الخطبة : 0204 - الحياة الدنيا - العين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0204 - الحياة الدنيا - العين.


1988-02-26

الخطبة الأولى :
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد:

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام حدَّثَنا كثيرًا عن الدنيا ، فكُتُب الحديث التي عقدَتْ عن الدنيا بابًا مستقلاًّ كثيرة ، وسيّدنا سعْدُ بن أبي وقّاص رضي الله عنه يقول :
 ثلاثةٌ أنا فيهنّ رجل ، وفيما ذلك فأنا واحدٌ من الناس ، من هذه الثّلاثة ؛ أنِّي ما سمعتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا علمْتُ أنّه حقٌّ من الله تعالى .
 فالنبي عليه الصلاة والسلام يُخبرنا عن الدّنيا ، والمسلمون لهم تصوُّرات ، ولهم أفكارٌ ، ولهم مواقف على خلاف ما قال النبي عليه الصلاة والسلام يجبُ أن يكون المسلمُ واثقًا ، ومتيقِّنًا ، وعالمًا علْم اليقين بأنّ الذي يقوله النبي عليه الصلاة والسلام حقٌّ من الله تعالى ، وأنّه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى .
 فما لهؤلاء الناس يجعلون الدنيا أكبر همّهم ، ومبلغ علمهم ؟
 ما لهؤلاء الناس ينامون على هُموم الدنيا ، ويستيقظون عليها ؟
 ما لهؤلاء الناس يقترفون المعاصي من أجل الدنيا ؟
 ما لهؤلاء الناس تكادُ قلوبهم تتفطّر إذا انْزَوَتْ عنهم الدنيا ، ويكادون يرقصون فرحًا إذا جاءتهم الدنيا ؟
 الفرحُ بِمَجيء الدنيا ، والحُزْن على بُعدها ، وأن تكون أكبر همّ الإنسان ، ومبلغ علمه ؛ هذا خلاف ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام .

أحاديث شريفة تتحدث عن الدنيا.

 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ في هذه الخطبة بعضُ الأحاديث الشريفة التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام في موضوع الدنيا ، فلْيَبْحث كلٌّ منكم عن واقعه !!
 هل نظْرتهُ إلى الدنيا مطابقةٌ لما قال عليه الصلاة والسلام ؟
 إن كانَتْ مطابقةً فأنت مؤمن وربّ الكعبة !!
 وإن كانت النظْرة بعيدةً عن نظرة النبي عليه الصلاة والسلام !!

قال عليه الصلاة والسلام : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه ...................

 فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به ...... ))

 الذي أُريدهُ في هذه الخطبة أن يُجْريَ كلٌّ منكم موازنةً بين تقْيم الدنيا من قِبل النبي عليه الصلاة والسلام ، وبين تقييمها من قبلنا ؟
 هل جاء التَّقْييمان متطابقين ؟ أم جاءَا مختلفين ؟

 

قال عليه الصلاة والسلام : لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ...................

 ففيما رواه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه قال :

(( لو كانتْ الدنيا تعدلُ عند الله تعالى جناحَ بعوضةٍ ما سقى منها الكافر شرْبة ماء ))

[ رواه الترمذي ]

 فهل لك أيّها المؤمن أن تقول لإنسانٍ ما عرفَ الله عز وجل ، وجاءتْهُ الدنيا هنيئًا له ؟!
 هل تتمنّى أن تكون مكانهُ ؟
 ألَمْ يقل بعضُ الأصحاب الكرام أنّه كفاك نصْرًا على عدوّك أنّه في معصيَة الله تعالى .

(( لو كانتْ الدنيا تعدلُ عند الله تعالى جناحَ بعوضةٍ ما سقى منها الكافر شرْبة ماء ))

 إذا قتل أحدنا بعوضةً وقفَتْ على يده بماذا يشعرُ ؟ هل يشعرُ أنّه قتلَ نفسًا لهوانها عند الناس ، بعوضةً .

