الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 19 - الطبع - الميل المتناقض ـ النظريات الخاطئة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 19 - الطبع - الميل المتناقض ـ النظريات الخاطئة


2006-02-27

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدين سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، وكالمعتاد نحن وإياكم في ضيافة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق .
أهلاً وسهلاً بأستاذنا الدكتور .
أهلاً بكم أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً .
أستاذي الدكتور ، تحدثنا في حلقات سابقة عن مقومات التكليف عند الإنسان ، تحدثنا في الكون ، وفي عناصر الكون ، وتحدثنا في العقل ومقومات العقل ، وأقسام العقل ، وما يؤول إليه العقل ، وكيف يفكر العقل في ميزان العقل ، وصلنا إلى الطبع .
يقولون في الدراسات : لأن الإنسان يميل إلى تصديق ما يريحه ، وإلى تكذيب ما يزعجه ، هذا في المنظور العام ، عندما تكون أهواءه تنطبق مع ما يشاع ، وما يقال فهو يرتاح ، ويصدق هذه الإشاعة أو هذا القول ، إذا سمع إشاعة تضر بمصالحه ، أو تخالف هواه فإنه يميل مباشرة إلى تكذيبها ، الله عز وجل يقول في كتابه المحكم :

 

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ ﴾

( سورة النور )

هل هذه الآية بهذا المعنى تأتي لتشرح لنا هذه الحالة التي بسطت أمامك بهذه الحلقة ؟
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

مقدمة في توافق خصائص النفس مع منهج الله :

أستاذ علاء بادئ ذي بدء ، لا بد من تذكير الإخوة المشاهدين بأن هناك توافقاً تاماً بين خصائص النفس ، أي بين فطرتها ، وبين خصائص منهج الله عز وجل ، فالحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة ، حينما أُمرنا أن نكون صادقين فطرنا ، أي حُبلنا على محبة الصدق ، وإذا أُمرنا أن نكون أُمناء جبلنا ، وفُطرنا على حب الأمانة ، وإذا نُهينا عن الكذب جُبلت نفوسنا على كراهية الكذب ، هذا المعنى يستنبط من قوله تعالى :

 

حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم

 

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

 

( سورة الحجرات الآية : 7 )

هناك منهج لله عز وجل ، له أوامر ونواه ودقائق ، وهناك شريعة منزلة من الله عز وجل عبر الكتب السماوية ، وعلى أنبيائه ورسله ، دقائق الشريعة تتوافق توافقاً تاماً مع دقائق الفطرة ، فسواء أخرج الإنسان عن أمر ربه أم خرج عن مبادئ فطرته تعاقبه نفسه بالكآبة ، سَمّها كآبة ، سَمّها ضيقا ، أنا أسميها الآن اختلال توازن ، كل إنسان يسعى كي يتوازن .
سأضرب مثلا لعله يكون مدخلاً لهذا الموضوع الدقيق :
إنسانان يريدان أن يشتريا سيارة ، أحدهما اشترى ، والثانية تريث ، ثم سرت إشاعة في البلد أن هناك قانوناً سيخفض الرسوم الباهظة على السيارات ، الذي اشترى دون أن يفكر ، ودون أن يتحقق ، ودون أن يسأل يُكذب هذا الخبر ، لأنه اشترى ، والذي لم يشترِ دون أن يتأكد ، ودون أن يتحقق ، ودون أن يسأل يُصدق هذا الخبر ، فكُذب الخبر من دون تحقق ، وصُدق من دون تحقق ، لأن الخبر الأول مزعج للذي اشترى السيارة ، بينما يريح الذي لم يشترِ .
فطر الإنسان على استمرار وجوده
فالإنسان يبحث عن مصلحته ، الإنسان فُطر على حب وجوده ، وعلى حب سلامة وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ، وعلى حب كمال وجوده ، هكذا فُطر الإنسان فُطر كما قلت في حلقة سابقة على حب الكمال ، وحب الجمال ، ومحب النوال .
فالإنسان بشكل أو بآخر يميل إلى تصديق ما يريحه ، فالإنسان يخالف منهج الله في كسب المال ، فإذا قرأ قوله تعالى :

 

﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾

( سورة آل عمران الآية : 130 )

الربا بكل أنواعه ونسبه محرم
يميل إلى أن يفهم أن النهي ليس عن نسب قليلة ، وإنما عن العالية فقط ، مع أن هناك آيات تؤكد أن الربا بكل أنواعه محرمة .

