الخطبة : 0202 - الإخلاص - الكبد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0202 - الإخلاص - الكبد.


1988-02-12

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر .
 اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الإنسانُ حينما يعمل في الحياة الدنيا ، إنما تسوقه إلى هذا العمل بواعث ، دوافع ، إنما يسوقه إلى هذا العمل أهداف ، إنما يَحْمِلُهُ على تحمّل المشاق حاجات .
 هذه البواعث أيها الإخوة المؤمنون كثيرةٌ ومتباينة ، كل عملٍ يعمله الإنسان وراءه باعث ، كل تصرُّفٍ ، كل موقفٍ ، كل حركةٍ ، كل سكنةٍ ، كل نطقٍ ، كل تكلُّمٍ ، إن أعمال الإنسان لابدَّ من أن تكون وراءها بواعث متعددة ، متباينة ، متنوّعة .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ هناك بواعث ظاهرةٌ للعيان ، وهناك بواعث خافيةٌ حتى على صاحِبها ، قد يعمل الإنسان عملاً ولا يدري أن هناك باعثاً عميقاً يحرّكه ، وقد يعمل عملاً والباعث الذي يحرّكه واضحٌ له وللناس .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ العلماء ـ علماء النفس ـ بحثوا في هذه البواعث ، إنها قبل كل شيء حُبُّ الذات ، إنها حب السلامة ، إنها الحِرْص على المال ، إنها المَيْل إلى الفخر ، إنها التطلُّع إلى الظهور ، هذه البواعث الغريزية .
 والإسلام يا إخوة الإيمان رفض هذه البواعث ، ومَحَّصها ، وبيَّن المشروع منها وغير المشروع ، فقد ينطلِق الإنسان إلى عملٍ بباعثٍ أَقَرَّه الإسلام ، فيكون هذا العمل صالحاً ، وقد ينطلق الإنســان إلى عملٍ بباعثٍ حَقَّره الدين ، فيكون هذا العمل طالحـاً ، لذلك موضـوع الخطبـة اليـوم :

الإخلاص .

 والإخلاص هو سرُّ الدين ، الله سبحانه وتعالى يقول ، يأمرنا :

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 2 ]

 العبادة مِن الظاهر ، والإخلاص مِن الداخل ، مثلٌ يوضح هذه الفكرة :
 قد تجد في الطريق نقوداً ؛ فَتَلْتَقطُها ، قد تلتقطها ونيّتك أن تبحث عن صاحبها ، فهو عملٌ صالح ، وقد تلتقطها وفي نيتك أن تأخذها ، فهو عملٌ سيئ ، صورة العمل واحدة .
 قد تبشُّ في وجه إنسان ، وفي نيّتك أن تورِّطه ، فهذا عملٌ سيّء ، وقد تعنِّف إنساناً آخر وفي نيَّتك أن تحذِّره ، فهذا عملٌ صالح .
 لذلك الشيء الثابت هو أن قيمة العمل تتحدد مِن باعثه ، قيمة العمل ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

[ سورة الفرقان الآية : 23 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( إِنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ........... ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ]

 لك النية فقط ، وإنما الأعمال بالنيات ؛ أي تقيَّم الأعمال بنياتها فقط ، على سبيل القَصْر والحَصْر .

(( وإنما لكل امرئ ما نوى . فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله ، فهجرته إِلى الله ورسوله . ومن كانت هجرته إِلى دنيا يُصِيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إِلى ما هاجر إِليه ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ]

 آلاف الأشخاص ، بل مئات الألوف ينتقلون يومياً مِن مكة إلى المدينة ، أكلهم مهاجرون ؟ إن الذي انتقل مِن مكة إلى المدينة بباعث الفِرار بدينه مِن الفِتْنة ، ونصرة الحق في المدينة هذا هو المهاجر . فلذلك حديثٌ متواترٌ خطيرٌ يعدّ من أصل الدين :

((إِنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى . فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله ، فهجرته إِلى الله ورسوله . ومن كانت هجرته إِلى دنيا يُصِيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إِلى ما هاجر إِليه ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ]

قيمة العمل في الإخلاص .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ القرآن الكريم أشار في بعض آياته إلى أنّ قيمة العمل في الإخلاص ، فقال تعالى متحدِّثاً عن أولئك المُخْلصين :

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان الآية : 9 ]

 في آيةٍ أخرى يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ﴾

[ سورة الليل الآية : 18 ]

 يتزكَّى بإيتاء هذا المال ..

﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 19-21 ]

 فحينما تنفق المال بنية التقرُّب إلى الله عزَّ وجل ، مِن هنا قيمة العمل ، أما إذا أنْفق المال رياءً ، وحباً للظهور ، وابتغاء كسب مرضاة الناس فإن هذا العمل يسقط في ميزان الحساب ، بل إن صاحبه يسقُط مِن عَيْن الله ، ولأن يسقط الإنسان مِن السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه خيرٌ له مِن أن يسقط مِن عين الله .

 

المباحات :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ شيءٌ عجيب ‍؛ الإعمال المباحة ، والمباح في حكم الفقهاء ؛ ما لم نؤمر به ، وما لم ننه عنه ، يستوي فيه الأمر والنهي ، لا ثواب في فعله ولا عقاب على تركه ، والأصل في الأشياء الإباحة .
 المباحات أيها الإخوة إذا فعلها الإنسان يبتغي بها وجه الله عزَّ وجل ، انقلبت إلى أعمالٍ صالحة ، بل انقلبت إلى عباداتٍ مُتَقَبَّلة، وإليكم الأدلَّة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( ما من مُسلم يَغْرِسُ غَرْسا ، أو يَزْرَعُ زَرْعا ، فيأكلَ منه طَير ، أو إنسان ، أو بَهِيمة ، إلا كان له به صدقة ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ]

 إذا غرست غرساً ، وغرس الأشجار مباح ، ولكنك نويت بهذا الغرس أن يَطْعَمَ منها إنسان ، أن يطعم منها الطير ، أن تكون ظلاً للإنسان ، أن تكون ذات فائدةٍ للناس ، إذا غرست غرساً بهذه النية انقلب غرس الأشجار طاعةً متقبَّلة وعملاً صالحاً ، عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه :
 قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة ))

[ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ]

 إذا تناولت الطعام وفي نيَّتك أن تتقوى به على طاعة الله ، إذا آويت إلى الفراش وفي نيتك أن تستيقظ نشيطاً على صلاة الفجر ، إذا آويت إلى الفراش بعد الطعام ، بعد طعام القيلولة ، ونويت بها أن تستعين بها على قيام الليل ، انقلب هذا النوم عملاً صالحاً ، بل عبادةً متقبلة ..

(( ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة ، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة ، وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة ، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة ))

[ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ]

(( إنما الأعمال بالنيات ... ))

 بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيما رواه البخاري ومسلم، وهو يخاطب سيدنا سعد بن أبي وقاص :

(( إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها ، حتى ما تجعله في فيّ امرأتك ))

 فأغلب الظن أن الإنسان إذا أطعم زوجته فهو يبتغي أن يُؤْنسها ، أو أن يتألَّف قلبها ، أما إذا نوى بهذا الإطعام أن يقربها إلى الله عزَّ وجل ، فقد جُعل هذا الإطعام عملاً صالحاً في نظر الدين .
 يا أيها الإخوة المؤمنين ؛ شيءٌ آخر :
 الأعمال المباحة بنوايا طيبة تنقلب إلى عباداتٍ متقبَّلة .
 الآن العبادات الخالصة بنوايا خبيثة ، تنقلب إلى أعمالٍ سيئة يحاسب عليها الإنسان .
 هل في الدين مثل الصلاة ؟! ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴾

[ سورة الماعون الآيات : 4-6 ]

 بهذه الصلاة ..

﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾

[ سورة الماعون الآية :7]

 ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام :

(( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه وابن خزيمة في صحيحه ]

 ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام :

(( ورب قائم حظه من قيامه السهر ))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه وابن خزيمة في صحيحه ]

 صائمٌ ولا أجر له ، مصلٍ ولا أجر له ، يا الله ‍! العبادات الخالصة إذا رافقتها نوايا خبيثة تنقلب إلى أعمالٍ سيّئة ، إلى أعمال يستحقّ الإنسان عليها العقاب ، وإلا فلا شأنَ لها ، ولا قيمة لها ، ولا وزن لها ، وهذا هو إحباط العمل .

 

النية :

 والأعمال المباحة التي يستوي فيها الأمر والنهي ، والتي هي في الأصل لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها ، إذا نويت بها التقرُّب إلى الله عزَّ وجل ، أو نويت بها التقوي على طاعة الله عزَّ وجل ، انقلبت هذه إلى أعمالٍ صالحة ، هذا الذي أريد أن أؤكده في هذه الخطبة ..

(( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرءٍ ما نوى... ))

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كلكم يعْلَم من السيرة النبوية المطهرة أنه في غزوة العسرة جاء مؤمنون إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، يعرضون أنفسهم للجهاد ، يضعون أرواحهم على أكُفِّهم ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يجد ما يحملهم عليه ، ردَّهم ، وتولوا وأعينهم تفيض من الدمع ، ردَّهم ، فنزل قوله تعالى :

﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 92 ]

 ماذا قال عنهم النبي عليه الصلاة والسلام ؟ ما نيتهم هؤلاء ؟ نيتهم الجهاد في سبيل الله ، وضعوا أرواحهم على أكفهم ، جاؤوا يعرضون أنفسهم على النبي ، نحن معك أيها النبي ، نحن نريد أن نقاتل معك ، ولكن الرواحل محدودة ، قال عليه الصلاة والسلام وهو في هذه الغزوة ـ غزوة العسرة ـ قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنَّ قوْما خَلْفنَا بالمدينةِ ))

 يقصد هؤلاء ـ

(( مَا سَلَكنْا شِعْبا ، ولا وَادِيا إلا وهم معنا ، حَبَسَهُم الْعُذْر ))

[ رواه البخاري ]

 إذاً النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن لنا أن هؤلاء الذين أرادوا أن يجاهدوا في سبيل الله ، ولم تَسْمح لهم الإمكانات ، ولم تسمح لهم الظروف ، هؤلاء عُدّوا عند الله مجاهدين ، بل إنهم معنا في كل شعبٍ ، وفي كل وادٍ ، وفي كل منحنىً إنهم معنا ، إنما حبسهم العذر .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إنفاق المال ، هل هناك مِن شك في أن إنفاق المال هو من صُلْب الدين ، وهو عملٌ طيب ، وهو عملٌ صالح ، وقد أثنى الله على المُنْفِق ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أنفق بلالُ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

 وقد جاء في الحديث القدسي :

(( عبدي أنفق أنفق عليك ))

[ الجامع لأحكام القرآن عن أبي هريرة ]

 والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ]

[ سورة التوبة الآية : 103 ]

 إنفاق المال نفسه ، إنفاق المال يغدو إذا رافقته نوايا خبيثة إلى عملٍ سيّء ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 264 ]

 هذا القلب الذي أقْفَرَ مِن نيةٍ صالحة ، لن يتقبَّل العمل مِنْه ، كهذا الحجر الذي كسي بالتراب الظاهري لن يُنْبِت النَبْت .

 

الإخلاص هو روح الدين وجوهره .

 فيا أيها الإخوة المؤمنون ؛ موضوع الإخلاص خطيرٌ خطير ، موضوع الإخلاص هو روح الدين ، هو جوهر الدين ، مِن هنا قال عليه الصلاة والسلام يا معاذ :

(( اخلص دينك يكفك العمل القليل ))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 إن بعض العلماء رأى في تفاوت الأجور التي رُصِدَت للحسنات ؛ مِن عشر أمثال إلى سبعمئة ضعف ، تتراوح الأجور ـ أجور الأعمال الصالحة ـ مِن عشر حسناتٍ إلى سبعمئة حسنة ، ما الذي يحرِّك هذا الرقم ؟ ما الذي يُرَجِّح الرقم الكبير على الصغير ؟ قال بعض العلماء : إنه يعود إلى سرِّ الإخلاص ، كلَّما ارتفع مستوى الإخلاص ارتفع مستوى الأجر ، روى الإمام مسلمٌ في صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال :

(( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ))

 القلب بيت الرب ، جاء في بعض الأحاديث القدسية :

(( أن عبدي طهَّرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ))

 القلب بيت الرب ، وقد روى البَيْهَقِيّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه :

(( إذا كان يوم القيامة جيء بالدنيا فيميز منها ما كان لله ، وما كان لغير الله رمي به في نار جهنم ))

 كل عملٍ في الدنيا ولو كان له مظهرٌ طيب ، كل عملٍ في الدنيا ولو كان له طبيعةٌ صالحة ، إن هذا العمل إن لم يبتغَ به وجه الله عزَّ وجل رُمِيَ في النار ، ولا يبقى مِن الدنيا إلا ما أريد به وجه الله سبحانه وتعالى ، وقد روى ابن ماجه أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه :

(( من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له ، وأقام الصلاة ، وآتى الزكاة فارقها والله عنه راضٍ ))

