الخطبة : 0207 - الذكر - البذْرة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0207 - الذكر - البذْرة.


1988-03-25

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ذكر الله عز وجل حياة للقلب :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾

[سورة الأحزاب :41-44]

 في هذه الآية الكريمة أمْرٌ إلهي أن نذكر الله ذِكْرًا كثيرًا ، وذِكْرُ الله سبحانه وتعالى حياةٌ للقلب ، القلب الذي يذكرُ الله حيّ ، والقلب الذي لا يذكرهُ ميّتٌ ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((إذا مررْتم برياض الجنّة فارتعُوا ، قالوا : يا رسول الله ، وما رياض الجنّة ؟ فقال : حِلَق الذّكر ))

[رواه البخاري ]

 أيْ مجالسُ الذّكْر ، أي المجالس التي يُذكر فيها اسم الله عز وجل ، المجالس التي تفسّر فيها آيات الله ، المجالس التي تُفسّر فيها أحاديث رسول الله ، المجالس التي يكون الحديث فيها عن الله تعالى ، المجالسُ التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، المجالسُ التي فيها حديث عن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام ، المجالسُ التي فيها الحديث عن أُمور الفقه ، إنّها كلمةٌ واسعة ، من هنا قال الله عز وجل :

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[سورة الكهف : 28]

 فيما رواه الإمام البيهقي ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إنّ ذِكْر الله تعالى شفاءٌ ، وإنّ ذِكْر الناس داء ))

[رواه البيهقي ]

 فإذا أردْت أن يشفى قلبك فاذْكر الله عز وجل ، وإذا أردْت الداء الوبيل والمرض العضال فاذكر الناس ، في ذِكْر الناس الغيبة ، والنميمة ، والتحاسد ، والتنافس ، والسّخريّة ، والانقباض ، والقهر ، والخوف ، والتشاؤُم ، والسّوْداويّة ، هذا كلّه من ذِكْر الناس ، فإذا ذكرت الله عز وجل كان ذكره تعالى شفاء .

 

الإكثار من ذكر الله تعالى :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( إنّ ذِكْر الله تعالى شفاءٌ ، وإنّ ذِكْر الناس داء ))

[رواه البيهقي ]

 فحيثما جلستم ، وأنّى وُجدتم ، وحيثما التقيتم ، في لقاءاتكم ، في سهراتكم ، في ندواتكم ، في حلّكم وترحالكم ، أكثروا ذِكْر الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب : 41]

 يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي والإمام أحمد في مسنده :

((مَن صلّى الفجر في جماعة ، ثمّ قعد يذكر الله حتى تطلع الشّمس ثمّ صلّى ركعتين ، كانتْ له كأجْر حجة وعمرةٍ تامّة تامّة))

[رواه الترمذي ]

 سواءٌ تلا كتاب الله ، تلاوة كتاب الله ذكرٌ لله تعالى ، سواءٌ قال : سبحان الله والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، هذا أيضًا من ذكر الله تعالى ، أو قال : الله أكبر ، بأيّة طريقةٍ تذكرُ الله فيها ، سواءٌ أَفكَّرْت في ملكوت السموات والأرض ، إذا ذكرتَ الله تلاوةً لكتابه ، إذا ذكرتَ الله تفكُّرًا في آياته ، إذا ذكرتَ الله ذكرًا بلسانك ، وإذا سبّحتَه ، وإذا حمِدْته ، وإذا كبّرته ووحَّدتهُ ، فأنت مِمَّن ينطبقُ عليك هذا الحديث :

((مَن صلّى الفجر في جماعة ، ثمّ قعد يذكر الله حتى تطلع الشّمس ثمّ صلّى ركعتين ، كانتْ له كأجْر حجة وعمرةٍ تامّة تامّة))

[رواه الترمذي ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم ، وخيرٌ لكم من إنفاق الذّهب والفضّة ، وخيرٌ لكم من أن تلقَوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : ذكر الله ))

[رواه الترمذي ]

 قال تعالى :

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[سورة الرعد : 28]

 ألا بذكر الله تنشرحُ الصّدور ، ألا بذكر الله تعرُج النفوس .

