الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 24 - الفطرة - الحلال و الحرام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 24 - الفطرة - الحلال و الحرام


2006-04-03

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليه ورحمته وبركاته وأهلاً ، ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، ونحن ضيوف عند الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في جامعة دمشق ، أهلاً وسهلاً بأستاذنا الكريم ، حياكم الله .
الدكتور راتب :
أهلا بكم أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ علاء :
سيدي في الحلقة الماضية تحدثنا عن المعروف والمنكر ، عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذكرت لمَ سمي المعروف معروفاً ، لأنه يعرف بالفطرة السليمة بأنه شيء حسن ، معروف لديها ، و تتقبله تلك الفطرة ، والمنكر سمي منكراً لأن الفطرة السليمة تنكره ، وتأباه ، فأصبح منكراً .
إذاً في الفطرة السليمة تقبل هذا الفعل ، و تنكر هذا الفعل ، و ترفض هذا الفعل .
الآن محطتنا مع أحاديث رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْديِّ قَالَ : قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ :

(( حَفِظْتُ مِنْهُ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ))

[ النسائي ، الترمذي ، أحمد ، الدارمي ]

وعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ ))

[ الترمذي ، ابن ماجه ]

نبتدئ سيدي الكريم لنعرف الحلال ، ونعرف الحرام ، وما هو الفاصل بينهما ؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ... ))

[ البخاري ، مسلم ، النسائي ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ، الدارمي عن النعمان بن بشير]

كيف نتبين هذه المسألة ، هل بالفطرة السليمة ؟ هل بالاكتساب ؟ كيف يكون ذلك ؟

مقدمة في الفاصل بين الحلال والحرام :

الدكتور راتب :
الحقيقة كما تقدم الحديث في حلقات سابقة الفطر السليمة تعرف المعروف ، وتنكر المنكر ، أو أن نقول : تعرف الحلال ، وتنكر الحرام ، فالحرام يحرم النفس من سعادتها في الدنيا و الآخرة ، والحلال تحلو به في الدنيا والآخرة .

العلاقة العلمية بين الأمر ونتائجه ، والنهي ونتائجه :

وهناك علاقة علمية بين الأمر ونتائجه ، والنهي ونتائجه ، ما معنى علاقة علمية ؟
أنا حينما آمر ابني أن يخرج من هذا الباب ، و خرج من خلافه أعاقبه ، فأكون قد وضعت هذه العلاقة ، أنا وضعتها وأقول : العلاقة بين عقابه وخروجه من باب آخر هي علاقة وضعية ، أنا اخترعتها ، أما حينما يضع ابني يده على المدفأة ، وهي مشتعلة فتحترق ، أقول : هناك علاقة علمية بين السبب والنتيجة .
الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع
الشيء الدقيق جداً أن هناك علاقة علمية مئة بالمئة بين الأمر ونتائجه ، وبين النهي ونتائجه ، أنا حينما أقود مركبة تحمل عشرين طناً ، وأقف أمام جسر كتب عليه : " الحمولة القصوى خمسة أطنان " ، أنا حينما أتلفت يمنة ويسرة ، هل هناك شرطي يخالفني ؟ لم أفقه حقيقة هذه اللوحة ، الجسر يعاقبني ، أي هناك علاقة علمية بين المخالفة والسقوط في النهر ، أما إن كانت وضعية فأعاقب ، أو لا أعاقب ، أعاقب ، أو أنجو من العقاب ، حينما نؤمن أن كل أمرِ الله به ينتهي إلى نتيجة علمية ، أي الأمر الذي فعلته كان سبب النتيجة ، والنهي الذي ارتكبته كان سبب الهلاك ، هذا وضع آخر .
حينما أمشي بفلاة أرى لوحة كتب عليها : " حقل ألغام ، ممنوع التجاوز " ، فلا أحقد أبداً على من وضع اللوحة ، لأنني لا أراها حداً لحريتي ، بل أراها ضماناً لسلامتي .
الاعتماد على العقل وحده يدخلنا في متاهات
فأنا حينما أرى أن هناك علاقة علمية بين الأمر ونتيجته ، وبين النهي ونتيجته أكون فقيهاً ، فلذلك الحسن ما حسنه الشرع ، الحسن مطلق ، بكل المقاييس ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبحه الشرع .
أحياناً أنا أعطي مسألة للطلاب ، حلوا هذه المسألة ، أعطيهم الجواب ، فمن توصل حله إلى هذا الجواب فحله صحيح ، هو يعرض نفسه ، ومن حاد حله عن هذا الجواب فحله غير صحيح ، الله عز وجل بين الحسن والقبيح في القرآن والسنة ، فنحن نفكر ، ندرس ، نحقق ، نتأمل ، نتابع ، ندقق ، نستنتج للنهاية ، إذا قادنا عقلنا إلى الحسن الذي جاء به الشرع فعقلنا عمل بشكل صحيح ، أما إذا قادنا عقلنا إلى شيء مخالف للشرع ، شيء يخالف منهج الله ، وهو الخبير معناها :

