الخطبة : 0208 - الابتلاء والعطاء والحرمان والدواء - الخليّة الخضراء. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0208 - الابتلاء والعطاء والحرمان والدواء - الخليّة الخضراء.


1988-04-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

حُسْن الظنّ بالله ثمن الجنّة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام : "حُسْن الظنّ بالله ثمن الجنّة".
 ويقول الله سبحانه وتعالى :

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾

[ سورة المائدة : 119]

 رضي الله عنهم أيْ إذا استقاموا على أمره ، وأخلصوا له ، وفعلوا الصالحات ، فإنّ الله سبحانه وتعالى يرضى عن المؤمنين ، فكيف يرضى المؤمن عن ربّه ؟
 قلتُ لكم من قبل إنّ أعرابيًّا كان يطوف بالبيت ، ويقول : يا ربّ ، هل أنت راضٍ عنّي ؟ وكان الإمام الشافعي خلفهُ ، وقد سمع ما قاله ، فقال : يا هذا ، وهل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ فقال : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا الشافعي ، قال : كيف أرضى عنه وأنا أتمنّى رضاه ؟ فقال الإمام الشافعي : إذا كان سرورك بالنّقمة كسُرورك بالنّعمة فقد رضيت عن الله تعالى .
 ذكرتُ هذه الآية ، وهذا الحديث ، وهذه القصّة ، من أجل يتَّضِحَ أنّ رضا العبد عن ربّه يعني استسلامه بكلّ ما يسوقهُ نحْوَهُ ، في سورة الفجر أيّها الأخوة آيات لو تدبَّرناها ، أو عقلْناها لكانتْ ذات تأثير كبير في حُسْن ظنّنا بالله سبحانه وتعالى .

 

الدنيا دار ابتلاء و حرمان :

 ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلّا﴾

[ سورة الفجر : 15-17]

 هذا المقطع من سورة الفجر ، الدنيا أيّها الأخوة كلّها دار ابتلاء ، الإنسان يُبتلى بالمال ، ويُبتلى بِفَقْده ، يُبتلى بالصحّة ، ويُبتلى بالمرض ، يبتلى قبل الزواج ، ويبتلى بعد الزواج، يبتلى وهو في أوْج قوّته ، ويبتلى وهو في ضعفه ، جميع الأحوال التي تتعاوَرُ على الإنسان إنَّما هي ابتلاء ، بل إنّ توزيع الحظوظ في الدنيا على المؤمنين ، وعلى الناس كافّة ، إنّما هو نوعٌ من الابتلاء ، بل إنّ الحظوظ في الدّنيا وُزِّعَتْ على الخلْق توزيع ابتلاء ، وسوف توزّع في الآخرة توزيع جزاء ، فالفقير يُبتلى بالفقْر ، هل يصبرُ ؟ هل يتعفّفُ ؟ هل يتجمَّل ؟ هل يرضى بما قسمهُ الله له أم يلجّ ويضجر ؟ والغنيّ يُبْتلى بالمال ، هل أدّى حقّ الله تعالى ؟ هل كان سخِيًّا ؟ هل كان متواضعًا ؟ قال تعالى :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾

[ سورة الفجر : 15]

 يقول : أكْرمَن ، هذه مقولة الإنسان ، هذا زعْمُه ، لا يُسمّى العطاء الذي ينقطع بالموت عطاءً ، كلّ عملٍ لا يمتدّ أثرهُ إلى ما بعد الموت ، لا يُسمّى عطاءً ، وكلُّ منْحةٍ يأخذها الإنسان ، ولا يمْتدّ أثرها إلى ما بعد الموت لا تُسمّى عطاءً ، لذلك لو أنّ الدنيا تعدل عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سقى منها الكافر شربة ماء ، الدنيا جيفة طلاّبها كلابها ، الدنيا دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له ، وسيّدنا عمر رضي الله عن عمر قال : " كفى بالموت واعظًا " أيْ أنّ الذي حصّله الإنسان في حياته كلّها يفقدُه في ثانيةٍ واحدة ، إذًا ليْسَت عطاءً ، العطاء هو ما كان متّصلاً إلى ما بعد الموت ، ومن هنا قال الإمام عليّ كرّم الله وجهه : الغنى والفقْر بعد العرْض على الله تعالى ، قال تعالى :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾

[ سورة الفجر : 15]