 

ذكر الله يحيي القلب و يبعده عن الغفلة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حديثٌ شريفٌ رواه الإمام البخاري ومسلمٌ في صحيحيهما، يقول عليه الصلاة والسلام :

((مثلُ الذي يذكرُ ربّه ، والذي لا يذكرهُ مثلُ الحيّ والميّت))

[متفق عليه ]

 يحيا القلب بِذكر الله تعالى ، ويموت القلب بالغفلة عن الله تعالى ، وقد يسأل سائلٌ لماذا لا نذكرهُ ؟ النبي عليه الصلاة والسلام أجاب عن هذا السّؤال ، قال عليه الصلاة والسلام : " من أحبّ شيئًا أكثر من ذكره " إنّ الذي لا يذكرهُ إنّه لا يحبّه ، لماذا لا يحبّه ؟ إنّ الذي لمْ يتفكّر في خلق السموات والأرض ، لمْ يعرف عظمة الله ، ولمْ يعرف جلاله ، ولمْ يعرف رحمتهُ، ولمْ يعرف فضله ، فما أحبّه ، لو أنّك تعرَّفْت إليه من خلال خلقه لأحببْتهُ ، ولو أنّك أحببْتهُ لأكثرْت من ذكره ، وإذا ذكرته سعِدتَ بذكره ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((مثلُ الذي يذكرُ ربّه ، والذي لا يذكرهُ مثلُ الحيّ والميّت ))

[متفق عليه ]

 وفيما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه صلى الله عليه وسلّم كان يذكُر الله في كلّ أحيانه . بعض الناس يذكرونه في الرّخاء ، أما في الشدّة فينْسونهُ ، وبعض الناس من نوعٍ آخر ، يذكرونه في الشدّة أما في الرّخاء فيَنْسَوْنهُ ، وبعضهم الآخر يذكرونه في الفراغ ، فإذا شُغلوا ينْسونهُ ، وبعض الناس يذكرونه في المرض ، فإذا كانوا أصِحّاء أقوياء ينْسَونهُ ، ولكنّ النبي عليه الصلاة والسلام وهو قُدوتنا ، وأُسوتنا ، كان يذكر الله في كلّ أحيانه ، في الفراغ وفي الشّغل ، في الصّحة والمرض ، في القوّة والضّعف ، في الغِنَى والفقْر ، في إقبال الدنيا وفي إدبارها ، كان صلى الله عليه وسلّم يذكُر الله في كلّ أحيانه .

 

الذكر الخفي أقرب إلى الإخلاص :

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( خيرُ الذّكْر الخفيّ ، وخيرُ الرّزق ما يكفي))

[ ابن حبان عن سعد بن أبي وقاص]

 كأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يؤثرُ أن يكون الذّكرُ خَفيًّا ، لأنّ الذّكْر الخفيّ أقربُ إلى الإخلاص ، لأنّ الذّكْر الخفيّ أقربُ إلى الجدوى ، كان عليه الصلاة والسلام يقول :

(( خيرُ الذّكْر الخفيّ ، وخيرُ الرّزق ما يكفي))

 أما هؤلاء الذين يذكرون الله للناس ، إنّك قد تذكرُ الله لِنَفسك ، وقد تذكرُه للناس ، هؤلاء وصفَهم النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الطبراني رحمه الله تعالى :

(( إنّ مِنَ الناس مفاتيح لذِكْر الله تعالى ، فإذا رُؤوا ذُكر الله بهم ))

 وبالمقابل إنّ من الناس مفاتيح للشيطان ، فإذا رُؤوا ذكِرَتْ بهم الشياطين والأهواء والشهوات والانحرافات ، فإذا أردْت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملكَ ، هل إذا رُئيتَ يُذكر الله عز وجل ؟ أوليائي إذا رؤوا ذُكِر الله بهم .

