الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 23 - الفطرة - الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 23 - الفطرة - الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر


2006-03-27

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
يسعدنا أن نقوم باستضافة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين في دمشق ، أهلاً وسهلاً بكم .
الدكتور راتب :
أهلا أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، نتناول اليوم طالما أنا قد بحثنا في حلقات سابقة في مسائل الطبع ، ومسائل الفطرة ، ومسائل التكليف ، وتبينا من خلال الحديث والتفصيل بأن الإنسان يتركب من نفس و جسد وروح ، وأن الجسد له طبع ، و المغالبة بين طبع الجسد والتكليف هو ثمن الجنة .

من خصائص الأمة الإسلامية : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

اليوم اسمح لي سيدي الكريم أن نتحدث في موضوع ، الله عز وجل مرّ في آيات عديدة على مسألة المعروف ، ومسألة المنكر ، يعدنا دائماً ، و يأمرنا بالعمل بالمعروف ، وينهانا عن اقتراف المنكر ، الله عز وجل يقول :

 

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[سورة آل عمران : 110]

لماذا كنتم ؟ قال المفسرون : أي كنتم ، ومازلتم ، وستبقون طالما المعادلة قائمة :

 

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[سورة آل عمران : 110]

هذا الشرط :

 

﴿ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[سورة آل عمران : 110]

ماذا يقول أستاذنا في هذه المسألة ، وفي هذه المعادلة أمر الله دائماً أن نقوم بالمعروف ، وأن نعمل المعروف ، و أن نجتنب ، وأن ننتهي عن المنكر .
الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

معنى المعروف والمنكر :

أستاذ علاء ، أحياناً حينما نلقي ضوءاً على المعنى اللغوي للكلمة هذه المعاني الدقيقة للكلمات تلقي ضوءاً كاشفاً على حقيقة الموضوع .
قد يخطر في بال الإنسان ما معنى كلمة معروف ، و ما معنى كلمة منكر ؟ و لماذا استخدم الله هذه الكلمات ؟
فطر الإنسان على حب الخير والمعروف
الحقيقة أن هذا الموضوع من ألصق الموضوعات بالفطرة ، أي أن الفطر السليمة تعرف العمل الطيب ابتداء من دون تعليم ، وقد سماه الله معروفاً ، لأن الفطر السليمة تعرفه .
الأستاذ علاء :
إذاً هو في ذاكرته .
الدكتور راتب :
في أعماق الإنسان ، أيّ إنسان في كل زمان و مكان ، في فطرة الإنسان ، والنفوس البشرية تنكر المنكر بفطرها ، ومن دون تعليم ابتداء ، إذاً الشيء الذي يعرف بالفطرة ، و الذي ينكر بالفطرة هو المعروف و المنكر .
الأستاذ علاء :
سيدي ، تسمح لي أن أستخدم باب التعابير الحديثة التي تستخدم في علم الأتمتة ، إذا اعتبرنا الفطرة هي مثلاً على سبيل المثال هي الديسك الموجود في المخلوقات ، في كل مخلوق له ديسك ، في الذاكرة ، في ذواكرها ، هي تحب المعروف ، وتتأبى المنكر ، كما تفضلت ، لذلك الله عز وجل جعل الارتباط بهذه المسألة بالفطرة ، المعروف لأنه معروف بالفطرة .

المعروف والمنكر معروفان في أصل الفطرة :