 لو أنّ الله عز وجل أغنى زيدًا من الناس ، فزَيْدٌ إذا ظنّ أنّ هذا المال الذي ساقهُ الله إليه إنَّما هو مَحْضُ تكريم ، ومحضُ عطاء ، فقد وقع في وهمٍ كبير ، لأنّ قارون كان من قوم موسى ، قال تعالى :

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة﴾

[ سورة القصص : 76]

 لا يمكن أن تكون الدنيا إقبالها على الإنسان رمْز مرضاة الله عز وجل ، إذا قال هذا فهو قوله ، وهذا ادّعاؤُه ، وهذا توهّمه ، والله سبحانه وتعالى يقول في نهاية الآيات : كلا ، ليس هذا هو الصحيح ، ليس عطائي إكرامًا ولا منعي حرمانًا ، إنّما عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء ، قال تعالى :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

[ سورة الفجر : 15]

 الله سبحانه وتعالى يقول : إذا ما ابتلاه ربّه فأكرمه ونعّمه ، ربّما ذُكر هذا على قدْر فهْم الإنسان ، ألا نقول نحن في أركان الإيمان ؛ ونؤمن بالقدر خيره وشرّه من الله تعالى ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة آل عمران : 26]

 العطاء خير ، والمنْع خير ، والإعزاز خير ، والإذلال خير ، فعل الله سبحانه وتعالى كلّه خير ، فإذا قلنا : نؤمن بالقضاء خيره وشرّه ، فعلى تصوّر الإنسان أنّ الفقر في حقّه شرّ ، فعلى تصوّر الإنسان أنّ المرض في حقّه شرّ ، فعلى تصوّر الإنسان أنّ الألمَ في حقّه شرّ ، فلذلك ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

[ سورة الفجر : 15]

 كأنّ الدنيا في الأصل دار ابتلاء ، كأنّ الابتلاء سنّة الله في خلقه ، خلقكم لِيَبلوَكُم أيّكم أحسن عملاً ، إنّا كنّا مبتلين ، قال تعالى :

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[ سورة العنكبوت :2]

 كأنّ الابتلاء سنّة الله في خلقه ، خلقكم ليبْلوكُم أيّكم أحسنُ عملاً ، قال تعالى :

﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾

[ سورة العنكبوت :1-3]

 الآيات الكثيرة تؤكّد أنّ هذه الدنيا دار ابتلاء ، وأنّ الآخرة دار الجزاء ، أنّ هذه الدنيا دار تكليف ، وأنّ الآخرة دار تشريف ، أنّ هذه الدنيا دار عمل ، وأنّ الآخرة دار إكرام .

انقلاب الابتلاء إلى عطاء إذا صار في طاعة الله :

 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ من أجل أن يكون حُسن الظنّ بالله في أعلى مستوى ، لا ينبغي أن يتوهّم الإنسان أنّ عطاء الله عز وجل لعبده في الدّنيا يُسمّى عطاءً ، لا يُسمّى العطاء عطاءً إلا إذا امْتدّ إلى الآخرة ، العطاء الذي يمتدّ أثره إلى ما بعد الموت هو العطاء ، يكرّم الله به عباده المؤمنين ، أما الدنيا مهما اتَّسَعَت ، ومهما أقبلَت على صاحبها ، فيكفي أنّ الموت يقطعها عن صاحبها لِيَلقى الله عز وجل كما جاء إلى الدنيا عاريًا من كلّ شيء .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ المال بحسب هذا التفسير ليس عطاءً ، إنّما هو ابتلاء ، والقوّة ليْسَت عطاءً إنّما هي ابتلاء ، والصّحة ليْسَت عطاءً إنّما هي ابتلاء ، وأيّ شيءٍ ينعمُ فيه الإنسان في الدّنيا ليس عطاءً إنّما هو ابتلاء .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ سؤال دقيق ؛ هل ينقلبُ الابتلاء إلى عطاء ؟ نعم ، إذا أُنفق المال في طاعة الله تعالى انقلَبَ من ابتلاء إلى عطاء ، لماذا ؟ لأنّ أثر هذا المال امْتدَّ إلى الآخرة ، إذا اسْتهلكَت الصحّة في الطاعات انقلبَت الصحّة إلى إكرام ، لأنّ أثر هذه الصحّة امْتدّ إلى الآخرة ، القوّة التي ينْعم بها بعض الناس ، في الأصل ابتلاء ، فإذا سُخّرَت لِنُصْرة الضّعيف تنقلبُ عطاءً ، أيُّ شيءٍ تنالهُ في الدّنيا ، إذا أنفقتهُ في الوجه الذي أراده الله تعالى ، هذا الشيء ينقلب من ابتلاء إلى عطاء . الجنّة ثمنها العمل الصالح ، والعمل الصالح يحتاجُ إلى صحّة ، وإلى مال ، وإلى قوّة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( اغْتَنِم خمسًا قبل خمس ؛ شبابك قبل هرمك ، وصحّتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وغناك قبل فقرك ، وحياتك قبل مماتك ))

