الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 21 - الفطرة - الفطرة والصبغة – سمك السلمون - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 21 - الفطرة - الفطرة والصبغة – سمك السلمون


2006-03-13

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليه ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، نحن وإياكم في ضيافة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، أهلاً وسهلاً بأستاذنا الكريم .
الدكتور راتب :
أهلا بكم أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ علاء :

مقدمة تذكيرية :

أستاذنا ، نحن تحدثنا في الحلقات السابقة عن مقومات التكليف ، بدأنا بالكون ، وأفردنا له الكثير ، والعقل وأفردنا له الكثير ، ووصلنا إلى الفطرة ، وكنا قد تحدثنا عن الفطرة ، وهذه الفطرة أو هذه الجبلة التي خلق الله الإنسان عليها ، وتحدثنا في هذه الفطرة ، وفي هذا التخليق ، وفي هذا الخلق ، هنالك نقاط ضعف عند الإنسان .
الدكتور راتب : هي كمال مطلق .
الأستاذ علاء : التي تحدثنا بأن تبينا من خلال الحديث معك بأنها كمال مطلق ، حيث تحدثنا في مسائل الضعف عند الإنسان ، وهو هلوع ، كما وصفه القرآن الكريم ، الهلع يقسم قسمين ، كما فسرت في الحلقة الماضية الجزوع والمنوع ، ثم الضعيف ثم العجول ، وفي كل هذه الصفات التي تبدو للعيان مباشرة بأنها هي صفات ارتكاس ، أو عدم كمال ، أو هي صفات تعني الضعف ، وتعني عدم الكمال في الخلق ، تبينا بأن هذه الصفات هي أساسية ، وهي ضرورية لهذا المخلوق لكي يكتمل خلقه ، ولكي يكتمل تشكيله ذاتياً نفسياً ومادياً ، وبالتالي فيها الكمال مع أن ظاهر هذه الصفات هو النقص .
الدكتور راتب :
ليحقق الهدف من وجوده .
الأستاذ علاء :
الآن سيدي الكريم نتحدث عن الفطرة ، وهنالك من يقول : هل الفطرة هي الصبغة ؟ هل الصبغة هي الطبع ؟ هل الفطرة والصبغة والطبع هي مقومات التكليف ، أو ما علاقة هذه الصفات بالتكليف ؟

الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ

لامعنى لوجود الإنسان من دون منهج
الدكتور راتب :
شكراً أستاذ علاء ، بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، هذا الكتاب الذي بين أيدينا كتاب الله عز وجل فيه كل شيء ، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، الله عز وجل يقول :

 

﴿ الرَّحْمَنُ *عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن]

أي لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه ،

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾

أي أنزله ، وكلف النبي الكريم أن يبينه .

﴿ خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ ﴾

هذا ترتيب رتبي ، وليس ترتيباً زمنياً .

معنى الترتيب الرتبي :

الأستاذ علاء : الترتيب رتبي وليس زمني .
الدكتور راتب : أي لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه ، الآن القرآن يقول :

 

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس ]

عذاب الفطرة عند الخروج عن منهج الله :

القلق والعذاب النفسي يقيس بعدك عن الله
صممت تصميماً رائعاً ، لأنها مجبولة بتوافقية عجيبة مع منهج الله ، فإذا ما خرجت عن منهج الله تكتئب ، وتتألم ، وتتيه ، فلذلك مقياس الإيمان الراحة النفسية ، مقياس البعد عن الله الضجر والقلق والعذاب النفسي والإحباط ، لكن الفطرة هي التي تعذب النفس ، لو أن الإنسان فطر على حب الكذب ، مثلاً يكذب ولا يتألم ، لو فطر الإنسان على الظلم لظلم ، ولا يتألم ، مِن أروع ما في الفطرة أنها مرجع ، الفطرة مقياس ، فأنت لو لم تطلب العلم ، لو لم تتعلم ، لو لم تفقه شيئاً عن كتاب الله ، لو لم تتابع دروس العلم فأنت حينما تخرج عن منهج الله لأن فطرتك متوافقة توافقاً تاماً مع منهج الله هي المرجع ، فالكآبة هي عذاب حينما تبتعد عن منهج الله ، إذاً الفطرة لا تعني أن الإنسان كامل إطلاقاً ، الفطرة تعني أن الإنسان يحب الكمال ، وفرق كبير بين أن يكون الإنسان محبا للكمال فحسب ، وبين أن يكون كاملاً ، لا تعني الفطرة أن الإنسان عادل ، لكنه يحب العدل ، فإذا ظلم تعذبه فطرته ، كأن الله سبحانه وتعالى جعل الفطرة مرجعاً أخلاقياً لنا ، قال تعالى :