 

الأشياء التي تقرب من ذكر الله و التي تبعد عنه :

 ما الذي يُبعد عن ذكر الله ؟ وما الذي يقرّبُ منه ؟ النبي عليه الصلاة والسلام :

((الغناء واللّهو ينبتان النّفاق في القلب))

[ الديلمي عن أنس]

 استماع الغناء ؛ في البيت ، وفي المحلّ التّجاري ، وفي المركبة ، وفي كلّ الأحوال ، وفي النّزهات ، إنّ المداوَمة على استماع الغناء ينبتُ النّفاق ، يقول عليه الصلاة والسلام:

((الغناء واللّهو ينبتان النّفاق في القلب ))

 واللّهو كلّ ما لا طائل منه ، قتْل الوقت بِعَمَلٍ تافهٍ ، استغلال الوقت استغلالاً رخيصًا ، هذه الألعاب التي يمضي الناس بها سهراتهم حتى ساعةٍ متأخّرة من الليل ، إنّها استهلاك مكشوفٌ للوقت ، وحرْقٌ للوقت ، إنّها محْقٌ للبركة ، إنّها إتلافٌ للإنسان :

(( الغناء واللّهو ينبتان النّفاق في القلب ، كما ينبتُ الماء العشب ، والذي نفسي بيدِه إنّ القرآن والذّكْر ينبتان الإيمان في القلب كما ينبتُ الماء العشب ))

[ الديلمي عن أنس]

 إذًا هناك أشياء تنقلُ إلى اللّهو ، وإلى النّفاق ، وإلى البُعْد ، وإلى الغفلة ، وهناك أشياء تنقلك إلى الجنّة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((ما من قومٍ جلسوا مجلسًا لم يذكروا الله فيه إلا رأوهُ عليهم حسرةً يوم القيامة ))

[ أحمد عن عبد الله بن عمرو]

 ما الموضوع الذي هو أهمّ من ذِكْر الله تعالى ؟ إنّنا إلى الموت سائرون ، في ساعة الموت تعرفُ قيمة الذّكْر الذي أحيا قلبك .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، ولن يكون هذا اللّسان مفلحًا إلا إذا أكْثر من ذكر الله تعالى ، النبي عليه الصلاة والسلام قيل له : يا رسول الله ، أيُّ جلسائنا خير ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

((من ذكّركم بالله رؤيتهُ ، وزاد في علمكم منطقهُ ، وذكّركم في الآخرة عمله ))

[ البزار عن ابن عباس]

 هذا الذي إذا رأيتهُ ذكرت الله تعالى ، وإذا حدَّثك رفع مستواك بالعلم والعمل ، وإذا رأيت عمله ذكّرك بالآخرة ، فالذي يدلّك على الله تعالى ، له مظهر ، وله قالٌ ، وله حالٌ ، بمَظهره تذكر الله ، وبلِسانه يزداد علمك ، وبعمله يزداد ورعك ، مثلُ هذا صاحبهُ لأنّه كما يقول العلماء أنْدرُ من الكبريت الأحمر ، إذا رأيْتَ إنسانًا يرقى بك إلى الله حالهُ ، ويدلّك على الله مقالهُ فالْزَمْهُ ، فمَن قلَّدَ عالمًا لقي الله سالمًا .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ سيّدنا حنظلة رضي الله عنه رآه الصدّيق رضي الله عنه جالسًا في الطريق يبكي ، قال له : مالك يا حنظلةُ تبكي ؟ قال : نافقَ حنظلة ، قال : ولِمَ ؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنّة كهاتين فإذا عافسْنا الأهل ننْسى ، فقال الصدّيق رضي الله عنه : أنا كذلك يا أخي انْطلِق بنا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فحدَّثا النبي بِحَاليهما فقال عليه الصلاة والسلام :

((أما نحن معاشر الأنبياء فتنامُ أعيُننا ، ولا تنام قلوبنا ، أما أنتم يا أخي فساعةٌ وساعة ، لو بقيتُمْ على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتْكم الملائكة ، ولزارتكم في بيوتكم))

بِمَعنى أنّك إذا حضرْت مجلس علم يرقى حالُك ، كأنّ هذا المجلس شِحنةٌ روحيّة تُشحنُ بها ، فإذا داومْت على حُضور مجالس العلم ، كنتَ في حالة طيّبة ، أما إذا كان الحضور متناوبًا ، ومضطربًا ، كانت هذه الشّحنات مضطربةٌ أيضًا .