الدكتور راتب :
فطرة الإنسان أصلاً ابتداء من دون تعليم ، و المنكر تنكره النفوس إنكاراً ابتداء من دون تعليم ، لكن هناك نقطة دقيقة جداً في علم النفس ، وجدوا أن هناك صفات كثيرة ً تطفو على سطح الحياة ، و كل مجموعة من هذه الصفات تعود إلى سمة في أعماق الإنسان ، فلو أن هناك سمة الضبط ، فصاحب هذه السمة العميقة حساباته مضبوطة ، مواعيده مضبوطة ، كلامه مضبوط ، علاقاته مضبوطة ، السمة أي صفة عميقة جداً في أصل تكوين الإنسان تطفو على السطح بشكل صفات متعددة ، لكنها تنتمي إلى جذر واحد ، إذاً : الإنسان في أصل فطرته ينكر المنكر من دون تعليم ، من دون توجيه ، من دون دراسة ، و يعرف المعروف .
الأستاذ علاء :
من دون محاضرات ، من دون أن يعرف شيئاً .
الدكتور راتب :
لذلك ، الذين يرون أن الإنسان لا يحاسب أبداً إن لم تأته الرسالة إطلاقاً فهناك رأي معتدل ، أن الله يحاسب الإنسان على عقل أودعه فيه يعرفه بربه ، وعلى فطرة أودعها فيه تعرفه بخطئه نظام المحلفين في المحاكم هو اعتماد على الفطرة السليمة
لكن هذا الذي لم تصله الرسالات لا يحاسب على تفاصيل الشريعة ، أما لو أن إنسانا بغابة ، وأكل ، ولم يطعم أمه يشعر بضيق ، لأنه عاش مع الكائنات العجماوات ، ولم يتلق أي علم ، لكن له أم إلى جانبه ، فإذا أكل ولم يطعمها يشعر بضيق ، إذاً في أصل تكوين الإنسان هو يُنكر المنكر ، ويعرف المعروف ، وهذا من أروع تسميات المعروف والمنكر .
الآن في القضاء البريطاني هناك المحلفون ، يأتون بإنسان من الطريق ، من مهن مختلفة ، من مستويات ثقافية مختلفة ، يعرضون على هؤلاء المحلفين قضية ، جريمة ، فمعظم هؤلاء بعيدون عن الضغوط والاغراءات والمسؤوليات والابتزاز ، فينطقون بالحكم الصحيح العادل ، بحسب فطرهم السليمة ، وهذا منطلق المحلفين في القضاء البريطاني ، إنسان بفطرته يكشف الحق والباطل ، وأنا في لقاءات سابقة أشرت إلى أنه حتى الحيوانات ، القطة حينما تخطف قطعة لحم تأكلها بعيدة عنك ، تعرف أنها أخطأت ، أما حينما تطعمها أنت تأكلها أمامك دون خوف .
تفضلتم بالآية الأولى في قوله تعالى :

 

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[سورة آل عمران : 110]

معنى الآية :

لهذه الآية معان كثيرة ، لكن من أوجه هذه المعاني أن بعض العلماء يقولون : كنتم بمعنى أصبحتم ، بعد أن جاءتكم هذه الرسالة الخاتمة ، الكتاب المنزل على النبي الكريم ، و هو خاتم الكتب ، هذه الرسالة هي لكل الأمم و الشعوب ، ولكل الأعصار والأمصار ، و لنهاية الدوران ، أي أيتها الأمة حينما نزل على نبيكم الوحي أصبحتم بهذه الرسالة خير أمة أخرجت للناس ، هناك من يعتمد على هذا المعنى .

علة الخيرية : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله :

لكن الجواب الحاسم أن هذه الخيرية لها علة ، علتها تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله ، ثلاثة أشياء ، فما لم تتحقق هذه العلة فنحن قطعاً لسنا خير أمة أخرجت للناس .
الأستاذ علاء :
لسنا من الذين أصبحوا إن لم تتحقق العلة ، بالمعنى اللغوي هناك ارتباط .
الدكتور راتب :

أمة الإسلام قسمان : أمة الاستجابة وأمة التبليغ :

لذلك قسموا أمة النبي عليه الصلاة والسلام إلى أمتين ، أمة الاستجابة ، وهي خير أمة أخرجت للناس ، وإلى أمة التبليغ ، أمة التبليغ هناك آية تنطبق عليها ، هؤلاء الذين قالوا :

 

﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾

[ سورة المائدة : 18]

بماذا ردّ الله عليهم ؟ قال :

 

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[ سورة المائدة : 18]

حينما يبتعد المسلمون عن الإيمان ، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفقدون خيريتهم ، هم أمة كأية أمة خلقها الله عز وجل ، إذا هان أمر الله عليهم هانوا على الله ، هذه حقيقة مرة ، لكنها أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، نحن خير أمة إذا آمنا بالله الإيمان الذي يحملنا على طاعته ، و أمرنا بالمعروف ، و نهينا عن المنكر .