 

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس]

فألهمها حينما تفجر إلهاماً داخلياً أنها فجرت ، من دون تدخل خارجي ، لو أن الإنسان جلس في جزيرة لم يتلقَ أية معلومة عن منهج الله ، فإذا ظلم أمه مثلاً يشعر بالضيق ، هذه من نعم الله الكبرى ، لذلك فقد منح الله الإنسان عقلاً كافياً لمعرفته ، منحه فطرة كافية لمعرفة خطئه .
الأستاذ علاء :
لتصحيح خطئه ، إذاً سيدي التفسير :

﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

استطعت أن أفهم من حديثك تفسير ألهمها أي بمعنى علمها كيف تتحسس بالخطأ ، وكيف تتحسس للتقوى ، وتسر بها ، وليس ألهمها كما يظن العوام والعياذ بالله المعنى الجبري .

المعنى الجبري مرفوض عقلا وشرعا :

الدكتور راتب :
عقيدة الجبر هي التي شلت الأمة الإسلامية
ولا شل الأمة الإسلامية في عصور تخلفها كعقيدة الجبر ، النقطة الدقيقة جداً أن الإنسان مخير ، وفي اللحظة التي نتوهم خلاف ذلك ألغينا الجنة ، ألغينا النار ، ألغينا الثواب ، ألغينا العقاب ، ألغينا العدل ، ألغينا الرحمة ، ألغينا التكليف ، ألغينا حمل الأمانة ، وأصبحت الحياة تمثيلية سمجة ، لذلك لما سأل سيدنا عمر عن إنسان يستحق إقامة الحد عليه في شرب الخمر قال : والله يا أمير المؤمنين ، قدر عليّ ذلك .
بالمناسبة أستاذ علاء ، الإنسان يرغب أن يعزو أخطاءه إلى القدر فقال : << أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، قال : ويحك يا هذا ، إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >> .
مرة ثانية ، في اللحظة التي يتوهم فيها الإنسان أن الله أجبره على أفعاله كلها هذه اللحظة تعني ألغي التكليف ، ألغيت الأمانة ، ألغي الثواب ، ألغي العقاب ، ألغيت الجنة ألغي النار .

ألقاه في اليم مكتوفاً و قال له إيّاك إياك أن تبتل بالماء
***

الأستاذ علاء :
ما دور العقل مع الجبر ، لا معنى للعقل مع الجبر .

دور العقل مع الجبر :

الدكتور راتب : أنا ما سمعت إنساناً حقق تفوقاً قال : إن الله قدّر لي هذا التفوق ، لماذا في الأمور الإيجابية ينسبها إلى ذاتك ، وفي الأمور السلبية تنسبها إلى الله عز وجل ؟ قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 28]

