الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 17 - الفطرة - الفطرة وخصائص النفس ـ حيوان القندس - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 17 - الفطرة - الفطرة وخصائص النفس ـ حيوان القندس


2006-02-13

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدين سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، ويسعدنا أن نكون في هذه الحلقة كما كل الحلقات مع الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة ، وأصول الدين في دمشق .
أهلاً وسهلاً بكم دكتور .
وكنا قد تحدثنا في كل مقومات التكليف ، وبسطنا لها حلقات كثيرة ، تناولنا الكون بتفصيلاته ، وجزئياته ، كمؤثر ومقوم من مقومات التكليف ، وتحدثنا عن العقل ، وأيضاً بسطنا له الكثير من المجال ، الآن نحط رحالنا عند الفطرة .

من مقومات التكليف : الفطرة :

1 – الأدلة القرآنية على الفطرة :

ونفس وما سواها
واسمح لي أن أذكّر ببعض الشواهد من القرآن الكريم ، ومن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ، هذه الفطرة التي أوجد الله الإنسان عليها ، ونحن نستخدم كلمة فطره الله على كذا ، أوجد الفطرة هي سمو الجبلة ، أو ما أوجد الله عليه هذا الكائن المكرم ، مثلاً الله عز وجل يقول :

 

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

( سورة الشمس )

وأيضاً في موضع آخر يقول تعالى :

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الروم )

ويقول تعالى :

 

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

( سورة القيامة )

ثم ويقول تعالى في موضع آخر من كتابه الكريم :

 

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

( سورة الحجرات الآية : 7 )

2 – الأدلة الحديثية على الفطرة :

والنبي عليه الصلاة والسلام أورد من الكثير من الأحاديث الصحيحة في هذا المجال ، حيث قال عليه الصلاة والسلام :

(( البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس))

[ أخرجه البخاري وصحيح مسلم والترمذي عن النواس بن سمعان ]

وفي موضوع الجبلة والفطرة سوف نأتي عليها في حديثكم ، قبل كل شيء سيدي الكريم ما تعريف الفطرة ؟

مقدمات مهمة حول الفطرة :

المقدمة الأولى : الله واجب الوجود :

قبل أن أعرّف الفطرة أستاذ علاء ـ جزاك الله خيراً ـ ينبغي أن أقدم بمقدمة :
الله جل جلاله واجب الوجود ، وما سواه ممكن الوجود ، الكون كله سوى الله فواجب الوجود ، من هذا التعريف الجامع المانع موجود حتماً ـ يعني حتمية وجوده ـ وإنما ما سواه ممكن الوجود ، أي يمكن أن يوجد أو أن لا يوجد .

المقدمة الثانية : خصائص النفس البشرية :

شيء آخر ، فإذا وجد يمكن أن يكون على ما هو عليه ، أو على خلاف ما هو عليه ، أي أن الله خلق الأشياء وأعطاها خصائص ، فنحن ندرس في الطب خصائص الجسم ، حاجته إلى الماء ، إلى الهواء ، أجهزته كل خصائص الجسم معروفة عند علماء الطب ، ولكن هذا اللقاء الطيب يتوجه إلى خصائص النفس ، هذه النفس التي بين يدي الإنسان ، هذه النفس التي كرمها الله ، هذه النفس التي كلفها الله ، هذه النفس ، هذه النفس التي أعد الله لها جنة عرضها السماوات والأرض ، هذه النفس بادئ ذي بدء لا تموت ، لكنها تذوق الموت ، وفرق كبير بين أن تموت وأن تذوق الموت ، قال تعالى :

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

( سورة آل عمران : 185 ـ الأنبياء : 35 ـ العنكبوت : 57 )

النفس تحب الإحسان وتكره الإساءة
هذه النفس من خصائصها الكبرى : أنها تحب الكمال ، والجمال ، والنوال ، أي إنسان على وجه الأرض ، أي إنسان من الستة آلاف مليون ، هم سكان الأرض الآن يحب الكمال ، الكمال لو لم يصل إليه ، لو لم يكن متحلياً به ، لو لم يكن طرفاً به ، يحب الكمال المجرد ، أي عمل بطولي ، أي موقف فيه وفاء ، في نجدة ، فيه إنصاف ، في رحمة ، في حكمة ، هذا الموقف محبوب من قبل الخلق جميعاً .
وهذه الحلقة إن شاء الله سوف أبين القواسم المشتركة بين كل البشر على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، ومذاهبهم ، وطوائفهم ـ من خلال خصائص النفس ـ طبعاً .

