض .

﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

.

 

الصيام من أجل القرب من الله عز وجل :

 الآن :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 الحقيقة قد يجد الإنسان أن هذه الآية قد أقحمت في آيات الصيام لأنه جاء بعدها

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾

  إذاً لا زلنا في آيات الصيام ، ثم جاءت هذه الآية بين فقرتين من آيات الصيام ، قال بعضهم : إن الصيام من أجل القرب ، وأنت إذا دعوت الله عز وجل كنت في أعلى مستويات القرب ، لذلك :

﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

 أي إذا أردت أن تقترب :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب﴾

[ سورة البقرة : 186]

 معنى قريب : اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى ، أي هو مع عباده ، مع همومهم، مع دعائهم ، مع مشكلاتهم ، سميع لأقوالهم ، عليم بأحوالهم ، معهم أينما كانوا ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، يحول بين المرء وقلبه ، وهو معكم أينما كنتم ، من عظمة الإله سبحانه وتعالى أنه معك ، لا تحتاج معه إلى يمين ، ولا إلى دليل ، ولا إلى تأكيد ، يعلم ما في نفسك ، هو رب النوايا ، لذلك التعامل مع الله شيء سهل جداً ، لا تحتاج إلى تأكيد ، ولا إلى حلف يمين ، ولا إلى بيان ، ولا إلى شاهد ، ولا إلى وثيقة ، ولا إلى إيصال ، هو معك .
 بعض الأحاديث يقول الله عز وجل : " يا موسى أتحب أن أكون جليسك ؟ قال : كيف ذلك يا رب ؟ قال : أما علمت أني جليس من ذكرني ، وحيثما التمسني عبدي وجدني "
 إذاً هذا الشهر من أجل القرب ، ربما كان الدعاء أعلى درجة من درجات القرب .

 

الدعاء سلاح المؤمن :

 لذلك من بعض الأحاديث الشريفة المتعلقة بالدعاء نجد أن آيات الدعاء سوف تتضح بشكل جيد ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( الدعاء سلاح المؤمن ))

[المستدرك عن علي رضي الله عنه]

 قد تجد نفسك لا تملك أي سلاح ، قد تجد نفسك ضعيفاً لا شأن لك ، لا تملك من أسباب القوة شأناً ، لكن غاب عنك أن الدعاء سلاح المؤمن ، لأن كل قوى الأرض بيد الله سبحانه وتعالى ، فأنت إذا دعوت الله أقوى من هؤلاء جميعاً ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ لهذا قال عليه الصلاة والسلام : الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماء والأرض ، لذلك :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب﴾

[ سورة البقرة : 186]

 الدعاء سلاح المؤمن
بل إن الأغرب من ذلك إن المشكلات والضيق والشدائد التي يسوقها الله للعباد إنما تهدف في النهاية إلى أن تدفع العباد للاتصال بالله عز وجل عن طريق الدعاء ، الله سبحانه وتعالى يريد أن يسمع دعاء عبده اللهفان ، يريد أن يسمع صوت عبده المؤمن ، إذا كان غافلاً أو فاتر الهمة أو كانت عبادته شكلية ساق له من الشدائد ما يحمله على الاتصال به ، والدعاء له ، لعله يسعد بقربه ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماء والأرض ))

[المستدرك عن علي رضي الله عنهم]

 وقد سأل موسى ربه فرفع يديه وقال : يا ربي أبعيد أنت فأناديك أم قريب فأناجيك ؟ النجوى الحديث عن قرب ، والمناداة الحديث عن بعد ، فأوحى الله إليه يا موسى أنا جليس من ذكرني . ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السموات والأرض إلا جعل له من بين ذلك مخرجاً ، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه وقطعت أسباب السماء بين يديه .
 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام :

(( تضرعوا إلى ربكم وادعوه في الرخاء ، فإن الله عز وجل يقول : من دعاني في الرخاء أجبته في الشدة ، ومن سألني أعطيته ، ومن تواضع لي رفعته ، ومن تضرع إليّ رحمته ، ومن استغفرني غفرت له))

[ورد في الأثر]