(( لو كانتْ الدنيا تعدلُ عند الله تعالى جناحَ بعوضةٍ ما سقى منها الكافر شرْبة ماء ))

تقييم الله للدنيا .

 هذا تقييم الله للدنيا ، إنّ الله يُعطي الدنيا لمَن يحبّ ، ويعْطيها لمن لا يحبّ ، وربّما أعطاها لمن لا يحبّ ، قبل أن يُعطيها لمن يحبّ ، فليسَتْ مِقياسًا لرِفْعة الإنسان عند الله تعالى ، قال تعالى :

﴿ الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا ﴾

[ سورة الفجر الآيات : 15-17 ]

الله سبحانه وتعالى يرْدعنا عن أن نظنّ هذا الظنّ .

 قال عليه الصلاة والسلام : والذي نفس محمد بيده للدنيا أهون على الله من هذه
 وفيما رواه الإمام أحمدُ في مسنده أنّ النبي عليه الصلاة والسلام مرَّ مع أصحابه الكرام على شاةٍ ميّتةٍ تفوحُ منها رائحةٌ لا تُحتملُ ، فقال لأصحابه :

(( والذي نفسُ محمّد بيده للدّنيا أهْوَنُ على الله من هذه على أهلها !! ))

 هكذا تقييمُ الدّنيا عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، لا يرتفعُ الإنسان بها ، ولا ينخفضُ بها ، يرتفعُ بِطَاعته لله عز وجل ، وينخفضُ بِمَعصيته لله عز وجل .

 

قال عليه الصلاة والسلام : من جعل الهموم هما واحدا ...................

 وفيما رواه الإمام ابن ماجه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنّه قال :

(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمّاً وَاحِداً ))

 أيُّ همٍّ هذا ؟

(( هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ))

 ما أكثر هموم الدنيا ؟ ما أكثر المقلقات ؟ ما أكثر المحزنات ؟ ما أكثر الأشياء المخيفة في الدنيا ؟

(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمّاً وَاحِداً هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا ))

 هموم كثيرة متشعّبةٌ في أودية الدنيا ، له في هذه الجهة مال ، وفي هذه الجهة مال ، وله طُموح في هذا الموضوع ، وتطلُّع إلى هذا الموضوع ، وقلبهُ مُشعَّبٌ مفتَّتٌ مبعثرٌ بين أودية الدنيا ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ))

 يأتيه الموتُ عاجلاً ، ويأتيه الموتُ فيحرمهُ من كلّ هذه الدنيا التي سعى من أجلها .

 

قال عليه الصلاة والسلام : أن ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما ...................

 وفيما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم :

(( أنْ ما أخذتْ الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذُ المخيط إذا غُمِسَ في مياه البحر ))

[ رواه مسلم ]

 اِمْسِك بإبرة ، أيْ مخيط ، واغْمسْهُ في مياه البحر ، ثمّ ارْجع به ، بماذا يرجعُ هذا المخيط من مياه البحر ؟ ذرّة الماء التي علقَتْ على هذا المخيط هي نسبةُ ما في الدنيا إلى ما في الآخرة ، لذلك حينما يموت المؤمن ينتقلُ من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، كما ينتقل الجنين من ضيق الرّحم إلى سعة الدنيا ، فإذا جاءَتْ الدنيا كما نريد ، وركنَّا إليها ، واستَمْرأْنا الحياة فيها ، ونسينا ذِكْر الله تعالى ، وأحببْناها أشدّ من حُبّنا لله عز وجل ، عندئذٍ لابدّ من أن يأتيَ العِلاج .

 

قال عليه الصلاة والسلام : أوحى الله إلى الدنيا أن تمرري ...................

 لذلك فيما رواه الإمام البيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيما يرويه عن ربّه :

(( أوْحى الله إلى الدنيا أن تمرّري ))

 أي كوني مرَّةً .

(( وتكدَّري ))

 يعني كوني كَدِرةً .