من أسباب هلاك الأمم : عدم التناهي عن المنكر :

وهناك بحث دقيق جداً عالجته في لقاءات قديمة أسباب هلاك الأمم ، أحد أكبر أسباب هلاك الأمم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، فأن تأمر بالمعروف ، وأن تنهى عن المنكر هذا سلوك يحصن المجتمع أما أن نجامل ، و نجامل ، و نمدح بلا أسباب ، و بلا مؤهلات ، و ننجو من أي قلق ، أو أي اعتلال ، فهذا سلوك لا يرضي الله عز وجل ،

(( وإنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ))

[ متفق عليه عن عائشة]

الأستاذ علاء :
أحد أكبر أسباب هلاك الأمم أنهم لم يتناهوا عن المنكر
و الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها .
الدكتور راتب :
هذا الموقف العدل ، فلذلك نحن خير أمة بسبب أننا إذا آمنا بالله الإيمان الذي يحملنا على طاعته ، ثم أمرنا بالمعروف ، ونهينا عن المنكر ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى ما سيكون ، و قد أعلمه الله بما سيكون ، لا يعقل النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلم ما سيكون بذاته ، إلا أن يعلمه الله ، هذه قضية عقيدة ، إن الله عز وجل أمره أن يقول :

﴿ قُلْ لاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ ﴾

لكن إذا حدثنا عن أشراط الساعة فهذا من إعلام الله له ، قال :

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر ؟ ـ الصحابة صعقوا ـ قالوا : أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟
أول مرحلة : كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ، و لم تنهوا عن المنكر ، قالوا : أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ ـ الصاعقة أشد ـ قالوا : أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ ـ المرحلة الثالثة أخطر مرحلة ـ قال : كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟))

تبدلت القيم الآن وانطمست الفطرة
تبدلت القيم ، الآن تبدلت مع ممارسة الخطأ ، والإصرار عليه ، انطمست فطرهم ، فأصبح الذي يأخذ ما ليس له شاطراً ، و أصبحت المتفلتة راقية ، و أن تلد الأمة ربتها ، و لا تعنى بأمها التي ولدتها وربتها ، تحتقر الجيل السابق ، وتتطلع إلى شيء لا يرضي الله عز وجل ، ولا يرضي القيم الثابتة في الإنسان .
الأستاذ علاء :
سيدي طرحت هذا الموضوع ، و هذا الموضوع هام و هام جداً ، أن يأتمر الإنسان بالمعروف ، وأن يعمل له هذا شيء ذاتي ، وأن يبتعد عن المنكر ، هذا شيء ذاتي ، لكن يوجد أمر :

 

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

ومن هلاك الأمم السابقة كما تفضلت كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، كيف يكون الأمر بالمعروف ، وكيف يكون النهي عن المنكر ؟

ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

الدكتور راتب :
أجاب النبي عليه الصلاة والسلام فقال :

(( من أمر بالمعروف فليكن أمره بالمعروف ، ومن نهى عن المنكر فليكن نهيه بالمعروف ))

[ورد في الأثر ]

النبي عليه الصلاة والسلام علمنا الحكمة ، علمنا أن نحاور الطرف الآخر حواراً لطيفاً ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة سبأ : 24]

الأمر بالمعروف يتعلق بهوية الإنسان ، الله عز وجل يقول :

 

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء : 59]

الإمام الشافعي له رأي رائع في أولي الأمر ، من هم أولو الأمر ؟ قال : " العلماء والأمراء " ، العلماء يعلمون الأمر ، و الأمراء ينفذون الأمر ، فالمؤمن يجب أن يأمر بالمعروف بلسانه ، أما القوي فيجب أن يأمر بالمعروف بقوته ، بقرار .
الأستاذ علاء :
صاحب السلطة هم أولو الأمر .
الدكتور راتب :
أولياء الأمور هم العلماء والأمراء ، العلماء يعرفون الأمر ، والأمراء ينفذون الأمر ، هم متكاملان ، فإذا أبلى العالِم بحقيقة المعروف جاء الأمير فنفذ هذا التوجيه ، تكامل المجتمع ، إذاً : العلماء والأمراء هم الذين ورد ذكرهم في الآية الكريمة :

 

﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء : 59]

فالقوي الذي معه سلطة بجرة قلم يحق حقاً ، و يبطل باطلاً ، يقر معروفاً ، و يزيل منكراً .
الأستاذ علاء :
سيدي ، كيف نوفق بين ما تقدمت به ، وتفضلت به ، و بين من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، ثم بلسانه ، ثم بقلبه ، وهذا أضعف الإيمان ؟

التوفيق بين الأمر بالمعروف عامة وحديث

(( من رأى منكم منكرا ...))