 

﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

( سورة النساء الآية : 1 )

خصائصها واحدة ، إلى أي مكان ذهبت في العالم ، النفس تحب الإحسان وتكره الإساءة ، ورد في الأثر القدسي :

(( داود ذكر عبادي إحساني ، فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))

[ ورد في الأثر ]

من أراد أن يحبه أبناؤه فليكن محسنا لهم
هذا الدرس يعطينا حقيقة راسخة في التربية ، إن أراد الأب أن يحبه أبناءه فليكن محسناً لهم ، كل أب محترم في الثقافة الإسلامية ، لكن ما كل أب يُحب ، يُحب الأب بالإحسان ، إن أرد المعلم أن يحبه طلابه فليكن محسناً .
أحد كبار العلماء الإغريق سقراط التقى مع ولي أحد طلابه ، قال له : خذ ابنك عني فإنه لا يحبني .
فالحب أساس العلاقة بين المعلم والمتعلم ، وما من إنسان يقود مجموعة يجب أن يكون محبوباً ، والحب ثمنه الإحسان ، الإحسان قبل البيان ، قبل أن تتحدث ، قبل أن تخطب قبل أن تلقي كلمة ، قبل أن تلقي محاضرة ، قبل أن تلقي توجيه ، الإحسان قبل البيان ، لأن بالإحسان تملك القلوب ، وبعدها تنفتح العقول لكلامك ، بالإحسان تملك القلوب ، وبعدها تنفتح العقول لسماع بيانك .
بالإحسان تملك القلوب كي تستطيع العقول سماع بيانك
إذاً من خصائص هذه النفس البشرية أنها تحب الكمال ، والكمال فكرة دقيقة جداً الإنسان غير الكامل يحب الكمال ، ليس شرطاً أن تكون أنت كاملاً ، أي إنسان ولو غارق في الانحرافات ، يحب الكمال ، لذلك قد نجد مفارقة عجيبة أن الذين ينحرفون يحبون لأولادهم الكمال ، يضعونهم في مدارس ، يتوهمون أنها في أعلى درجة من الكمال .
إذاً أن تحب الكمال جزء أساسي من فطرتك ، هذه خصيصة ، كيف أن جسمك يحتاج إلى هواء ، وكيف أن جسمك يحتاج إلى ماء ، وإلى طعام وشراب ، وإلى زوجة ، كذلك النفس تحب الكمال ، تهفو إليه ، تتأمله ، تعجب به ، تذوب محبة له ، الكمال والنوال ، النوال هو العطاء ، هناك من يعطي ، هناك من يأخذ ، إن أردت أن تلتف حولك الناس فكن معطاء ، الإنسان يحب العطاء ، ويكره أن يسلب منه شيء ، وهذا درس بليغ لكل من يقود مجموعة ، أنت قيمتك في التاريخ البشري لا بقدر ما تأخذ ، بل بقدر ما تعطي .
قيمتك بقدر ما تعطي
لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأنبياء ملكوا القلوب ، الأقوياء ملكوا الرقاب ، الأنبياء عاشوا للناس ، الأقوياء عاش الناس لهم ، وفرق كبير بين أن تعطي وبين أن تأخذ .
إذاً هذه النفس البشرية أنا لا أتصور إنساناً يستطيع أن يؤثر فيها إلا بخصائصها معرفة الخصائص يحتاجها الأب ، والمعلم ، مدير الجامعة ، مدير المستشفى ، مدير المؤسسة ، مدير معمل ، يحتاجها أي إنسان يقود مجموعة من البشر .
المذيع :
إذاً يجب أن يعرف كأرضية لحاضنة خصائص النفس لكي بتعامل مع الآخرين .
الأستاذ راتب :
ولذلك لو أن إنساناً بأعلى درجة من الذكاء قاد مجموعة لوجدناه يتطابق في سلوكه مع إنسان مؤمن ، لأن المؤمن قاده ذكاءه إلى هذه التصرفات ، لأن الإنسان غير المؤمن قاده ذكاءه ، والمؤمن قاده دينه إلى هذه التصرفات .
المذيع :
اختصر عليه الطريق .
الأستاذ راتب :
أبداً ، فلذلك أنت إذا أردت أن تقود الناس على مستوى معلم صف ، على مستوى مدرس ، على مستوى أستاذ بالجامعة ، على مستوى مدير معمل ، على مستوى مدير مؤسسة الإنسان يحب الكمال ، والكمال الإنصاف ، الرحمة ، الحكمة ، ويحب العطاء ، ينبغي أن تعطي قيمة الإنسان فيما يعطي لا فيما يأخذ ، لأن هذه الدنيا مزرعة الآخرة ، الإنسان في الدنيا يعطي ويأخذ في الآخرة ، وهناك أناس غُشيت أعينهم بالشهوات ، فبنوا حياتهم على الأخذ لا على العطاء .
المذيع :
سيدي أستوقفك هنا عند نقطة ، كما تفضلت بأن الإنسان يستصنع قيمته من خلال العطاء ، لا من خلال الأخذ ، هل هذا مرده إلى أنه يغالب شح نفسه فيقدم ، وفي حالة صراع إن صح التعبير لمغالبة هذه الزاوية الضعيفة في النفس وهي الشح ، وأن يتجاوز هذه النقطة وأن يتجاوز هذا النقطة وأن يقدم ، وأن يصبح كريماً معطاء جواداً.