[ المستدرك عن ابن عباس]

 وقال عليه الصلاة والسلام :

((لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع ؛ عن جسمه فيم أبلاه ؟ وعن عمره فيم أفناه ؟ وعن ماله من أين اكتسبه ؟ وفيم أنفقه ؟ وعن علمه ماذا عمل به ؟))

[ رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي ]

المصائب ليْسَت إهانةً و حرمانًا إنَّما هي محْضُ محبّة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الدنيا لو أنّها أقْبلَتْ بقضّها وقضيضها ، بِزَخارفها كلّها ، على إنسانٍ ، لا يمكن أن يسمّى هذا عطاءً إلا إذا أُنفقَتْ في طاعة الله تعالى ، عندئذٍ تكون هذه الدنيا سببًا لسعادته في الآخرة ، قال تعالى :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

[ سورة الفجر : 15]

 أكرمهُ ونعّمهُ بِظَنّ الإنسان ، فيقول : ربّي أكرمَن ، قال تعالى :

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾

[ سورة الفجر : 16]

 لا يا أخي ، إنّ الله ليحمي صفيّه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام ، إنّ الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمهُ من مراتع الهلكة ، فالعطاء ليس إكرامًا إنّما هو ابتلاء ، والحرمان والمنْع ليس حرمانًا إنّما هو دواء ، وقد عجِبَ ربّكم من قومٍ يساقون إلى الجنّة بالسَّلاسل ، إذا فهمنا التَّضييق الإلهي ، وفهمنا ما يُسمّيه الناس حرمانًا ، وفهمنا المصائب على أنواعها على هذا الأساس ، وأنَّها دواءٌ يُلجئ صاحبهُ إلى الله والدار الآخرة ، إذًا تنقلب هذه المحنُ وتلك المصائب نِعَمًا خفيَّةً ، قال تعالى :

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

[ سورة لقمان :20]

 النِّعَم الباطنة في تفسير بعض العلماء هي المصائب لأنّها تلجئ أصحابها إلى باب الله تعالى ، لأنّها تلبسهم رداء العبوديّة ، لأنّها تحملهم على التوبة ، أيّ شيءٍ حملكَ على التوبة، وقادك إلى باب الله تعالى ، أيّ شيءٍ دفعك إلى رضوان الله تعالى ، أيّ شيءٍ ألجأك إلى الخوف من الله تعالى ، فهذه نعمةٌ وأيّة نعمةٍ ، لذلك إذا رجع العبد العاصي إلى الله تعالى نادى منادٍ في السموات والأرض أن أيّتها الخلائق هنِّئوا فلانًا فقد اصطلح مع الله تعالى ، إذا اصْطلحْت مع الله تعالى على أثر شدّة ساقها الله إليك ، فهذه ليْسَت شدّة إنَّما هي شَدَّة إليه تعالى ، الشِّدّة ليسَت شِدّة إنَّما هي شَدَّة ، أراد أن يشدّك إليه فساق لك الشدّة .
 إذًا المصائب ليْسَت إهانةً ، وليْسَت حرمانًا ، إنَّما هي محْضُ محبّة ، إذا أحبّ الله عبدًا عجَّل له بالعقوبة ، إذا أحبّ الله عبدًا عاتبهُ في منامه ، إذا أحبّ الله عبدًا جعل له واعظًا من نفسه ، يأمرهُ وينهاه ، إذا أحبّ الله عبدًا جعل حوائج الناس إليه ، ألا تحبّ أن يحبّك الله عز وجل ؟ هذا الآية الكريمة :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلّا﴾

[ سورة الفجر : 15-17]

