رياض الصالحين - الدرس : 096 - باب الجمع بين الرجاء والخوف معاً - كيف يتم الجمع بين الرجاء والخوف؟ وما هو التطرف؟ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رياض الصالحين - الدرس : 096 - باب الجمع بين الرجاء والخوف معاً - كيف يتم الجمع بين الرجاء والخوف؟ وما هو التطرف؟


1999-11-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

هذا حد التوسط بين الرجاء والخوف :

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، عليه أتم الصلاة والتسليم، وننتقل اليوم على باب يجمع بين البابين، كنا في باب الرجاء، وانتقلنا إلى باب الخوف، واليوم: الجمع بين الرجاء والخوف معاً .
يقول الله عز وجل:

﴿ َفلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 99]

 ويقول الله عز وجل:

﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 87]

 ينبغي ألاّ تأمن الله، وألا تيأس منه، إن أمنته تطرفت، وإن يئست من رحمته تطرفت، يجب أن تقع في موقع متوسط بينهما، لا تأمن مكره، ولا تيأس من رحمته، لا ملجأ منه إلا إليه، ولا حافظ منه إلا به، الجمع دقيق .

هذا التطرف :

 أيها الأخوة، من السهل أن تتطرف، من السهل أن تكون ساذجاً, تطمع في رحمة الله طمعاً ساذجاً، يقول لك: الله غفور رحيم، ثم يُصعق حينما يحاسَب عن كل أعماله، من ضعف الإيمان: أن تيأس من رحمته، واليأس قد يودي إلى الكفر، ورحمة الله وسعت كل شيء، فإن طمعت في رحمته بلا مبرر تطرفت، وإن يئست من رحمته بلا مبرر فقد تطرفت .

هكذا الجمع بين الرجاء والخوف :

 أيها الأخوة, يجب أن تجمع بين الرجاء والخوف .
 بشكل آخر: يمكن للأب أن يكون قاسياً جداً، يضرب ابنه ضرباً مبرحاً، ومن الممكن أن يكون متساهلاً جداً، حيث يتطاول عليه ابنه، لكن الأب المربي هو الذي يقف من ابنه موقفاً، فتارة يقسو، وتارة يرحم، فالابن دائماً في حالة طمع في رحمة أبيه، وخوف من عقابه ، هذه الحالة المثلى التي أرادها الله لنا، قال تعالى:

﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾

[سورة السجدة الآية: 16]

﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾

[سورة الأنبياء الآية: 90]

 أنت افعل ما شئت، لكن الله هكذا يفعل، فإذا رآك قد طمعت في رحمته، وقصّرت في عبادته، وقصّرت في تطبيق منهجه, يقسو عليك، فإذا حمتك قسوته على أن تيأس من رحمته يتجلى عليك، أنت بين الخوف والرجاء، بين الطمأنينة إلى رحمته, والخوف من مكره .
 فالآيتان:

﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 87]

﴿َفلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 99]

 ينبغي ألاّ تأمن مكره، وألا تيأس من روحه، هذا ماذا يحتاج؟ يحتاج إلى معرفة به .

إياك أن تقع في هذا الخطأ :

 أيها الأخوة, فإذا كان للإنسان دعوى عند قاض، والقاضي نزيه جداً جداً، وقيل له: نشتريه بالمال، واطمأن طمأنينة ساذجة، فلما ذهب إليه، ولوّح له بمبلغ, ركله بقدمه وطرده، وخسر الدعوى، هذه طمأنينة ساذجة، وكل إنسان يطمع في رحمة الله بلا مبرر، بلا استقامة، بلا عمل صالح, هذا طمع ساذج، سوف يفاجأ .
 العوام يرتاحون إذا قلت لهم: إن الله غفور رحيم، بهذه البساطة؛ تأكل مال الناس، تعتدي عليهم، تعتدي على أعراضهم، وتحتال عليهم، وكل شيء لصالحك، ولست مقصّراً في شيء من الشهوات والمباهج، وتقصّر في العبادات، والله غفور رحيم. هذا كلام غير صحيح، يقول الله عز وجل:

﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة الأعراف الآية: 153]

 بعد التوبة, والإيمان, والعلم الصالح، قال تعالى:

﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة النحل الآية: 119]

 فأنا أتمنى ألا نقع في سذاجة التعلق برحمته بلا عمل، وألا نقع في اليأس من رحمته، فاليأس من رحمته جهل، والتعلق برحمته بلا عمل غرور .

