الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 16 - العقل - العقل الصريح مع النقل الصحيح ـ تضحية طائر البطريق تجاه صغاره - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 16 - العقل - العقل الصريح مع النقل الصحيح ـ تضحية طائر البطريق تجاه صغاره


2006-02-06

مقدمة وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
نتابع المسيرة والاستزادة من علوم أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين .
أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم .
أهلا بكم أستاذ علاء جزاكم الله خيراً .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، كنا قد تحدثنا عن مقومات التكليف ، أنا في كل بداية الحلقة أريد أن أربط ما جرى ، وما تحدثنا عنه ، وحوله من الحلقات السابقة كي أُذكر الذين ينضمون إلينا مثلاً في بداية هذه الحلقة ، ولم يتابعوا أين هم من البرنامج .
تحدثنا عن مقومات التكليف في الكون والعقل ، وأفردنا للعقل مساحات واسعة ، وما زلنا في العقل ، وتحدثنا في الحلقة السابقة عن قضية العلاقة بين العقل والوحي ، ما هي هذه العلاقة ؟ وتبينا بأن العلاقة هي علاقة تكاملية ، فما عجز العقل عن إداركه وفهمه جاء به الوحي ليخبره بالنص الثابت عن ذلك الذي عجز ، وقصر عن إدراكه .
وتحدثنا عن علاقة العقل بالنص ، وقلت لنا : إن للعقل مهمتين ، المهمة الأولى ما قبل النص ، التأكد من صحة النص ، المهمة الثانية هي فهم وإدراك هذا النص .
نتابع في مسألة النص والواقع ، جاءنا نص ، جاءنا العقل ، فقال : هذا النص مثبت صحيح ، وفهمه العقل لهذا النص ، نأتي بالنص مقارنة بالواقع ، ما علاقة النص بالواقع ؟ ومن يؤثر على الآخر ، ثم نتحدث عن مسائل أخرى إن شاء الله .

ما علاقة النص بالواقع ؟

الدكتور :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

1 ـ لا يُعطَّل العقل أبدا :

أستاذ علاء ، النص والواقع ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

(( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ـ وفي رواية أنه كان ذا دعابة ـ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ ، فَغَضِبَ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا ، فَجَمَعُوا ، فَقَالَ : أَوْقِدُوا نَارًا ، فَأَوْقَدُوهَا ، فَقَالَ : ادْخُلُوهَا ، فَهَمُّوا ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا ، وَيَقُولُونَ : فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))

[ متفق عليه ]

العقل لا يعطَّل أبداً ، يؤكد هذا قول الله عز وجل :

 

﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾

( سورة الممتحنة الآية : 12 )

2 ـ لا لتأليه الأشخاص :

الطاعة في المعروف ، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أصحابه القتلى من الرماة ، الذين عصوه في أحد ، قال كتاب السيرة : لأنهم عصوا أمراً تنظيمياً ، ولم يعصوا أمراً تشريعياً ، وهذه القصة وردت في البخاري ومسلم ، لو اقتحمتموها لازلتم في إلى يوم القيامة ، الذي يعلم الناس ينبغي أن يعطيهم منهج البحث .
سيدنا الصديق قال : << أطيعوني ما أطعت الله ، يعني راقبوني ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >> .
في الإسلام الطاعة في المعروف
أنا أذكر هذا لئلا يؤخذ الناس أحياناً بتأليه شخص لا يحكمون عقولهم فيما يأمرهم وينهاهم ، هذا يقع في بعض الحلقات أحياناً ، في بعض الجماعات ، يعطل العقل عندهم ، لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة ، إنما الطاعة في معروف .
حينما يكون العقل يقظاً ، والنص صحيحاً ، وهما في الأصل متوافقان نكون في خطى سريعة نحو التقدم ، إذا كان العقل منضبطاً ، وكان النص صحيحاً يتكاملان كما تفضلتم في الحلقة السابقة .
لكن أضرب بعض الأمثلة ، يقول ابن القيم رحمه الله ، والذي سميت هذه الحلقة بكلمة له مأثورة ، يقول : " لو أنك اطلعت على نص ينبئ أن الله يضع أعداءه الذين ناصبوه العداء طوال حياتهم في الجنة ، وأن أولياءه الذي أفنوا حياتهم في طاعته في النار ، هكذا ورد في النص ، وكلا الأمرين عندك سواء ، ولا تعرف صحة أحدهما من الآخر إلا بدلائل صحة النص ، قال : فأنت لا تعرف الله ، لا تعرف الله إطلاقاً " .
أنا أردت أن اشرح هذا بمثل : إنسان مقيم بدمشق سافر إلى أمريكا ، دخل إلى أعظم جامعة في واشنطن ، دخل إلى قسم الجغرافيا ، اطلع على أكبر أطلس ألفه عشرون دكتورا ، يحمل أعلى شهادة ، فتح على الشرق الأوسط فإذا دمشق فوق بيروت ، وهو ابن دمشق ، وعلى الساحل ، هذا الخبر لا يقبله ، ولو كان ألف دكتور ألف الأطلس .

