الخطبة : 0176 - المفاهيم العامة لعبادة الحج - النوم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0176 - المفاهيم العامة لعبادة الحج - النوم .


1987-07-10

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته وإرغاما لمن جحد به و كفر، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و على ذريته و من والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، و لا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما جرت به المقادير إنك على كل شيء قدير.

المراحل الثلاثة التي يمر بها الميت :

 أيها الأخوة الأكارم، مرَّ أحد الصالحين بقوم يبكون على ميتهم فقال لهم: لا تبكوا عليه و إنما ابكوا على أنفسكم، إن هذا الميت مر بثلاث مراحل، لم نمرَّ بها، المرحلة الأولى أنه رأى ملك الموت، ولم نره نحن، و الثانية أنه ذاق مرارة الموت و لم نذقها بعد، و الثالثة أنه أمن الخاتمة، و نحن لا ندري ما خاتمتنا " أن يرى الإنسان ملك الموت، و أن يذوق الموت، وأن يعرف نهايته، هذه المراحل الثلاثة مر هذا الميت، و نحن لم نمر بها بعد، فلذلك لا تبكوا عليه، و لكن ابكوا على أنفسكم " قال أحدهم:

تالله لو عاش الفتى في دهره  ألفا من الأعوام مالك أمره
متلذِّذا بها بكل نفيســـة  متنعما فيها بنعمى عصره
لا يعتريه السقم فيها مـرة  كلا و لا ترد الهموم بباله
ما كان هذا كله في أن يفي  بمبيت أول ليلة في قبره
***

 هذه الليلة أيها الأخوة أصعب الليالي، يقول الله فيها: عبدي رجعوا و تركوك، و في التراب دفنوك، لو بقوا معك ما نفعوك، و لم يبق لك إلا أنا، و أنا الحي الذي لا يموت.

الحج المبرور هو الحج الذي لا يخالطه إثم :

 أيها الأخوة الأكارم، يقول الله تبارك الله و تعالى:

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 96-97]

 أيها الأخوة المؤمنون، عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما رواه عن ربه:

(( إن عبداً أصححت له جسمه، ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم ))

[ الجامع الصغير عن أبي سعيد الخدري]

 و قد سئل عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 و الحج المبرور هو الحج الذي لا يخالطه إثم، و قال الحسن البصري في تعريف الحج المبرور: أن يرجع العبد زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة " أي أن يرجع بشخصية جديدة، أن يرجع إنسانا آخر، أن تكون الدنيا صغيرة في عينيه، و أن تنتقل من قلبه إلى يديه، وأن تكون الآخرة كل همه، منتهى آماله، محط نظره. و قال عليه الصلاة و السلام أيضا مخاطبا عمرو بن العاص رضي الله عنه:

فضائل حج الفريضة كيف تهدم ما كان قبلها :

(( عَنْ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ فَبَكَى طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا قَالَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدْ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ مَا لَكَ يَا عَمْرُو قَالَ قُلْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ قَالَ تَشْتَرِطُ بِمَاذَا قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لِي قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي ))

[مسلم عَنْ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ]

 و قال عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنْ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 و في حديث آخر:

(( جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ))

[النسائي في المناسك]

((وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ]

 وقال عليه الصلاة و السلام:

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ ))

[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

هنيئاً لمؤمن لبى دعوة ربه :

 هذا كله في حج الفريضة، أو بحجة الإسلام أما حجة النفل فللعلماء رأي آخر، العلماء يرون أنه إذا كان عليك واجب لا تقوم به فلا ينبغي أن تحج حجة النفل قبل أن تؤدي واجبك.
 أيها الأخوة المؤمنون، هنيئا لمؤمن لبى دعوة ربه، و سعد بقربه، هنيئا لمؤمن ألقى الدنيا وراء ظهره، وذهب إلى البيت الحرام لينال المغفرة و الرضوان، هنيئا لمؤمن أحرم في الميقات، فنظَّف بدنه و تطيب و تجرد من ثيابه المخيطة، و لبس ثوب الإحرام، هنيئا لمؤمن رفع صوته بالتلبية قائلا: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك، لا شريك لك.