 

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾

[ سورة المدثر ]

وأنا حينما أعتمد على العقل وحده من دون وحي أقع في متاهات كبيرة جداً ، لأنه تماماً كيف أن العين لما كانت دقيقة وحادة البصر لا يرى إلا بالضوء ، والعقل لا يعمل إلا بالوحي .
الوحي للعقل كالضوء للعين ، فالحلال يسعد الإنسان ، تحلو به النفس ، يتألق الإنسان ، والحرام يحرم النفس من سعادتها في الدنيا والآخرة ، هذه قضية دقيقة جداً .

الفاصل بين الحلال والحرام :

الحلال بين والحرام بين
لكن هناك مشكلات ، الحلال الصرف واضح ، لا يحتاج لا إلى تفاسير ، ولا إلى فتاوى ، ولا إلى أسئلة ، والحرام الصرف واضح ، لكن أحياناً يقول لك أحدهم : أنا أساهم معك في شراء هذا البيت ، أعطني أجرة ، هناك عقد إيجار ، ساهم معك بنصف البيت ، و يستحق أن يأخذ نصف الأجرة ، لكن هو ضمن مبلغه ، فإذا ضمن المبلغ بأي لحظة قال لك : أعطني المليون ، إن ضمنت له المبلغ صار الموضوع ربا ، ولم يعد أجرة ، فهذه علاقة من جهة علاقة مشروعة ، علاقة إيجار ، ومن جهة ثانية مادام المبلغ مضمونا لا يتحمل خسارة ، ولا ربحا فهذه أصبحت علاقة مشبوهة ، الحلال بين والحرام بين .
تناول شخص طعاماً معيناً ، أكل خبزاً صباحاً مع قطع جبنة ، هل هناك على وجه الأرض من يسأل عالماً : ما حكم هذا الشيء ؟ يعرف بالفطر السليمة ، وإنسان سرق ، من غير سؤال السرقة حرام ، لكن هناك آلاف القضايا متداخلة ، أي من جانب مقبولة ، ومن جانب مرفوضة .
عَنْ النُّعْمَانِ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( الْحَلَالُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ ، لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ... ))

[ البخاري ، مسلم ، النسائي ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ، الدارمي ]

لذلك قال تعالى :

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

فَاسْأَلُوا أَهْلَ الِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ

مفتاح العلم السؤال
فالمؤمن الورع الحريص على سلامة علاقته مع الله ، الحريص على مستقبله في شيخوخته ، الحريص على جنته التي يعمل من أجلها ينبغي أن يسأل :

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

مفتاح العلم السؤال ، لا يوجد إنسان يمكن أن تطرق بابه إلا وثمن الأتعاب في جيبك ، للطبيب ، والمهندس ، والمحامي ، إلا عالم الدين فمجاناً ، خطياً ، أو شفهياً ، على الهاتف ، أو لقاء شخصي :