في أصل فطرة الإنسان ضعفٌ خُلقي :

الأستاذ راتب :
الإنسان بضعفه يتقرب إلى ربه
إن شاء الله هذا الموضوع سيكون مفصلاً في الحلقة القامة إن شاء الله ، الإنسان لأن في أصل فطرته ضعف خلقي ، بهذا الضعف الخلقي يتقرب إلى ربه ، بهذا الضعف الخلقي يستطيع دخول الجنة :

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

( سورة المعارج )

معنى هلوعا يعني مَنوعًا ، يستأثر بما عنده ، يمسك ما عنده ، لذلك إذا أراد إرضاء ربه يجب أن يبذل ، ولذلك قيل : الطبع يتناقض مع التكليف ، وبهذا التناقض يكون ثمن الجنة ، فالإنسان يحب الكمال ، ويحب النوال ، ويحب الجمال ، الجمال مطلب أساسي في حياة الإنسان ، والجمال من فطرة الإنسان ، لذلك الإنسان حينما يكون بيته جميلاً لا أقول : غالياً ، ولا فخماً ، بل جميل ، مرتب ، نظيفاً ، محله التجاري نظيف ، مرتب ، نظيف ، مركبته نظيفة ، ثيابه نظيفة ، يحب الجمال ، يحب الابتسامة ، يحب النظر الجميل ، يحب الإطلالة الجميلة ، هذا شيء من فطرة الإنسان .
المذيع :
سيدي هل تجتمع النفوس في كل هذه المعمورة على قواسم مشتركة ، في معايير الجمال ؟ أم معايير الجمال هي مختلفة ؟ يقولوا : أن الجمال نسبي .

القواسم المشتركة في النفوس من ناحية الجمال :

الأستاذ راتب :
أنا أرى أن هناك قاسم مشترك بين كل البشر ، في محبتهم للجمال ، وهناك فروق فردية في التفاصيل ليست في أصل هذه القواسم ، هذا هو الجواب الدقيق ، إذاً يحب الإنسان الجمال ، يحب الكمال ، يحب النوال ، الإنسان يقدّر القوي ، القوي مقدر محترم ، ويقدر الغني .