 لذلك سيدنا عمر قال : تعاهد قلبك . انظر إلى قلبك ؛ حينما تتكلم ماذا تبتغي من كلامك ؟ حينما تذهب إلى فلان ، حينما تدعو فلاناً، حينما تغضب ، حينما ترضى ، حينما تفعل ، حينما تترك ، حينما تبتسم، حينما تقطِّب ، ماذا تبتغي ؟ أتبتغي وجه الله ؟ أتبتغي أن يرضى الله عنك ؟ هنيئاً لك . أما إذا ابتغى الإنسان الدنيا وابتغى حظوظه فقد حبط عمله .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ روي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما ، أنه كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فآتاه رجلٌ فسلَّم عليه ، ثم جلس ، فقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : يا فلان ما لي أراك كئيباً حزين ؟ قال : يا ابن عم رسول الله لفلانٍ عليَّ حقٌ ـ يعني دين ـ وحُرْمَة صاحب هذا القبر ـ يقصد قبر رسول الله ـ وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر على أدائه ، فلهذا تجدني حزيناً كئيباً ، فقال ابن عباس : أتحب أن أكلمه فيك ؟ قال : إن أحببت . فقام ابن عباسٍ رضي الله عنه ـ هو معتكف ـ فقام ابن عباسٍ فانتعل نعله ، ثم خرج مِن المسجد . فقال له رجل : أنسيت أنك معتكف ؟ أنسيت ما كنت فيه ؟ قال : لا . ولكنني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب ، ودمعت عيناه ، وهو يقول :

(( من مشى في حاجة أخيه كان خيراً له من اعتكافه عشر سنين ، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله، جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق كل خندق أبعد مما بين الخافقين ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ]

 في حديثٍ آخر يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لأن أعين أخي مؤمنٍ في حاجته خيرٌ لي من صيامٍ شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 هذا هو العمل الطيب ، نيّة هذا الصحابيّ الجليل ، نية هذا الصحابي ابن عم رسول الله أن يفرِّج كرب هذا الإنسان ، رفعت هذا الخروج من المسجد ـ كان معتكفاً ، كان في عبادة ـ رفعت هذا العمل وجعلته فوق الاعتكاف . النيّة وحدها ، من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه ، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه .
 النبي يُقْسِم ، لماذا يقسم النبي عليه الصلاة والسلام ؟

(( لأن أعين أخي مؤمنٍ في حاجته خيرٌ لي من صيامٍ شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 صيامٌ من رسول الله واعتكافٌ منه ، فهذا ابن عم رسول الله عليه أتم الصلاة والسلام ، وعليه رضوان الله ، هذا ابن عم رسول الله يرى أن الخروج مِن المسجد ، وقطع الاعتكاف ، أعظم عند الله لأن النية التي رافقت هذا العمل هي نيةٌ خالصةٌ لوجه الله .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .
 كل مخلوقٍ يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت . الليل مهما طال فلابدَّ من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلابدَّ من نزول القبر .
 كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آيةٍ حدباء محمول
 فـإذا حملت إلى القبور جـنازةً فاعلم بأنك بعـدها محمـولُ

