الخطبة : 0209 - حكمة الصيام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0209 - حكمة الصيام .


1988-04-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الحكمة من الصيام :

1 ـ الصوم سرّ بين العبد و ربه :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ نظرًا لِقُرْب حلول شهر رمضان ، فمِنَ المناسب أن نتحدّث عن الصّيام في هذا الدرس ، والدرس الذي يليه إن شاء الله تعالى ، لعلّنا نستعدّ له الاستعداد الكافي ، أو لعلّنا نؤدّي هذه العبادة كما أرادها الله عز وجل .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ العبادات التي شرعها الله سبحانه وتعالى ، المسلمون اليوم يؤدّونها ، ولكنّ هناك فرْقاً كبيراً بين أن تُؤدَّى وفْق ما أراد الله عز وجل فتُؤتي أُكلها ، وتُجْنى ثمارها ، وبين أن تؤدّى بِطَريقةٍ ألِفها الناس ، هذه الطريقة جعلَتْ من هذه العبادات نوعًا من العادات ، فالله سبحانه وتعالى فيما يرويه النبي عليه الصلاة والسلام عن ربّه يقول :

((كلّ عمل بن آدم له إلا الصّوم فإنّه لي وأنا أجزي به ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 فيا تُرى ما معنى كلّ عمل ابن آدم له ؟ الإنسان إذا ترك السّرقة فترْكها عائدٌ له ، بوُضوحٍ جليّ ، إذا ترك الكذب ، فترْكُ الكذب عائدٌ له بشكلٍ واضحٍ ، إنّه يكسبُ ثقة الناس ، فالأمين مُعَزّزٌ مكرّم ، والصادق محترمٌ مبجَّل ، وأيُّ أمْرٍ إلهي أمرنا الله به في علاقتنا ، وحياتنا الشخصيّة ، وفي علاقاتنا الاجتماعيّة ، في بيعنا ، في زواجنا ، في شرائنا ، في الدَّين ، وفي أيّ شيءٍ أمرنَا الله به ، إنّ الثِّمار التي يجنيها الناس من تطبيق هذا الأمر واضحةٌ جليّة ، ولكن الإنسان قد يتساءل ؛ ما هي الحِكمة مِن ترْك المباح ؟ إنّك في هذا الشّهر الكريم تتْرك الطّعام والشّراب الذي أحلّه الله للناس ، إنّك في هذا الشّهر الكريم تتْرك شُرْب الماء الذي أحلّه الله للناس، فالصّيام كما قال الله عز وجل لي وأنا أجزي به .
 مِن هذا الحديث القدسي الذي رواه النبي عليه الصلاة والسلام يُستنبط أنّ نسبة هذه العبادة إلى الله وحدها من دون العبادات لها أسباب ، هذه العبادة نُسِبَتْ إلى الله وحدها ، من دون العبادات، فما أسباب ذلك ؟ أسباب ذلك أنّ العبادات كلّها ظاهرةٌ جليّة للناس ، فالذي يدخل إلى المسجد ويتوضّأ ويُصلّي ، فهذه الصلاة ظاهرةٌ للناس ، والذي يُزمعُ السّفر إلى الدّيار المقدّسة لأداء فريضة الحجّ له حفلُ توديع ، وحفلُ استقبال ، ويُسمّى الحاجّ الفلاني ، عبادةٌ ظاهرةٌ بيّنة جليّة ، يعرفها الناس ، والذي يؤدّي زكاة ماله إنّ هذه الزكاة تُؤَدَّى على مرأى ومَسْمعٍ من الناس ، ولكنّ الصّوم هذه العبادة كما قال بعض العلماء سِرّ بين العبد وربّه ، لا يعرفها إلا الله ، فلكَ أن تدَّعي أنَّك صائم ، ولكنّ الله وحدهُ يعلمُ ما إذا كنت كذلك ، أو لمْ تكن كذلك ، إنّ هذه العبادة من بين العبادات كلّها سِرّ بين العبد وربّه ، هذا هو الذي استنبطهُ العلماء من قول الله تعالى في الحديث القدسي :

((كلّ عمل ابن آدم له إلا الصّوم فإنّه لي وأنا أجزي به ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

2 ـ الصوم عبادة الإخلاص :

