الخطبة : 0200 - ليس كل مصلٍّ يصلي - لسان المزمار. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0200 - ليس كل مصلٍّ يصلي - لسان المزمار.


1988-01-29

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ، ولا توكلي إلا على الله .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيّته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومَن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

حديث قدسي : ليس كل مصل يصلي .....................

 يقول الله سبحانه وتعالى في حديثٍ قدسي :

(( ليس كل مصلٍ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممَّن تواضع لعظمتي ، وكفَّ شهواته عن محارمي ، ولم يصرَّ على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العُريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجه لأضوءُ عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما والظلمة نورا ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، ويقسم عليَّ فأبرُّه ، أكلأه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها ))

 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا الحديث القدسي ألقيته على مسامعكم مراتٍ عِدَّةَّ ، لكنه لم يسبق لي أن جعلته موضوعاً لخطبةٍ كاملة .

 

مراحل الإيمان :

 إن هذا الحديث القدسي يا أيها الإخوة المؤمنون ينطوي على مراحل الإيمان كلها ، وهو في معناه ومبناه جامعٌ شامل .

أولاً : ليس كل مصل يصلي .

 إن الصلاة التي أرادها الله عزَّ وجل تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فـمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً .
 والذي يصلي ليخدع نفسه ، ويخدع الناس ، ويخدع الله عزَّ وجل ـ بحسب ما يتوهم ـ أنه مؤمن ، وأنه يصلي ، وصلاته لا تردعه ، ولا تحجزه عن الفحشاء والمنكر ، هذه الصلاة لا تزيد صاحبها إلا بعدا ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله تعالى إذا خلا لم يعبأ الله بسائر عمله ))

[ كنز العمال عن أنس ]

 والصلاة من عمل الإنسان .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى حينما يأمرنا بعبادةٍ ما ، هذه العبادة إذا أديت أداءً شكلياً وأجوف ، هي أقرب إلى الطقوس الوثنية منها إلى العبادات الربانية ، لا تصبح الصلاة عبادةً كما أرادها الله إلا إذا أُدِّيت على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى .

(( ليس كل مصلٍ يصلي ... ))

 لا يخدعن أحدكم نفسه ، ولا يخدعن أحدكم المؤمنين ، ولا يتوهم أنه يخدع ربه ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 9 ]

 فيا أيها الإخوة المؤمنون ؛ العمر قصير ، والحساب عسير ، والوقفة بين يدي الله عزَّ وجل يتفطَّر لها القلب ..

﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾

[ سورة المعارج الآية : 42 ]

﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾

[ سورة الطور الآية : 45 ]

(( ليس كل مصلٍ يصلي ... ))

 لا أتقبل من عبادي هذه الصلاة التي يرافقها الكذب ، والغش ، والخداع ، والنميمة ، والغيبة ، إن لم تردع هذه الصلاة صاحبها عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا .
 والنبي عليه الصلاة والسلام قال لأحدٍ من الناس :

(( ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ ))

[ أخرجه البخاري وابن خزيمة في صحيحه ]

 والصلاة التي لا تردع صاحبها عن الفحشاء والمنكر تُلَفُّ كما يلفُّ الثوب الخلق ، ويضرب بها وجه صاحبها ، وتقول له :
 ضيعك الله كما ضيعتني .
 الصلاة عماد الدين مَن أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ، ومن تضييع الصلاة عدم الاستقامة فيما بين الصلاتين ، من إقامة الصلاة الالتزام بشرع الله عزَّ وجل ، إذا طبقت شرع الله عزَّ وجل ، إذا ائتمرت بما أمر الله ، وانتهيت عما عنه نهى وزجر ، إذا جاء وقت الصلاة فالطريق إلى الله سالكة ، الحُجُب مُنْهَتِكَة ، لكن الإنسان إذا ارتكب المعاصي ، وارتكب المخالفات ، وتساهل في كسب المال ، وتساهل في إطلاق البصر ، ثم جاء أن يصلي ينطبق عليه هذا الحديث القدسي :

(( ليس كل مصلٍ يصلي ... ))

 لا تخدعن نفسك ، ولا تخدعن المؤمنين ، ولا تتوهَّم أنك تخدع الله عزَّ وجل ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 9 ]

ثانياً : التواضع .