هاتان الآيتان تؤكدان على :

 يقول ربنا عز وجل:

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾

[سورة آل عمران الآية:106]

 وقال تعالى:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة الأعراف الآية: 167]

 هذا كله يحقق توازنًا بين الطمع في رحمته، والخوف من عقابه .

قاعدة :

 وفي الحديث القدسي: أن داود عليه السلام قال:

((يا رب أي عبادي أحبّ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحَبّ عبادي إلي؛ تقي القلب, نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك على خلقك؟ قال: ذكّرهم بآلائي, ونعمائي, وبلائي))

 هذه قاعدة: إذا ذكرت نعمه أحببته، وطمعت في رحمته، وإذا ذكرت عقابه خفته، ووقفت عند حدوده، وإذا ذكرت آلاءه عظّمته, فاستقمت على أمره، إذًا: لا بد أن يكون في قلبك رحمة، طمع في رحمته، و خوف من عقابه، وتعظيم لجلاله، فالقلب الكامل الذي يجمع بين المشاعر كلها، ثلاثة مشاعر .

 

من أخطاء بعض الخطباء :

 أيها الأخوة, إذا دعوت إلى الله، -الآن: الدرس لنا-, لا تيَأس الناس من رحمة الله، ولا تجعلهم يطمعون بلا مبرر .
 هناك خطباء دائماً في ذكر النار, والسياط, والزبانية, وجهنم, والصراط، لا يترك من الأمل شعرة، وهناك خطباء في سذاجة، نحن أمة محمد، نحن مرحومون، نحن أمة مفضلة، والجنة لنا، مع هذه الأخطاء, والفسق, والفجور, والمعاصي, والآثام, والانحرافات, والتقاطع, والتدابر، والعدوان على بعضنا البعض، على هذه الأخلاق؟! نحن أمة محمد المفضّلة؟ فينبغي ألا ييئسهم من رحمة الله، وألاّ تجعلهم يطمعون طمعاً ساذجاً في رحمة الله, قال تعالى:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة الأعراف الآية: 167]

 هذه الآيات كلها فيها توازن .

 

هكذا يخاطب الله به عباده :

 أيها الأخوة, ما دمنا قد خضنا في هذا الموضوع، ربنا عز وجل كلامه مؤثِّر جدًّا، السبب: أنه تارة يخاطب العقل، وتارة يخاطب القلب، وفي بعض الآيات النادرة, يخاطب العقل والقلب معًا، يقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾

[سورة الانفطار الآية: 6]

 يخاطب ماذا؟ العاطفة، إذا قال لك شخص: استح على نفسك، فهو يثير عواطفك، أنت من يخاطب عاطفته؟ قال له:

﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾

[سورة الانفطار الآية: 7]

 أسرة عاقلة، وهذه الأعمال لا تليق بك، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾

[سورة الانفطار الآية: 6]

 الآن: يخاطب عقله، انظر إلى جسمك، إلى قوامك، إلى حواسك، إلى أجهزتك، إلى أعضائك، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾

[سورة الانفطار الآية: 6-8]

آية لها مدلولها :

 لا زلنا في التوازن، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾

[سورة الانفطار الآية: 13-14]

 أيها الأخوة, صدّقوني أن هذه الآية, على أنك إذا قرأتها تتجه بها إلى الآخرة، هي مطبّقة في الدنيا عن المستقيم, في نعيم؛ نعيم القرب، نعيم الراحة النفسية، نعيم أن أحداً ليس له عنده حق، قال تعالى:

﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾

[سورة الانفطار الآية: 14]

 قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

[سورة طه الآية: 124]

 في جحيم، لذلك قالوا:

((في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة))

هذا ما قاله بعض العلماء في هذا الحديث :

 أيها الأخوة, بعض العلماء قال:

((حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أبو بكر في الجنة))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 أيّة جنة؟ هكذا قال بعضهم: هو الآن في جنة .
 إذا عمل الإنسان عملاً صالحاً، وتقرب إلى الله، واصطلح مع الله، وخطب ود الله عز وجل، نفع عباد الله, يشعر أن نفسه قريبة من الله، هذه جنة القرب .