 كم هي الهموم كثيرة ، هموم الصحة والمعاش ، وكسب الرزق والأسرة والأولاد ، والسكن والغذاء ، ما أكثر الهموم ، فإذا وضعت هذه الحاجات في باب الله سبحانه وتعالى ، إذا تعودت أن تسأل الله وحده ، إذا تعودت أن تناجيه ، إذا تعودت أن تدعوه ، إذا تعودت ألا تستعين إلا به ، وألا تسترشد إلا ربك ، عندئذ تعرف قيمة الدعاء .
 حديث آخر : يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد :

((إِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))

[أحمد عن أبي هريرة]

 قف على بابه ، تمرغ على أعتابه ، تذلل له ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول أيضاً :

((إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء))

[رواه الحكيم ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة]

 اسأله مرة ومرة وعشرات المرات يحبها الله سبحانه وتعالى .

 

فضل الدعاء :

 حديث آخر يبين فضل الدعاء يقول عليه الصلاة والسلام :

((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ ))

[أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي ]

 ألا ينبغي أن يكون الدعاء جزءاً أساسياً من حياتك ؟ إنه اتصال بالله عز وجل ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ))

[أحمد عن أبي هريرة]

 أتسأل غيره ؟
 دخل إلى الحرم المكي خليفة من خلفاء المسلمين في عهد بني أمية فسأل عن عالم جليل وتابعي عظيم كي يكرمه ، فلما التقى به قال : سلني حاجتك ؟ فقال : والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله ، فلما التقى به خارج المسجد الحرام قال له : سلني حاجتك ؟ قال : والله ما سألتها من يملكها فهل أسأل من لا يملكها ؟ فلما ألح عليه قال : أنقذني من النار ؟ قال هذه ليست لي ، قال : إذاً ليس لي عندك حاجة .
 فلذلك لو تعود الإنسان الدعاء لفعل الدعاء في حياته فعل السحر كما يقولون ، شيء غريب الله سبحانه تعالى يلين قلب عدوه ، يجعل من عدوك خادماً لك ، ييسر أمرك ، يؤتك سؤلك بالدعاء .

 

شروط الدعاء :

 لكن للدعاء شروطاً ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((إذا تمنى أحدكم فليكثر فإنه يسأل ربه عز وجل ))

[ورد في الأثر]

 عطاء الله عز وجل لا حدود له
ربما لو وقفت على باب غني وسألته شيئاً تستحي أن تزيد هذا الشيء ، لكن إذا وقفت على باب الكريم اسأله كل حاجتك لا تبقي منها شيئاً ، واسأله أكثر الحاجات ، واسأله كثيراً ، اطلب منه كل شيء فإنه كريم ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وقفوا على صعيد واحد وسألني كل واحد مسألة ما نقص في ملكي إلا كما ينقص المخيط في مياه البحر ، ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
 سيدنا علي رضي الله عنه مرّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو ويقول : اللهم ارحمني ، فضرب النبي عليه الصلاة والسلام بيده بين كتفيه وقال :

((يا علي أعمّ ولا تخص))

[ورد في الأثر]

 قل : اللهم ارحمنا ، اللهم وفقنا ، اللهم ارزقنا ، ولا تقل : اللهم اهدني - دخل أعرابي لعند النبي عليه الصلاة والسلام وكان له تصرف غير لائق ، فأصحاب النبي قاموا إليه ليمنعوه، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان رحيماً ولطيفاً ، قال : دعوه ؟ هذا الأعرابي أراد أن يبول في المسجد ، فقام إليه الصحابة فأخافوه ، فقال عليه الصلاة والسلام : دعوه لا تزرموا عليه بوله ، ثم صبوا على بوله سجلاً من ماء ، فحينما اطمأن الأعرابي إلى النبي قال : " اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً " قصد أصحابه الكرام- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: " يا علي أعمّ ولا تخص ، قل : اللهم ارحمنا ، اللهم اعف عنا ، اللهم ارزقنا ، اللهم فرج عنا".