(( وتضيَّقي ))

 أي كوني ضيّقةً .

(( وتشدَّدي ))

 أي كوني شديدةً .

(( على أوليائي فيُحِبُّوا لقائي ))

 من تضيّقَتْ الدنيا عليه ، أو تشدَّدَت ، أو تمرَّرتْ ، أو تكدَّرتْ ، فهذه علامةٌ طيّبة ، وهي أنّ هذا الإنسان قريبٌ من الله عز وجل ، وهو في طَوْر المُعالجة ، إني أوحيْتُ إلى الدنيا أن تمرّري ، وتكدَّري ، وتضيَّقي ، وتشدَّدي على أوليائي فيُحِبُّوا لقائي، فإنّي جعلتها سجنًا لأوليائي ، وجنّة لأعدائي .
 الدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف ، الدنيا دار عمل ، والآخرة دار الأمَل ، الدنيا دار النَّصَب والتَّعَب ، والآخرة دار النعيم المقيم .

 

قال عليه الصلاة والسلام : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ...................

 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ وفيما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه قال :

(( الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر ))

[ رواه مسلم ]

 يُروَى أنّ رجلاً رأى معذَّبًا في الدنيا ، غارقًا في شقائه ، متمزِّقًا ، مسحوقًا وهو بعيدٌ عن الله عز وجل إلى أن يكون كافرًا أقرب ، رأى رجلاً صالحًا يحفّ به إخوانه الطّيّبون ، وعليه سماء النعيم ، فقال : يا هذا ، أيُّ سجْنٍ أنت فيه ؟ وأيّ جنّة أنا فيها ؟ ألَمْ يقل النبي عليه الصلاة والسلام : الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر ، فأيّ سجن أنت فيه ؟ وما يبدو عليك من النعيم ، والعزّ ، وأيُّ جنّة أنا فيها ؟ فقال هذا الرجل الصالح : لو وازنْتَ ما أنت فيه إلى ما ينتظر الكافر من عذاب أليم ، فأنت في جنّة ، ولو قسْتُ ما أنا فيه إلى ما ينتظر المؤمن من نعيم مقيم فأنا في سجن .
 فيما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه قال :

(( الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر ))

[ رواه مسلم ]

 وقد جاء في الشّهاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه من انقطع إلى الدنيا وكلَهُ الله إليها ، ربّما سحقتْهُ الهُموم ، ربّما حطَّمتهُ المتاعب ، ربّما انقطع به الطريق ، ربّما لمْ يقطف من ثِمار الدّنيا ما يشتهي ، من انقطع إلى الدنيا وكلَهُ الله إليها .

 

قال عليه الصلاة والسلام : الدنيا دار من لا دار له ...................

 وفيما رواه الإمام أحمد في مسنده أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول :

(( الدّنيا دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له ))

[ رواه أحمد ]

 من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنّ أكْيَسَكُم أكثركم للموت ذكرًا ، وأحزمكم أشدّكم استعدادًا له ، ألا إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخُلود ، والتزوّد لسُكنى القبور ، والتأهبّ لِيَوم النّشور ))

قال عليه الصلاة والسلام : من أحب دنياه أضر بآخرته ...................

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ فيما رواه الإمام أحمد أيضًا في مسنده أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال :

(( من أحبَّ دُنياه أضرّ بآخرته ))

[ رواه أحمد ]