 

تحسر أهل الجنة على ساعة في الدنيا مرت لم يذكروا الله فيها :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه عن ربّه يقول الله عز وجل :

(( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ))

[ كنز العمال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]

 والله سبحانه وتعالى يقول أيضًا في الحديث القدسي :

((أنا جليسُ من ذكَرني وحيثما الْتمسَني عبدي وجَدَني))

 ويقول في القرآن الكريم :

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾

[سورة البقرة : 152]

 ما ذكر عبدٌ ربّه خاليًا إلا ذكرهُ في ملأ من ملائكته ، ولا ذكرهُ في ملأ من خلقه إلا ذكره الله في ملأ خيرٍ منه .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا يتحسَّر أهل الجنّة إلا على ساعةٍ مرَّتْ بهم في الدنيا لم يذكروا الله فيها ، أهل الجنّة وهم في الجنّة شيءٌ واحدٌ يؤلمهم أنّ ساعةً في الدّنيا مرَّتْ عليهم ولم يذكروا الله فيها .
 أحدُ العارفين بالله وهو يناجي ربّه يقول : " إلهي ، إذا رأيتني أُجاوِزُ مجالس الذّكْر إلى مجالس الغفلة ، فاكْسِر رجلي دونهم فإنّها نعمةٌ تنعم بها عليّ " .
 أيها الأخوة ؛ نحن في حياتنا بين مجالس الذاكرين ، وبين مجالس الغافلين ، سهرةٌ فيها اختلاطٌ ، فيها أجهزة لهْوٍ لا ترضي الله عز وجل ، وفيها غيبةٌ ، فيها نميمة ، فيها سُخريّة، فيها غمْزٌ ولَمْزٌ ، فيها حديثٌ عن الدّنيا ، فيها تحبيب بالدّنيا ، هذه مجالسُ الغافلين ، قال تعالى:

﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[سورة الكهف : 28]

 إلهي ، إذا رأيتني أُجاوِزُ مجالس الذّكْر إلى مجالس الغفلة ، فاكْسِر رجلي دونهم فإنّها نعمةٌ تنعم بها عليّ . أحدُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم رأى جماعةً في السّوق وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم مجلسُ علمٍ ، فقال هذا الصّحابي لهؤلاء الغافلين : أراكم ههنا ، وميراث رسول الله في المسجد ، ما هو ميراثهُ ؟ النبي عليه الصلاة والسلام لمْ يورّث درهمًا ولا دينارًا ، ولكن ورَّث هذا العلم الشريف ، فمن دخل إلى مجلسِ علمٍ فإنّما يدخلُ ليرى ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