الخصائص البشرية حيادية :

الإنسان يتمنى ما عند الآخرين
شيء آخر ، الإنسان يتمنى ما عند الآخرين ، هناك فكرة خطيرة جداً ؛ أن هذه الخصائص حيادية ، معنى حيادية يمكن أن تكون سلّماً نرقى به ، أو دركات نهي بها ، كيف هي حيادية ؟ أنا أتمنى ما عند الآخرين ، لو أن هذا الإنسان أمامي تفوق في العلم ، فأحد أسباب سعيّ إلى العلم أنني غرت منه ، هذا الجانب الإيجابي طبعاً ، الإنسان يتمنى أن يكون أخلاقياً كصديقه فلان ، يتمنى أن يكون متفوقاً في العلم كزميله فلان ، فهذه خصيصة حيادية يمكن أن تكون سلماً أبلغ به أعلى عليين ، ويمكن أن تكون دركات أهوي بها إلى أسفل سافلين .
أنا حينما أتمنى انحرافاً أخلاقياً ، وحينما أتمنى ما أراه من سقوط في وحل المعصية والآثام ، فهي خصيصة حيادية توظف في الخير ، وتوظف في الشر .
المذيع :
هل في هذه الخصيصة عند الإنسان مما أودع الله في نفس البشر ؛ أن يتمنى ما عند الناس ، أن يشتهي أن يكون مثل الذي هو أفضل منه ، في تصوره ، لكن المسألة لها طريقان ، إما أن يتشبه بالذي كان قد انحرف ، أو بالذي كان قد في مواضع الخير والعطاء .
الأستاذ راتب :

القدوة وأثرها في النفس :

الذي يرجو الله واليوم الآخر قدوته الأنبياء والرسل
سأعزز هذه المقولة التي تفضلتم بها بقوله تعالى :

 

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 21 )

فالذي يرجو الله واليوم الآخر قدوته الأنبياء والمرسلون ، الأصحاب الكرام المتفوقون ، المؤمنون ، الأبطال ، الرحماء ، المنصفون ، يسعى إليهم ، والذي يتمنى الدنيا فقط قدوته الأغنياء المترفون ، الذين لم يعبؤون لا بقيمة ولا بمنهج ، ولا بمبدأ ، قل لي ما تتمناه أقل لك من أنت ، هذه حقيقة .
المذيع :
إذاً سيدي هنالك في خصائص النفس الحيادية كما تفضلت أن يتمنى ما عند الغير ، لكن هنالك قضية الشرع ميز في شقيها ، قضية الغبطة وقضية الحسد .

الإنسان بين الغبطة والحسد :

الأستاذ راتب :
لذلك قال عليه الصلاة والسلام وهو يعني الغبطة :

(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ : رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَارِ ))

[ البخاري عن ابن عُمَرَ]

الحقيقة أن تتمنى ما عند الآخرين هذه حقيقة ، لكنها لا تقّيم لا بالخير ولا للشر ، بل تقّيم بطريقة توجهها ، أنا أتوجه إلى بطل ، فأنا أتمنى أن أكون مثله ، هذه بطولة ، وهذه إحدى البواعث الراقية بالإنسان .
المذيع :
ولكن لا أتمنى أن تزول عنه هذه الصفاة .
الأستاذ راتب :

الحسد : ماهيته ومجالاته ومراتبه :

الآن لو دخلنا إلى شق آخر شق فقهي : الحسد في أمور الدنيا لا في أمور الآخرة ، في أمور المكاسب لا في أمور العلم ، في أمور العطاءات المادية ، لا في أمور العطاءات الروحية .
هذا الحسد ثلاث مراتب :

المرتبة الأولى :

المرتبة الأولى أن تتمنى أن تزول هذه النعمة عن أخيك وتأتي إليك ، هذا أبسط أنواع الحسد ، الحسد : أن تزول هذه النعمة عن أخيك وتأتي إليك .

المرتبة الثانية :

والأسوأ منها أن تتمنى أن تزول هذه النعمة عن أخيك دون أن تأتي إليك ، من أجل أن تشمت به فقط ، دون أن تأتي إليك ـ هذا الحسد الأسود ـ الأسوأ والأسود.
وفي حسد أسوأ وأسوأ بأول مستوى تمني ، والثاني تمني .