 أيْ من الْتَفَت إلى الدنيا في المباح منها ، وفي الحلال منها ، وضيَّع وقتهُ الثّمين في تَحصيل المال والدّرهم ، ومن أحبّ دُنياه أضرّ بآخرته ، الآخرة تحتاجُ إلى جُهدٍ كبير ، وإلى وقتٍ طويل ، وإلى معرفةٍ بالله عز وجل ، وإلى مدارسةٍ لكتاب الله تعالى ، وإلى حُضورٍ لِمَجالس العلم ، وإلى تفقّه في أحكام الدِّين ، وإلى عملٍ صالح ، وإلى ذكرٍ لله تعالى ، وإلى قيامٍ في الليل ، هكذا تكون الآخرة ، فمن أمضى وقتهُ في طلبِ المعاش ، في جمْع الدّرْهم والدّينار المباح ، لا أقول المعاصي ، من أمضى وقتهُ في تَحصيل المباح من الدّنيا أضرّ بآخرته ، ومن أحبّ آخرته أضرّ بِدُنياه ، قد تفوتهُ فرصٌ كثيرة ، قد يعتذرُ عن أعمالٍ كثيرة ، يخافُ أن تشغلهُ عن طاعة الله تعالى ، لذلك من أحبّ دُنياه أضرّ بآخرته ، ومن أحبّ آخرته أضرّ بِدُنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى .

 

قال عليه الصلاة والسلام : الدنيا حلوة خضرة ...................

 وفيما رواه الإمام أحمد أيضًا في مسنده أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( الدّنيا حُلوةٌ خضِرَة ، وإنّ الله مُستخلفكم فيها فينظرُ كيف تعملون فاتّقوا الله ، واتّقوا النّساء ))

[ رواه أحمد ]

 هل كانت هذه الزوجة التي راقَتْ لك صارفةً لك عن طاعات الله تعالى ؟ هل حالَتْ بينكَ وبين حُضور مجالس العلم ؟ هل حالَتْ بينك وبين أن تؤدّيَ ما عليك من حُقوق للآخرين ؟ هل كانت هذه الأشياء اللّطيفة في الدنيا شاغلةً لك عن ذكر الله تعالى ؟

(( الدّنيا حُلوةٌ خضِرَة ، وإنّ الله مُستخلفكم فيها فينظرُ كيف تعملون فاتّقوا الله ، واتّقوا النّساء ))

 وجاء في مصابيح السنّة يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول :

(( ما من يومٍ ))

 أيْ أوّل ما يشعر الإنسان أنّه قد اسْتيقظَ صباحَ كلّ يوم ، يجبُ أن يعلمَ علمَ يقين أنّ الله سبحانه وتعالى سمحَ له أن يعيشَ يومًا جديدًا ، فهذه النفسُ في النّوم توفّاها الله عز وجل ، إما أن يتوفّاها توفِّيًا نهائيًا ، وإما أن يرسلها تارةً أخرى ، لذلك هذا اليوم الذي نعيشهُ ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ما من يومٍ ينشقّ فجرُهُ إلا ويُنادي يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد ، وأنا على عملك شهيد ، فتزوَّد منِّي فإنِّي لا أعود إلى يوم القيامة ))

[ ورد بالأثر ]

 سؤال دقيق ؛ هذا اليوم الذي عشتهُ ماذا فعلتَ فيه ؟ إن فعلتَ فيه أشياء تعود عليك بالنِّفْع الدُّنْيَوي فقد ضيَّعْت هذا اليوم ، ما مضى فات ، والمؤمّل غيب ، ولك الساعة التي أنت فيها ، هذا اليوم ماذا فعلتَ فيه من عملٍ يمْتدّ تأثيرهُ إلى الآخرة ؟ أيُّ عملٍ تفعلهُ له تأثير محدود في الدنيا فهو خسارة ما العمل الذي فعلتهُ في هذا اليوم مما يمْتدّ تأثيرهُ إلى الآخرة ، هذا هو الرّبْح فقط ، لذلك كما ورد :

(( ما من يومٍ ينشقّ فجرُهُ إلا ويُنادي يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد ، وأنا على عملك شهيد ، فتزوَّد منِّي فإنِّي لا أعود إلى يوم القيامة ))

[ رواه البغوي ]

قال عليه الصلاة والسلام : اتركوا الدنيا لأهلها...............

 شيءٌ آخر ، فيما رواه الإمام الديلمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه قال :

(( اتْرُكوا الدّنيا لأهلها ))

 لا تقلّد أهل الدّنيا ، دَعْها لهم .