:

 

الدكتور راتب :
هذه متعلقة بالابن والبنت ، فإذا كانت البنت متفلتة يقول الأب : ماذا أفعل ، أنا نصحتها ؟ إذا كانت متفلتة فلك عليها الولاية ، وتملك عليها الفضل ، ,هي تعيش في كنفك ، تأتمر بأمرك ، هناك حالات ، وهناك شرائح اجتماعية لا ينبغي أن تقول : أنا نصحته ، ولم ينتصح ، لابد من ضغوط من أجل أمور أخرى ، من أجل أمور دنيوية ، من أجل مصالح مادية ، تتم الضغوط أحياناً ، النصح مع التعنيف أحياناً ، فإنسان في حوزتك ، و في إمرتك ، و أنت متفضل عليه ، و هو يمثلك ، هو ينحرف ، تقول : نصحته فلم ينتصح لابد أن تضبط من هو بكنفك
هذا غير مقبول ، تماماً كما لو مرّ أب في الطريق ، فرأى شباباً ثلاثة يدخنون ، أحدهم ابنه ، والثاني ابن أخيه ، والثالث لا يعرفه ، يغضب أشد الغضب من أقرب الشباب إليه ، من ابنه ، ويعنفه ، ويأمر ابن أخيه أن ينصرف إلى البيت ، و يقول له : هذا الشيء لا يليق بك ، ولا بوالدك ، ثم يقول للثالث : انصرف ، حدة الإنكار تنصب على الابن أولاً ، ثم على ابن الأخ ثانياً ، ثم لا تنصب على الطرف الثالث ، لأنه من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ، لعله يجيبه إجابة قاسية جداً ، أما الذي في حوزتك ، وتنفق عليه ، و هو يمثلك ، وكلمتك نافذة عنده فلا ينبغي أن نكتفي بكلمة : أنت مخطئ ، لابد من ضبط .
الأستاذ علاء :
سيدي ، هل نستطيع أن نفسر الحديث النبوي :

(( فليغيره بيده أو بلسانه أو بقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ))

أن يكون التغيير باليد أي بالفعل هو من شأن السلطان ، و باللسان من شأن العلماء ، وبالقلب من شأن عامة الناس الضعاف ، الحقيقة هل نتلمس هذا هنا ؟

التفسير الصحيح لمراتب النهي عن المنكر الواردة في الحديث :

الدكتور راتب :
لا يقبل أن تنكر بقلبك إذا كان بالإمكان أن تنكر بلسانك ، كما أنه لا يقبل منك أن تنكر بلسانك إذا كان في الإمكان أن تنكر بيدك .
لكن بشكل توضيحي ، نقول : العلماء مكلفون أن يأمروا بالمعروف بألسنتهم ليبينوا للناس ، والأمراء مكلفون أن يأمروا بالمعروف ، وأن ينهوا عن المنكر بما آتاهم الله من قوة .
مثلاً : نحن نعلم الامتناع عن التدخين في الطائرات و أي مكان آخر أنه قرار ، فهذه مهمة كبيرة ، بقرار يحق حقاً القوي ، و يبطل باطلاً .
إذاً : العالم مكلف أن يأمر بالمعروف بلسانه وبيانه ، و الأدلة ، والأمثلة ، والتطبيقات ، والأمير مكلف أن ينفذ توجيهات ، هذا الذي أعطى هذه المعلومات الدقيقة عن الشرع الحنيف ، والإنسان الضعيف ينكر بقلبه .

من شهد منكراً فأنكره كان كمن غاب عنه ، وإذا غاب عن منكر فأقره كان كمن شهده :

ولكن قالوا : من شهد منكراً فأنكره كان كمن غاب عنه ، وإذا غاب عن منكر فأقره كان كمن شهده .
هناك حالتان : من غاب عن منكر فقبله كان كمن شهده ، و من شهد منكراً فأنكره كان كمن غاب عنه ، و الحقيقة يوجد نقطة دقيقة جداً الإنسان أحياناً يحاسب على ذنب لم يرتكبه ، كيف ؟
لا تشمت بذنب أخيك خشية أن تقع فيه
لك صديق ارتكب ذنباً ، إن ذكرته فقد اغتبته ، وإن أقررته فقد شاركته في الإثم ، وإن شمت به ابتلاك الله به ، يجب على الإنسان أن يبتعد عن أن يفضح ، وعن أن يشمت ، وعن أن يشارك ، لذلك يأتي إلى هذا المذنب بأدب جم ، وينصحه بينه وبينه .
إذا قال : أنا لا أفعل ، هذا كبر و استعلاء ، لعله يبتلى به ، وإذا نشر هذا الخبر ، وعده عملاً جيداً فقد نشر هذا الخبر ، وشاركه في الإثم وأقره ، وإذا اغتابه ، وعنفه بغيبته أفسد العلاقة بينه و بينه ، و :