3 ـ قد يكون الواقع أقوى من النص :

أحيانا يكون الواقع أقوى من أي نص ، ما لم يكن وحياً طبعاً ، مستحيل الوحيان الكتاب وما صح من السنة ، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يناقض الواقع ، ولكن الواقع أحياناً أكبر من أي نص لم نتأكد من صحته .
لا يمكن للكتاب وما صح من السنة أن تتناقض الواقع
فكما أنني ابن دمشق ، حينما أذهب إلى بلاد بعيدة جداً ، وأرى أكبر مرجع في الجغرافيا ، وأرى مدينتي على الساحل لا أصدق كذلك ، وهذا الذي خلق السماوات والأرض أسماءه كلها حسنة ، صفاته كلها فضلى ، عدل مطلق ، كمال مطلق ، رحمة مطلقة ، عدل مطلق ، عطف مطلق ، يضع عباده الذين ناصبوه العداء طوال الحياة في الجنة ، وأولياءه في النار ، قال تعالى :

 

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

( سورة سبأ )

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

( سورة الزلزلة )

(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم : أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري ))

[ أخرجه الحكيم البيهقي ، عن أبي الدرداء ]

" خيري إلى العباد نازل ، شرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إليه ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شركي أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عند بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها " .

[ ورد في الأثر ]

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

( سورة الكهف الآية : 58 )

أما أنت يا محمد فأرحم الخلق بالخلق .

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة أل عمران الآية : 159 )

الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط :

هناك فكرة دقيقة جداً ، الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ، خط النقل الصحيح ، وخط العقل الصريح ، وخط الفطرة السليمة ، وخط الواقع الموضوعي ، وتعمدت أن أصف كل كلمة بصفة ، قلت : النقل الصحيح ، لأن هناك نقلاً غير صحيح ، وقلت : العقل الصريح ، لأن هناك عقلاً تبريرياً ، تخرج من جلدك حينما تسمعه ، قتل ، وسلب ، ونهب ثروات ، وإذلال ، وحرية ، من أجل الحرية ، هذا عقل تبريري ، ساقط عند الله ، وعند الناس .
فالعقل صريح ، والنقل صحيح ، والفطرة سليمة لم تنطمس ، والواقع موضوعي ليس مزوراً ، فحينما يأتي النص الصحيح حتماً يجب أن يوافق الواقع ، لأن الواقع خلقه ، والنص كلامه ، والفطرة مقياسه ، والوحي كلامه ، هذه كلها من عند الله عز وجل .
أنا أريد هذا التلاؤم ، والتلاقي ، والتوافق ، بين معطيات العقل ، ومعطيات النقل ، فإذاً : حينما يكون الواقع مناقضاً لنص الواقع أقوى ، أما حينما يكون العقل مناقضاً للنقل ، فالنقل أقوى ، إذا ناقض العقلُ النقلَ فالعقل محدود بواقع ، فالنقل أقوى ـ أما إذا كان الواقع يناقض النص ـ النص العادي لا يرقى به إلى مستوى النص الصحيح ، لا نرقى به إلى النقل الصحيح .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، هل يرفع الواقع النص العادي إلى ثبوتية أعلى إن صح التعبير ؟