البذرة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى جلَّتْ حكمته جعل البذرة أساسًا لحياة النبات ، وجعل البذْرة أساسًا لتكاثرها ، ففي البذرة عالمٌ كبير لو اطَّلَعْنا عليه لخَشَعَتْ قلوبنا ، ولانهمَرَتْ دُموعنا .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ البذرة يتبايَنُ حجمها مِن جوْزة الهند الكبيرة التي هي بذرة إلى بذارٍ يزيد عدد الغرام منها عن سبعين ألف بذرة كالغبار ، ولكنّ القاسم المشترك بين كلّ البذور أنّ في كلّ بذرة كائنًا حيًّا بكلّ ما في معنى هذه الكلمة ، إنّه الرُّشَيم ، ولهذا الكائن الحيّ غذاءٌ مدروسٌ ، ومحدود ، وموزونٌ ، يكفي هذا الرُّشَيم حتى ينبتَ له جُذَيْرٌ وساق ، ائتِ بِبَعض حبّات الفاصولياء أو الحمّص ، وضعها على قسم مبلّل ، وانظر كيف أنّ هذا الرُّشيم الحيّ ينمو إلى سُوَيق ، وإلى جُذَير ، وحجم الحمصة يكفي لِتَغذية هذا الرُّشيم إلى أن يصبح الجذر قادرًا على مصّ الغذاء من التربة .
 أما الشيء الذي يأخذ بالألباب فأنّ هذه البذور لها أحوال شتّى ، بعض هذه البذور مجنّحة ، لها أجنحةٌ ، تطيرُ مئات الكيلو مترات ، لها أجنحة ، تطير فتنقلُ الاخضرار من بلدٍ إلى بلد ، إنّ الهواء يحملها ، ويقطعُ بها مئات الكيلومترات لِتُزْرع زراعةً طبيعيّة في أراضٍ رطْبةٍ، فَتُنبتُ الأشجار ذات البهجة والجمال ، وبعض هذه البذور لها زغَبٌ كَزَغَبِ الصوف ، تطيرُ أيضًا في الهواء ، ولكن بِمَسافات قصيرة ، التي خُلِقَتْ لِتَنتقل عبْر القارّات وعبْر مئات الكيلومترات لها أجنحة ، أما التي خُلقَت لِتَنتقل عبْر مسافات قصيرة فلها زغابات كَزُغابات الصّوف .
 ومن البذور ما لها غلافٌ عازلٌ لا تتأثَّر بالماء ، تنتقل عبْر الأنهار ، وعبْر السّيول ، من مكان إلى آخر ، إنّها مغلّفةٌ تغليفًا محكمًا عازلاً ، بحيثُ لا تؤثّر خُصوبة الماء في نموّ الرُّشَيم .
 وإنّ من البذور ما لها أشواكٌ تلتصقُ بِذراع بعض الحيوانات لتنتقل من مكان إلى مكان ، وإنّ بعض البذور فيها مادّة لاصقة تلتصقُ بأرجل بعض الطّيور لِتَنتقل عبْر هجرتها من بلادٍ إلى بلاد .
 وإنّ من البذور ما هي مودَعَةٌ في غلاف ينفجرُ في بعض الظروف الطبيعيّة فإذا انفجرَ هذا الغلاف تناثرَتْ البذور .
 وإنّ من البذور - ولاسيّما البذور الرّعويّة - ما هي موضوعةٌ في محفظة ، والمحفظة فوق لوْلب ، فإذا وقع اللّوْلبُ على الأرض ساهَمَتْ الرّيح في غرسِهِ في الأرض ، ثمّ تنتقل عبْر هذا اللّوْلبُ إلى باطن ، وهذا يتمّ مباشرة من دون تدخل بني البشر .
 الشيء الذي لا يُصدّق أنّ بعض النباتات التي تنمو في الصّحراء ، أو تنمو في البادية ، بعض النباتات الرّعوِيّة يزيدُ طول جذرها عن سبعة عشر مترًا نحو أعماق الأرض لِتَمتصّ الرّطوبة منها .
 هذا هو خلْق الله ، في أماكن الجفاف ، في أماكن الأمطار القليلة ، حيث الحاجة إلى النباتات الرعويّة تكون الجذور ذات وضْعٍ خاصّ ، إنّها تضرب في أعماق التربة إلى ما يزيد عن سبعة عشر مترًا كي تأخذ الرّطوبة من الأرض ، إنّ لهذه النباتات زغاباتٌ تلتقط الرّطوبة من الجوّ ، هذا هو خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ؟! بذور لها أجنحة ، وبذور لها زغابات ، وبذور لها غلاف عازل للماء ، وبذور لها أشواك ، وبذور فيها مادّة لاصقة، وبذور مودعةٌ في كيسٍ ينفجر في بعض الأحيان ، وبذور تضرب جذورها إلى أبعاد كبيرة كي تأخذ الرّطوبة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ البذار وحدهُ آيةٌ كبرى من آيات الله تعالى ، لذلك عبادة التفكّر لابدّ منها ، كي نعرف الله سبحانه وتعالى .

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا .
 اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا. اللهم استر عيوبنا ، واغفر ذنوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ارزقنا حجاً مبرورا ، وسعياً مشكوراً ، وذنباً مغفورا . اللهم اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين ، والمقيمين والمرابطين ، في برّك و بحرك من أمة محمدٍ أجمعين. اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018