(( إنما ... ))

 إنما أيها الإخوة المؤمنون لها مدلولٌ خطير . إنما ؛ أي ما بعدها من حكمٍ ينفي ما سواه من الأحكام ، أداة قصرٍ ، إنما ؛ أي لا أتقبل الصلاة إلا من هؤلاء حصراً .

(( إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ... ))

 يا أيها الإخوة ؛ كيف نتعرف إلى عظمة الله عزَّ وجل ؟ الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ، ليس كمثله شيء ، هو في كل شيء لا كشيءٍ في شيء ، فوق كل شيء ، كيف ندركه ؟ كيف نعظمه ؟ كيف نعرفه ؟ كيف نخشع له ؟ يقول الله عزَّ وجل :

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر الآية : 28 ]

 لقد بثَّ الله في الأرض آياتٍ كثيرة لا تعد ولا تحصى ، لقد بثَّ الله في السماوات آياتٍ كثيرة لا تعد ولا تحصى ، لقد جعل الله خَلْقَ الإنسان آيةً على عظمته ، لقد جعل الله نظام الأسرة آيةً على عظمته ، لقد جعل الله الزوجة آيةً على عظمته ، لقد جعل الله الطعام والشراب آيةً على عظمته ، وقد أمرنا ..

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾

[ سورة الروم الآية : 22 ]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾

[ سورة الروم الآية : 23 ]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

[ سورة الروم الآية : 21 ]

 هذه كلها من آياته ، طعامكم من آياته ، شرابكم من آياته ، النبات الذي تزرعونه من آياته ، الماء الذي ينزل من السماء من آياته ، الأسماك من آياته ، الأطيار من آياته ، الجبال من آياته ، الأمطار من آياته ، كروية الأرض من آياته ، الليل والنهار من آياته ، لا تستطيع أن تعرف عظمته إلا إذا فكَّرت في آياته ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا عبادة كالتفكر ))

[ مجمع الزوائد عن محمد بن عبد الله ]

 من هنا وفَّقني الله عزَّ وجل في كل خطبةٍ إلى توضيح آيةٍ من آياته في الخطبة الثانية ، من أجل أن تكون مادةً للتفكر .
 لذلك :

(( إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ))

 ولن يتواضع لعظمتي إلا من فكر في آياتي ، فالتفكر في آياتي طريق معرفتي .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ...

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران الآيات : 190-191 ]

ثالثاً : وكف شهواته عن محارمي .

(( إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكفَّ شهواته عن محارمي ))

 ما لم يستقم الإنسان على أمر الله لن تنعقد له صلاة ، يستطيع أن يتوضَّأ وأن يصلي ، وأن يقف ، وأن يقرأ الفاتحة وسورة ، وأن يركع ويسجد ، وأن يؤدِّي الحركات ، والمواقف ، والأقوال ، والأفعال التي ذكرها الفقهاء في موضوع الصلاة ؛ إنها أقوالٌ وأفعالٌ تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم ، يستطيع غير المستقيم أن يؤدِّيها تماماً ، ولكن لا يستطيع أن يعقد الصلة مع الله عزَّ وجل إلا إذا كفَّ شهواته عن محارمه .
 لذلك ، هذا الذي ينحرف في سلوكه ، أو يعصي الله في أعماله ، إنه ما نظر إلى عظمة الله عزَّ وجل ، قال بعضهم : لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت .
 فهذا الذي كفَّ شهواته عن محارمي ، هذا الذي تواضع لعظمتي ، هذا الذي تفكر في آياتي فتواضع لعظمتي ، ثم كفَّ شهواته عن محارمي ، وربما كان العمل الأول سبباً للنتيجة التالية : لا يستطيع أن يكف شهواته عن محارمي إلا إذا تواضع لعظمتي ، لا تنظر إلى الأمر ولكن انظر إلى الآمر ، إذا عرفت من الآمر طبَّقت أمره تطبيقاً حرفياً ، قد يأتيك أمرٌ من إنسان ، فلا تعبأ له ، لا تنفذه ، تسخر منه ، تستهين به ، تنساه ، وقد يأتيك الأمر نفسه من إنسانٍ تخشاه ، أو ترجو ما عنده ، أو تخافه ، أو تعرف مكانته ، أو تعرف حجم عطائه عندئذٍ تنصاع لأمره ، فلن تستطيع أن تطبِّق الأمر إلا إذا عرفت الآمر ، إذا عرفت مَن الآمر طبقت أمره ، وأذعنت لأمره نفسك .