هل يرفع الواقع النص العادي إلى ثبوتية أعلى ؟

الدكتور راتب :
شيوع المعصية مع مخالفة النص لا يجعلها مقبولة
والله هذا الكلام من بعض الجوانب مقبول ، أحياناً الناس يستمرؤون معصية معينة ، وتشيع هذه المعصية لدرجة أنها تصبح هي الأصل ، فإذا جاء الوحي بنص آخر ينهى عن هذه المعصية ، أنا لا أستطيع أن أجعل شيوع هذه المعصية ، أو أنّ الناس ألفوا هذه المخالفة ، أو أن الناس أصبحت عندهم عادة ، فأن أعدّ هذا الواقع الذي هو في الأصل مخالف للنص الثابت الوحي ، مع نص الوحي أنا أعطل عقلي .
أنت مع طبيب ، ويحمل شهادة ( البورد )، وله مكانة كبيرة ، ولك ثقة بإيمانه ، وورعه واستقامته ، وعمله ، وتفوقه لا تناقشه أبداً .
أما مع الوحي ، الوحي من عند الخبير ، لأن الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع توجيهاتها ، لذلك بعضهم قال : علّةُ أي أمر أنه أمر .
أنا لا أنسى كلمتين : الأولى : إنسانة دكتورة في الجامعة في مصر كانت في برنامج في إذاعة بريطانية حول التعدد ، فسُئلت عن رأيها في التعدد ، والأنثى لها موقف معروف من التعدد ، فقالت : كيف أدلي برأي في التعدد وقد سمح الله به ؟
الله الذي خلق الكون ، وأبدع هذا الكون هذا كلامه .
الموقف الثاني الذي أحب أن أذكره : أن عالماً مسلماً ذهب إلى بلاد بعيدة ، والتقى بعالم بأعلى درجة من العلم هداه الله إلى الإسلام ، وطُرح موضوع لحم الجنزير ، فهذا العالم المشرقي تحدث عن مضار لحم الخنزير ، وعن الدودة الشريطية ، وعن ، وعن ، وعن ، ساعة ، فكان جواب العالم الآخر أنْ قال له : يكفي أن تقول لي : إن الله حرمه ، وانتهى الأمر .

1 – النص بين المعنى الاحتمالي والمعاني المتعدِّدة المقصودة :

حينما نرى نصاً من الوحيين ، القرآن قطعي الثبوت ، وبعضه قطعي الدلالة ، وبعضه قطعي الثبوت ، وهذا ينقلنا إلى أن النص القطعي في دلالته يغطي الثوابت في الإنسان ، وإلى أن النص الظني في دلالته يغطي المتغيرات في الإنسان ، لكنني أنا كمتكلم أحياناً أستخدم نصًّا احتماليا ، بالضبط كما لو قلت : أعطِ فلاناً 1500 درهم ، هذا النص قطعي الدلالة ، لا يحتاج لا إلى مفسر ، ولا إلى فقيه ، ولا إلى مجتهد ، أما لو قلت : أعطِ فلاناً ألف درهم ونصفه ، هنا مشكلة ، هذه الهاء على من تعود ؟ على الدرهم أن على الألف ؟ .
هذه قضية احتمالية ، أنا حينما أستخدم نصاً احتمالياً أنا أقصد معناً واحداً في هذا النص الفضفاض ، لذلك كلما صدر قانون تؤلَّف لجان لتحديد مفهومات القانون ، قد يكون العبارة فضفاضة تحتمل معاني كثيرة ، يأتي المفسر ويضع معنى محدد .
لكن خالق الكون حينما يأتي في كلامه نص احتمالي يحتمل معاني كثيرة فقد أراد كل المعاني لتغطي كل المتغيرات ، وكل البيئات ، وكل الأزمات .
جاء :