 لا يُسمّى العطاء إكرامًا إلا إذا أُنفق في طاعة الله تعالى ، أوحى ربّك إلى الدنيا أنْ تضيَّقي ، وتشدّدي ، وتمرّري ، وتكدَّري ، على أوليائي حتى يحبُّوا لقائي ، قال تعالى :

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾

[ سورة الفجر : 16]

 كلا في اللّغة أيّها الأخوة أداةُ نفيٍ وردْعٍ ، إنَّها تردعُ الإنسان عن أن يفهم هذا ، عن أن يفهم المصيبة على أنّها إهانةٌ من الله عز وجل ، إنّما هي دواء ، بل إنّ العكس هو الصحيح ، لو أنّ الإنسان غرقَ في الذّنوب والمعاصي ، وتجرَّأ على الله تعالى ، والله سبحانه وتعالى أمدَّه بالقوّة والمال ، فهذا هو محضُ الاستدراج ، قال تعالى :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[ سورة الأنعام :44]

 أشدّ عقوبةٍ يعاقب بها الله سبحانه وتعالى الإنسان أن يتركهُ هملاً بلا معالجة ، وبلا تأديب ، لهذا إذا أحبّ الله عبدهُ ابتلاه ، فإن صبرَ اجْتباه ، وإن شكرَ اقتناه .

 

بطولة الإنسان أن يستثمر عطاء الله في طاعته و التقرب منه :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ آياتٌ من سورة الفجر تبثّ الفرحَ في النَّفس ، ليس هذا العطاء عطاءً إنّما هو ابتلاء ، وليس هذا الحرمان حرمانًا إنّما هو دواء ، قال تعالى :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلّا﴾

[ سورة الفجر : 15-17]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ سيّدنا عبد الرحمن بن عوف كان من أغنى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأمواله كانتْ لا تُعدّ ، وبعد أن لحق النبي عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى ، قال له بعضُ أصحابه : خشينَا أنْ يؤخّرَك كثْرة مالك عن اللّحاق برسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقال لهم : لماذا ؟ وما لي وللمال إذا كنتُ أُنفق مئة في الصّباح فيُعطيني الله ألفًا في المساء ، والله ما منعتهُ محتاجًا ، ولا مسكينًا ، هذا النصّ القصير يؤكّد أنّ الغنى الذي كان لسيّدنا عبد الرحمن بن عوف ، ما دام قد أنفق هذا المال في طاعة الله تعالى ، وأنفقه على الفقراء والمساكين ، الآن يُعَدّ هذا المال في حقّه نعمةً كبرى ، وكرامةً من الله عز وجل ، قبل إنفاقه بهذه الطريقة هو ابتلاء ، ما دام قد أنفقه فسيّدنا عبد الرحمن بن عوف كان يقول : والله لأدخلنَّها خبَبًا ، أي لأدخلنَّ الجنّة هرْوَلَةً ، لا كما يقول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأدخلنّها حبْوًا ! لا ، والله لأدخلنَّها خبَبًا ، ما دام هذا المال الذي أكرمني الله به أنفقه في طاعة الله تعالى .
 ليس بِخَيركم من ترك دُنياه لآخرته ، ولا من ترك آخرته لدُنياه ، إلا أن يأخذ منهما معًا ، فإنّ الأولى مطيّة للثانية ، العِبرة والبُطولة أن تستثمر هذا الذي أعطاك الله إيّاه للدار الآخرة ، وفي طاعة الله ، أن تستثمِرَه في طاعة الله ، وأن تنفقهُ تقرُّبًا لله عز وجل ، كان أحدُ أصحاب رسول الله يقول : حبَّذَا المال أصون به عرضي وأتقرَّبُ به إلى ربّي .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا ، فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الخلية الخضراء :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ نحن في شهر الربيع ، نحن في فصل الربيع ، وما من واحدٍ إلا ورأى الأرض ، وقد ازْدانَتْ ، وقد ارْتَدَتْ حلَّةً قشيبة ، الأشجار مزدهرة ، وبعضها قد أوْرق ، والأرض بِساطٌ أخضر ، فهل تفكَّرنا في هذه الآية الكريمة التي أشار الله إليها ، يقول سبحانه وتعالى :

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة الأنعام : 99]

 أن تصبح الأرض مخضرّة ، هذا من آيات الله تعالى ، أن تصبح هذه الشجرة وقد ارتَدَت هذه الحلّة القشيبة ، هذا من آيات الله تعالى ، أن تنبت أنواع الأزاهير ، هذا من آيات الله تعالى ، والله سبحانه وتعالى يقول أيضًا :