من معاني لبيك أي دوام على طاعتك :

 أيها الأخوة المؤمنون، قال الإمام الزمخشري في معنى التلبية:" لبيك، أي دواما على طاعتك و إقامة عليها، مرة بعد مرة:

((عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ سَمِعْتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَا آلَ مُحَمَّدٍ مَنْ حَجَّ مِنْكُمْ فَلْيُهِلَّ فِي حَجِّهِ أَوْ فِي حَجَّتِهِ ))

[أحمد عن أم سلمة رضي الله عنها]

من حجّ رجع كيوم ولدته أمه :

 و معنى فليهل: أي ليرفع صوته بالتلبية، و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ما أهل مهل قط إلا بُشر، و لا كبَّر مكبر قط إلا بشر، فقيل: يا نبي الله أبالجنة؟ قال: نعم " و على المحرم أن يبالغ في تطبيق هذه الآية الكريمة، قال تعالى:

﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾

[سورة البقرة: 197]

 و قد روى البخاري و مسلم رضي الله عنهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

محظورات الحج :

 من محظورات الإحرام لبس المخيط من الثياب، تقليم الأظافر، إزالة الشعر بالحلق أو القص، التطيب في الثوب أو في البدن، و التعرض للصيد و الأكل منه.

هنيئاً لمؤمن رأى البيت الحرام :

 أيها الأخوة المؤمنون، هنيئا لمؤمن وصل إلى مكة المكرمة التي قال فيها نبيُّنا عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَّةَ مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 هنيئا لمؤمن رأى البيت الحرام فقال في براعة و خشوع: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم و سلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، اللهم صل على محمد وآله وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، اللهم زد هذا البيت تشريفا و تعظيما و تكريما و مهابة و زد من شرَّفه و كرمه ممن حجَّه أو اعتمره تشريفا و تكريما و تعظيما وبِرا، اللهم أنت السلام و منك السلام، فحيِّنا بنا بالسلام.

 

هنيئاً لمؤمن قبَّل الحجر الأسود :

 أيها الأخوة المؤمنون، هنيئا لمؤمن قبَّل الحجر الأسود، من دون صوت، فإن لم يتمكن استلمه بيده، و قبَّله، فإن عجز عن ذلك أشار إليه بيده:

(( عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ ))

[ابن ماجه عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

 قال المهلب: إن الحجر يمين اله في أرضه يصافح بها عباده " و تُكره المزاحمة على الحجر الأسود إذا أدت إلى إيذاء المسلمين، روى الشافعي رضي الله عنه في سننه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لعمر رضي الله عنه: يا أبا حفص إنك رجل قوي فلا تزاحم على الركن، فإنك تؤذي الضعيف و لكن إذا وجدت خلوة فاستلم، و إلا فكبِّر و امض " هنيئا لمؤمن طاف طواف القدوم مضطبعا، أي جاعلا وسط الرداء تحت الإبط الأيمن، و طرفيه على الكتف الأيسر محاذيا الحجر الأسود مقبِّلا له، أو مستلما أو مشيرا، جاعلا البيت عن يساره، قائلا: بسم الله و الله أكبر، اللهم إيمانا بك و تصديقا بكتابك، و وفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك صلى الله عليه و سلم، فإذا أخذ في الطواف استحب له أن يرمل في الأشواط الثلاثة فيسرع في المشي، و يقارب في الخطى، مقتربا من الكعبة، يستحب له أن يكثر من الذكر و الدعاء، فإذا أخذ في الطواف قال: سبحان الله، و الحمد لله و لا إله إلا الله، و الله أكبر، و لا حول و لا قوة إلا بالله، و إذا انتهى إلى الركن اليماني دعا فقلا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار، و يستحب كلما حاذى الحجر الأسود أن يكبر و يقول: اللهم اجعله حجا مبرورا و سعيا مشكورا و ذنبا مغفورا، يقول عند الانتهاء من كل شوط: رب اغفر ارحم واعف عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ويقول بين الركنين: اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة بخير.