 

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾

( سورة النور الآية : 56 )

لو أعطيت إنسانا في دمشق كيسَ قمحٍ ماذا يفعل به ؟ أين يغسله ؟ أين يطحنه ؟ أين يخبزه ؟ الإنسان في دمشق يعطى مبلغاً من المال ، أما الإنسان في الريف فالطاحونة جاهزة ، والتنور جاهز ، وهذا الكيس يكفيه سنة للخبز ، فأحياناً تقدم الزكاة عيناً في بيئة ، ونقداً في بيئة ثانية ، قال تعالى :

 

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾

ترك الموضوع احتمالي ، فلما يكون الإله النص في كلامه الله وكلام نبيه احتماليا يقصد به كل المعاني التي تغطي كل المتغيرات .

2 – الجانب الاجتهادي المسموح به :

هناك ملمح آخر دقيق جداً ، الحقيقة هناك حديث شريف حير العلماء :

(( خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ على صُورَتِهِ ))

[ رواه حيى بن جعفر عن أبي هريرة ]

الفردية من الصفات التي أعطاه الله للإنسان لكرامته عنده
من أجمل ما قرأت عن هذا الحديث أن لكرامة الإنسان عند الله أعطاه بعض صفاته ، فالله عز وجل فرد ، لذلك الإنسان بقزحية عينه فرد ، في الستة آلاف مليون إنسان كلّ فرد برائحة جلده ، بنبرة صوته ، بصمة إصبعه ، بزمرته النسيجية ، فالفردية واضحة تماما ، والآن في بعض البحوث الحديثة بنطفته فرد .
الآن الإنسان لكرامته عند الله سمح له أن يشرع ، فجعل بعض النصوص ظنية الدلالة ، تحتاج إلى مجتهدين ، وكان من الممكن أن تكون كل النصوص قطعية الدلالة ، لا نحتاج لا إلى مفسّر ، ولا إلى عالم ، لكن لحكمة أرادها الله عز وجل سمح للإنسان أن يجتهد ، وقد قبل الله منا أن نعبده باجتهاد المجتهدين ، طبعاً في للاجتهاد ضوابط دقيقة جداً .
الآن : الله عز وجل مريد ، والإنسان أعطاه حرية الإرادة ، والإنسان مخيَّر .

 

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 148 )

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف الآية : 29 )

إذاً : الإنسان فرد ، ومبدئ ، ومشرع ، ومخير ، مبدع عن طريق الجينات ، الآن هناك وردة سوداء ، هناك فواكه مأخوذة من أصناف متباينة ، فالله عز وجل لكرامة الإنسان عند الله ، لأنه قَبِل حملِ الأمانة سخر له ما في السماوات وما في الأرض ، وسمح له أن يكون فرداً ، وأن يكون مريداً ، وأن بكون مبدعاً ، وأن يكون مشرعاً ، وقد قَبِل الله أن نعبده باجتهاد المجتهدين ، أليس هناك مذاهب في الفقه ؟ أنا حنفي ، وأنا شافعي ، وأنا مالكي ، وأنا حنبلي ، هذا اجتهاد المجتهدين ، وكل مجتهد معه دليل .
فلذلك هذا الدين دين فيه أصالة ، وهو يصلح لكل زمان ومكان .

 

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

( سورة النساء الآية : 59 )

في ديننا الكثير من التوجيهات القرآنية والنبوية للحفاظ على البيئة
من أجمل ما قاله الإمام الشافعي عن أولي الأمر قال : " العلماء والأمراء "، معاً العلماء يعلمون الأمر ، والأمراء ينفذون الأمر ، يتكاملان .