المرتبة الثالثة :

من أسوأ أنواع الحسد الذي يفضي إلى الوشاية بالآخرين
أن تشي به ، أن تكتب فيه تقريرا ، أن تفسد عليه علاقته مع من هو ينتفع منه ، الثالثة جريمة .
الأولى صفة خسيسة ، لكن لا ترقى إلى الثانية ، الثانية أن تزول عنه من دون أن تصل إليك ، لمجرد أن تزول عنه يرتاح الإنسان ، أما الثالثة فأن أسعى بجهد ، بكيد ، بمكر ، بخداع ، بوشاية ـ بتشويه صورته ـ لذلك كأن الحسد اختص بأمور الدنيا ، بالمكاسب المادية بالمراتب الإدارية فرضاً ، ما عند الناس من متع من أشياء ، أما الغبطة فتتعلق بأعمال الآخرة ، تتعلق بالعلم ، تتعلق بالبطولة ، وكل إنسان يتمنى أن يكون بطلاً .
المذيع :
سيدي الكريم ، نحن تعرفنا على خصائص الفطرة ، أو خصائص النفس من خلال ما قدمت ، بقي قبل أن ننتقل إلى الجانب العلمي في حلقتنا ، أن نعرف الفطرة للناس .

ما هي الفطرة ؟

الأستاذ راتب :
الفطرة ؛ جبلة جبل الناس عليها ، تتوق إلى الكمال ، والجمال ، والنوال :

 

﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

( سورة الروم الآية : 30 )

تتوق إلى الكمال ، والجمال ، والنوال ، في أدق تعريفاتها ، وهناك أدلة قرآنية وأدلة نبوية .
المذيع :
هل المخلوقات غير الإنسان من خلال الفطرة ربها يرشدها إلى مسائل ، أحياناً لا يقدر عليها الإنسان ؟ .

هل في المخلوقات الأخرى فطرة تقوم عليها أفعالهم ؟

الأستاذ راتب :
أعط قطة قطعة لحم تأكلها أمامك ، لو أنها خطفتها تأكلها بعيدة عنك ، هذه الفطرة .
المذيع :
وما يقوم المخلوقات من أعمال ، أعمال إعمار في عالم النمل ، في عالم النحل في عوالم البحار ، تأتيهم من خلال الفطرة ؟
الأستاذ راتب :

حيوان القندس آية في الفطرة :

نعم ، وسوف نرى الآن شيء لا يصدق عن حيوان اسمه القندس ، يقوم بأعمال بأعلى درجة من الذكاء والخبرة ، فالقندس معماري بارع ، بل يرقى إلى مستوى أكبر المهندسين ، هذا القندس يبني بيته في ماء راكد

يبني القندس بيته في الماء الراكد

 فإن وجد ماء جاري كهذا الماء الذي يجري أمامنا لا بد من أن ينشئ سداً ، يجعله بحيرة تمهيداً لبناء بيت بهذا الماء

في المياه الجارية يضطر القندس لبناء سد من أجل بناء بيته

 الآية الدقيقة :

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

( سورة طه )

 هداه على مصالح ، هداه إلى حاجاته ، هذا القندس يقطع الشجر ليجعل منه سداً

يقطع القندس الشجر ليجعل منه سدا

 يحول الجدول من الماء إلى بركة هادئة ساكنة ، وقد زوده الله وقبل أن يقطع الأشجار يتغذى على أوراق الأشجار كما نرى في هذا الفيلم

 

يتغذى القندس على أوراق الشجر

 بعدئذٍ يتجه إلى جذوع الأشجار ، ويقضمها بأسنان صممت خصيصى كي تقضم الأشجار كما نرى تماماً ، أسنان القندس تنمو باستمرار ، لأن أكثر شيء يستهلكه أسنانه

أسنان القندس تنمو باستمرار

 لكن الشيء الذي لا يصدق أنه في أثناء قضم هذه الأشجار يجعل بطريقة معقدة جداً تنحدر نحو الماء باتجاه الماء ، كما انحدرت الشجرة ـ تهوي الشجرة باتجاه الماء لا باتجاه الآخر ،