(( والْتَفِتْ لآخرتك ))

 لا تحْلُم بالدّنيا ، لا تجْعلها أكبر همّك ، اُتْركوا الدّنيا لأهلها لا تُحصِّل منها إلا ما يُعينك على طاعة الله تعالى ، لا تجعلْها هدفًا بِذاتها ، ولا تجعلها قبلةً ، لا تجعلها جُلّ همّك ، اتْرُكوا الدّنيا لأهلها فإنّه من أخذ منها فوق ما يكفيه أخذ من حتْفهِ ، وهو لا يدري ، هذه الطّموحات الكبيرة لا يتحمّلها قلبك ، ربّما عُطِبَ القلب لأنّه أخذ منها فوق ما يكفيه ، خُذْ منها ما يكفيك ، وداوِمْ على ذِكْر الله عز وجل .

 

قال عليه الصلاة والسلام : من أشرب حب الدنيا ...................

 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ روى الإمام الطبراني في كبيره عن رسول الله أنّه :

(( من أُشْرب حُبّ الدنيا ))

 من تعلّق بها وأحبّها ، من عشِقها ، من جعلها أكبرَ همّه ، من استيقظ عليها ، ونام عليها .

(( من أُشرب حبّ الدنيا الْتاطَ منها بِثَلاث ))

 ثلاثةُ نتائجٍ حَتميّة لمن أحبّ الدنيا ، ما هذه النتائج ؟

(( شقاءٍ لا ينفذ عناه ))

 مُتْعبٌ وشقيّ ، أعصابهُ متوتّرة ، وقلق ، دائمًا يلعنُ الدنيا يلعنُ من عرّفهُ على فلان أو علاّن ، أو على هذه المصلحة ، أو على هذا العمل دائمًا شقيّ وسَوْداويّ المِزاج ، يائسٌ ، متشائم ، ضيّق القلب ، وضيّق الأفق .

(( إلا التاطَ منها بِثَلاث : شقاء لا ينفذُ عناه ، وحِرْص لا يبلغُ غناه ))

 يحرصُ على الدّرهم والدّينار ، يعيشُ فقيرًا لِيَموت غنيًّا .

(( وأملٍ لا يبلغُ منتهاه ))

 يأتي الموت فيُحطّم كلّ هذه الآمال ، يفكّر أن يعيشَ عشرينَ عامًا قادمة لِيَفعل كذا وكذا ، يُعاجلُه الموت ، ومن طلب الآخرة طلبَتْهُ الدّنيا ، فالدنيا طالبةٌ ومطلوبة ، فمَن طلبَ الدنيا طلبتهُ الآخرة حتى يُدركهُ الموت ، ومن طلب الآخرة طلبتْهُ الدنيا حتى يستوفيَ منها رزقها ، إن طلبْتَ الدنيا طلبتْك الآخرة بالموت ، وإن طلبْتَ الآخرة طلبتْك الدنيا بالرّزق ، اطْمئنّ .

 

قال عليه الصلاة والسلام : لا تسبوا الدنيا فلنعم مطية المؤمن................

 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ ولكنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقيمُ توازنًا دقيقًا في هذا الموضوع ، فيقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الدّيلمي :

(( لا تسُبّوا الدنيا فلنِعمَ مَطِيّة المؤمن ، عليها يبلغُ الخير ، وعليها ينْجو من الشرّ ))

 أنت بالدّنيا تعرف الله عز وجل ، وبالمال تتقرّب إليه ، وبالجاه تُعين الضّعيف ، وبالليل الطويل تصلّي قيام الليل ، وبالصّحة تعبدُ الله عز وجل ، وبالغنى تتصدّق .

(( لا تسبُّوا الدّنيا ، فلنِعمَ مَطِيّة المؤمن ، عليها يبلغُ الخير ، وعليها ينْجو من الشرّ ))

 ومن زُوِيَتْ عنه الدنيا لا ينبغي له أن يحْزن لا ينبغي له أن يشعر بالهوان ، لا ينبغي له أن يشعر بالحِرمان ، لا والله .