 

﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

معهم :

 

﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

في قرآنه :

 

﴿ وَالرَّسُولِ ﴾

( سورة النساء الآية : 51 )

في سنته ، أن يرجعك الله إلى أصلين ، وتجد فيهما بغيتك ، أيعقل أن يخلو هذا الدين من تشريعات مع الأزمنة المتجددة ، مع التطورات الهائلة ، إنه دين الله .

 

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

( سورة المائدة الآية : 3 )

أنا قبل أسبوع ألقيت كلمة في مؤتمر البيئة ، الشيء المدهش ، وشيء لا يصدق أن تجد في ديننا كمًّا كبيرا من التوجيهات القرآنية والنبوية للحفاظ على البيئة ، فنحن عندنا عقدة نقص ، كل شيء يأتينا من الغرب نعجب به أشد الإعجاب .
العقل هو أداة معرفة الله عز وجل ، وهذا الكون الذي تحدثنا عنه سابقاً كله ينطق بوجود الله ، ووحدانيته ، وكماله ، والآن نشاهد مقطعا من فيلم علمي عن طائر البطريق بعيش في القطب الجنوبي .
الأستاذ علاء :
نتابع مع السادة المشاهدين ، ونود من حضرتك أن تشرح عن ما يحتفظ به ، وما مكان الله هذا الطائر من خلال وصفات .

الموضوع العلمي : طائر البطريق :

الدكتور راتب :

1 – أين يعيش البطريق ؟

القطب الجنوبي أبرد منطقة في العالم ، يبقى الشتاء فيها ستة أشهر ، وتربية الصغير في بيئة صعبة كهذه البيئة ، التي تحتاج إلى تضحية كبيرة يصعب تخيلها .

2 – رحلات البطريق مشيًا :

تقوم هذه البطاريق في رحلة إلى المكان الذي سيتحقق فيه اللقاء الكبير ، تستمر هذه الرحلة أسابيع عديدة ، والمسافة التي تقطعها أكثر من مئة كيلومتر ، تقطعها مشياً كما ترون ، وزحفاً كما ترون ، لهذا السبب تقطع طريقها مشياً أحياناً ، وبالتزحلق على بطنها أحياناً أخرى ، تمشي جميعها إلى الجهة نفسها بشكل معجز .
في نهاية هذه الرحلة ستلتقي آلاف البطارقة في مكان معين بشكل محير .

3 – الهدف من رحلة البطريق اللقاءُ الزوجي :

لهذا اللقاء هدف كبير جداً ، لأن هذه المنطقة التي سوف يصلون إليها يتحقق فيها اللقاء الكبير ، وفي هذا المكان ستولد فيه صغارها ، هذه الرحلة الشاقة هي بداية المصاعب التي تواجهها والتضحيات التي تقوم بها ، والصعوبة الأساسية تبدأ بعد وضع الأنثى بيضها ، لأنه بعد وضع الأنثى بيضها بفترة قصيرة يهجم الشتاء ، الحرارة في هذا الشتاء تنخفض إلى خمسين درجة تحت الصفر ، وتهب رياح حاملة معها الثلج والبرد بسرعة مئة كيلومتر في الساعة .

4 – وضعُ البيض وطريقة حمايتها وحضانتها :

البطاريق الآباء لا تتغذى أبداً لأربعة أشهر ولا تدع البيوض تصل إلى الأرض لحظة واحدة
الشيء العجيب أن هذه الإناث تترك البيض عند الذكور ، وتعود إلى البحر ، كي تصطاد لهذه البيضة بعد أن تخرج من البيضة ، وتوكل مهمة حضن البيض للذكور المضحية يجتمع البطارقة هكذا ، بآلاف مؤلفة ، وبدرجة حرارة خمسين تحت الصفر ، يضع البطريق البيضة على رجليه ، ويغمرها بفروته ، فلو أن البيضة وقعت على الأرض لمات ما فيها فوراً التضحية التي تقوم بها تجتاز حدود الخيال .
والبطاريق هؤلاء لا تتغذى أبداً طوال أربعة أشهر ، ولا تدع البيوض تصل إلى الأرض لحظة واحدة ، يمشي مشية خاصة ، لأن البيضة على رجليه ، وقد غلفت بفروته ، بل تبقى واقفة لأجلها على الدوام ، أربعة أشهر لا تأكل ولا تشرب حفاظاً على البيضة والحرارة خمسين تحت الصفر ، والرياح سرعتها مئة كيلومتر ، وتحمل معها الثلج والبرد .