 شيءٌ آخر ، هو أنّ الصّوم عبادةٌ سَلبيّة ؛ ليس فيها فعلٌ ، إنّما فيها ترْكٌ ، والتَّرْكُ - كما قلتُ قبل قليل - لا يعلمهُ إلا اللّه ، من هنا سمّى بعض العلماء أو بعض الفقهاء هذه العبادة بأنّها عبادة الإخلاص ، يا تُرَى لو أنّ بلدًا اجتمعَ أطِبّاؤُه ، وأقرُّوا أنّه لا بدّ من أن يصوم الناس صيانةً لأجسامهم ، وحفظًا لها من الآفات الوبيلة ، وهؤلاء الأطباء توصّلوا إلى استصدار أمرٍ وَضعيّ بإلزام الناس بالصّيام ، هل تستطيعُ أيّ جهةٍ على وَجه الأرض بإلزام الناس على الصّيام ؟ قد تمنعُ تناوُل الطّعام والشراب في الأماكن العامّة ، أو في الأماكن الرّسميّة ، ولكنّ الإنسان هل يستطيع أن يصِل إلى خلْوة أخيه الإنسان فيفرض عليه الصّوم ؟ لهذا قالوا : إنّ الصّيام عبادة الإخلاص إذا كان الإنسان بين أخذٍ ورد ، إذا كان هناك صراعٌ في نفس الإنسان حول إذا ما كان مخلصًا أو غير مخلصٍ ، يأتي الصّيام ليؤكّد له بالدليل القاطع أنّه مخلص ، وأنّه يراقب الله عز وجل ، فلو دخل الإنسان إلى الحمّام ليتوضّأ ، وأغلق الباب وشربَ في أيّام الصّيف التي فيها الصّيام حتى ارْتَوى ، ثمّ مسحَ فمهُ من آثار الماء وخرج ، من يستطيعُ أن يكتشفهُ ؟ الله سبحانه وتعالى ، يعلم خائنة الأعيُن وما تخفي الصّدور ، لذلك الإنسان حينما يصوم ، فإنّه بهذا الصّيام يؤكّد لنفسه قبل كلّ شيء بالدليل القطعي أنّه مخلصٌ لله عز وجل ، وأنّه يراقبهُ ، من هنا سمّى بعض العلماء هذه العبادة بأنّها عبادة الإخلاص ، يشبه هذه العبادة أن تدفع المال ابتغاء مرضاة الله تعالى ، مِن دون أن تُحدِّثَ بهذا العمل أحدًا ، من كان يشكو سوء ظنّه بنفسه ، ومن كان يشكو وسْوسةً تأتيه من الشيطان لأنّه منافق فعليه بالصّيام ، وعليه أيضًا بِصَدَقة السرّ لأنّها تؤكّد لصاحبها أنّه يخشى الله وحدهُ ، ولا يخشى أحدًا سواه ، وعليه أيضًا بصلاة الليل وهي قيام الليل .
 صلاة الليل ، وصدقة السرّ ، وصومُ رمضان ، أو صومُ النَّفل إنّما هو عبادةٌ سمّاها العلماء عبادة الإخلاص ، والإخلاص جوْهر الدّين ، والإخلاص سِرّ الدِّين الدفين ، يا معاذ أخْلصْ دينك يكفِكَ القليل من العمل ، أيُّ شُعورٍ أعظمُ حين يشعر الإنسان أنّه مخلصٌ لخالقه ، وأنّه مستقيم على أمره ، وأنّه في طريق مرضاته .

3 ـ الصيام يربي الإرادة :

 حكمةٌ أخرى من حِكَم الصّيام ، كنت قد ذكرتُ لكم في درسٍ الحديث النبويّ الشريف أنّني سأتحدّث في جامع النابلسي يوم الأحد عن أحكام الصّيام ، ووعدْتكم أن أتحدَّث في درس التفسير عن حِكَم الصّيام ، فالصّيام له حِكَمٌ ، وله أحكام ، من حِكَم الصّيام أيضًا يُرَبِّي الإرادة ، الإرادة التي هي أساس استقامة الإنسان ، الإنسان حينما يُطلق لِنَفسه العنان ، وحينما يتفلّت من القواعد ، حينما يتكلّم ما شاء ، وحينما يُطلق بصرهُ إلى كلّ منظرٍ شاء ، وحينما يفعل ما يشاء من دون منظومةِ قيَمٍ ، من دون حُدود ، من دون قواعد ، من دون مبادئ ، إنّ هذا الإنسان لا يصلحُ لشيءٍ ، الإنسان غير المؤمن هكذا تربّى على التفلّت ، على أن يُعطيَ نفسهُ شهوتها ، على أن يُعطيَ نفسهُ حظَّها ، فهذا الذي لا ينضبط بما نهى الله عنه ، ولا يأتمر بما أمر الله به، هو إنسانٌ ضعيف الإرادة ، وضعيف الإرادة لا يمكن أن يصْنعَ شيئًا ، فكأنّ الصّيام يربّي الإنسان أن تكون إرادته قويّة ، إنّه إذا تمكّن من أن يمْنعَ نفسهُ من المباحات ، فهو لِمَا حرّمه الله أشدّ تمكُّنًا من تركها ، فأنت في رمضان تتْرك الطّعام والشّراب ، وتتْرك المباح ، فلأَنْ تتْرك النّظر إلى المرأة التي لا تحلّ لك من باب أولى ، ولأَن تدَعَ الكذب من باب أولى ، ولأن تدَع غشّ المسلمين من باب أولى ، ولأن تدَع قول الزور والعمل به من باب أولى .