 

رجل يهودي يسأل ابن المبارك :

 مرة أحد كبار العلماء، الإمام عبد الله بن المبارك, كان بهي الطلعة، وصاحب هيبة، وله وجه نوراني، وكان أنيقاً، وكان في موكب على فرسه، وحوله أخوانه الكبار، فرآه يهودي يعمل في المجاري، ورأى حاله، قال له:

((يا إمام, يقول نبيكم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر, فأيّ سجن أنت فيه، وأيّة جنة أنا فيها؟ -ما هذا العز، والجمال, والكمال؟ محفوف مخدوم, محشوم، وهو يعمل في المجاري حيث الفئران-, قال له: يا هذا, ما أنا فيه إلى ما ينتظرني في الجنة فأنا في السجن، وما أنت فيه إلى ما ينتظرك من عذاب أليم فأنت في جنة))

 كلام دقيق، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾

[سورة الانفطار الآية: 13-14]

 حتى إن أحد العلماء قال:

((ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟))

استخرج المغزى من هذه القصة :

 إنسان في النزع الأخير، سيدنا سعد بن الربيع, تفقده النبي صلى الله عليه وسلم عقب معركة أحد، فانطلق أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, ليتفقده في المعركة, بعدما انتهت ، فإذا هو بين القتلى، لكنه في الرمق الأخير، قال:

((يا سعد، إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني أن أتفقدك، فأنت في الأحياء أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات، ولكن أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام, -شاب ينازع الموت-, وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم إذا خلص إلى نبيكم, وفيكم عين تطرف))

 هل هناك إنسان في هذه السعادة, وهو على وشك الموت؟ هكذا ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه .

 

آية تجمع بين الرجاء والخوف :

 والآية الثانية:

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾

[سورة القارعة الآية: 6-11]

هذه طائفة من الأحاديث تدل على ما ذكرناه آنفاً :

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

 قال سيدنا عمر –وهذا موقف رائع-:

((لو علمت أن الله معذِّباً واحداً من خلقه لظننت أنني أنا، ولو علمت أن الله راحم واحداً من خلقه لظننت أنني أنا))

 فطمعه في الله يكافئ خوفه منه، هذا هو التوازن .

 

((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِه))

 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ, وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، قدموني, وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ تذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 حينما يموت الإنسان, ترفرف روحه فوق النعش، تقول:

((يا أهلي، يا ولدي, لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة عليّ))

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 من علامات آخر الزمان: جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، و يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا))

[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

 سمعت عن رجل في المدينة المنورة, أنه أتى بالصحن الفضائي, فترك الصلاة وهو في الستين من عمره، وأكثر الناس الآن يأتون بهذا الصحن، ويسهرون أمامه، يشاهدون المحطات الماجنة حتى الفجر، قيام ليل في المحطات .

((يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، ويُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا))

 فـ:

((الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

((أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ -ثَلَاثًا-, أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ))

 المؤمن كيِّس فطِن حذِر .

 

هذا ما تفعله بعض الفتن بالإنسان :

 أيها الأخوة, كثير من الفتن, يمكن أن تجرّ الإنسان إلى معصية الله دون أن يشعر، ساعة باسم الانفتاح، وساعة باسم الحضارة، وساعة باسم الموضة، ويقول عنك: إنك متزمّت متخلف، وساعة باسم التحرر، وساعة يقال: أنت تمسك الدين من ذَنَبه، إلى هذه الدرجة الدين صعب؟ هذا كلام العوام .
 فالإنسان بالتدريج: تجده يقع في المعصية دون أن يشعر .

هذا ما لفت نظري في أمريكا :

 لفت نظري لما ذهبت إلى أمريكا، حيث وجدت أن المسلمين الأمور عندهم سهلة، كله محلحل، مع تفلت، كل معصية يقال فيها: ليس فيها شيء، الناس كلهم هكذا، هذه مشكلة .
 وفي الحديث: عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

((بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ, فَاعْتَصَمَ أنَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ, فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ, فَبَلَغَ ذَلِكَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَمَرَهم بِنِصْفِ الْعَقْلِ، وَقَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ, يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, لِمَ؟ قَالَ: لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]

 إذا عاشر الإنسان العصاة والمنحرفين, تتحلحل الأمور عنده، يقتنع بكلامهم، لا تشدّد، الله غفور رحيم، مَن مات ورجع, فذكر ما بعد الموت, هكذا كلام العامة، لا تفرِّق العائلة، نحب أن نجلس مع البعض، وهذه مثل أختي إن شاء الله، وهذا مثل ابني، اختلاط، وتساهل، وتقصير، وعدوان، وإطلاق البصر، والمجيء بالملهيات، والمحطات الفضائية، هذا كله من علامات آخر الزمان .

خاتمة القول :

 أيها الأخوة، هذا الدرس متعلق بالدرسين السابقين، وقفنا أسبوعين أو أكثر, في باب الرجاء، وباب الخوف، أما البطولة: فأن تجمع بين الرجاء والخوف .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018