الشدة من رحمة الله بالإنسان :

 حديث آخر يتعلق بالدعاء : يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الطبراني :

(( ما مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ ، فَهُوَ مِنْ دَعْوَتِهِ عَلَى إِحْدَى ثَلاثٍ : إِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَإِمَّا أَنْ تُدَّخَرَ ، يُؤَخَّرَ فِي الآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يُدْفَعَ عَنْهُ مِنَ الْبَلاءِ مِثْلُهَا ))

[الطبراني عن أبي سعيد الخدري]

 أي دعوة الله عز و جل لا بدّ من أن يستجيب لك إما في الدنيا ، أو في الآخرة ، أو يدفع عنك من البلاء مثلها ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

((مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ، وَنُورَ صَدْرِي ، وَجِلَاءَ حُزْنِي ، وَذَهَابَ هَمِّي ، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا ))

[مسند أحمد عن عبد الله بن مسعود]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إذا شجاك شيطان أو سلطان فقل : يا من يكفي من كل أحد ، يا أحد من لا أحد له ، يا سند من لا سند له ، انقطع الرجاء إلا منك ، فاكفني مما أنا فيه ، وأعني على ما أنا عليه مما قد نزل بي بجاه وجهك الكريم ، وبحق محمد عليك آمين))

[الديلمي عن عمر]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

((اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة))

[القضاعي والديلمي عن أبي]

 الشدة من رحمة الله بالإنسان
الإنسان خشع قلبه ، وذرفت دموعه ، ورق قلبه ، فليدع ربه فهذه ساعة الإجابة ، وأول دعوة دعوةُ ذي النون إذ هو في بطن الحوت ، أي مهما ضاقت الأمور هل من ضيق أشد من أن يكون الإنسان في بطن حوت وفي ظلمة البحر وفي ظلمة الليل ؟ ظلمات بعضها فوق بعض ، مهما ضاق الأمر ، ومهما كثر الأمر ، ومهما اشتد الخطب لن تكون في شدة أشدّ من هذه الشدة ومع ذلك :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الأنبياء: 87-88]

 صار قاعدة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ))

[سنن الترمذي عن سعد بن أبي وقاص]

 ودعاء أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام :

 

((إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ : يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ))

 

[سنن الترمذي عن أنس]

 لا يوجد إنسان إلا ومعرض للشدة في عمله ، في صحته ، في زواجه ، في بيته ، مع أهله وأولاده ، مع من هو أعلى أو أدنى منه ، فالشدة من رحمة الله بالإنسان ، أي كل مؤمن من شدة يلجأ بها إلى الله عز وجل ، تدفعه إلى أن يرتدي ثوب العبودية ، تدفعه إلى باب الله سبحانه وتعالى ، الآية :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب﴾

[ سورة البقرة : 186]

انعدام الحجاب بين العبد و ربه :

 لذلك صيغة وإذا سألك ، أو يسألونك في القرآن وردت في اثنتي عشرة مرة ، في كل مرة تأتي كلمة فقل :

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾

[ سورة البقرة: 189 ]

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾

[ سورة البقرة: 219]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْر﴾

[ سورة البقرة: 220]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾

[ سورة البقرة:222]

 أي ما من آية في كتاب الله فيها صيغة السؤال إلا جاءت كلمة قل بين السؤال والجواب إلا هذه الآية الوحيدة ، فيها معنى أنه ليس بين العبد وربه حجاب ، وليس بين العبد وربه وسيط .

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب﴾

[ سورة البقرة : 186]

شروط استجابة الدعاء :

 من أسمائه أنه قريب معك لو لم تسأله بشفتيك ، لو سألته قلبك لسمعه ، لو خطر في بالك خاطر ، يحول بين المرء وقلبه ، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، وهو معكم أينما كنتم .

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 قال بعض العلماء : إذا دعان حقيقة ، أي إذا دعان وجعل كل ثقته فيّ ، أما هناك من يدعو الله عز وجل وثقته في غير الله ، هذا لم يدع الله في الحقيقة بل دعا غيره ، دعا الله بلسانه وقلبه دعا غيره ، لا يصح الدعاء إلا إذا كان فيه إخلاص ، فلو أن الإنسان دعا الله مخلصاً وكانت دعوته فاترة ، شبه بعض العلماء الدعاء الفاتر كالقوس غير المشدود السهم ، لا يتحرك إلا قليلاً ، أما إذا كان الوتر مشدوداً فإن فيه قوة دفع كبيرة ، فهناك ثلاثة شروط ؛ الأول: أن تدعوه وحده لا أن تدعوه وقلبك معلق بسواه ، الثاني : أن تدعوه بإلحاح وبقوة ، الثالث : أن تدعوه ومطعمك حلال ومشربك حلال ، فلو كان المطعم حراماً والمشرب حراماً لما استجيب الدعاء .