 

أنواع الصيام :

 لذلك الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى فرَّق بين أنواعٍ ثلاثة من الصّيام ؛ صَوْم العوام ، وصوْم المؤمنين ، وصوْم المتّقين ، فصَوْم العوام عن الطّعام والشّراب ، وصوم العوام جوعٌ وعطش ليس غير ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ))

[النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ]

 وصومُ العوام عادةً من عوائدهم ، يصومون ولا يدرون لما يصومون ، مقيمون على مخالفاتهم ، وعلى معاصيهم ، وعلى اختلاطهم بالنّساء المحرّمات ، على حفلاتهم المشتركة ، على سماعهم لما يغضب الله تعالى ، على اجترائهم على الله ، مقيمون على كلّ المعاصي ، ومع ذلك هم يصومون ، فهذا الصّيام ؛ صيام العوام عن الطّعام والشّراب ليس إلا جوعًا وعطشًا، ولا يقدّم ولا يؤخّر ، ولا يرقى بِصاحبه أبدًا إلى المستوى الذي أراده الله عز وجل ، إنّ هذا الصّيام لا يقع على النحو الذي أراده الله من الصّيام ، هذا صيام العوام ، ولكنّ صيام المؤمنين عن المعاصي والآثام ، فأنت حينما تمتنعُ عن الطّعام والشّراب ، وسائر المباحات فلأَنْ تمتنع عن المباحات من باب أولى ، لذلك ورد في الأثر أنّ خمسةً يفطرْن الصائم ، وينقضن الوضوء ؛ الكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والنظر بِشَهوة ، واليمين الغموس ، هذه تُفطرُ الصائم لأنّها تلغي حكمة الصّيام ، لأنّها تلغي الهدف الذي أراده الله من الصّيام ، أراد الله سبحانه وتعالى من الصّيام أن يشدّك إليه ، ويحْملكَ على التوبة ، أراد أن يحملك على الطاعة ، أراد الله سبحانه وتعالى بالصّيام أن تكون كما يريد لا كما تريد ، عبدي كنْ لي كما أريد أكن لك كما تريد ، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلّم لي فيما أريد أتعبتُك فيما تريد ، ثمّ لا يكون إلا ما أُريد ، لذلك الصّيام يربّي الإرادة ، ولأنّك في الصّيام تتْرك المباحات ، فلأَنْ تتْرك المحرّمات من باب أولى .
 هذا صيامُ المؤمنين ، ترْك المعاصي والآثام ، فما صيام المتقين ؟ ترْك ما سوى الله تعالى ، لذلك كلّ إنسانٍ حينما يصوم رمضان له حال وله مقام ومرتبةٌ عند الله تعالى ، فهناك إنسان ينتقل بِشَهر الصّيام من المعصية إلى الطاعة ، وهو شيءٌ جميلٌ جدًّا ، وهناك إنسان ينتقلُ من طاعة غير مخلصةٍ إلى طاعةٍ مخلصة ، وهذه درجة أعلى ، وهناك إنسان ينتقلُ بالصّيام من العبوديّة إلى مرتبة العلم ، وهي درجة أعلى ، هناك إنسان ينتقلُ في الصّيام من مرتبة الإسلام إلى مرتبة الإيمان ، هناك إنسان ينتقلُ في الصّيام من مرتبة الإيمان إلى مرتبة التقوى ، هناك إنسان ينتقلُ بالصّيام من مرتبة التقوى إلى مرتبة الإحسان ، فالصّيام نقْلةٌ نوعيّة سَنَوِيّة ، تحريضٌ ومناسبةٌ سنويّة لِتَرتفع بها من مستوى إلى مستوى ، فلو أنّ الإنسان كان في المعصيَة فهو مناسبةٌ للتوبة ، ولو أنّ الإنسان جاءه رمضان وهو تائب مناسبةٌ للإخلاص ، ولو أنّ الإنسان جاءه رمضان وهو مسلم مناسبة ليكون مؤمنًا ، وهكذا ، قد ينقلك الصّيام من مرتبة مدافعة التدنّي إلى مرتبة متابعة الترقّي ، على كلّ النبي عليه الصلاة والسلام صعد المنبر وقال : آمين ، أصحابهُ عجبوا ، ثمّ صعد الدرجة الثانية فقال : آمين ، ثمّ صعد الدرجة الثالثة فقال : آمين ، فلمّا انتهى عليه الصّلاة والسلام من خطبته سأله بعض الأصحاب : يا رسول الله علام أمَّنْتَ ؟ ما الذي حملكَ على أن تقول : آمين ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : جاءني جبريل فقال لي : رغِمَ أنفُ عبدٍ أدرك أبَوَيه فلمْ يُدخلاه الجنّة - أي برُّ الوالدين عملٌ عظيم ، ربّما كان كافيًا لدخول الجنّة - فقلتُ : آمين ، ثمّ قال جبريل : رغمَ أنفُ عبدٍ ذكِرت عندهُ فلم يُصلّ عليك، فقال : آمين ، ومعنى رغم أنفه أي خابَ وخسر ، ثمّ قال جبريل : رغمَ أنف عبدٍ أدرك رمضان فلم يُغفر له ، إن لم يُغفر له فمتى ؟ في أيّ وقتٍ ترجو المغفرة ؟ في أيّام الصّيف ، بأيّ شهر ترجو المغفرة ؟
 إنّ هذا الشّهر فُرصةٌ سنَوِيّة بِنَقلةٍ نوعيّة ، بِحَسب مكانك ، أحدهم ينقلهُ خمسين درجة ، كانت درجته صفراً فصار خمسين ، فرصةٌ سنويّة لِنَقلةٍ نوعيّة ، أو لقفْزةٍ نحو الأعلى .