 

﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية : 279 )

إنسان يخالف منهج الله في بيع الناس فيغش في البضاعة ، فإذا سمع حديثاً من دون أن يفهم أبعاده الدقيقة عن أن النبي يشفع للمؤمنين يصدق هذا الحديث ، ويتمسك به ، ويطرب له ، وأنه يريحه ، فالإنسان بعقله الباطن أميل إلى تصديق ما يريحه ، وبعقله الباطن أميل إلى تكذيب ما يزعجه ، هذه من حقيقة النفس البشرية ، لكن العقل هو المصحح ، الإنسان إما أن يكون عاطفياً ، وإما أن يكون علمياً ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .

إنكار النبي عليه الصلاة والسلام للأوهام المريحة :

1 – كسوف الشمس :

الشمس والقمر لاينكسفان لموت أحد
أضرب مثلا : الصحابة الكرام لشدة تعلقهم بسيد الأنام ، حينما توفي ابنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ورافق وفاة ابنه كسوف الشمس ، توهموا أن الشمس كُسفت لموت إبراهيم ، هذا موقف عاطفي ، وأنا أدافع عنهم ، لأن محبتهم الشديدة لرسول الله دفعتهم لهذا التفسير ، لكن النبي أمين وحي السماء ، جمع أصحابه وقال :

(( إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه ))

[ البخاري ]

هذا التفسير العلمي تصحيح للعقل .

2 – الطاعة في المعروف :

أما التصحيح للعلم فلهذه الحالة بكل معنى الكلمة أن النبي الكريم أمر بسرية وأمّر عليها صحابياً قال عنه كتاب السيرة : كان ذا دُعابة ، فلما خرجوا من المدينة أمر بإضرام نار عظيمة ، وقال لهم : ألست أميركم ؟ قالوا : بلى ، قال : أليست طاعتي طاعة رسول الله ؟ قالوا : بلى ، قال : اقتحموا النار ، فالصحابة ترددوا ، قالوا : كيف نقتحمها ، وقد آمنا بالله فراراً منها ؟ علة إيماننا بالله أن نفر من النار ، كيف تأمرنا أن نقتحمها ؟ حكموا عقولهم ، على كلٍ لما بلغ النبي هذا الخبر قال :

(( والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة ، إنما الطاعة في معروف))

هناك مبادئ ، وفطر ، وقواعد ، ومناهج ، وقوانين ، الدين ليس مزاجياً ، هذا الذي قنن القوانين خالق الأرض والسماوات ، هذا سن السنن ، أفيعقل أن تكون العلاقة معه مزاجية ؟ هناك أمر وهناك نهي ، والأمر له دليل ، والنهي له دليل ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء .

(( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ))

[ أخرجه الحاكم ، عن أنس السجزي عن أبي هريرة ]

(( ابن عمر ، دينك دينك ، إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ـ في عقائدهم ـ ولا تأخذ عن الذين قالوا ))

[ أخرجه ابن عدي في الكامل عن ابن عمر ]

بين خطأ الميزان وخطا الموزون :

المشكلة ـ أستاذ علاء ـ أن الخطأ في الميزان خطير ، أما الخطأ في الوزن ليس بشيء ، الخطأ في الميزان لا يصحح ، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر ، فأفضل ألف مرة أن تخطئ في الوزن من أن تخطئ في الميزان ، فالإنسان يميل إلى أن يصدق ما يريحه .

الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح :

الحقيقة المرة أفضل من الوهم المريح
مثلاً : لو أن طالباً كسولاً سمع فكرة أعجبته ، أن الأستاذ قبل الامتحان يعطي الأسئلة بهدية ثمينة ، فهذا ارتاح طوال العام الدراسي ، أروع فكرة سمعها في هذا العام تلك الفكرة ، وسكنت نفسه ، وصدقها ودافع عنها ، وأشاد بالأستاذ بقلبه الرحيم ، وعطفه على الطلاب ، فلما طرق بابه قبل يومين من الامتحان صفعه على وجه صفعة أنسته كل المتعة التي أستمتع بها طوال العام .
لذلك أنا أقول دائماً : الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، حينما يعصي الإنسان الله عن وعي ، أو حينما يخرج عن مبادئ فطرته عن غير وعي تعاقبه نفسه .
تماماً كما لو ركبت مركبتك الأنيقة الجديدة على طريق وعر ، لا تنطلق أصوات تكسير ، لأنها عير مصممة لهذا الطريق الوعرة ، هي مصممة لطريق معبد .
حين تطيع الله تنام قرير العين
فلذلك أنت حينما تطيع الله عز وجل تصطلح مع فطرتك ، حينما تطيع الله عز وجل تنام قرير العين ، تشعر بالرضا ، تشعر بالتوازن ، تشعر بالتألق ، بالتفوق ، لأنك حققت الهدف من وجودك ، لأنك أديت الرسالة التي أُمرت أن تؤديها ، لأنك تمتعت بخصائص نفسك ، فلذلك :

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

( سورة طه الآية : 124 )

قال بعض المفسرين : الآية واضحة ، لكن ما بال الأغنياء والأقوياء ، معهم أموال لا تأكلها النيران ، فأجاب هذا المفسر : إنه ضيق القلب ، هذا الضنك ، في القلب شدة وقلق ، وإحباط ، وخوف ، لو وزع على أهل بلد لكفاهم ، إذاً حينما يصطلح الإنسان مع الله يصطلح مع نفسه .
المذيع :
يصطلح مع فطرته ، ويعيد التوازن لنفسه بكل معنى الكلمة
الدكتور :
هذا الذي قاله الله عز وجل :

 

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد الآية : 28 )

الكآبة من نتائج الخروج عن منهج الله
الآن نعالج قضية نفسية ، أن إنسانا خرج عن منهج الله ، أقول : عن وعي أو عن غير وعي ، أو خرج عن مبادئ فطرته ، عن وعي أو عن غير وعي ، لأن هذه الفطرة مصممة على منهج الله ، إذا خالف الإنسان منهج الله يشعر بضيق ، هذا الضيق يعبر عنه بالكآبة ، يعبر عنه بالقلق ، يعب عنه بالإحباط ، يعبر عنه بأشياء كثيرة ، وله آثار مؤلمة جداً ردود الفعل قاسية جداً ، اضطراب شديد ، إذا عاقب بقسوة غير معقولة ، في اضطراب داخلي ، في نفس كالمرجل تغلي عن بعدها عن الله ، أو أنا سأقترح وصفاً لهذه الحالة اختلال توازن .
المذيع :
هذا الاصطلاح جميل ودقيق في كل معنى الكلمة .
الدكتور .

أربعة أشياء في حياة الإنسان :

الإنسان أحياناً ، وأنا أقول دائماً : هناك أربعة أشياء في حياة الإنسان ، علاقته بربه ، وعلاقته بأهله ، أقرب الناس إليه ، وعلاقته بعمله ، وعلاقته بصحته ، فأي خلل أصاب أحد هذه الأركان الأربعة ينعكس على الثلاثة ، شئنا أو أبينا ، لذلك أنا أقول دائماً : النجاح شمولي ، أنا لا أقبل أن ينجح الإنسان في عمله ، ويخفق في بيته ، لا أقبل أن ينجح في بيته ، ويخفق في عمله ، لا أقبل أن ينجح في بيته وعمله ، ولا يعتني بصحته ، لا أقبل أن ينجح في بيته وعمله وصحته وعلاقته مع ربه مقطوعة .
المذيع :
لا يمكن أن تفهم هذه المسألة .
الدكتور .
إذا أردت أن أضع بين إخوة المشاهدين هذه الحقيقة الدقيقة : يجب أن نتحرك على خطوط أربع ، أن نصلح علاقتنا مع الله ، تأتي السكينة ، يأتي الرضا ، تأتي السعادة تأتي الثقة ، يأتي التفاؤل ، يأتي البشر ، أن نصلح علاقتنا مع أهلنا ، أقرب الناس إلينا ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