(( الذنب شؤم على غير صاحبه ))

[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه ضعف]

هكذا الحديث :

(( الذنب شؤم على غير صاحبه ، إن ذكره فقد اغتابه ، وإن عيره ابتلي به ، وإن رضيه شاركه في الإثم ))

.
الشرع له ميزان دقيق ، ينبغي ألا تشمت ، لذلك كانت عقوبة الشامت ضعفا في مقاومته ، فيقع في الذنب نفسه ، وينبغي ألا تقره على خطئه ، إن أقررته على خطأه شاركته في الإثم ، وينبغي ألا تغتابه كي تبقى العلاقة سليمة بينك وبينه ، الصواب أن تشكر الله على أن عافاك من هذا الذنب ، وأن تأتي إليه ، وأن تنصحه بينك و بينه ، هذا الموقف الكامل .
الأستاذ علاء :
سيدي ، هناك بعض الناس يفتون لأنفسهم ، يبيحون لأنفسهم من خلال الحديث فهماً قاصراً ، ومن خلال عدم فهم الآية فهماً دقيقاً ، بأن يتولوا أمر ومهمة الحاكم وأولي الأمر ، وينصبوا أنفسهم على العباد في مرتبة من ينهى ، و يأمر ، و من يميز بين الناس ، و يُقوم سلوك الناس ، ماذا نقول في حق هؤلاء ؟

المسلمون دعاة لا قضاة على الناس :

المسلمون دعاة وليسوا قضاة
الدكتور راتب :
أولاً الدعاة ليسوا قضاة لكنهم ناصحون .
أول نقطة في الموضوع : أن الإنسان ينبغي أن يستخدم الحكمة المطلقة ، بمعنى أنك لو أنكرت منكراً بيدك ، ونشأ عن هذا المنكر فتنة كبيرة يمنع أن تنكر المنكر بهذه الطريقة ، يقول سيدنا عمر : << ليس بخيركم من عرف الخير ، و لا من عرف الشر ، و لكنه من عرف الشرين ، و فرق بينهما ، و اختار أهونهما >> .

 

 

 

 

لا يجوز تغيير منكر يسبب منكرا أشد منه :

هذا منهج ، مثلاً : حينما تضطرم في نفسك مشاعر معينة ، وأتحرك بلا تخطيط ، و بلا مرجعية ، و بلا منهج ، أجرّ على المسلمين متاعب لا تنتهي ، و قد أكون مخلصاً في هذه الحركة ، لكن في العمل ليست صحيحة .
الأستاذ علاء :
هذا عمل الأحمق سيدي .
الدكتور راتب :
عندما تدع خيرا يربو عليه الشر
نعم ، فأنا أقول : ويلات كثيرة جداً جرت على المسلمين بسبب أناس لم يرجعوا إلى المرجع الصحيح ، و لم يلتزموا المنهج القويم ، و لم يعرفوا دقائق هذا الموضوع ، أن أنكر المنكر بطريقة حكيمة ، فإذا كان إنكار المنكر سيؤدي إلى منكر أشد ينبغي أن أنكره بلساني لا بيدي .
الأستاذ علاء :
هذا مبدأ في الأصول ، وهو : درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح .
الدكتور راتب :
دع خيراً عليه الشر يربو ، فلابد من ميزان دقيق ، أنا أريد أن أقدم شيئاً للأمة ، أن أريد ألا أجلب لها الدمار و الهلاك بنزوة عاطفية و انفعال شديد غير منضبط بمنهج الله عز وجل ، و الأمثلة كثيرة جداً .
الأستاذ علاء :
حان وقت الفقرة العلمية .
الدكتور راتب :
نعم هناك فقرة علمية تبين عظمة الله عز وجل ، الإنسان المتأله أحياناً يظن أنه يفعل ما يريد ، لكن الله سبحانه و تعالى قوي شديد البطش ، فنحن يجب أن نعرف الله من رحمته ، و أن نعرفه من قوته ، والأنبياء يعبدون الله رغباً ورهباً .