عندما يقضم القندس الشجرة تهوي باتجاه الماء

 لأنه لا يستطيع أن يجرها ـ هو يجرها ، لكن هو يوفر الوقت والجهد ، الآن انحدرت نحو الماء ، القندس يسبح في الماء سباحة راقية جداً عنده قوائم ليس فيها فرق بين أصابعه كالبطة تماماً ، وعنده مجداف في ذيله ، مجداف كبير جداً

القندس سباح ماهر وذيله كالمجداف

 هو الآن يأخذ هذه الشجرة ، أولاً يأخذ منها أغصانها ، وينقلها إلى مكان السد ، ثم يأخذ جذع الشجرة ، ويضعه هنا ، الشيء الذي نراه يفوق حد الخيال ، حيوان ليس عنده عقل ، ولكن لأن الله فطره هكذا ، الآن يضع هذه الجذوع في أماكنها ، ويتابع العمل

يضع القندس الجذوع ليشكل سدا

 أستاذ علاء ، القندس مع زوجته يقطعان في العام 400 شجرة ، في العام الواحد من أجل تشكيل سدود ، تحول الجداول إلى برك ساكنة ، تمهيداً لإنشاء البيت

يقطع القندس وزوجته 400 شجرة في العام

 طبعاً هذه الشجرة بعيدة عن الماء ، مالت إلى الأرض ، الآن يقطع أغصانها ، ويأخذ هذه الأغصان لتعينه على تشكيل السد ، ثم يسحب جذعها ، هو وزوجته فقط

يحمل القندس مع زوجته الجذوع التي مالت بعيدة عن الماء

 بعد قليل نرى هذا الجدول أصبح بركة ماء ساكنة ، أما الشيء الذي يلفت النظر أن أسنان القندس تنمو باستمرار .

قد يفوق الحيوان ببعض خصائصه الإنسانَ :

 أنا لي ملاحظة : أحياناً الحيوان يفوق ببعض خصائصه الإنسان ، فقد يرى 8 أمثال الإنسان ، والكلب يشم مليون ضعف عن شم الإنسان :

﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

التكليف أرقى خصائص الإنسان :

 الحقيقة أن خصائص المخلوقات شيء مدهش ، الله عز وجل خلق المخلوقات ، وأعطاها خصائص ، إلا أن الإنسان مكلف ، والتكليف أرقى هذه الخصائص ، مكلف أن يعرفه ، وأن يعرف منهجه ، وأن يستقيم على أمره ، وأن يسعد بقربه في الدنيا والآخرة .
أعلى خصائص الإنسان أنه مكلف
 الحيوان له عالم آخر ، كما قال سيدنا علي كرم الله وجهه : " رُكِبَ المَلَك من عقل بلا شهوة ، ورُكِبَ الحيوان من شهوة بلا عقل ، ورُكِبَ الإنسان من كليهما ، فإذا سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان " .

 شيء آخر ، تسبح هذه القنادس في الماء سباحة بدقة بالغة ، وتعيش في البر لكن الشيء الغريب أن بيتها يجب أن يبنى في الماء الراكد وهو فوق الماء ، مدخله الوحيد من الماء ، وكأنها في حصن حصين ، مدخل البيت من الماء ، أما هو فوق الماء ، بعد قليل نرى هذا البيت .
مدخل بيت القندس الوحيد من الماء وكأنها في حصن حصين
 شيء آخر : بعد نشاط يدوم أشهراً هذا السد قد يكلف القندس عدة شهور لبنائه ليأتي جذوع الأشجار ، مع أغصان الأشجار ويضعها فوق بعضها منسقاً ، من حين لآخر يصحح بعض ما فعله في الحين الماضي حتى يكون السد منيعاً ومحكماً ، وهو يفعل هذا بتصوير طبيعي .
المذيع :