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان﴾

[ سورة البقرة : 186]

((قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ ؟ قَالَ : جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ))

[سنن الترمذي عن أبي أمامة]

علاقة آيات الدعاء بآيات الصيام :

 أما علاقة آيات الدعاء بآيات الصيام فقد استنبط النبي عليه الصلاة والسلام فقال: " ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ . . . " أنت أيها الصائم لك عند الله دعوة مستجابة ، من أين استنبطها النبي ؟ من دخول آية الدعاء في أثناء آيات الصيام . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ ، وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ))

[سنن الترمذي عن أبي هريرة]

الإخلاص في الدعاء :

 وهناك شيء آخر في الدعاء : قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الإخلاص في الدعاء سبيل الاستجابة

((الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ وَبَعْضُهَا أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّهَا النَّاسُ فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ))

[مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو]

 اسأله وأنت موقن بالإجابة ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء ، وإذا مرضت فهو يشفين ، حتى إذا كان المرض عضالاً ، اسأله بالدعاء ، فكم من مريض قطع الأطباء بأن مرضه لا شفاء منه والله سبحانه وتعالى شفاه له .

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان﴾

[ سورة البقرة : 186]

 لا بدّ من أن تخلص في الدعاء ، أن تتجه بكل قلبك إلى الله عز وجل ، لا أن تتكل على أحد سواه ، وأن تدعوه بحرارة بالغة لا كالوتر المرخي بل كالوتر المشدود ، وأن تدعوه ومطعمك حلال ومشربك حلال ، فإذا كان المطعم حراماً والمشرب حراماً فأنى يستجاب له ؟

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

[ سورة البقرة : 186]

شروط الاهتداء إلى طريق الدعاء الصحيح :

 من أجل أن يهتدي الإنسان إلى طريق الدعاء الصحيح :

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 فليستجيبوا لي : أي فليطبقوا أمري ، وليؤمنوا بي : ليؤمنوا بعظمتي ، أي الإيمان محله القلب ، والطاعة محلها الجوارح ، أي لتؤمنوا بالله بقلوبكم ، ولتطيعوه بجوارحكم ، إذا آمن القلب وأطاعت الجوارح كان حقاً على الله أن يستجيب لك الدعاء ، إذاً هذه الآية :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

  قريب : من أسماء الله .

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

  بالإخلاص وقوة التوجه وتحري الحلال .

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

 بالطاعة .

﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾

 بقلوبهم .

﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

 إلى الدعاء الصحيح ، لكن بعض العلماء قال هناك حالة استثنائية وهي دعاء المضطر ، المضطر إذا دعا الله عز وجل استجاب الله له استثناء من كل هذه الشروط لقول الله تعالى :

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾

[سورة النمل:62]

 أي إذا وقع الإنسان في ضائقة ، أو في خوف شديد ، أو لاح شبح مصيبة مخيف فليدع الله عز وجل ، وليلجأ إليه ، فالله سبحانه وتعالى لا يخيب من رجاه.

ارتباط الصيام بالقرآن ارتباطاً وثيقاً :

 كأن ملخص هذا الدرس شيئان : علاقة الصيام بالقرآن ، وعلاقة الصيام بالدعاء ، كأن الصيام من أجل أن يزداد فهمك لهذا القرآن ، إن ترك الطعام والشراب يوفر لك الصفاء الذهني والراحة الجسمية ، فمن أجل أن تفهم هذا الكتاب ولك عند الله دعوة مستجابة ، الصيام من أجل فهم القرآن ، ومن أجل القرب من الواحد الديان ، أنت في الصيام تقرأ القرآن لتفهمه وتدعو الله لتقترب منه ، فلذلك يضاف إلى حكم الصيام التي تحدثنا عنها في الدرس الماضي من أن الصيام عبادة الإخلاص ، وينمي الإخلاص ، ويقوي الإرادة ، ويدفع إلى العبودية ، ويعين على الطاعة ، ويحفظ للإنسان صحته ، وينمي في المجتمع روح النظام ، وفوق كل هذا إن الصيام من أجل القرآن ومن أجل أن تدعو الواحد الديان .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018