موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 305 - النطق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1موضوعات علمية من الخطب
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 305 - النطق.


1995-05-12

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

بم شرف الله الإنسان عن بقية مخلوقاته, ولماذا قدم الله تعليم القرآن على الإنسان ؟

 أيها الأخوة الكرام, الموضوع العلمي هو أن النطق أشرف ما خصَّ الله به الإنسان، بل إن النطق هو الصورة المعقولة للإنسان، لقد ميزَّ الله الإنسان بالعقل، والعقل لا يرى بالعين ، ولكنه يدرك حينما يتكلم الإنسان، فالكلام هو الصورة المعقولة للإنسان، قال الله تعالى:

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

[سورة الرحمن الآية: 1-4]

 لا شكَّ أنكم تعلمون, لماذا قدم الله تعليم القرآن على خلق الإنسان؟ قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان لأنَّ هذا التقديم تقديم رتبي، فالإنسان لا معنى لوجوده من دون منهجٍ يسير عليه، ولذا أتبع الله سبحانه وتعالى ذلك, بقوله: (علمه البيان) .
 جاءت جملة (علمه البيان) تفسيرية، أي إن أخص خصيصةٍ لهذا الإنسان التي تميزه عن بقية المخلوقات أنه علمه البيان، ولعل الله سبحانه وتعالى علمه البيان من أجل أن يعرفه، وعلمه البيان من أجل أن يعرِّف الناس به .

ما هي خصائص اللغة كما بينها العلماء :

1- اللغة هي صلة الوصل بين الإنسان وواقعه :

 أيها الأخوة, قال العلماء: باللغة يستطيع الإنسان تجريد الوجود المادي, لو قلت: كلمة شجرة هذا مفهوم، مفهوم الشجرة، لو قلت: حيوان، لو قلت: إنسان، لو قلت: حرية، هذه الكلمات تجريدٌ للواقع, فباللغة يستطيع الإنسان أن يجرد الواقع، وباللغة يستطيع الإنسان أن يحقق الوعي به، يجرده ويعيه، وباللغة يفهم ويفَّهم، يعبِّر عما في نفسه، ويفهم ما في نفس الآخرين .

2- اللغة هي صلة الوصل بين أفراد النوع :

 اللغة كما قال العلماء: صلةٌ راقيةٌ جداً بين أفراد النوع، هناك اتصالٌ عضلي، وهناك اتصالٌ لغوي، فإذا أردت أن تخرج إنساناً من دون لغةٍ عليك أن تدفعه بيديك، أما إذا قلت له: اخرج، فخرج, هذا اتصال، ولكنه من أرقى أنواع الاتصال .

3- اللغة هي الأداة التي يفكر بها الإنسان :

 اللغة كما قال العلماء: أداة التفكير، فنحن نفكر باللغة، وقد ورد في بعض الأحاديث، أن اللغة قوام الانتماء لهذه الأمة: ليست العربية بأحدكم من أمٍ أو أب، ولكن من تكلم العربية فهو عربي .
 إذا أحببت هذه اللغة، وتكلمت بها، وفكرت فيها، انتقل إليك ما فيها من تراث ....
 أيها الأخوة الكرام, باللغة المكتوبة ينتقل العلم إلى أماكن بعيدة، باللغة المكتوبة ينتقل العلم من جيلٍ إلى جيل، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة, قوله تعالى:

﴿عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

[سورة الرحمن الآية: 2-4]

 أو قوله تعالى:

﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

[سورة العلق الآية: 3-5]

4- اللغة هوية للإنسان :

 أيها الأخوة الكرام, لكن هناك حقيقةً دقيقةً جداً، هو أن هذه اللغة لا قيمة لها, لولا أن الإنسان مستقلٌ بصوته وبصورته، لكَّ صورةٌ خاصة، ولكَّ صوتٌ خاص، وهذا الإنسان مزودٌ بإدراك هذه الفروق، لو أنَّ إنساناً اتصل بك هاتفياً تقول له: أنت فلان، أودع الله فيك إدراك الفروق بين الأصوات، ولا تنسى أيها الأخ الكريم, أنك نسيج وحدك في صوتك، وأن نبرات الصوت هويةٌ تامة .
 قال بعض العلماء: إنها هويةٌ كمثل هوية الإنسان المأخوذة من صورته، صورة وجهك هوية، ونبرة صوتك هوية، وتركيب الدم هوية، ورائحة الجلد هوية، وقزحية العين هوية، وبصمتك هوية .
 أيها الأخوة الكرام, ومن آيات الله عزَّ وجلَّ اختلاف اللغات بين القبائل والشعوب، واختلاف اللهجات بين البطون، وعلى مستوى المدن، وعلى مستوى الأحياء، وعلى مستوى الأسرة، وعلى مستوى الأفراد، لكل أسرةٌ كلمات تكثر من تردادها، ولكل حيٍ لغةٌ خاصة، ولكل إقليم لغةٌ خاصة، ولكل شعبٍ لغةٌ خاصة، ولكل أمةٍ لغةٌ خاصة, وهذه من آيات الله الدالة على عظمته, قال الله تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾

[سورة الروم الآية: 22]

5- اللغة هي الأداة التي يفرق بها الإنسان بين الأشياء المختلفة :

 أيها الأخوة الكرام, شيءٌ آخر؛ هو أنَّ الله عزَّ وجلَّ لولا أنّه أودع فينا القدرة على التفريق بين النبرات في الأصوات لما كان لهذا الاختلاف معنى، لو تشابهت الصور والنبرات لالتبس الأمر على الناس، ولو اختلفت الصور والنبرات ولم نملك القدرة على التفريق لالتبس الأمر على الناس، فلا بدَّ من الاختلاف في الصور والنبرات، ولا بدَّ من القدرة على التفريق.
 أيها الأخوة الكرام, الأذن السليمة تعرف كلَّ إنسانٍ بصوته، وهذه من آيات الله الدالة على عظمته، لذلك قال بعض العلماء: القدرة الإلهية رفعت الشُبَه برفع الشَبَه، وأزالت الأشكال باختلاف الأشْكال, وقال العلماء: إنَّ تحقيق شخصية الإنسان عن طريق صوته، لا تقلَّ قيمةً عن تحقيق شخصيته عن طريق صورته .
 وقد أشارت بعض الأبحاث إلى أنَّ صوت الإنسان يحقق شخصيته بواقع تسعة وتسعين في المئة، الصوت وحده يبرز شخصيتك، هذه من آيات الله الدالة على عظمته, قال الله تعالى:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾

[سورة الروم الآية: 22]

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

[سورة الرحمن الآية: 1-4]

خلاصة القول :

 أنت إنسان مكرم, علمك البيان، تفهم ما يقال، وتنقل بلسانك ما في نفسك، وتقرأ ما كتب، وتكتب لتعبِّر, القدرة على فهم النص الشفهي، وعلى التعبير الشفهي، والقدرة على فهم النص المقروء، والتعبير المكتوب، هذه من أركان اللغة التي كرم الله بها الإنسان، ثمَّ أن اللغة أداة اتصالٍ بين أفراد النوع، أداة اتصالٍ دقيقة بكلمةٍ واحدة، يأتمر الناس وينتهون باللغة، ولولا اللغة لوجب أن تخصص لكلَّ إنسانٍ إنساناً يدفعه إلى بيته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018