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

الأستاذ علاء :
إذاً : نسأل أهل الذكر ، أي نأتي إلى أهل الذكر الذين يصدرون الفتيا أو الفتوى .
الدكتور راتب :

الفتوى على قدر الوصف :

لكنه قيل : الفتوى على قدر الوصف ، أحياناً يتوهم الإنسان أنه إذا أقنع هذا الشيخ ، أعطاه المبررات الكافية كي ينتزع منه فتوى تروق له يظن أنه نجا من عذاب الله ، أنا أقول كلاما خطيرا جداً :

(( لعل أحدكم ألحن بحجته من الآخر ، فإذا قضيت له بشيء فإن أقضي له بقطعة من النار ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

أي لو أنك استطعت بذكاء ، وبطلاقة لسان ، وبحجة مقنعة لم تكن واقعية ، لكن أن تنتزع من فم سيد الخلق ، وحبيب الحق فتوى لصالحك ، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله ، نحن نسأل ، لكن يجب أن تكون أميناً في الوصف ، من أين المشكلة تأتي ؟ أنه لا يقول لك الحقيقة ، يقول لك كلاماً ، أنه من نتائجه أن يفتي لك المفتي بهذا الذي تريده ، أما لو قال لك الحقيقة فلا تقول هذا الكلام ، فلذلك حتى إخواننا يكون عندهم مكابح ، أن أي إنسان مثلاً عنده بيت قرر أن يبيعه ، لو أنه خرج من بيته ، ولقي من يبيعه قال له : يستحق مليونين ، هل يوقع عقدا فوريا ، يسأل عشرة مختصين ، لأنه في أمور الدنيا حريص على مصالحه ، لكن الشيء العجب العجاب بأمور الدين الخطيرة المصيرية يكتفي بسؤال إمام بجامع أو زاوية ، بمنطقة نائية ، لا يعرف اسمها ، يقول لك : أفتى لي ، لماذا تريد أن تحمل هذا الشاب المبتدئ في الدعوة مسؤولية العمل الكبير الذي اقترفته .
فلذلك أنا أدعو إخوتنا الكرام المشاهدين إلى السؤال ، لكن أذكرهم ثانية : أن السؤال إن لم يكن واضحاً ، وانتزعت من فم سيد الخلق و حبيب الحق فتوى لصالحك لا تنجو من عذاب الله ، لذلك : عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَهْوَى بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( الْحَلَالُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ....))

[ البخاري ، مسلم ، النسائي ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ، الدارمي ]

المنهج نهر ، والمعصية نهر أو الحمى ، له شاطئ زلق مائل ، وشاطئ جاف مستو ، فالمشي على الشاطئ الجاف المستوي ضمانة للوقوع في النهر ، أما المشي على الشاطئ المائل الزلق فمظنة وقوع في النهر ، فالأمور الواضحة كالشاطئ المستوي الجاف ، والدخول في المتاهات وفي الشبهات كمن يمشي على شاطئ نهر عميق مخيف زلق مائل ، فاحتمال أن يقع في الماء احتمال قائم .
الأستاذ علاء :
مظنة أن يقع في النهر ، لذلك :

(( مَنْ حَامَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ))

أهمية هامش الأمان : أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلكٍ حِمًى :

الدكتور راتب :

(( أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلكٍ حِمًى ، أَلاَ وَإِنّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ ))

اتق المحارم تكن أعبد الناس .
أستاذ علاء ، هناك نقطة دقيقة جداً ، وزير كهرباء أراد أن يحذر الإخوة المواطنين من تيار توتره عال جداً ، والتوتر العالي كما هو معلوم به قوة جذب ، أي يوجد به ثمانية أمتار ، إن دخل المواطن إلى هذه المنطقة يصبح قطعة من الفحم فوراً ، فوزير الكهرباء يجب أن يقول : ممنوع مس التيار ، وممنوع الاقتراب منه ، لذلك هناك نوع من الشهوات عندها قوة جذب كبيرة جداً ، فأنت إذا تجاوزت الخط الأحمر جذبتك إليها ، الخطأ لن يكون بوقوعك في هذه المعصية الكبيرة ، الخطأ بدأ من الاقتراب منها :