 

قال عليه الصلاة والسلام : إن الله عز وجل ليحمي عبده المؤمن ...................

 يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحاكم :

(( إنّ الله عز وجل ليَحْمي عبدهُ المؤمن من الدّنيا وهو يحبّه ، كما تحمون مريضكم من الطعام والشّراب ))

[ رواه الحاكم ]

 تحمون مريضكم من الطّعام والشّراب خوفًا عليه ، إن لم تأت كما تريد فلا تحْزَن ، إنّها محْضُ المحبّة ، إن لم تحصّل هذا الذي طَمِحْت إليه لا تقلق إنّها محضُ محبّة ، إنّ من عبادي من لا يصلُحُ له إلا الغنى ، فإذا أفقرْتهُ أفْسدتُ عليه دينهُ ، وإنّ من عبادي من لا يصلحُ له إلا الفقر فإذا أغْنيتهُ أفسدتُ عليه دينهُ .

(( إنّ الله عز وجل ليَحْمي عبدهُ المؤمن من الدّنيا وهو يحبّه ، كما تحمون مريضكم من الطعام والشّراب ))

[ رواه الحاكم ]

 لكنّ أنْدَمَ الناس ، وأشقى الناس وأحمقهم ، وأغباهم من باعَ آخرتهُ لا بِدُنياه ولكن بِدُنيا غيره ، اكتسبَ سخط الله عز وجل ، واكتسبَ معصية الله عز وجل ، وباءَ بغضبٍ من الله تعالى لِيَنفعَ زيدًا أو عُبيدًا ، وهو محرومٌ من الدنيا ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الطبراني :

(( إنّ مِن أشدّ الناس منزلةً عند الله يوم القيامة عبدٌ أذْهبَ آخرتهُ بِدُنيا غيره ))

[ رواه الطبراني ]

 لو أنّه أذهبها بِدُنياه كان خاسرًا ، ولكنّه إذا أذهبها بِدُنيا غيره كان أشدّ خسارةً ، هذه الأحاديث أيّها الإخوة لا تعني أن يقعدَ الإنسان ، وأن لا يعمل .

 

قال عليه الصلاة والسلام : أصلحوا دنياكم ...................

 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( أصلحوا دُنياكم ، واعملوا لآخرتكم ))

 القِبلة هي الآخرة ، لا تجعل الدّنيا قِبلةً لك ، لا تجعلها همًّا ، ولكن أصْلح دُنياك ، حسِّنْ وضْعَكَ ، اعْتني بِأُسْرتك ، واضْبِط أُمورك ، ارْعَ حُقوق الآخرين ليس معنى الزّهد في الدنيا أن تدعها وشأنها ، وأن تقوم فيها كما أمر الله عز وجل ، وأن تُعطيَ كلّ ذي حقٍّ حقّه ، أن تعطيَ نفسك حقّها ، هذا الحديث أيّها الإخوة المؤمنون يقيم التوازن بين الدنيا والآخرة .

(( أصْلحوا دُنياكم ، واعملوا لآخرتكم ))

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( ليس بِخيركم من ترك دُنياه لآخرته إلا أن يتزوّد منهما معًا ، فإنّ الأولى مَطِيّة للثانية ))

 هذا تقييم النبي عليه الصلاة والسلام ، وما ينطقُ عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى .
 هذه حقيقة الدنيا هذا حجمُ الدّنيا الحقيقيّ ، هذه مكانتها عند الله عز وجل ، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فينبغي لنا أن نعلم كيف نقيّمها نحن ؟ هل نقيّمها أكبر من حجمها ؟ نحن إذًا ضالّون ، أم نقيّمها بالحجم الذي أراده الله عز وجل فنحن إذًا مهتدون ؟
 ما أردتُ من هذه الخطبة إلا أن نوازِنَ جميعًا بين ما نتصوّرهُ عن الدّنيا ، وبين حقيقتها كما قال عليه الصلاة والسلام .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