 

4 ـ الصيام يعلم العبودية :

 شيءٌ آخر ، الصّيام يعلّم العبوديّة ، فما هي العبوديّة ؟ الإنسان حينما يطبّق شيئًا يعلمُ حكمتهُ تمامًا ، قد يطبّق هذا الشيء لمصلحته ، كلّ إنسانٍ حينما يصيبهُ خلل في جسمه يتوجّه إلى الطبيب ، ويعطيه الطبيب الدواء المناسب ، هو حينما يأخذ الدواء لا حُبًّا بِزَيد أو عُبيد ، ولكن حُبًّا بذاته ، يأخذ الدواء ليشفى من مرضه ، فإذا اتَّضَح الأمْر اتِّضاحًا جليًّا ، ليس في الأمر عبوديّة إنّما في الأمر مصلحة ، ولكن حينما يأمرك الله سبحانه وتعالى أن تدَعَ الذي أحلّه لك ، أن تدع الشيء الذي شرعهُ الله لك ، أن تدع الشيء الذي لا يختلف اثنان في حلّه في العالم ، أنت في أيّام الصّيف الشديد ، والحرّ لاهب ، وأنت تمتنع عن شُرب الماء ، فقال بعض العلماء : إنّ الصّيام عبادة هدفها إظهار العبوديّة لله عز وجل ، أحيانًا أب عظيم على مستوى رفيع من العلم ، والقدرة ، والغنى ، والحكمة ، كلّما أمر ابنه أمْرًا علَّلَهُ له ، اجْتَهِدْ من أجل مصلحتك في المستقبل ، نظِّف أسنانك من أجل أن تصونها من التَّلَف ، افعل كذا ، فخِلال التعامل مع هذا الأب العظيم ألا تسمحُ لك ثقتك به أن يأمركَ أمْرًا لا تفهم معناه ؟ وأن تنصاع له ، إن لم تفعل فأنت لسْتَ مستسلمًا له ، فالصّيام أيضًا مناسبة كي تعرف أنّك عبدٌ لله عز وجل ، وأنّ العبد عليه أن يطيع سيّدهُ ليس غير ، ومن دون أخذٍ وردّ ، ومن دون سؤال وجواب ، ومن دون اعتراضٍ وخِطاب .

 

5 ـ الصيام من أجل التقوى و تصحيح الرؤية :

 شيءٌ آخر ، هو أنّ الصّيام شرعه الله سبحانه وتعالى في نصّ القرآن الكريم من أجل التقوى ، والتّقوى قلّما يقف عندها الناس ، يظنُّونها الطاعة ، والحقيقة أنّ الإنسان أيّ عملٍ يفعلهُ ، وراءهُ رؤية ، فهذا الذي يقدمُ على شيء ينكرهُ المجتمع ، لماذا أقْدَمَ عليه ؟ لأنّه رأى فيه مَغْنمًا ، إذًا رؤيته غير صحيحة ، وهذا الذي يُقْدمُ على أخذ مالٍ ليس له ، لماذا فعل هذا ؟ لأنّه رأى في هذا المال الحرام مغْنمًا ، إذًا أخطرُ شيءٍ بالحياة أن تكون لك رؤيةٌ غير صحيحة ، لأنّ كلّ معصيَة ، وكلّ إثم ، وكلّ تجاوُز ، وكلّ طغيان ، وكلّ بغي ، وكلّ ظلم ، وكلّ انحراف، وكلّ مخالفة إنَّما هي سُلوك وراءهُ رؤية ، فمتى صحَّت الرؤية صحّ العمل ، التقوى تُصحّح لك الرؤية عن طريق النور الإلهي ، لهذا قال الله عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 بِشَكلٍ مبسّط وواضح ، الإنسان إذا سار في طريقٍ مظلم ، وفي غابةٍ موحِشَة ، فيها حُفَر ، وفيها أكمات ، وفيها حشرات ، وفيها عقارب ، وفيها وُحوش ، والظّلام دامس ، إذا أخرج الواحد يدهُ لم يرها ، ما الذي يقيهِ من شرّ هذه الغابة ؟ أن يمسِكَ بيَدِهِ مِصباحًا وضّاءً ، يُريه الحفرة فيحيدُ عنها ، يريه المصباح الحشرة فيتجنَّبُها ، يُريه الثمرة فيأكلها ، فتقريبًا التقوى هي نورٌ يقذفُه الله في القلب ، ترى به الخير خيرًا ، والشرّ شرًّا ، من هنا قال الله عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 أما أن تظنّ أنّ الصّيام عبادةٌ عظيمةٌ أمرنا الله بها ، وهي فقط ترْك الطّعام والشّراب، فالله سبحانه وتعالى غنيّ عن تَجويعنا ، وغنيّ عن تعذيبنا ، وغنيّ عن إرهاقنا ، وإنّ جوعنا وعطشنا لا يفعلُ شيئًا عند الله عز وجل ، إنّ العبادة التي تبدأ بِتَرك الطّعام ، وتنتهي بِتَناولِه ليسَت عبادة ، وليست من الدّين في شيء ، إنّ هذه العبادة العظيمة مَظهرها ترْك الطّعام والشّراب ولكن حقيقتها إنابةٌ إلى الواحد الدّيان ، وعودةٌ إليه ، وتذكّر لِعَهد الطاعة ، لذلك الله سبحانه وتعالى يقول في بعض الأحاديث القدسيّة : " إنّي والإنس والجنّ في نبأ عظيم ، أخلق ويُعبدُ غيري " فأنت في رمضان مَدفوعٌ إلى أن تعبد الله وحده ، ولكن هذه العادة التي يقعُ فيها بعض الناس أنّ رمضان يغضّ فيه بصرهُ ، ويُحصنُ فيه نفسهُ ، ويدع فيه قول الزور ، والعمل به ، ويدع الكذب والغيبة والنميمة ، فإذا أفْطر في واحد شوّال أفطرتْ معهُ جوارحهُ ، فعاد إلى ما كان عليه ، ليتَ شِعري ماذا فعل هذا في رمضان ؟ إنّه كمن يُلقي ماءً في وعاءٍ لا قعْر له ، ماذا فعل ؟! ما فعل شيئًا ، فالإنسان حينما يصوم في رمضان يجبُ أن يُقلع عن المعاصي في كلّ السنّة ، أقلعَ في رمضان لِيُقلع عن كلّ معصيَة حتى نهاية الحياة .