 

تلك حدود الله فلا تقربوها

 

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

 

[ سورة البقرة : 187]

لا تقربوا مال اليتيم ، لا تدخل مالك بماله ، افصل المالين عن بعضهما ، لا تقربوا الزنى ، الزنى نهاية لمقدمات ليست من الزنى ، لكنها مقدمات للزنى ، فلم يأت النهي عن الزنى مباشرة ، قال :

 

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾

[ سورة الإسراء : 32]

الأستاذ علاء :
فهذا الاقتراب إلى الحمى ، أو إلى الساحة والمنطقة المحايدة عدم الاقتراب منها بكل معنى الكلمة .

الدين قضية مصيرية :

الدكتور راتب :
إذاً حينما يكون الإنسان فقيهاً ، الدين قضية مصيرية أستاذ علاء ، أنا يمكن أن أبدل البيت ، يمكن أن أبدل مركبتي ، يمكن أن أغير مهنتي ، أما قضية الدين فإن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، دينك دينك ، إنه لحمك و دمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا .
مثلاً : نجح طالب من السابع إلى الثامن ، ثامن تاسع ، تاسع عاشر، عاشر إلى الحادي عشر ، الحادي عشر إلى الثاني عشر ، نجاحه في الثاني عشر مصيري ، طبيب صحة ، طبيب أسنان ، صيدلي ، علوم طبيعية ، بحسب علاماته تحدد مهنته بالمستقبل ، فالإنسان بحسب علاقته مع المحرمات ، بحسب فهمه الدقيق لمنهج الله يتحدد مصيره في الدنيا والآخرة ، إن لكل معصية عقاباً .
خذ الدين عن الذين استقاموا
أنا أؤكد على هذه الناحية ، أن العلاقة بين المعصية ونتائجها علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة ، وأن العلاقة بين الطاعة ونتائجها علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة ، فأنا أسأل ، وأقدم التفاصيل الدقيقة الموضوعية ، وأتلقى الجواب ، أما إذا على المسؤول ، فقدمت معلومات غير صحيحة ، ثم جاءتني الفتوى كما تروق لي لا أنجو من عذاب الله ، فيجب أن توازن بين أن تسأل ، وبين أن تكون ورعاً في عرضك للمشكلة .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، طالما تحدثنا عن الفتوى ، هنالك من يأخذ فتاوى من خلال شاشات التلفزيون ، الفضائيات ، يسأل عبر الهاتف ، ثم يجيب العالم على هذا السؤال ، قد يكون السؤال كما تفضلت غير دقيق ، والمعطيات غير دقيقة فالعالم يجيب الفتوى على قدر النص ، وتنحرف هذه الفتوى ، ثم هنالك من يسمع ، يشاهد هذا البرنامج لم يسمع ، لكن يشاهد هذا البرنامج ، ويحمل الفتوى ، ويقدمها بين الناس ، فلم يستوعب السؤال ، وأحياناً الفتوى مجزّأة للذي سمعها ، لأنه أحياناً يوجد إشكالية بالسمع في بعض الأحيان ، أي يسمع الإنسان بشكل خاطئ ، كثير من القضايا عندما يتحدث الإنسان يقول الآخر له : أنت رفعت المنصوب ، نرجع للتسجيل ، سمعته خطأ ، الشخص كان يقرأ بشكل صحيح باللغة العربية ، إذاً يتعرض السمع إلى الخطأ ؟
أحياناً نسأل في المساجد هؤلاء الناس خاصة في الأماكن النائية ، إن شخصا بدأ في الدعوة كما تفضلت يسأله سؤال حسب ما قدم له يعطيه إجابة ، وأحياناً الثاني يكون علمه على قدر قليل الأسئلة الشفوية المفترض الحقيقة أن تنقلب ، أو أن نضبط هذه المسألة بأن تكون الأسئلة مكتوبة ؟