 

 

 

 

الأمواج التي تسببها الزلازل في أعماق الأرض :

أمواج التسونامي ضخمة تسببها الزلازل
الآن إلى بعض الأمواج التي تصنعها الزلازل في أعماق الأرض :
أحياناً يحدث في قاع المحيط زلزال يكون سبباً في تشكيل أمواج كما ترون ضخمة في البحر ، تسمى هذه الأمواج أمواج تسونامي ، هذه الأمواج تدمر شريطاً ساحلياً بأكمله ، والأثر المدمر لهذه الأمواج التي تعلو إلى أربعين متراً ، لا تبقي ولا تذر .
زلزال تسونامي الذي وقع قبل أعوام خير شاهد على ذلك ، هذا البناء تأتيه الموجة فتهدمه ، ويمكن أن يحمل صخرة وزنها خمسون طناً إلى مسافة بعيدة جداً ، هذا الزلزال سرعته ألف و ستمئة كيلو متر بالساعة .

 

إِنّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ

إن بطش ربك لشديد
شيء آخر طبعاً لا يبقي و لا يذر :

 

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴾

[ سورة البروج ]

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً ﴾

[ سورة يونس : 24]

يجب أن نخاف من الله ، ورأس الحكمة مخافة الله ، هذا الفندق الضخم جداً على الساحل جاءت الأمواج فحطمته ، انظر إلى السيارات كيف تتلاطم مع الجدران .
الأستاذ علاء :
لهذا الموج قوة هائلة .
الدكتور راتب :
الله عز وجل قوي ، لكن لابد من أن نتقي ربنا ، و نحن في الرخاء ، لو عرفناه في الرخاء عرفنا في الشدة ، و هذه حقيقة .
طبعاً المنازل ، المنشآت ، الفنادق ، السفن تغدو على أسطح المنازل ، هذا هو الزلزال الذي حدث في القواعد الصخرية للأرض ، وهناك اثنا عشر لوحاً تحت القارات ، تحمل هذه القارات تسمى الصفائح ، بفعل البراكين العميقة جداً تتباعد هذه الصفائح ، أو تتقارب ، لا يبقي و لا يذر .
لذلك اسألوا الله العافية ، و أن يحفظ بلادنا من كل سوء ، هناك مصائب تنسينا جميع المشكلات ، السفن فوق أسطح المنازل ، و هذه البيوت الراقية جداً أصبحت أنقاضاً كما يرى في المشاهد .
الأستاذ علاء :
إذاً حركة الصفائح تتباعد ، أو تصطدم فتصبح حركة اندفاعية .
الدكتور راتب :
نعم بالاندفاع نحو الأعلى تتباعد ، بالاندفاع نحو الأسفل تصطدم ، هذا الزلزال الذي وقع في تسونامي قوته مليون قنبلة ذرية ، كما ترى المياه تأتي ، البيوت لا يوجد شيء ، أبداً لا تبقي و لا تذر .
التسونامي لا يبقي ولا يذر
الأستاذ علاء :
عندما حدثنا القرآن عن قصة سيدنا نوح ، كان الشخص يظن كيف يأخذ الناس الطوفان ، لم يبقِ شيئاً .
الدكتور راتب :
وفي لقاء قادم إن شاء الله سأتحدث عن هذا الزلزال بشكل مفصل إن شاء الله ، لأن الإنسان يجب أن يعرف حجمه عند الله عز وجل .
الأستاذ علاء :
لذلك سيدي الكريم ، مثلما تفضلت إن الله يعرف بتجليين تجلي الجلال ، وتجلي الجمال ، تجلي الجلال من خلال قوته و جبروته و بطشه ، و من خلال رهبته و رهبة هذه القوة ، وتجلي الجمال من خلال المحبة و اللطف ، و من خلال حالات الأنس التي يشعر بها المرء عند اقترابه و اتصاله به .
الدكتور راتب :
لذلك يقول عليه الصلاة و السلام في بعض أدعيته :

(( أعوذ بك يا رب من فجأة نقمتك ، و تحول عافيتك ، و جميع سخطك ))

[أبو داود عن ابن عمر ]

الإنسان ضعيف ، فالذي يقول : أنا ، لا يعرف الله .

خاتمة وتوديع :

الأستاذ علاء :
لا يسعنا إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين في جامعة دمشق ، شكراً لهذا الحديث ، سنلتقي إن شاء في الحلقة القادمة ، والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018