هناك كلمات يقولها العوام هي الكفر بعينه ، يقول لك : " طاسات معدودة بأماكن محدودة " ، كأن الله أجبره على أن يشرب الخمر ، تقول له : أدِ ما عليك من عبادات ، فيقول لك : حتى يأذن الله ، وكأن الله لم يأذن له ، وهذا كله خلاف نصوص القرآن الكريم ، لذلك أنا أنصح الإخوة المشاهدين أن يجروا جرداً لمعتقداتهم ، هناك معتقدات وصلت إلينا من كلام العوام ، من دعاة لا يعرفون حقيقة الدين ، هذه تشل الإنسان .
إن الطالب يأتيه من يقول له : إن المدرس سوف يعطيه الأسئلة ، فانتهت دراسته ، لا يدرس ، والفكرة لا أصل لها .
أستاذ علاء ، لولا أنه ما من شيء تعتقده إلا وينقلب إلى سلوك لولا هذه الحقيقة لقلتُ : اعتقد ما شئت ، لكن ما من عقيدة ، ما من تصور ، ما من فهم ، ما من شيء استقر في ذهن الإنسان إلا ويترجم إلى سلوك ، لذلك كما قلت في الحلقة السابقة : الخطأ في الميزان لا يصحح ، أما الخطأ في الوزن فلا يتكرر .
إذاً : لولا أن النفس فطرت فطرة كاملة لما كانت مرجعاً للأخلاق .
الأستاذ علاء :
أنا أخذت من وقت الحلقة في هذا الموضوع لأهميته .
الدكتور راتب :
كل مخلوق جبل على ما ترتاح له نفسه
أضرب بعض الأمثلة ، أليس هناك حيوانات تعيش في المياه المالحة السوداء ، وهي في أشد حالات الراحة النفسية ؟ معنى ذلك أن هذه الحيوانات جبلت على هذه المياه المالحة ، الخنزير يأكل الفطائس ، يأكل الجيف ، وعندنا أمثلة في الخلق .
هناك حيوان يأكل الشيء الذي يستقذره الإنسان ، معنى ذلك أن له جبلة خاصة ، فالإنسان لأنه مكرم عند الله فطره فطرة عالية هي مرجع له ، وهي محاسب له ، وهي كما تفضلت سبب لتصحيح سلوكه ، فالفطرة لا تعني أن الإنسان كامل ، لكنه يحب الكمال ، الإنسان المتفلت يقدس إنسانة ملتزمة ، مع أنه يريدها متفلتة ليحقق شهوته ، لكنه يقدس الملتزمة .
مرة رجل من أكبر الملحدين في سان فرانسيسكو أستاذ رياضيات ، هذا الرجل بسبب أنه انتقد أستاذ الديانة سابقاً طرده والده من البيت ، واعتنق الإلحاد ، لكنه على مستوى من الذكاء مذهل ، فكان الأول في الرياضيات ، وكان أستاذه يقول له : اخرج من القاعة ، ولك علامة تامة ، لأنه كان يربكه ، وهو في أعلى منصب في جامعة سان فرانسيسكو تأتيه طالبة شرق أوسطية متحجبة ، يقول في كتاب ألفه ، وترجم إلى اللغة العربية : هذه الإنسانة شعر أنها تنطوي على مبادئ وقيم نادرة ، فالفتيات في الصيف في أمريكا شبه عرايا ، إنها محجبة حجاباً تاماً ، فقال : أنا رأيتها إنسانة قديسة ، ولم أستطع أن أحدّق في وجهها ، ولأنها تحضر دكتوراه في الرياضيات ، فأنا أخذت فكرة أخرى عن فتيات الشرق الأوسط ، وعكف من توه على قراءة القرآن الكريم ، وصل إلى آية : فاليوم ننجيك ببدنك

﴿ فَاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدِنِكَ ﴾

فاعتبر هذه الآية من أغلاط القرآن الكريم ، فاتصل بصديقه موريس بوكاي رئيس المشرحة في فرنسا ، وقال له : هذه الآية ما تفسيرها ؟ قال : هذا الذي قال الله عنه :

﴿ فَاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدِنِكَ ﴾

جيء به إلى هذه المشرحة ، ورممته ، ورأيت آثار الملح في فمه .
الأستاذ علاء :
وهو فرعون الذي تبع سيدنا موسى .
الدكتور راتب :

الإنسان يحب الكمال ، وليس ضرورياً أن يكون كاملاً :

الإنسان يحب الكمال
هذا جيفري لنك الملحد أستاذ الرياضيات ، هو الآن أكبر دعاة أمريكا الإسلاميين ، لأنه رأى إنسانة عندها قناعات تنطلق من فكر ، من مبادئ ، من قيم ، فأنا أقول لك أستاذ علاء : معنى الفطرة أن الإنسان يحب الكمال ، وليس ضرورياً أن يكون كاملاً ، الإنسان يحب الكمال ، يحب الصدق ، يحب الأمانة ، يحب الوعد الصحيح ، يحب الإنصاف ، يحب العدل ، هذه فطرة الإنسان في كل زمان ومكان ، من آدم إلى يوم القيامة ، حتى الذي يسرق يوزع السرقة على فريق عمله بالتساوي بالعدل ، كما قلت البارحة : الفطرة لا أن تكون كاملاً ، أن تحب الكمال ، والفطرة مرجع أخلاقي ، إذا صح أن العقل مقياس علمي فالفطرة مقياس أخلاقي ، الآن أحدث الطائرات والمركبات الفارهة جداً العدادات لوحة بيضاء في خلل يظهر على الشاشة ، والإنسان بأعلى درجة من الإتقان :