 

رابعاً : ولم يصر على معصيتي .

(( وكف شهواته عن محارمي ، ولم يصرَّ على معصيتي ))

 المؤمن مذنبٌ توَّاب ، باب التوبة مفتوحٌ على مصراعيه ، الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة المؤمن ، بل هو أفرح بتوبة المؤمن من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد ، إن الله عزَّ وجل أفرح بتوبة عبده المؤمن من بدويٍ كانت معه ناقة ، جلس ليستريح في الصحراء الموحشة ، فنفرت منه ، فأيقن بالهلاك ، فلما عادت إليه قال من شدة فرحه : يا رب أنا ربك وأنت عبدي . قال الله عزَّ وجل :

(( لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته ))

 تقبل التوبة ما لم يغرغر ..

(( ابن آدم لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

[ سورة الزمر الآية : 53 ]

(( ولم يصرَّ على معصيتي ... ))

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ الجامع الصغير عن السيدة عائشة ]

 إن الذنب الصغير إذا أصررت عليه ، ووطَّنت نفسك على اقترافه طوال العمر ، ينقلب إلى كبيرة تكون حاجزاً بينك وبين الله عزَّ وجل .
فكَّرَ في آلاء الله فخشع قلبه ، استقام على أمر الله فمهَّد الطريق ، إذا تعثَّرت قدمه سارع إلى التوبة ، مراحل منطقيَّة كل واحدةٍ تفضي إلى الثانية، فكر في آلاء الله فخشع قلبه ، استقام على أمره فمهَّد الطريق ، تعثَّر في مشيته فتاب مِن ذنبه ...

 

خامساً : العمل الصالح .

 بقيت الحركة ..

(( وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب كل ذلك لي... ))

 هذا هو العمل الصالح ، العمل الصالح يرفعُ ، لا يرفعك عند الله إلا عملك الصالح ، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، قل لي ما عملك أقل لك مَن أنت ، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ..

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 132 ]

(( وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ... ))

 حينما تواضع لعظمته : هذه العقيدة .
 وحينما أطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب : هذا هو العمل الصالح .
 العقيدة إيمان ، وإطعام الجائع ، وإكساء العريان ، ورحمة المصاب ، وإيواء الغريب ، هذا هو العمل الصالح .
 لذلك ، في مئتين وخمسين آيةً من آيات الله عزَّ وجل قرن الله عزَّ وجل الإيمان بالعمل الصالح .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ لكن العمل الصالح فيه مزلَّة ، فيه مزلَّة الشرك ، فيه مزلة الدنيا ، فيه مزلة أن تفعل هذا لغير الله ، فيه مزلة أن تفعله ابتغاء الشهرة وابتغاء السُمْعَة ، لذلك يقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسي :

(( وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب كل ذلك لي... ))

 إخلاصاً ..

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان الآية : 9 ]

 من علامة الإخلاص لله عزَّ وجل ألا تهتمَّ بردود الفعل عند الناس أكانت شاكرةً أم جاحدة ، أعرف الناس عملك أم لم يعرفوه ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( اِصْنَعِ الْمَعْرُوفَ مَعَ أَهْلِهِ وَمَعَ غَيْرِ أَهْلِهِ ، فَإِنْ أَصَبْتَ أَهْلَهُ أَصَبْتَ أَهْلَهُ ، وَإِنْ لَمْ تُصِبْ أَهْلَهُ فَأَنْتَ أَهْلُهُ))

[القضاعي في مسند الشهاب عن علي ، وانظر كشف الخفاء ، علل الدارقطني ]

سادساً : المكافأة .

(( كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس ))

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( الصلاة نور المؤمن ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

 الصلاة نور ؛ تستنير بها في وحشة الحياة ، تريك الحق حقاً والباطل باطلاً ، تمكّنك من الرؤية الصحيحة ، لا تتخذ قراراً أحمق ، لا تتورَّط في معصية ، ترى الخير في الطاعة ، وترى الشر في المعصية ، لكن الأعمى يرى المعصية مغانم ، ويرى في الطاعة بعض المغارم ، يرى في المعصية مغنماً ، ويرى في الطاعة مغرماً ، لكن الذي نوَّر الله قلبه بالصلاة الصحيحة التي هي ثمرة التفكُّر في آيات الله ، والاستقامة على أمره ، والمسارعة إلى توبته ، والعمل الصالح الخالص له ، وهذه مراحل طريق الإيمان ، إذا كنت كذلك انعقدت هذه الصلة بينك وبين الله ، وبهذه الصلة تكتسب النور الذي يريك الخير خيراً والشر شراً ، الحق حقاً والباطل باطلاً، النافع نافعاً والضار ضاراً .

(( وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما ... ))

 هذه الخصال الذميمة ؛ الكبر ، الحسد ، الغيبة ، النميمة ، الحقد ، الأثرة ، هذه الصفات الذميمة التي هي شاعت بين الناس بسبب بعدهم عن الله عزَّ وجل إنها تنقلب إلى فضائل ، تنقلب الأثرةُ إلى المؤاثرة ، وينقلب الكبر إلى التواضع ، وينقلب الشُّح إلى السخاء ، وينقلب تفلّت اللسان إلى حفظ اللسان ، وينقلب الحقد إلى العفو ، هذه من ثمار الصلاة الصحيحة .

(( وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما ، والظلمة نورا... ))

 يستنير قلبه .
 عندئذٍ ..

(( يدعوني فألبيه ... ))

 عرف الخير من الشر ، يسألني الخير دائماً فألبيه .

(( ويسألني فأعطيه ، ويقسم عليَّ فأبره ، أكلأه بقربي ))

 أذيقه طعم قربي ، أذيقه حلاوة مناجاتي .
 يروى أن رجلاً ذاق حلاوة المناجاة ، ثم أصابته غفلةٌ ، فانقطع عن الله عزَّ وجل ، فاحترق في جفوة البعد ، فناجى ربه وقال : يا رب ـ
 هو ينتظر العقاب من الله ، لم يأتِ العقاب ، ينتظر المصيبة ، لم تأتِ المصيبة فاحترق بجفوة البعد ـ قال : يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبني ، فوقع في قلبه: أن عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟ أتريد عقاباً فوق هذا العقاب ؟!

(( أكلأه بقربي وأستحفظه ملائكتي ...))

 الملائكة يحفّون به ، يحفظونه من كل مكان ، يحفظونه من أمر الله ..

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الرعد الآية : 11 ]

 الملائكة الكرام يحفظونك من الزلل والخلل ، يلهمونك ويسددونك ، لأنك عقدت الصلة مع الله عزَّ وجل ..

(( أكلأه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ، ولا يتغيَّر حالها ))

 هذه ثمار الصلاة .

* * * * *

 عودٌ على بدءٍ أيها الإخوة :

(( ليس كل مصلٍ يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكفَّ شهواته عن محارمي ، ولم يصرَّ على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجه لأضوء عندي من نور الشمس ، على أن أجعل الجهالة له حلما ، والظلمة نورا ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، ويقسم عليَّ فأبرُّه ، أكلأه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها ))

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطّانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم ، اللهم صلٍ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

لسان المزمار :

 في جسم الإنسان ، شرطيٌ للمرور ، يعمل منذ أن يتخلَّق الإنسان في بطن أمِّه وحتى الموت ، لا يكلُّ ، ولا يسأم، ولا يتعب ، يعمل ليلاً نهاراً ، في اليقظة ، وفي المنام ، إنه لسان المزمار .