استحباب استلام الركنين اليمانيين :


 أيها الأخوة الأكارم، يستحب استلام الركنين اليمانيين لقول ابن عمر رضي الله عنهما:

((عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا قَالَ وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَمَّا الْأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ ))

[البخاري عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ]

 و يسن للطائف صلاة ركعتين بعد كل طواف، عند مقام إبراهيم، أو في مكان ما من المسجد الحرام.
 يستحب الشرب من ماء زمزم، و الدعاء عند الملتزم، فقد روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يلزم ما بين الركن و الباب و كان يقول:

((عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ الْمُلْتَزَمُ ))

[مالك عن عن ابن عباس رضي الله عنهما]

الحج مدرسة تخرِّج العظام من الناس :

 أيها الأخوة المؤمنون، نتابع مناسك الحج في الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى، و لكن لي كلمة؛ الحج من أرقى العبادات، إذا ذهبت إلى الحج و عدت بشخصية أخرى، شخصية تحب الخير، شخصية منضبطة وفق شرع الله، شخصية لا تعصي الله، تتقرب إلى ربها بخدمة خلقه، إذا عدت كذلك كان حجّك مقبولا، و سعيك مشكورا و ذنبك مغفورا، الحج مدرسة، هذه المدرسة تخرِّج العظام من الناس، سيدنا عمر بن عبد العزيز كان من الخلفاء الذين وصفهم المؤرخون بأنه خامس الخلفاء الراشدين، كان يصفه المؤرخون فيقولون: هو خامس الخلفاء الراشدين، قال مرة: من أراد أن يصحبنا فليصحبنا بخمس، أو فليفارقنا، يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، يدلنا على الخير بجهده، يدلنا على ما لا نهتدي به إلى الخير، لا يغتابن عندنا أحدا، لا يعرضن لما لا يعنيه " فكان كتاب السيرة يقولون بعد هذه الشروط: انفض عنه الشعراء و الخطباء، و ثبت معه الزهاد و الفقهاء، و كان هذا الخليفة الراشد يقول: أنا حجيج المسلمين في أموالهم " بعث مرة إلى بعض ولاته فقال: إذا جاءك كتابي هذا فأرقَّ القلم - أي: اكتب بخط صغير - واجمع الخط - توفيرا للورق - واجعل الحوائج الكثيرة في الصفحة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين بفضل قول أضر ببيت مالهم "
 و عديُّ بن أرطأة كان أحد ولاته، كتب إليه فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس كلهم يسلمون، و قد دخلوا في دين الله أفواجا، حتى خشيت أن يقل الخراج - غير المسلمين كانوا يدفعون الجزية، فهذا الوالي خشي بدخول هؤلاء في الإسلام أن يقل الخراج، فأجابه سيدنا عمر إجابة تُكتب بماء الذهب، قال: "و الله لوددت أن الناس كلهم يسلمون حتى نكون أنا و أنت حرَّاثين نأكل من كسب أيدينا، إن الله لم يبعث محمدا جابيا، و لكن بعثه هاديا " أحد أقرباءه اسمه عنبسة طلب منه بعض المال، فقال: يا عنبسة إن يكن مالك الذي عندك حلال فهو كافيك، و إن يكن مالك حراما فلا تضيفن إليه حراما جديدا، أخبرني يا عنبسة، أمحتاج أنت إلى المال؟ قال: لا، أفعليك دين؟ قال: لا، إذًا كيف تطمع في أن أعمد إلى مال الله فأعطيكه من غير حاجة و أدع فثقراء المسلمين، فليكن لك في مالك غناء، و اتق الله، وانظر من أين جمعت، و حاسب نفسك قبل أن يحاسبك أسرع الحاسبين " هذا نموذج من خريجي مدرسة الحج، أيُّ إنسان ذهب إلى الحج سيكون خريجا لهذه المدرسة، مدرسة تخرِّج الأبطال الورعين الزهاد، أصحاب الأعمال الطيبة، المتعففون عن المحارم، المتعففون عن المطامع، هذه العبادة إذا أدت إلى هذه النتيجة فقد حقق الحاج الهدف الذي فُرض من أجله.
 أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، و العاجز من اتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني و الحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العامين، و أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم.