قال تعالى : ألم نجعل له عينين .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم مخاطبًا هذا الإنسان الغافل :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْن ﴾

[ سورة البلد الآية : 8]

 في بعض البحوث المتعلّقة بالعيْن شيءٌ لا يُصدّق ، فالعين كما تعلمون لها قرنيّة ، ولها قزحيّة ، ولها أخلاط شفافة من خلْطٍ زُجاجي ، إلى خلْط مائيّ ، إلى جسمٍ بلّوريّ ، إلى أجسامٍ وعضلات .

 

شبكية العين .

 نريد في هذه الخطبة الحديث عن نقطةٍ صفراء في قعر العين تسمّى الشبكيّة ، عليها تنطبع الأخيِلَةُ والصّوَر ، هذه الشبكيّة حجمها صغيرٌ صغير ، ومع أنّ حجمها صغير فهي مؤلّفة من عشرة طبقاتٍ ، الذي أحصى هذه العصيّات نال جائزة نوبل ، مئة وثلاثون مليون عُصيّة ، هذه العصيّات لاستقبال اللّون الأبيض والأسْود مع درجات الاختلاف بينها .
 وكَثرة هذه العصيّات من أجل دقّة الصورة ، فالعين المجرّد لها دقّة تفوق حدّ الخيال ، ومع هذه العصيّات المئة والثلاثين مليون لاستقبال الألوان فأنت ترى الأبيض والأسود ، وترى الألوان ، والعين المجرّد تستطيعُ أن تميّز بين لونين من تدريجٍ يزيدُ عن ثمان مئة ألف درجة ، والأغربُ من ذلك أنّ آلية انتقال الصورة هي آليّة كهربائيّة ، فهناك تيار كهربائي لا تزيدُ شدّتهُ عن مئة إلى مئتين ميكرو فولط ، وهو واحد من مليون فولط ، شدّة هذا التيار من مئة إلى مئتي ميكرو فولط ، كيف يكون هذا التيار ؟ قال : إنّ الضّوء الداخل إلى قزحيّة العين ينْصبّ على الشبكيّة ، أو على هذه العصيّات والمخاريط ، إذا انصبّ عليها الضّوء شحبتْ ، فحين تشْحب تتفكّك ذراتها الكيميائيّة إلى مركبات كيميائيّة متعدّدة ، ويتولّد من هذا التفاعل الكيماوي تيارٌ كهربائيّ متفاوت الشدّة ، هذا التيار ينتقل عبْر الألياف العصبيّة إلى الجزء الخلفيّ من الدّماغ فتتكوّن الصورة ، فما هي الصورة إذًا ؟ تيارٌ كهربائي متفاوتُ الشدّة يتألّف من تفاعل كيميائيّ بين الضّوء وبين هذه الخلايا ؛ العصيّات والمخاريط ، شيءٌ لا يصدّق ، أنّ الضّوء إذا وقع على الشبكيّة نشأ تفاعل كيماوي ، ونشأ من هذا التفاعل تيار كهربائي ، وسار هذا التيار المتفاوت في الشدّة إلى الدّماغ فكانت الصورة ، قال تعالى :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

[ سورة البلد الآيات : 8-10]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إذا أمْضيْتُم جزءً من وقتكم في التفكّر في السماوات والأرض ، أو في التفكّر في أنفسكم فأنت والله تحثّون السّير إلى الله عز وجل ، كأنّ الكون بما فيه من آياتٍ دالةٍ على عظمة الله ، وكأنّ الإنسان بما انطوى عليه من آياتٍ دالةٍ على عظمته ، نافذةٌ عريضةٌ ترى من خلالها عظمة الله عز وجل ، من هنا قال الله عز وجل :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران الآيات : 190-191]

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت ، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت ، نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018