 وهو يعرف أن ضغط الماء في الأسفل يكون أكثر من ضغط الماء في الأعلى لذلك تكون الكمية والسماكة في الأسفل أكبر .
الأستاذ راتب :
 لكن شيء آخر ـ لقد تعلم الإنسان بناء السدود من القندس ـ أما الآن فنرى سداً صنعه الإنسان متوافقا تماماً مع السد الذي صنعه القندس
تعلم الإنسان بناء السدود من القندس
 الإنسان يحمل دكتوراه بالهندسة ، وعنده علم مكانيك التربة ، وعنده خصائص المياه ، وضغوط المياه ، نظرة إلى هذا السد الذي صنعه القندس يطابق تماماً السد الذي صنعه الإنسان ، إذاً الآية مرة ثانية :

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

 هذه القنادس ملهمة منذ ولادتها على أن تبني هذه السدود ، مجهزة بأسنان تنمو باستمرار ، وهذا شيء ليس سهلاً ؛ أن تنمو الأسنان باستمرار .
 أستاذ علاء ، هناك مخلوقات لو قطعت يدها تنمو لها يد أخرى ، وهذا فوق طاقة البشر ، هناك بعض الديدان لو قطعتها نصفين ينمو نصفها الأول الذي فيه الرأس ذنباً ، وينمو الذنب الذي بغير الرأس رأساً .

هناك مخلوقات تعيد نمو العضو الذي يقطع منها كبعض الديدان

 إذاً هذا يبين قدرة الله عز وجل ، هذا بيت القندس ، البيت فوق الماء لكن مدخله من تحت الماء ، ليكون في حماية ـ يعني الفوهة من تحت الماء ـ وعنده في البيت عدة غرف ، وحاجاته مؤمنة ، ويعيش حياة هادئة وديعة مع أهله

بيت القندس مؤلف من عدة غرف

 لذلك مرة سأل ملك وزيره من الملك ؟ قال : أنت ، قال : لا الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا ، له بيت يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ومسكن يكفيه ، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا ، وإنا إن عرفناه جهدنا في إحراجه .
 الآن هذا السد مقعر من الداخل ، تماماً كما يفعل القندس ، هذا من آيات الله الدالة على عظمته ، وقد قال الله عز وجل :

 

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

( سورة الذاريات )

هذا الإله العظيم يعصى ؟ هذا الإله العظيم يُكفر ؟ ألا تبتغى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟

(( يا ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر ]

الحقيقة أنه في الأرض آيات لمن أراد اليقين ، أنا أرى أن التفكر في خلق السماوات والأرض ، هو أوسع باب ندخل منه على الله ، وأقصر طريق إلى الله .

إن في خلق السموات والأرض آيات :

المذيع :
 هنا بعض مشاهد من هذا السد ؟
الأستاذ راتب :
 السد بعد أن يصنعه القندس
نعم هذه بعض مشاهد من هذا السد الذي صنعه القندس .

المذيع :

 لاحظ سيدي حتى جعل له أماكن لتفريغ المياه ، وتخفيف ضغط المياه حتى لا تأخذ المياه هذا السد في طريقها نتيجة حالة الضغط والانجراف .

الأستاذ راتب :
 والآية الدقيقة في هذا الموضوع :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 190 )

 هذا بيته من الداخل ، هنا يدخل من الماء إلى بيته ، وفي عنده عدة غرف في بيته طبعاً متى بنى هذا البيت ؟ بعد أن أقام هذا السد ، والسد يحتاج إلى أربعة أشهر ، ويحتاج إلى عدد كبير من الأشجار يقطعاها بأسنانه ، الله عز وجل يقول :

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة يونس الآية : 1 )

 يدعونا الله إلى أن نعرفه ، هذا القندس .

المذيع :
إذاً من خلال ما شاهدناه ، ومن خلال هذه الوثائق التي سجلتها كاميرا الإنسان تتلمس فيها القدرة والعظمة لله عز وجل في مخلوقاته التي تكون دون البشر ، فيكيف ألهم هذا القندس لكي يبني هذا البناء المحكم ؟

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

الأستاذ راتب ، آخر كلمة :

 

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

( سورة القيامة )

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾

( سورة المؤمنون الآية : 115 )

المذيع :
الخلق لم يكن عبثاً أبداً .

خاتمة وتوديع :

لا يسعني إلا أن نشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، شكراً لكل ما قدمت ، إن شاء الله نتابع حديثنا في الأسبوع القادم . إلى اللقاء .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018