لا بد من الوعي :

الدكتور راتب :
نعم فالمفتي يفتي على هذا النص الذي أمامه ، وإلا القضية الشفهية تأخذ وتعطي ، هذا كلام دقيق جداً ، لكن نحن بحاجة إلى أن يُعمق الوعي عند الإخوة المؤمنين أنه حينما نستوعب الحق نريح ، ونستريح ، فإنّ أعمارنا لا تكفي لاستيعاب الباطل ، لأن الباطل مليون خط منكسر أو منحن بين نقطتين ، أما الخط الحق فهو أقصر طريق بين نقطتين ، أعمالنا تكفي لاستيعاب الحق ، إذا استوعبنا الحق ، وطلب الحق حتماً واجب على كل مسلم ، كنت أقول دائماً : إنه قد يكون الإنسان يحمل دكتوراه ، لكنه بعيد عن المنهج الإلهي ، هذا أمي في الدين ، كما أنني أمي حينما يطلعني على تخطيط قلب ، لا أفهم منه شيئاً ، أما الإنسان لمجرد أنه نال شهادة عليا ظن أنه انتهى العلم ، هذا أخطر شريحة في المجتمع ، أنصاف المتعلمين ، لا هم علماء فينتفعون بعلمهم ، ولا هم جهال فيقبلون أن يتعلموا .
الأستاذ علاء :
هذا الغرور الذي ينشأ في هذه اللحظة يركب أنصاف المتعلمين يظن أنه وصل إلى سدة العلم .

إياكم والفضائيات وأنصاف المتعلمين :

الدكتور راتب :
هناك نقطة دقيقة جداً هناك ، فضائيات لا تنتمي إلى الأمة ، هذه التي لا تنتمي إلى الأمة يشك بفتاواها ، فأنا مرة ذكرت طائفة من الفتاوى التي لا ترضي الله على الفضائيات ، وختمت لقائي مع بعض الإخوة قلت : لهم خذوا دينكم عن الأرضيات ، الفتوى لا تنجي صاحبها ، لا تنجي الذي قبلها ، واعتمد عليها ، ولم يحقق .
بالمناسبة ، المفتي الذي يفتي بلا علم يحاسب عند الله أشد الحساب ، لكن هناك شريحة أخرى خطيرة جداً يفتي بخلاف ما يعلم ، وهذه مسألة خطيرة جداً :

 

﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾

[ سورة التوبة : 9]

أستاذ علاء ، لو أمامك ورقة بيضاء بحجم الكف أنت لزمك أن تجري عملية حسابية ، فكتبت عليها العملية الحسابية ، وأخذت الجواب ، ثم مزقتها ، وألقيتها في المهملات ، ثم اكتشفت أن الورقة هي شيك بمئة مليون دولار ، أنت انتفعت بهذه الورقة ، لكن نسبة انتفاعك بها أنك استخدمتها كورقة ، لكن قيمتها مئة مليون دولار ، هذا الذي يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً .
قد نستخدم الدين ، قد نرتزق بالدين ، قد نتاجر بالدين ، هؤلاء ما عرفوا عظمة هذا الدين الذي هو سبب سعادة الدنيا والآخرة ، اشتروا به ثمناً قليلاً ، أنا أقول : لذلك ما من عمل أعظم عند الله من الدعوة إلى الله ، بنص الآية الكريمة :

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت : 33]