 الأنف له طريق ، طريق الهواء من الأنف إلى الرئتين عَبْر الرغامى ، القصبة الهوائية ، وطريق الطعام من الفم إلى المعدة ، عبر المريء ، وهذان الطريقان يتقاطع في منطقةٍ حرجة هي البلعوم .
 ويقوم لسان المزمار بأخطر عملٍ في حياة الإنسان ، لو أن نصف كأسٍ من الماء ، دخل خطأً في الرغامى ، في القصبة الهوائية ، إلى الرئتين، لمات الإنسان اختناقاً ، لأن خلايا الدماغ النبيلة ، تموت موتاً نهائياً إذا انقطع عنها الأوكسجين أكثر من خمس دقائق ، تموت ، فلو أن نصف كأسٍ من الماء دخل خطأً من الفم إلى الرغامى ، وقد نسي لسان المزمار أن يسدَّ طريق الرغامى ، ويفتح طريق المريء ، لو أن هذا حدث مرةً ، لكانت هي القاضية ، فكيف لو نزل الطعام في القصبة الهوائية ، فسد المجرى ولاختنق الإنسان ومات فوراً ؟.
 هذا اللسان الذي يفتح طريق المريء عند الطعام ، ويفتح طريق التنفس عند التنفس ، يعمل ليلاً نهاراً ، يعمل وأنت نائم ، أنت تقول : لا آكل بالليل . هذا اللعاب الذي يتجمَّع في فمك ، كيف تبتلعه وأنت نائم ؟ من دون أن تشعر ، مَن الذي أمر هذا اللسان أن يفتح طريق المريئ ، لينتقل اللعاب المجمَّع في الفم إلى المعدة ، ثم يغلقه فيتابع التنفس عمله ، وأنت لا تدري ؟
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ من فضل الله علينا ، أن هذه الرغامى ، القصبة الهوائية ، لشدة خطورة عملها ، ولأنها جهازٌ مصيري ، فلو توقف التنفُّس دقائقَ معدودات ، لمات الإنسانُ ، لخطورة عملها ، جهَّزها الله سبحانه وتعالى بأهدابٍ متحركة ، تتحرك نحو الأعلى دائماً ، فأي شيءٍ طفيفٍ طفيفٍ دخل فيها ، إنه يتحرَّك نحو الأعلى ، ليتجمع في الحنجرة ، ويكون هو القَشَع ، مَن الذي زوَّد هذه القصبة الهوائية بهذه الأهداب المتحركة ؟ علماً بأن التدخين ، كما قلت لكم قبل عدة خطب ، يشلُّ هذه الأهداب التنفسية ، عندئذٍ تتعرض الرئة للإصابة بالالتهابات الإنتانية ، بسبب شلل هذه الأهداب التي تتحرَّك نحو الأعلى .
 أما المريء ، فقد زوَّده الله بعضلاتٍ دائرية ، تتقلَّص تباعاً ، فلو وُضِعَ الإنسان بشكلٍ مقلوبٍ ، بحيث تكون رجلاه نحو الأعلى ، ورأسه نحو الأسفل ، وألقمته لقمةً ، أو سقيته جرعةً من ماء ، لسار الماء على عكس الجاذبية نحو الأعلى ، لسار الطعام بعكس نظام الجاذبية نحو الأعلى، بسبب هذه العضلات الدائرية ، التي تتقلَّص تباعاً ، من زوَّد القصبة الهوائية بهذه الأهداب المتحركة نحو الأعلى ؟ ومن زوَّد المريء بهذه العضلات الدائرية ، التي تسوق كل شيءٍ نحو المعدة ، بصرف النظر عن جهة الإنسان ؟ إنه الله سبحانه وتعالى ..

﴿ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية الآية : 4 ]

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 53 ]

 

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 21 ]

 هذه آية أيها الإخوة ، لا تحتاج إلى كتب ، ولا إلى مجلدات ، ولا إلى مجاهر ، ولا إلى مجهر إلكتروني ، ولا إلى مطالعات ، ولا إلى دراسات ، كلٌ منا ، بإمكانه ، أن يفكِّر في هذه الآية .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك .
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا ، واقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنَّتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا .
 ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا ، وانصرنا على مَن عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا ، اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا مولانا رب العالمين ، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين .
 اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018