 

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة النمل : 88]

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس ]

فالفطرة لا تعني الكمال ، لكنها تعني حب الكمال ، التفوق إلى الكمال ، وأشد الناس بعداً عن الله أشد الناس انغماساً في الرذائل وفي المعاصي والآثام يحب الكمال .
إن امرأة بغي إذا رأت إنسانة تحمل ولدها ، وهي ربة أسرة ، أنا أتأكد أنها تذوب شوقاً إلى أن تكون سيدة منزل شريفة .
الأستاذ علاء :
سيدي ، حتى لا تحب لابنتها ما كان عليه حالها .
الدكتور راتب :
هناك شيء يكاد لا يصدق ، الذي له موقع في محاربة الدين يحرص على أن تكون ابنته متدينة ، شيء عجيب ، هذه الفطرة .
الأستاذ علاء :
نأتي الآن الصبغة ، ما الفرق بين الفطرة والصبغة ؟

الفرق بين الفطرة والصبغة :

لايمكن أن تتصل بالرحيم وتكون قاسيا
الدكتور راتب : إذا كانت الفطرة أن تحب الكمال ، ولا يعني أن تكون كاملاً فالصبغة هي أن تكون كاملاً ، وخزائن مكارم الأخلاق مجموعة عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً ، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تتصل بالرحيم ، وأن تكون قاسياً ، قال تعالى :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد عند اتصالك بنا كنت رحيماً ، مستحيل أن تتصل بالعدل ، وأن تكون ظالماً ، مستحيل أن تتصل بالحكيم ، وأن تكون غير حكيم ، مستحيل ـ أستاذ علاء ـ هي الثمرة الكبرى من الصلاة أن تتخلق بالكمال الإلهي ، لكن هذه الصلاة كما قلت البارحة : ليس كل مصل يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكفّ شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب .
الصبغة إحدى أكبر ثمار الصلاة ، الفطرة أن تتوق إلى الكمال ، لكن الصبغة أن تكون كاملاً ، لا كمالاً ذكائياً ، الإنسان الذكي جداً يستطيع أن يقوم بدور تمثيلي رائع في الأخلاق ، أما إذا هددت مصالحه ينقلب وحشاً ، وقد بدا بعد أحداث أيلول أن هذه الحضارة الكبيرة التي خطفت أبصار أهل الأرض ، وأنهم أعجبوا بها ، وكان الذي يحمل البطاقة الخضراء كأنه داخل إلى الجنة ، هذه الحضارة سقطت في الوحل ، وبقيت قوة غاشمة ، أنا أقول : هناك كمال أساسه الذكاء ، ذكي جداً ، لكن هذه حالة مادامت مصالحه مؤمَّنة ، وإذا هددت مصالحه يصبح وحشاً كاسراً ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران : 179]

هذه الآية تنطبق على الأفراد ، وعلى الدول .
حضارة الغرب سقطت بالوحل وتحولت لقوة غاشمة
إن دولة ترفع شعارات حرية وديمقراطية ، وحقوق إنسان والعدالة الاجتماعية ، و العولمة واحترام جميع الأديان ، حينما تصاب مصالحها تنقلب إلى دولة متوحشة ، إذاً الفطرة أن تحب الكمال ، والصبغة أن تكون كاملاً لا كمالاً ذكائياً مصلحياً طارئاً هدفه كسب الأموال .
هناك شركات عملاقة في العالم صادقة ، بضاعتها متقنة ، وهذا الشيء رائع ، لكن هذا يندرج تحت نجاحها في عملها فقط ، أما حينما يتصل الإنسان بالله يصطبغ بصبغة الكمال الإلهي ، فلذلك أنا أقول : مستحيل وألف ألف مستحيل أن ترى مؤمناً كاذباً ، أو مؤمناً محتالاً ، أو مؤمناً منحرفاً ، أو مؤمناً قاسي القلب ، قال تعالى :

 

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الزمر : 22]

تتصل بالرحيم ، وتقسو على خلق الله ؟! الإنسان بنيان الله ، وملعون من هدم بنيان الله .
والله الذي لا إله إلا هو أنا لا أصدق أن يستطيع المؤمن أن يدوس نملة قصداً ، فهؤلاء الذين يقصفون البلاد والعباد ، ويدمرون الشعوب من أجل مصالحهم ، ويكذبون على الناس ، هؤلاء قطعاً ما عرفوا الله .
الأستاذ علاء :
وليس بينهم وبين الله أي صلة ، الصبغة إذاً هل هي التخلق بأخلاق الله عز وجل ؟