[ ورد في الأثر ]

أنا أقول كلمة أتمنى أن تكون واضحة : إبليس همه الأول أن يفرق بين الزوجين ، يكره الإنسان بأهله ، ويغريه يغير أهله ، هذا هو الفساد ، إنما المؤمن يسعد بأهله النبي عليه الصلاة والسلام حمد الله على حب عائشة ، قال :

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

ابستامته ، مودته ، تواضعه ، يرفض إيناسه لأهله ، لذلك النبي الكريم جعل علاقة المرء بأهله هي الخير المطلق قال : خيركم خيركم لأهله

(( خيركم خيركم لأهله ـ اسم تفضيل ـ خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ))

[ أخرجه الترمذي عن عائشة ابن ماجة عن ابن عباس الطبراني ، عن معاوية ]

لأن الخير خارج البيت بالتعبير الحديث [ بزنز ]والإنسان حريص على سمعته وعلى مكانته ، وعلى هيمنته ، على شعبيته ، تجده لبق ، لطيف ، يعتذر ، يبتسم ، أنيق ، لكن البطولة أن تكون في البيت ، بهذا المستوى .

(( خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي ))

المذيع :
سيدي سؤال ، الآن كما تفضلتم من خلال البداية بأن الإنسان يميل إلى تصديق ما يريحه ، وإلى تكذيب ما يزعجه ، أيضاً في مسائل أخرى أن هنالك أناسا يدّعون أنهم متدينون ، فإن كانت مصلحتهم تقتضي المقاضاة والاحتكام للشرع هُرع إلى الشرع ، وهُرع إلى العلماء ، ليفض الخصام مع غيره من خلال أحكام الشريعة الإسلامية ، إذا كان في هذا الاحتكام ما يدر عليه المصلحة ويجلب المنفعة ، وإذا ما كان الشرع يجافي هواها ومصلحتها ، وإنما يأخذ بالقسطاس ، يأخذ بالعدل ويحكم بالغير ، فنقول : لا أخي نريد القانون ، ونريد المحاكم المدنية ، ماذا نقول في مثل هذه الحالة ؟

استخدام الدين للمصالح الشخصية والأهواء :

الدكتور :
هذا الشيء أولاً فيه تناقض ، وما من صفة قبيحة في الإنسان كالتناقض ، فنحن لا نكشو إلا من مكايله المزدوجة ، نحن لا نشكو من الغرب إلا أنه يستخدم مكاييل عديدة ، يكل بها في نفس الحالة .
التناقض والكيل بمكيالين من الصفات القبيحة في الإنسان
أنا أرى مثلاً ، قبل صدور تعديل قانون الإيجار فكل إنسان يحاول أن يسترجع بيته يلجأ إلى العلماء ، يقول : الشرع ، الدين ، الحق ، أما المرأة التي طُلقت في بلد غربي إذا لجأت إلى العلماء أعطوها مهرها ، أما إذا لجأت إلى قاض غربي أعطاها نصف ممتلكات زوجها .
فحينما يكون الإنسان هواه في جهة يميل إليها ، هذا هو الموقف الذي لا يرضي الله ، هذا هو الموقف المصلحي لا المبدئي ، هذا هو الموقف الشهواني لا القيمي ، هذا اختلال التوازن ، والتناقض ، وإذا اختل توازن الإنسان يلجأ إلى عقيدة ، أو إلى فكرة ، أو إلى تصور ، تريحه ، وسوف نوضح بعد قليل كيف أن الإنسان حينما يعتقد عقيدة معينة قد تبنى على إنكار الذات الإلهية ، هذه تريحه جداً ، لأنه غير محاسب صار ، له أن يفعل ما يشاء له يبني مجده على أنقاض الآخرين ، له أن يبني حياته على موتهم ، له أن يبني عزه على ذلك له أن يبني غناه على فقرهم ، له أن يبني أمنه على خوفهم ـ وله أن يدمر العالم ـ نعم ، لذلك بقدر الانحراف ، الانحراف الواسع جداً يحتاج إلى إنكار للدين أصلاً .
المذيع :
سنتابع بعد قليل هذا الفيلم ، الفيلم هو هذه الفكرة التي تفضلت بها ، نتابع .