 

 

5 – الصعوبات التي تلاقيها البطاريق في العيش :

تصطف البطاريق على شكل دائري ، كي تحتمي من الرياح القاسية ، كل ما تستطيع فعله خلال الشتاء هو الصبر .
بعد الأشهر الأربعة الصعبة يبدأ الربيع مرة أخرى ، فالبيوض تفقس ، علامات الأزهار في القطب الجنوبي ، الآن البيوض فقست ، وفتحت الصغار أعينها إلى الدنيا حديثاً وما زالت على أقدام آبائها حتى الآن لعدم تكون الطبقة الدهنية التي تحميها من البرد ، الشيء العجيب أن أول غذاء يتلقاه هذا الصغير غذاء محفوظ في حوصلة أبيه من أربعة أشهر ، وأبوه في أشد الحاجة إلى الغذاء ، ويؤثر ابنه على نفسه ، وهذه تعلمنا دروساً في رعاية الأبناء .

 

 

6 – عودة إناث البطاريق من البحر إلى البر :

الآن تعود الإناث إلى الأرض ، كانوا في البحر أربعة أشهر ليجمعوا الصيد لصغيرهم ، في هذه الفترة ترجع الأنثى من البحر الواسع إلى الشاطئ لم تبقَ أيضاً هي بلا عمل طوال أربعة أشهر ، بل كانت تخزن الغذاء في حواصلها لأجل الصغار لاصطياد المستمر ، وبمجرد رجوع الإناث تسرع ذكور البطريق التي صبرت على الجوع أشهر إلى البحر ، الآن الذكور تنزل في البحر بالتناوب ، بقيت بلا طعام أربعة أشهر ، وبمجرد إشباع ذكور البطريق ترجع إلى العش ، وتتابع تربية الصغار مع الأم .

7 – نمو صغار البطاريق :

أول غذاء يتناوله الصغير من حويصلة الأب الذي خزنه لصغيره لأربعة أشهر رغم جوعه
بعد مدة قصيرة تنمو صغار البطريق ، الصغير نما ، وصار قريب من أمه ، وتصل إلى حجم تستطيع التنزه مع آبائها المضحية ، لا يأكل البطريق الأب طوال أربعة أشهر لأجل صغاره ، يبقى واقفاً باستمرار كي لا تمس البيوض الأرض لحظة واحدة .

الغايةُ من التفكر في السماوات والأرض :

التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله ، لأنه يضعك وجها إلى وجه أمام عظمة الله .

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( سورة آل عمران )

لأننا في موضوع العقل ، العقل أداة معرفة الله .
الأستاذ علاء :

خاتمة وتوديع :

لا يسعني إلا أن أشكر الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، وقد أدركنا الوقت ، وأمتعتنا بهذه المشاهد ، وهذا التعلق الذي رافق هذه المشاهد عن طائر البطريق وعن تضحيته ، وكيف يرعى أطفاله ، وكيف يرعى أبناءه ، وكيف يصوم من أجلهم ، ولا يعرف الأثرة ، بل يعرف الإيثار ، وكل ذلك من ترتيب الله عز وجل ، ومن خلال هذه المشاهد كما قلت يصل ـ سأعد الإخوة المشاهدين أن يكون في كل لقاء قادم فقرة علمية ، بعض الدقائق لنرى عظمة الله عز وجل ـ .
شكراً لك استأذنا ، وشكراً للسادة المشاهدين على متابعتهم ، وإلى اللقاء في الحلقة القادمة بمشيئة الله ، إلى اللقاء .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018