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم

الدكتور راتب :
نعم هكذا ، لكن الآية الدقيقة :

 

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾

[ سورة البقرة : 138]

نحن بأمس الحاجة لأن نرحم بعضنا بعضا
الآية التي توضح المعنى بشكل أدق ، قال تعالى :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم ، فلما كنت ليناًَ لهم التفوا حولك ، ولو كنت بعيداً عنا لامتلأ القلب قسوة ، وترجمت القسوة إلى غلظة وفظاظة ، فلو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ، قال تعالى :

 

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

ونحن الآن في أمسّ الحاجة إلى أن يرحم بعضنا بعضاً ، الإنسان يحتاج إلى من يرحمه ، نحتاج إلى أخوة إيمانية نحتاج إلى وحدة نحتاج إلى تعاون نحتاج إلى تضامن لأن العالم أصبح وحشاً كاسراً ، طبعاً هناك موضوع الطبع إن شاء الله في حلقة قادمة .
الأستاذ علاء : والآن مفاجأة .

مِن آيات الله في مخلوقاته : سمك السلمون :

الدكتور راتب :
مفاجأة في موضوع علمي يتحدث عن سمك السلمون ، وإلى الموضوع العلمي والفيلم المتعلق بسمك السلمون .

 يعيش على شواطئ الأنهار في شرق أمريكا الشمالية ، وفي غربها واحد من أغرب الرحالين في العالم ، إنه سمك السلمون

 

سمك السلمون يعيش شرق أمريكا الشمالية

 هذا السمك يواجه أقسى الظروف ، وكأنه آية من آيات الله الدالة على عظمته ، فالصنعة تدل على الصانع ، والخلق يدل على الخالق ، هذا السمك يضع بيوضه في أعالي الأنهار في الجبال في أمريكا الشرقية والغربية

يضع سمك السلمون بيوضه في أعالي الأنهار

 هذه البيوض حينما تفقس تخرج السمكة ، ومعها محفظة غذائها كما ترى

تخرج السمكة من البيضة ومعها محفظة غذائها

 هذا صنع الله الذي أتقن كل شيء .
 تبدأ رحلتها من أعالي الأنهار باتجاه المحيطات شرقاً باتجاه المحيط الأطلسي ، وغرباً باتجاه المحيط الهادي ، وقد تطول الأنهار إلى آلاف الكيلو مترات ، وتستمر هذه الرحلة أشهراً عديدة كي تصل إلى ساحل البحر

تنمو أسماك السلمون في النهر

 وتمر في المياه الجارية ، كانت سمكة صغيرة ومعها محفظة غذائها ، وبدأت تنمو في النهر ، لكن هذا السمك من فضل الله عز وجل وحكمته ورحمته وتنفيذاً لقوله تعالى :

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه]

 لأن هذه الأسماك لها رحلة قاسية جداً تواجه ظروفاً صعبة جداً مزودة بدورة قوية

 

رحلة السلمون قاسية وتواجه ظروفا صعبة


 تبدأ آلاف أسماك السلمون بالهجرة على طول النهر في أول فصل الربيع ، وتصل بعد مدة طويلة إلى مكان فسيح ، وليكن في هذا الفيلم المحيط الهادئ ، وتسير من سواحل أمريكا الشمالية باتجاه ألاسكا ، كما يأتي السهم ، وتنزل إلى أن تصل إلى سواحل اليابان ، رحلات بآلاف الكيلو مترات

 

تقطع السلمون آلاف الأميال بين ألاسكا وسواحل اليابان

 أستاذ علاء ، وبمجرد وصولها إلى مياه البحر المالحة تحدث فيها تغييرات بنيوية في بنيتها الوراثية من أجل أن تتكيف بمياه البحر .
 بالمناسبة ، الأسماك التي تعيش في المياه العذبة لا يمكن أن تعيش في المياه المالحة ، يجري عليها تطويرات بنيوية كي تتكيف مع مياه البحر المالحة ، وقد تستغرق رحلتها أربع سنوات ، وتقطع عشرات ألوف الأميال .
 الآن وصلت إلى شواطئ اليابان