معجزة الكون :

الكون فيسح وواسع ويدل على وجود الله
الدكتور :
إن المتأمل لهذا الكون الذي نعيش فيه يرى كوناً فسيحاً قوامه أكثر من 250 مليار مجرة ، وكل مجرة تحوي وسطياً على 300 مليار نجم ، وفي كل جزء من أجزاء الكون تصميم ، وتنظيم ، وتوازن رائع ومذهل ، الله جل جلاله واجب الوجود ، والكون ممكن الوجود ، الكون ما سوى الله يمكن الوجود ، ممكن أن يوجد ، وممكن ألا يوجد ، ممكن أن يوجد على ما هو عليه ، أو على خلاف ما هو عليه ، والكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، وقد قال الله عز وجل :

 

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة يونس الآية : 101 )

لكن الأرض هي كوكبنا ، الذي يشغل حيزا صغيراً في هذا الكون الهائل ، ويملك سطحاً صالحاً للحياة ، وليس من بين الكواكب السيارة ، ليس من كواكب المجموعة الشمسية كوكب تصلح في الحياة إلا الأرض ، قال تعالى :

 

﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾

( سورة الرحمن )

المياه التي تغطي معظم الأرض أهم شروط الحياة
أما المياه التي تغطي معظم أجزاء كوكبنا فهي من أهم شروط الحياة ، وقد صممت حرارة كوكبنا ، وحركة كوكبنا ، وسطح كوكبنا بشكل خاص لتكون صالحة للحياة ، يحتوي هذا الكوكب على أنواع غنية جداً من الأحياء ، مليون نوع من السمك ، فهناك الملايين من مختلف أنواع النبتات ، والحيوانات ، حيث تعيش جميعها بتلاؤم تام ، وهذا التلاؤم متين ومدهش ، إلى درجة أنه يستطيع الاستمرار دون أي انقطاع ، طالما بقي بعيداً عن تدخل الإنسان ، فما شأن هذه النظم وهذه الأحياء ؟ عندما مشاهدة الأحياء التي فوق كوكبنا نلاحظ وجود تصميم دقيق وواضح ، إذ جُهز كل حي نظم معقدة جداً لكي يقوم بموهمته على أفضل وجد .
إن الحياة تشف عن علم مطلق ، وعن قدرة مطلقة ، وعن حكمة مطلقة وعن رحمة مطلقة ، يقول أحد أكبر علماء الفيزياء في القرن العشرين : انشاتين : كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون ، عليمة هي أعلم ما تكون ، رحيمة هي أرحم ما تكون ، حكيمة هي أحكم ما تكون ، هو إنسان حي ، ولكنه ميت .

 

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة الحشر )

بطلان نظرية داورين شرعا وعلما وفطرة وعقلا وواقعا وأخلاقا :