النوم أعظم نعمة أنعم الله بها علينا :

 أيها الأخوة المؤمنون، يقول العلماء: النوم أعظم نعمة أنعم الله بها علينا لاستعادة النشاط بعد التعب، أعظم نعمة أنعم الله بها علينا لاستعادة النشاط بعد التعب، لاستعادة النشاط للأجسام المنهكة، التي أنهكها التعب، يقول اله عز وجل: ومن آياته - الدالة على عظمته:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾

[سورة الروم: 23]

آلية النوم مادة كيميائية :

 أحدث البحوث في موضوع النوم أن الإنسان إذا استيقظ وبدأ بالعمل يُفرز في دمه مادة أو مواد كيميائية بنسب ضئيلة جدا، كلما مر الوقت ارتفعت هذه النسب، فإذا بلغت حدا معينا، هذه النسب التي بلغت حدا معينا في الدم إثر مرور الزمن على بذل الجهد أرسلت أمرا إلى الدماغ، والدماغ بدوره يرسل أمرا عصبيا كهربائيا إلى مراكز النوم في الجسد، مراكز النوم هي العُقد العصبية، العقد العصبية إما أن تتباعد فتقطع السيالة الكهربائية، وهذا هو النوم و إما أن تقترب من بعضها بعضا فتمر السيالة العصبية الكهربائية، آلية النوم مادة كيميائية، أو مجموعة مواد تفرز في بدء اليوم بنسب ضئيلة جدا، كلما مر الوقت ارتفعت هذه النسبة، حتى إذا بلغت حدا معينا أرسل الجسم إلى الدماغ تبليغا عصبيا لاقتراب حالة الإعياء، الدماغ يأمر مراكز النوم بالعمل، تتباعد النهايات العصبية عن بعضها فيحدث النوم، تدبير من؟ تنظيم من؟ خلق من؟ إبداع من؟ كيف تكون حياتنا بلا نوم، لو أن الإنسان سهر ليلتين متتابعتين لاختل كيانه، و لفقد توازنه، فكيف لو حُرم النوم، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾

[سورة الروم: 23]

في الجسم مراكز للنوم الخفيف ومراكز للنوم العميق :

 أيها الأخوة المؤمنون، في الجسم مراكز للنوم الخفيف، ومراكز للنوم العميق، قد تستلقي على فراشك ثماني ساعات، قد نام منها ساعة أو ساعتين نوما عميقا، و الساعات الباقية تنام نوما خفيفا، بمعنى أنك على نوع من الاطلاع، على ما يجري في البيت، نوع من الاطلاع، من تكلم، من دخل، من طرق الباب، من خرج، لكن النومة العميق لا تحس على شيء، من جعل في الجسم مركزا للنوم العميق و مركزا للنوم الخفيف ومركزا لليقظة؟ الطفل أيها الأخوة ينام ثمانية عشر ساعة من أربعة و عشرين، كي ينمو جسمه، والذي يبلغ عمره خمس سنين ينام اثنتي عشرة ساعة، و المراهق ينام تسع ساعات، والبالغ ينام من سبع إلى ثماني ساعات، من نظم النوم؟ من نظم مدته؟ من نظم نوعيته؟ من جعله فترة استجمام وراحة للعضلات و الأجهزة؟ ربُّنا سبحانه و تعالى يقول:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾

[سورة الروم: 23]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، و أكرمنا و لا تهنا، و آثرنا و لا تؤثر علينا، و ارضنا وارض عنا، واقسم لنا من خشيتك مت تحول به بيننا و بين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، و متعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، و اجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، و انصرنا على من عادانا، و لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، و لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين، وانصر الإسلام و أعز المسلمين، و خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنه على ما تشاء قدير، و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018