تتكيف السلمون كي تستطيع العيش في النهر العذب والبحر المالح

 وأرادت أن تعود إلى مكان ولادتها ، حيث ولدت ، الشيء الذي لا يكاد يصدق كيف تعرف النهر ؟ هي مزودة بجهاز مغناطيسي ينبئها بجهة الشمال المغناطيسي ، وهذا من آيات الله الدالة على عظمته ، لكن السؤال الآخر : كيف تعرف مصب النهر لو اختلفت زاويتها درجة واحدة لجاءت بعد ألف كيلو متر ، هي الأسماك الوحيدة التي لها حاسة شم تشبه حاسة شم الكلاب ،

 

لسمك السلمون حاسة شم قوية تشبه حاسة شم الكلاب

 لكل نهر رائحة خاصة ففضلاً عن أنها تتجه من اليابان إلى سواحل أمريكا الغربية ، أو من الأطلسي من فرنسا إلى سواحل أمريكا الشرقية عن طريق المغناطيس الشمالي .

 

 الآن عندها حاسة شم رائعة جداً تكشف لها رائحة النهر الذي أتت منه ، الآن تصارع الشلالات كما بدأ في الفيلم قبل قليل ، تقفز أربعة أمتار كي تتجاوز الشلالات ،

قد يقفز السلمون أربعة أمتار كي يتجاوز الشلال عكس التيار

 ولا يستقر بها المقام إلا إذا عادت إلى مكان ولادتها .
 وصلت الآن إلى مصب النهر الذي خرجت منه وبعدها .
الأستاذ علاء :
 تتعرف .
الدكتور راتب :
 وبعدها تعود إلى النهر الذي خرجت منه ، وتعود إلى رأس النهر الذي ولدت فيه ، وكيف تهتدي عبر فروع النهر ، وعبر مصباته ، وعبر شلالاته شيء لا يصدق .
 الحقيقة أن هذه الأسماك زودت بجهاز مغناطيسي يرشدها إلى جهة الشمال دائماً

 

في أسماك السلمون جهاز مغناطيسي يرشدها إلى جهة الشمال

 فبهذا الجهاز تتجه من سواحل فرنسا إلى شواطئ أمريكا الشرقية ، ومن وساحل اليابان إلى شواطئ أمريكا الغربية ، وأجريت دراسات على هذه الأجهزة التي زودها الله بها أجهزة المغناطيس ، وأجهزة الشم كي تكتشف رائحة النهر الذي خرجت منه ، هذه آية من آيات الله الدالة على عظمته ، الله عز وجل يقول :

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات : 20]

﴿ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس : 101]

﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾

[ سورة النازعات : 30]

 الآيات الكونية في القرآن الكريم تزيد على ألف وثلاثمئة آية ، وكلها تبين عظمة الله عز وجل ، ولأنه هذا القرآن كلام الله ، ولأن هذا القرآن لكل البشر ، ولكل الأمم والشعوب إلى يوم القيامة يجب أن يكون أنه دليل كلام الله ، والآيات الكونية التي فيه والتي تزيد على ثلث القرآن تؤكد أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن .

 

الآيات الكونية تؤكد أن الله الذي خلق الأكوان هو أنزل القرآن

الأستاذ علاء :
 الحقيقة ، تابعنا هذا الفيلم في إعجاز لله عز وجل في خلقه كيف أن السلمون ولد وفقس بيضه في أعالي الأنهار ، وعاد إليه بعد آلاف الأميال ، وفيها تفرعات ، وأيضاً عكس مجرى النهر ، ثم يعاكسه .
الدكتور راتب :
 مزود ببنية رائعة جداً وقوية .
الأستاذ علاء :
 كما تفضلت هذا يدل على عظمة الخلق ، عظمة خالق هذا الخلق ، وعلى الدقة التي ما فيها فطور ، قال تعالى :

﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾

[ سورة الملك : 3]

الدكتور راتب :

كيف يُعصى هذا الإله العظيم ؟!

هذا الإله ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ هذا الإله العظيم يعصى ؟ أنعرض عنه ؟ لعل الله سبحانه وتعالى يهدينا إليه .
الأستاذ علاء :

خاتمة وتوديع :

لا يسعنا إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين في جامعة دمشق ، شكراً لهذا الحديث ، سنلتقي إن شاء في الحلقة القادمة ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018