ولكنني أعتقد ثانية أنه ما من عمل يتذبذب بين أن يكون أقدس عمل على الإطلاق ليرقى إلى صنعة الأنبياء ، وبين أن يكون أتفه عمل على الإطلاق لا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة كالدعوة إلى الله ، تقول : أعظم عمل إذا بذلت من أجلها الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، تقول : أعظم عمل إذا التزمت بما تقول ، تقول : أعظم عمل إذا لم ير الناس مسافة بين أقوالك وأفعالك ، و تقول : أتفه عمل إذا تاجرت بها .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، قبل أن نأتي إلى محطتنا العلمية يقول عليه الصلاة والسلام : إذا سرتك حسنتك ، وساءتك سيئتك فأنت مؤمن .
الخلاصة التي تضبط العلاقة مع الآخرين كيف ؟

كيف تضبط العلاقة مع الآخرين ؟

عامل الناس كما تحب أن يعاملوك
الدكتور راتب :
الخلاصة ، لأن الفطر تعرف المعروف ابتداء ، وتنكر المنكر ابتداء ، هناك توجيه نبوي ، نأخذ من بضعة أحاديث : عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ، كيف تعامل زوجة ابنك ؟ كما تتمنى أن تعامل ابنتك في بيت أهل زوجها ، كيف تعامل هذا الذي عندك في المحل ؟ كما تتمنى لو كان ابنك مكانه في محل آخر كيف يعامل ؟ والله هذا المقياس لا يخيب في أي موضوع ، أنت وراء الطاولة ، وجاءك مواطن ، كيف تعامله كما لو كنت مكانه مراجعاً ؟ أنت لو كنت زوجاً كيف تتمنى أن تعاملك زوجتك ؟ ينبغي أن تعاملها كما تتمنى أن تعاملك ، لو أننا عدنا إلى مقياس الفطرة السليم ، وفي كل قضية أنشأنا محاكمة سليمة لكنا في حال غير هذا الحال .
الأستاذ علاء :
الآن حال وقت المحطة العلمية في حلقتنا إن شاء الله ، عن أي موضوع أستاذنا ستحدثنا ؟

زلزال تسونامي بين الحقيقة الشرعية والثوابت العلمية :

الدكتور راتب :
والله يوجد زلزال تسونامي وقع قبل عدة سنوات هناك معلومات دقيقة جداً عنه سوف أشرحها مع هذا الفيلم العلمي إن شاء الله .
الحقيقة أنني قلت : إنه في الطبقات الدنيا من الأرض اثني عشر لوحاً ترتكز عليها القارات ، و في مركز الأرض سائل ملتهب يندفع اندفاعاً قوياً نحو الأعلى ، فإذا اندفع اندفاعاً قوياً نحو الأعلى تباعدت هذه الطبقات ، وإذا اتجه نحو مركز الأرض تقاربت هذه الطبقات ، والحقيقة أن زلزال تسونامي الذي حصل هو اصطدام لوحين كبيرين ، لوح ترتكز عليه أستراليا ، و لوح ترتكز عليه آسيا ، فكانت قوة هذا الزلزال ما تعادل مليون قنبلة ذرية ، قال الله عز وجل :

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

[ سورة البروج : 12]

الإنسان في قبضة الله
هذا التصادم بين لوحي استراليا وآسيا سبب أمواجاً بلغ ارتفاعها إلى أربعين متراً ، وانطلقت لمسافة ألف وستمئة كيلو متر بسرعة ألف وستمئة كيلو متر ، وبإمكان هذه الأمواج أن تحمل صخوراً ، وتدمر مدناً ، وتحمل سفناً ، وتجعلها على أسطح المنازل .
نحن نريد أن نعبد الله رغبة ورهبة ، أنا حينما أعبده رغبة دون أن أنظر إلى عقابه ، قال : يا رب ، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحب عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، و أحب من أحبني ، و حببني إلى خلقي ، قال : يا رب ، إنك تعلم أني أحبك ، و أحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي ، أي ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني .
إذاً أردت من هذه اللقطة أنه لابد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله :

 

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة : 33]