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم، اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الكبد :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في الخطبة الثانية ، نتحدّث بتوفيق الله عن بعض الآيات الدالة على عظمته ، ففي أحشاء كلٍ منا كبد، والكبد كما تعلمون أكبر أعضاء البدن الداخلية ، يزن هذا الكبد أكثر من ألف وخمسئة غرام ، وهو مؤلفٌ مِن ثلاثمئة مليار خليّة ، وقد أحصى العلماء حتى الآن ، أن له أكثر مِن خمسين وظيفة ، والشيء الذي لا يصدَّق ، أن كل خليةٍ على حده تعمل كلَّ هذه الوظائف ، بحيث لو تَشَمَّع أربعة أخماس الكبد ، لبقي الإنسان على قَيْد الحياة.
 الأغرب من ذلك ، أن الله سبحانه وتعالى ، جهَّز الكبد بطاقةٍ عجيبةٍ على ترميم ذاته ، فإنه إذا استؤصل أربعة أخماس الكبد ، جدد الكبد حجمه الكُلِّي في أربعة أشهر ، في ستة عشر أسبوعاً ، لذلك قالوا : نمو الخلايا الكبدية أسرع نمواً من خلايا الجنين ، أي أن أسرع خلية في الانقسام هي خلايا الكبد ، لأنه خطيرٌ جداً ، لو تعطَّل الكبد عن وظائفه ، مات الإنسان بعد ثلاثة ساعات فقط ، لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دون كبد أكثر من ثلاث ساعات .
 ما وظائفه ؟ بعض وظائفه التي يمكن أن تلقى مِن على هذا المنبر ؛ إنه مستودعٌ للأغذية في الدرجة الأولى ، ولكنه مستودعٌ فيه أعمالٌ في منتهى الذكاء ، إنه لا يخزن السُكَّر كما هو ، فيستهلك حجماً كبيراً ، إنه يُحَلِّله إلى عوامله الأولى ، فيطرح منه الماء ، ويخزِّنه بلا ماء ، فإذا احتاج الإنسان إلى السكّر أعاد تركيبه ، وجعله صالحاً للاستهلاك ، ثم طرحه في الجسم ، مِن أجل أن يستغل هذا المخزن أعلى استغلال ، تخزَّن فيه المواد الغذائية بحالاتها الأولية ، وهذه الحالات الأولية لا تصلُح للاستهلاك ، إلا إذا أعاد الكبد تحليلها ، وتركيبها ، وجعلها صالحةً للاستهلاك .
 الوظيفة الثانية : أن هذا الكبد يُفْرِز هرمونات ، خطيرة جداً في حياة الإنسان ، هناك هرمون يفرزه في الدم ، سماه العلماء هرمون التجلُّط .
 وهرمون آخر ، هرمون التميُّع ، من توازن هذين الهرمونين، ترى الدم بهذه الحالة الطبيعية الجيدة ، لو قصَّر هرمون التجلُّط ، لنزف دم الإنسان كله من جرحٍ بسيط ، ولو قصَّر هرمون التميُّع ، لأصبح الدم كالوحل في الشرايين ، ومات الإنسان فوراً ، إنهما هرمونان متكاملان ، وهرمون التجلُّط ، وهرمون التميُّع ، إنهما من إفراز الكبد .
 شيءٌ آخر : الكبد مصنعٌ للكريات الحمراء قبل الولادة ، فإذا ولِدَ الجنين ، وأصبح من أهل الدنيا ، توقَّف هذا المصنع ، وعملت مصانع أخرى ، وهي نقي العظام ، على توليد الكريات الحمراء . فإذا أصاب الإنسان عطبٌ خطير ، كان الكبد ، مصنعاً احتياطياً يُصَنِّع الكريات الحمراء عند الضرورة ، إذاً مصنعٌ قبل الولادة ، ومصنعٌ حين الأخطار .
 شيءٌ آخر : الكبد موكَّلٌ بتخليص الجسم من الكائنات الخطيرة من الجراثيم ، وله في هذا طرائق عدّة ؛ إما أن يحاصر الجرثوم ويقضي عليه، وهذه أول طريقةٌ له ، وإما أن يحاصر الجرثوم فيُعَطِّل مفعوله السام، وإما أن يقيِّده ويذهب به إلى الصفراء ، ومن الصفراء يلقى به إلى خارج الجسم عن طريق الجهاز الهضمي ، إما أن يبيد ، وإما أن يقيِّد ، وإما أن يطرُد ، وهذه أساليبه أيضاً .
 وهو مصنعٌ لعددٍ كبيرٍ من الهرمونات ، المتعلّقة بالضغط ، وبتوسيع الشرايين ، وبأعمال الكليتين .
 والشيء الذي يلفت النظر ، أن الكبد يتشمَّع بفعل الخمور ، فالقرآن الكريم حينما حرَّم علينا شرب الخمر ، حرَّمه لأنه يؤذي أكبادنا، وكم من حالاتٍ لا تعدُّ ولا تحصى ، تلف فيها الكبد وتشمَّع بفعل تناول الكحول .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ إذا كان هذا الكبد يعمل ، من خمسٍ إلى خمسين وظيفة ، التي عرفت حتى الآن ، وأن كل خلية منه تؤدِّي كل هذه الوظائف ، حفاظاً على حياة الإنسان ، وأنه مستودعٌ ذكي ، ومخبرٌ تحليلي ، ومصنعٌ دقيق ، ويقوم بوظائف لا حصر لها ، هذا الكبد يعمل بصمت ، مِن دون ضجيج ، هل فكرنا فيه ؟ هل فكرنا في هذا العضو الخطير ؟ قد نجده عند القصّاب ، نقول له : زن لنا من هذا نصف كيلو غرام ، هل تعلَم ، أن هذا العضو الذي أمامك ، إنما هو أخطر عضوٍ في الإنسان ؟ .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 21 ]

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

[ سورة عبس الآية : 24 ]

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

[ سورة الطارق الآية : 5 ]

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس الآية : 101 ]

 باب التفكر في آيات الله ، بابٌ واسعٌ من أبواب معرفة الله .

 

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا .
 واقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا ، وانصرنا على مَن عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مَبلغ علمنا ، ولا تسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا مولانا رب العالمين .
 اللهمَّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهمَّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهمَّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين .
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين .
 اللهمَّ انصر أهلنا في الأرض المحتلة ، انصرهم على أعدائك وأعدائهم يا قوي يا متين .
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر مَن نصر الإسلام والمسلمين ، واخذل مَن خذلهم يا رب العالمين .
 اللهم وفِّق ولاة الأمور في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى يا رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018