 

6 ـ الصيام صحة :

 شيءٌ آخر ؛ وهو أنّ الله سبحانه وتعالى أوامره فيها حِكَمٌ أجلّ من أن تستقصى ، وأعظمُ من أن تُحصى ، هذا الجسد الذي هو قِوامُ حياتنا ، هذا الجسد الذي هو رأسُ مالنا ، هذا الجسد الذي به نُطيع الله عز وجل ، هذا الجسد الذي به نعمل الصالحات ، هذا الجسد الذي هو بُلغتُنا إلى الآخرة ، إنّ الصّيام يقدّم له كلّ شيء ، فالله عز وجل أمْرُه عظيم ، عبادة وإخلاص، وإرادة وطاعة ، وتقوى ورؤية ، هذا كلّه واضح لا شكّ فيه ، وفضلاً عن كلّ ذلك فالصّيام صحّة، فالإنسان بالصّيام كما قال الأطبّاء تنخفضُ نسبة المواد الدسِمة في الدمّ ، والمواد الدسمة في الدم هي الآفة الكبرى ، هذه المواد الدسمة والشّحميات ، إذا تراكَمَتْ في الشرايين تصلَّبَتْ ، فإذا تصلَّبَت تعِبَ القلب ، فإذا تعِبَ القلب ، كان تعبُه هو القاضي على حياة الإنسان ، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :

((أعرفُ في الجسد مضغةً لو صلحت صلح الجسد كلّه ، وإذا فسدَت فسدَ الجسد كلّه ألا وهي القلب))

[ رواه مسلم ]

 أوّل فائدةٍ من فوائد الصّيام أنّه يخفّض نسبة المواد الدسمة في الدّم ، وفي تخفيض هذه المواد وقاية للقلب والشرايين ، والأطباء يقولون دائمًا : إنّ عمُر الإنسان بحَسبِ علمهم مقيّد بِمُرونة شرايينه ، والصّيام صيانةٌ لهذه الشرايين ، وأحدُ أطبّاء القلب يقول : إنّ أمراض القلب في العصر الحديث ترجعُ إلى سببَيْن : الكسل العضلي ، والتوتّر النفسي ، فالإنسان حينما يصوم تهدأُ أعصابهُ ، فإذا أطاع الله عز وجل اطمأنَّ قلبهُ ، فإذا أطاع الله عز وجل شعر بالأمْن ، قال تعالى :

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[ سورة الأنعام : 81-82]

 فإذا انخفضَتْ نسبة المواد الدسمة في الدم فإنّ في هذا وقايةً للقلب والشرايين ، وهذه صِيانةٌ سنوِيّة ، الآلات كلّها لها صيانةٌ دوريّة ، هناك صيانة أُسبوعيّة ، وصيانة شهريّة ، وهناك صيانة سنويّة بالتأكيد ، وبكلّ الوُضوح ، إنّ العلماء علماء الطبّ يقرّرون أنّ الصّيام صيانةٌ سنويّة للقلب والشرايين ، وصيانةٌ سنويّة للكليتين ، أيضًا الكليتان ، تناوُل الطعام وحرق الطعام ، وتحليله إلى طاقةٍ من جهة ، وإلى مواد مخزّنة تحت الجلد من جهة أخرى ، هذه العمليّة تسمّى عمليّة الاستقلاب ، تحوُّل الطعام إلى طاقة أو إلى مخزون ، والاستقلاب له فضلات ، أنت حينما تحوِّلُ الوقود السائل إلى حركة ، أليس هناك فضلات ؟ أيُّ تحويلٍ للمادة إلى طاقة ينتجُ عنه بعض الفضلات ، وحينما تحوّل الأغذية إلى طاقة ؛ حركة ، أو إلى مخزون شحمي ، هذه العمليّة عملية استقلاب ، ينتجُ عنها فضلات ، من المكلّف بطَرح الفضلات ؟ الكليتان ، ما دام الطّعام والشّراب على قدمٍ وساق ، وما دامَت الأجهزة تعمل بأعلى طاقاتها ، فهناك خطرُ ضَعف الكليتين ، والآن هناك أمراض جديدة ، النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديثه يقول :

(( صوموا تَصِحُّوا ...))