التركيز على ( عظيم ) محبة له ، يحبهم ويحبونه ، و خوفاً منه ، ورأس الحكمة مخافة الله ، فالإنسان في قبضة الله عز وجل ، فإذا سلك الطريق الصحيح فلعل الله سبحانه وتعالى يحفظه ، والله عز وجل يقول :

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 88]

الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، من خلال ما قدمت هناك من يستقيم في حياته ، من يستقيم في تعامله ، من يستقيم في علاقاته بالآخرين ، لكن حياته تتعثر ، حياته لا تروق كما راقت لغيره من الذين سلكوا مسالك المهالك ، و كان بين نقطتين عندهم الخط منكسر في كل نقطة من النقاط ، و هو صابر على ما هو عليه ، أي علاقته بجيرانه ، علاقته بأسرته ، علاقته في عمله ، علاقته بربه ، حسب الظاهر أنها علاقة ممتازة ، لكن حياته كما قلنا متعثرة ، الحياة فيها عقبات ، هل هذا شيء طبيعي في حياة المؤمن ، أم هذه القضية تنبي عن أن العلاقة فيها ارتياب مع الله عز وجل ؟

هل تعثر حياة المستقيم لخلل فيه أم لحكمة ربانية ؟

الدكتور راتب :
أستاذ علاء ، لابد من تفصيل المصائب خمسة أنواع ، نوعان يصيبان المؤمنين :

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 155]

يلوح الله لعبده بشبح المرض كي يلجأ إليه
الإنسان في الحياة الدنيا التي هي دار ابتلاء ، ودار عمل ، فإذا غفل عن الله ، و هو طيب القلب ، مستقيم ، لكنه غفل عن رسالته لم يفلح .
أنت كأب ، هل تقبل من ابنك أن يكون مهذباً فقط ، أم تريد أن يضيف إلى تهذيبه الاجتهاد ؟ فقد يكون مهذباً جداً ، لكنه كسول ، فإذا علم الله عز وجل أن هذا الإنسان على طيب قلب ، و على استقامة لا بأس بها ، لكن همته في السير إلى الله ضعيفة ، يسوق له بعض المحفزات ، يلوح له شبح مصيبة ، فيلجأ إلى الله ، يلوح له شبح مرض فيلجأ إلى الله ، تسوء علاقته مع من هو فوقه فيلجأ إلى الله ، فكأن هذه المصائب كما قال الله عز وجل :

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ ﴾

[ سورة البقرة ]

نحن ملك لله :

 

﴿ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 156]

أي إنا إليه بهذه المصيبة راجعون ، لفت نظر الله عز وجل لطيف ، يلفت نظر الإنسان بشبح مصيبة ، بقلق معين ، بهم معين ، بمشكلة معينة ، بانقطاع دخله فجأة ، هذه كلها مادمت مؤمناً بالله مستقيماً على أمره كلها محفزات إلى الله :

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

هذه المصائب تصيب المؤمنين ، لكن بعضها مصائب دفع ، وبعضها مصائب رفع ، مصائب الدفع عند التقصير ، أما الرفع فعنده إمكانيات عالية جداً لم يستخدمها ، فمرة يدفعه إلى بابه ، يرجئه إلى أعتابه ، يرجئه إلى إحكام الصلة معه ، يرجئه إلى مزيد من الانضباط ، وبعضها ليرفع مقامه عنده ، هذه مصائب المؤمنين ،

(( أشد الناس بلاء الأنبياء ، وأنا أشدهم بلاء ، ثم الأمثل ، فالأمثل ، يبتلى الرجل على قدر))

[ البخاري ]

خاتمة وتوديع :

الأستاذ علاء :
لا يسعنا إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين في جامعة دمشق ، شكراً لكل ما تفضلت ، و لكل هذا الحديث الذي يجعل من القلوب ، والنفوس رطبة بالإيمان ، و بعلاقة الإنسان بربه العلاقة الحسنى ، و العلاقة التي فيها التقوى بكل معنى الكلمة ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018