بطلان نظرية التطور لداروين
الحقيقة أن الشيء الذي لا يكاد يصدق أن نظرية ظهرت في القرن الـ19 ، هذه النظرية أنكرت هذه الحقيقة الصارخة ، الواضحة ، الثابتة ، التي جاءت بها رسالات السماء ، هذه النظرية زعمت أن جميع أنواع الأحياء الموجودة على الأرض لم تخلق من قبل الله ، بل ظهرت نتيجة المصادفات ، كان واضع نظرية التطور عالم الطبيعة " دارون " ، وقد شرح هذا العالم نظريته عام 1859 في كتابه أصل الأنواع ، والحقيقة هذا الكتاب نال شعبية ، وانتشاراً واسعاً جداً في مدة قصيرة ، ولم يكن نجاحه مستنداً إلى قيمته العلمية ، فهو ينكر الحقائق التي عُرفت بالفطرة والعقل على مدى التاريخ البشري ، بل استندت شهرت هذا الكتاب إلى محتواه الذي ينكر رواية الكتب السماوية لأصل الخلق .
فقد أعطى هذا المؤلف للفلسفة المادية الملحدة سنداً قوياً جداً ، لذلك قام أنصار هذه الفلسفة بتأييد هذه النظرية بحرارة بالغة ، مالوا إلى تصديقها ، لأنها تعفيهم من المسؤولية هذا محور هذا اللقاء الطيب .
المذيع :
يقال : إنها كانت خلية مصادفة ، تطورت كل الأنواع تطورت من بعضها ، وخلق الإنسان قردا .
الدكتور :
والحقيقة أن خطأ " داروين " ليس خطأ علميا فحسب ، بل هو خطأ أخلاقي ، لأن المؤلف قال بخلاف ما يعلم ، انتصاراً بعقيدة الإلحاد ، والحقيقة أن الإلحاد بنظر داروين أتت من سلف واحد مشترك ، وتنوعت نتيجة لتغيرات طفيفة تراكمت ضمن شريط طويل من الزمن ، ولم يستطع دارون تقديم أي برهان يعتد به إثبات نظريته هذه ، ولكنه كان على وعي لكثير من الحقائق التي تناقض نظرية ، هو هو الأصل ، كان على وعي عميق لكثير من الحقائق التي تناقض نظريته ، واضطر إلى التصريح بهذا ، في الفصل الذي أضافه في كتابه تحت عنوان مشكلات نظرية ، ولكنه كان بأكل أن يتجاوز هذه المشكلات مع تقدم العلم ، والذي كان على نقيض ذلك ، مع تقدم العلم نقضت كل ادعاءات " داروين " واحدة بعد الأخرى ، هو كان يظن أن الديدان تنشأ من اللحم الفاسد ، الحقيقة في بيوض تبيضها الديدان ، كان يظن أن الفأران تُخلق من الوحل ، والحقيقة بعكس ذلك ، فكل شيء طرحه العلم أكد عكسه .
ثم كان يقول : ما لم تأت المستحثات إثبات نظريتي فهي باطلة ، والمستحثات التي وجدت قبل 530 مليون عام أثبتت أن الأحياء هي هي ما تغيرت .
ولكن كيف نشأ أول كائن في الوجود ؟ هو أخفى شيء خطير جداً ، كيف نشأ أول كائن إلى الوجود ؟ لم يتطرق " داروين " إلى هذا الأمر في كتابه ، فقد فاته أن هذا سيثير مشكلة كبيرة لنظريته ، كما أن تخلف العلم في عصره أدى إلى ظهور نظرية الظهور التلقائي للحياة ، هذه النظرية مضحكة ، لا يقبلها إلا السذج .
شيء دقيق جداً ، أن في بداية القرن العشرين كان العالم الروسي المعروف " ألكسندر أوفر " أول من تناول نشوء الحياة وأصلها ، وكانت غايته القيام بشرح كيفية ظهور الخلية الأولى التي زعمت نظرية التطور أنها سلف المشترك لجميع الأنواع ، ولم تنجح هذه المحاولات وباءت جميعها بالفشل ، لكن نخلص من هذا العرض السريع إلى أن النفس الإنسانية ، ونحن بصدد الحديث عن فطرة الإنسان تميل إلى تصديق نظرية تريحها من المسؤولية ، وتعفيها من المحاسبة يتمسك بنظرية داروين من يبنون مجدهم على أنقاض الآخرين
بصرف النظر عن صحة النظرية أو خطئها ، فالذين يبنون مجدهم على أنقاض الآخرين ، وينبون غناهم على إفقار الآخرين ، ويبنون أمنهم على إخافة الآخرين ، ويبنون عزهم على إذلال الآخرين ، هؤلاء يتمسكون بهذه النظرية .

 

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

( سورة القيامة )

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

المذيع :
لم يخلق الإنسان عبثاً ، وسيعود إلى الله عز وجل ، وسوف يحاسبه على كل ما أتى ، وكل ما فعل .

 

﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾

( سورة طه الآية : 15 )

﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف )

خاتمة وتوديع :

لا يسعنا أعزائي المشاهدين إلا أن نشكر شكراً جزيلاً أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين في دمشق وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018