[الطبراني عن أبي هريرة]

 هذا متعلّق بالطبّ الوقائي ، لكن هناك طبّاً علاجياً ، وبحثُه يطُول ، مجموعةٌ كبيرةٌ جدًّا من الأمراض ، منها البدانة ، والداء السكّري ، وارتفاع التوتّر الشرياني ، منها أمراض القلب، وأمراض الكليتين ، كلّ هذه الأمراض الصّيام أحدُ أنواع العلاج لها ، الحديث عن الوقاية، وليس عن العلاج ، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام أدركَ أنّ أمْر الله عز وجل نافذ، يعلّمنا الإخلاص ، ويعلّمنا الإرادة ، ويعلّمنا العبوديّة ، ويعلّمنا الطاعة ، وينقلنا إلى مرتبة التقوى، ويصحّح رؤيتنا ، وفوق هذا كلّه هو صِيانة سنويّة للقلب ، والكليتَين ، والشرايين ، وأجهزةٌ كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى .

 

الصّيام أصلٌ في الدِّين :

 ربّنا سبحانه وتعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 أريد أن أقف عند قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ، بالقرآن هناك خطابٌ آخر ، يا أيها الناس ، يا أيها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم ؟ لكن إذا قال الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا، فأنت حينما تشعرُ أنّك مَعْنيّ بالخطاب فأنت مؤمن وربّ الكعبة ، إذا شعرتَ أنّك معنِيّ ، وأنّ ربّ العزّة يخاطبك ، خالق السموات والأرض يخاطبك ، تقول له : سمعًا وطاعةً يا ربّ ، أنت إذا خوطِبْتَ من عظيم تتجمّد في مكانك ، تكون أُذنًا صاغيةً له ، أنت إذا الْتقيْت مع إنسانٍ له مكانة اجتماعيّة ، وخاطبكَ باسمك تكون كتلةً من الآذان الصاغية إليه ، فالله سبحانه وتعالى يقول : يا أيها الذين آمنوا ، يا من آمنتم بي ، هذا هو أمري ، يا من عرفتموني هذا أمري ، يا مَن صدَّقتم كلامي ، هذا أمري .
 ومعنى كُتِبَ أيْ فرِضَ ، والشيء المهمّ يُكتبُ كتابةً ، إنّ الأعمال الجليلة لا تنقل من الآمر إلى المأمور شفهيًّا ، لابدّ من أن تنقل كتابيًّا ، لقيمتها ، ولِخُطورتها ، ولنتائجها ، ولِعظَم شأنها ، فلذلك ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 لئلا يظنّ الناس أنّ هذه الأمةّ قد فُرِضَ عليها الصّيام من دون بقيّة الأمم ، لا ، إنّ الصّيام أصلٌ في الدِّين الإلهي ، فقد كتِبَ عليكم ، كما كتب على الذين من قبلكم ، إنّ كلّ الأديان السماويّة فيها صيام ، ربّما كان على شكلٍ أو آخر ، ولكن المُؤدَّى واحد ، وربّما كان على شكلٍ مشابهٍ لصِيامنا ، ولكنّ بعض رجال الدّين في الأديان الأخرى بدّلوا ، وغيَّروا حتى شوَّهوا هذه العبادة ، تروي بعض الكتب والتفاسير أنّه كان ثلاثين يومًا كما نصوم نحن ولكن أحد رجال الدّين الكبراء مرض فنذرَ أن يزيدهم عشرة أيّام ، وإنسان آخر زادهم عشرة أيّام ، فصار الصّوم خمسين يومًا ، ثمّ شقّ عليهم أن يكون الصوم كذلك في الصّيف ، فنُقِل إلى الربيع على الأشهر القمريّة ثمّ أصبح إلى الظهر ، ثمّ أصبح الصّيام عن بعض اللّحوم ، وهكذا ، فربّما كان أصل الصّيام مشابهًا لما في الإسلام ، ولكن بعض التبديل والتغيير أصاب الصّيام عند بقيّة الأمم فصار بِشَكلٍ بعيد عن الشكل الذي أراده الله تعالى .

 

الصيام أيام معدودة :

 قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 لعلّ هنا للترقُّب ، أو للترجِّي ، أي لعلّك تكون تقيًّا ، ولعلّك تبلغُ مرتبة التقوى ، طبعًا حينما تكون هناك آيةٌ صريحةٌ واضحةٌ كالشمس ، تؤكّد أنّ الصّيام من أجل التقوى فلا معنى أن نبحث عن حكمةٍ أخرى ، لأنّ الله سبحانه وتعالى في نصّ محكمٍ صريح يقينيّ ، في ثبوته ودلالته أكَّد أنّ الصّيام من أجل التقوى ، إذًا الصّيام من أجل التقوى ، والتّقوى وردَت في القرآن الكريم أكثر من مئتين وخمسين مرّة ، وكلّها تؤكّد أنّها رؤيةٌ صحيحة ، وكلُّ عملٍ إن لم تكن وراءهُ رؤية صحيحة فهو عملٌ فيه خلل ، وفيه انحراف ، وفيه زَيغ .
 والله سبحانه وتعالى أمْرُه معتدلُ ، ويتناسبُ مع طبيعة البشر ، ربّنا ألا يعلمُ مَن خلق ؟ ما كلَّفنا فوق طاقتنا ، ما كلّفنا أن نصوم شهرين أو ثلاثة في العام ، الذين يصومون شهرين متتابِعَين كصِيام كفّارة هؤلاء يحسّون أنّ صيام الشّهر الواحد هو الحدّ المعقول ، أما صيام شهرين فهو للتكفير عن الذّنوب ، فربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾

[ سورة البقرة : 184]

 أيّام نكِرَة ، ومعدودات تعني ثوابت ، ليس هناك فوضى ، فجميع المسلمين يصومون في شهر واحد ، ويُفطرون في يوم واحد ، ويتناولون الطّعام في وقتٍ واحد ، أيَّامًا معدودات ، فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فَعِدَّةٌ من أيّام أخر ، فالله عز وجلّ رحمنا فلمْ يحمِّلْنا ما لا نُطيق ، فالعلماء استنبطوا أنّ المريض أو المسافر له أن يُفطر ، وعليه القضاء فيما بعد رمضان ، من كان منكم مريضًا أو على سفر ، فَمُطلق السّفر يُبيح الفطر ، لكنّ المرض الذي إذا صام معه الإنسان تأخَّر الشّفاء ، أو ازدادَت حِدّتهُ ، أو كان مهلكًا فعندئذٍ يجبُ أن يُفطر الصائم إذا أصابهُ مثل هذا المرض .

 

حكم الصيام في السفر و المرض :

 قال تعالى :

﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾

[ سورة البقرة : 184]

 أيْ وعلى الذي يطيق الصّيام في السّفر والمرض مع المشقّة ، إذا أطاقهُ من دون مشقّة فالأفضلُ أن يصوم ، لقوله تعالى :

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم﴾

 إذا أطاق المسافر أو المريض السّفر ، من دون مشقّة ، فالأفضل أن يصوم ، ولكن إذا أطاقه مع المشقّة فهو مخيّر بين أن يصوم ، وبين أن يفطر ، أما إذا كان السّفر أو المرض يهلكهُ إذا صام فهو واجبٌ عليه أن يفطر لقوله تعالى :

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة : 195]

 أنت حياتك ثمينة ، وهي ليْسَت ملْكك وحدك ، لذلك إنّ الله يحبّ أن تؤتى رخصهُ كما يحبّ أن تؤتى عزائمهُ ، النبي عليه الصلاة والسلام نهى أصحابه الكرام أن يكونوا معه على ناقةٍ حرون ، وقال : من كانت له ناقةٌ حرون فلا يصْحبْن ، يبدو أنّ بعض أصحاب النبي كانت له ناقةٌ حرون فعصاهُ وركبها ، فلمّا رآه ودقَّتْ عنقهُ أبى أن يصلّي عليه ؛ لأنّه ألقى بِنَفسِهِ إلى التهلكة ، فلذلك في درجة من السّفر والمرض ، إذا صام الإنسان أثم فالقرحةُ مثلاً ، هذه القرحة تتفاقم بالصّيام ، وهناك مرض سكّري ، هناك بعض مرضى السكّر ونحيلي الأجسام ، الصّيام يضرّه ، فإذا صام تفاقم المرض ، وربّما أُغمِيَ عليه ، فأيّ مرضٍ يحتاجُ إلى ماءٍ غزير ، أو إلى تناوُل دواء خطير ، يجبُ أن يُفطر الصائم امْتِثالاً لأمر الله عز وجل ، أنت إذا أفطرْت فأنت في عبادة ، فاستعمال الرّخصة لا يقلّ عن الأخذ بالعزيمة ، فإذا كان المرض أو السّفر يرهقان المسلم فعليه أن يٌفطر وُجوبًا ، فإذا كان يُطيق السفر والمرض مع المشقّة فلهُ أن يُفطر أخذًا بالرخصة ، وله أن يصوم أخذًا بالعزيمة ، فإذا كان السَّفر أقلّ من قصْر الصلاة ، سافر إلى القطيفة - ثلاثون كيلو متر - هذا أقلّ من مدّة القصر ، مدّة القصر ثمانون كيلو متر ، فإذا كان السّفر أقلّ من مدّة القصر ، أو كان المرض لا علاقة له بالجهاز الهضمي ، وجهاز الدوران ، كسْرٌ في اليد ، أو جُرح ، أو شيء يتناول العضلات والمفاصل والعظام ، ولا علاقة له بالصيام ، فالأولى له أن يصوم ، لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة : 184]

 قال تعالى :

﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾

[ سورة البقرة : 184]

 لو أنّ الإنسان أطْعَمَ مسكينين فهو خير له ، ثلاثة مساكين خير له ، الحدّ الأدنى إطعام مسكين ، ولا حدّ لأكثره ، وربّنا عز وجل يُعطي كلاً على حسب عمله ، وعلى حسب نيّته، أحدهم سأل عالمًا فقال له : كم الزكاة يا سيّدي ؟ فقال : أعندنا أم عندكم ؟ فقال السائل : كيف عندنا وعندكم ؟ قال : عندكم اثنان ونصف في المئة ، أما عندنا فالعبد وماله لسيّده ، فالإنسان لمّا تعلو مرتبتهُ ، ويتعاظم حبّه ، ويزداد شوقهُ ، ربّما يُطعمُ عن يومٍ أفطرهُ بالضّرورة مسكينين أو ثلاثة ، قال تعالى :

﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة : 184]

الإفتاء بالإفطار لا يكون إلا من طبيب حاذقٍ مسلمٍ ورعٍ :