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾

[ سورة عبس :24-32]

 فهذا الذي يذهبُ إلى نزهةٍ في هذه الأيّام ، ولا يعنيه إلا أن يستمتع بالمناظر الجميلة ، من دون أن يسبّح الله عز وجل ، ومن دون أن يرى في هذا الفصل آيةً كبرى دالّة على عظمة الله عز وجل ، فهو إنسانٌ غافل في القرآن الكريم ، آيةٌ تلفتُ النَّظَر يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾

[ سورة يس :80]

 قد يسأل سائلٌ : هذا الشّجر الأخضر لا يحترق ، لا يحترق الشّجر إلا إذا كان يابسًا ، فكيف يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾

[ سورة يس :80]

 العلماء اكتشفوا أنّ الخليّة الخضراء الواحدة تقومُ بِبِناء عشرين مركَّبًا عُضويًّا في دقيقة واحدة ، إذا عُرِضَت إلى أشعّة الشمس ، فالنبات يتغذّى بالماء ، وبعض المواد المعدنيّة ، وبعض المواد العضويّة ، وأكثرُ ما يأخذ من الهواء غاز الفحْم ، الذي يُسهم في تكوين بنية النبات ، إنّ بنية النبات لا كما يتوهّم الإنسان تتأتّى من التراب ، بل تتأتّى من المعمل العظيم الذي أودعهُ الله في الأوراق الخضر ، لولا الورق الأخضر لما كان النبات ، لولا أنّ هناك عمليّات بالغة التعقيد تجري في الخليّة الخضراء لما كان النبات ، فكأنّ الله سبحانه وتعالى حينما قال :

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾

[ سورة يس :80]

 أشار إلى أنّه لولا الأوراق الخضراء في النبات لما كان الشّجر ، هذه الصّفة مترابطةٌ مع الموصوف ترابطًا وُجوديًّا ، ولولا عمليات البناء التي تجري في الورقة الخضراء إذا تعرَّضت لأشعة الشمس والهواء لما كان هناك نبات ، لو زرعْنا نباتًا في ظلامٍ لما نبتَ ، لو لم يتعرّض النبات لأشعّة الشمس لا ينمو ، فهذه الأشجار الباسقة ، وهذه الجذوع الكبيرة ، التي تزنُ بالأطنان إنّما هي نتيجةٌ لِتَفاعلٍ دقيق يجري في أوراق الأشجار .
 هذا السؤال يرِد ، كيف يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾

[ سورة يس :80]

 الشجر الأخضر لا يحترق ! ولكنّ الشجر اليابس هو الذي يحترق ، لكنّ هذا إشارةٌ إلى أنّ هذا الشجر ما كان له أن يكون شجرًا لولا أنّ الله سبحانه وتعالى زوَّده بهذه المعامل التي لا تُعدّ ولا تحصى ، إنّ كلّ خليّة في كلّ ورقةٍ معملٌ ينتجُ المواد العضويّة التي تُسهم في نموّ النبات ، وفي ازدياد حجمه ، هذه آية من آيات الله تعالى ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " أُمرتُ أن يكون صمتي فكرًا ، ونطقي ذكرًا ، ونظري عبرة " إنسانٌ تنزَّه في هذه الأيّام لا ينبغي أن يكون غافلاً عن آيات الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿كَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾

[ سورة يوسف :105]

 قال تعالى :

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾

[ سورة عبس :24]

 هذه الشجرة يراها الإنسان في الشتاء حطبًا ، يأتي الربيع ، فمِنْ أين جاءها الزّهر ؟ وبعد الزّهر تأتي البراعم ، وبعد البراعم تأتي الأوراق ، فِعْلُ من ؟ ويدُ مَن ؟

وإذا رأيْت النبْت في الصحراء  يرْبو وحده فاسألهُ من أرباكا
***

 من جعلك تنمو ؟

 

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا .
 اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا. اللهم استر عيوبنا ، واغفر ذنوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ارزقنا حجاً مبرورا ، وسعياً مشكوراً ، وذنباً مغفورا . اللهم اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين ، والمقيمين والمرابطين ، في برّك و بحرك من أمة محمدٍ أجمعين. اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018