 لذلك لا ينبغي أن تستشير طبيبًا غير مسلم ، أو غير ديِّنٍ ، أو غير ورِعٍ أو متفلّتٍ من قواعد الشّرْع ، هو لا يصوم ، مثل هذا الطبيب يُفتي لك دائماً بالإفطار ، لا يُقبلُ أن يُفتى لك إلا من طبيب حاذقٍ مسلمٍ ورعٍ ، لأنّ الطبيب الحاذق المسلم الورع يقتصد في الفتوى ، لا يُفتي جزافًا ، بل يدرسُ المرض ، ويدرسُ علاقته بالصّيام ، فإن لم تكن له علاقة يأمرك بالصّيام، حدَّثني طبيب كريم ، فقال لي : جاءني مرضى كثيرون يستشيرونني في أداء فريضة الحجّ ، وكلّهم مرضى في القلب ، فكنتُ أسمحُ لبعضهم أو لِجُلّهم ، ولكنّ الشيء الذي أدهشهُ أنّه ما من مريضٍ ذهب ليُؤدّي هذه الفريضة وأصابهُ شيء في الديار المقدّسة ، حصرًا ، فيبدو أنّ الله سبحانه وتعالى يستضيفُ هذا العبد ، وأنّه في ذمّة الله تعالى ، وأنّه في كرم الله تعالى ، لمّا الإنسان يكون عنده احتمال ضئيل جدًّا أنّ الصّيام يؤذيه ، فلْيبْدَأ بِصِيام يومٍ ، فإن كان الله عز وجل قد أمدَّه بقوّة من عنده فقد كسبَ ثواب الصَّوم ، فالقضيّة ليسَت بِسُهولة بمكان أن يفتي لنفسه بالإفطار فالقضيّة خطيرة ، إنّها عبادة سنويّة ، وأمرٌ إلهي ، وأحدُ أركان الإسلام ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : " الصّبر نصف الإيمان " وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام : " الصّوم نصف الصّبر " فبِإجراء معادلة بين الحديثين ، ينتجُ أنّ الصّوم ربع الإيمان ، الصبر نصفان ؛ نصفٌ شكْرٌ ونصْفٌ صبْرٌ ، والصّوم نصف الصبر ، فالصّوم ربع الإيمان ، ولا يوجد مسلم على وجه الأرض يأتي هذا الشهر الكريم فيستقبلهُ بالشّوق والتّرحاب ويهيئ نفسه ليُقيمهُ كما أراده الله عز وجل ، من المفروض أنّ العلاقات المشكلة بينه وبين الناس ، عليه أن يجمّدها إلى ما بعد رمضان ، كلّ شيءٍ يعكِّرُ صفْوَهُ ، وكلّ شيءٍ يعيقُ مسيرته إلى الله عز وجل، وكلّ شيءٍ يحبطُ عمله ، يجبُ أن يبتعد عنه ، شيءٌ لا يرضي الله ، أو علاقة فيها شبهة، فأنت في هذا الشهر في حالة اعتكاف ، والقول الشهير : من أخلصَ لله أربعين صباحًا تفجَّرَتْ ينابيع الحكمة في قلبه ، وأجراها الله على لسانه .

الغاية من صيام رمضان :

 أنا أردتُ أن يكون هذا الدرس قُبيل رمضان بعشرة أيّام ، فإذا بدأ الإنسان بِضَبط أُموره ، وضبْط علاقاته ، وجوارحه ، والرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، وضبط عمله وبيته، أبْعَدَ كلّ معصيةٍ وشبهةٍ ، وكلّ جهاز لهْوٍ لا يرضي الله عز وجل ، ونظر في أمر زوجته وبناته وأولاده كيف حالتهم ، وكيف دراستهم ، كيف خروجهم ودخولهم ، إذا الإنسان عناهُ أمْرُ الدِّين ، وعناه أمْر هذا الشّرع الحنيف ، وجاء هذا الشهر ليَكون مناسبة ليقفز بها من حال إلى حال ، ومن مقام إلى مقام ، فقد حقّق النجاح الكبير . قال تعالى :

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة البقرة : 185]

 ليس القصد التعسير ، ليس القصد التجويع ، والحرمان ، بل القصْد أن تقبل على الواحد الدّيان ، وأن تنيب إليه ، وأن تعود إليه ، أن تُجري صُلحًا معه ، فالقصْد أن تكون ناجحًا وفائزًا في الحياة الدنيا ، قال تعالى :

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾

[ سورة البقرة : 185]

 التي أمركم الله بها ، وهذا يعني أن يكون رمضان تامًّا ، قال تعالى :

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة البقرة : 185]

 هذه الآيات إن شاء الله تعالى نفصّل في شرحها في الدرس القادم الذي يسبق رمضان ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 هذا سؤال ، ثمّ يقول الله عز وجل :

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 187]

 فما علاقة هذه الآية ؟ تبدو وكأنّها مقحمة في سياق آيات الصّيام ؟ هذا سؤال أيضًا نجيب عنه إن شاء الله تعالى في درسٍ قادم حيثُ جزأتْ آيات الصّيام إلى درسَين ؛ الآيات الأولى التي تنتهي بقوله تعالى : وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ، والآيات الثانية قوله تعالى :

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان﴾

[ سورة البقرة : 185]

 هذه الآيات والتي تليها موضوع تفسيرنا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018