الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 15 - العقل - العلاقة بين العقل والوحي علاقة تكاملية - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 15 - العقل - العلاقة بين العقل والوحي علاقة تكاملية


2006-01-30

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
وتستمر الرحلة مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين .
أهلاً وسهلاً ومرحباً .
بكم أستاذ علاء ، جزاكم الله خيراً .
الأستاذ علاء :
أستاذنا الكريم ، كنا قد تحدثنا في حلقات سابقة عن مقومات التكليف ، تحدثنا عن الكون ، ثم حططنا الرحال عند العقل في حلقتين متتابعتين ، وإن شاء الله نتجاوز العقل إلى مسألة الفطرة ، وبعد ذلك الشهوة والاختيار ، إلى الشرع ، ثم إلى وعاء العمل والوقت .
وقفنا عند العقل في محطتين واسعتين ، ولكن هذا الأمر الذي هو مقوم أساس من مقومات التكليف التي كلف الله بها خلقه ، كلف بني آدم ، وهو يعيشون في هذا الكون على ، هذه البسيطة لعمارتها ، وقد حملهم الأمانة التي عجزت عن حملها السماوات والأرض والجبال ، ولكن تصدى لها الإنسان ، وحمل هذه الرسالة .
ومن مقومات حمل الرسالة أو التكليف العقل ، الجوهرة التي وهبه الله للإنسان ، به يميز ، وبه يختار .
الآن نتابع رحلتنا مع العقل في مسألة موقف العقل من الوحي ، أو الوحي من العقل ، ما هي العلاقة ؟ هل علاقة إلغائية ؟ هل العقل يلغي الوحي ؟ هل الوحي يلغي العقل ، أم هنالك بين العقل والوحي علاقة تكاملية ، علاقة يقف العقل عاجزاً في مرحلة ما ليتمم نقصه وعجزه ذلك الوحي المنزل من السماء ، ثم نتحدث بعد ذلك عن مسألة العقل والنص ، والعقل والجهل ، والعقل والذكاء ، إن أسعفنا الوقت في سرد هذه الموضوعات في هذه الحلقة .
الدكتور راتب :

العلاقةُ بين العقل والوحي :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

1 – ما هو العقل ؟

أستاذ علاء ، جزاكم الله خيراً ، العقل بالتعريف الدقيق أداة معرفة الله ، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى في أول سورة أُنزلت قال :

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

( سورة العلق )

القراءة مقيدة بالإيمان .

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

( سورة العلق )

إذاً هذه قراءة بحث وإيمان ، ثم هناك قراءة شكر وعرفان .

 

﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾

( سورة العلق )

منحك نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، ثم يقول الله عز وجل :

 

﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

( سورة العلق )

2 – مهمة العقل :

مهمة العقل البحث عن شيء غابت ذاته وبقيت آثاره
فالله عز وجل أعطانا العقل لكن مهمة العقل محدودة ، لا يحسن العقل تحقيق ما خُلق من أجله إلا إذا استند إلى واقع ، واستنبط من الواقع حقيقة لا تراها العين ، الاستنباط والاستدلال من مهمات العقل ، فكأن الأشياء في الأرض شيء ظهرت ذاته وآثاره ، الحواس الخمس أداة معرفة ، ضوء متألق ، صوت مرتفع ، قماش ناعم ، وشيء غابت ذاته ، وبقيت آثاره ، هنا منطقة العقل ، العقل يبحث عن شيء غابت ذاته ، وبقيت آثاره ، أما إذا حكّمنا العقل في الغيبيات فالعقل ليس له مجال إطلاقاً ، فالعقل أداة محدودة المهمة ، وهذه الحقيقة التي ينبغي أن يعلمها كل إنسان .

 

 

3 – العقل ميزان :

العقل ميزان دقيق جداً ، قال تعالى :

 

 

 

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

( سورة الرحمن )

في بعض تفسيرات الميزان أنه العقل ، أعطاك الميزان ، لكن هذا العقل مهمته محدودة ، فما عجز العقل عن إدراكه أخبرك الله به ، كيف ؟
عندنا ميزان في مركز بيع متقدم ، هذا الميزان مصمم للاستخدام بين خمس غرامات ، وخمسة كيلو ، وفيه ذواكر ، وأشياء دقيقة ، فإذا أردت أن تزِن به مركبة كسرته ، لأن صانع المركبة أعطاك وزنها بالدقة في مكان ما من المركبة ، فإذا عجز ميزان البقالية عن وزن مركبتك فصانع المركبة أخبرك بوزنها .

4 – ما عجز العقل عن إدراكه أخبرك الله به :

إنّ ما عجز العقل عن إدراكه أخبرك الله به ، تماماً كما تفضلتم العلاقة بين العقل والوحي علاقة تكاملية .
ما عجز العقل عن إدراكه أخبرنا الله به
إذا دخلت إلى جامعة ، وأنا لا أعرف عنها شيئاً من أبنيتها ، وقاعات التدريس فيها ، ومخابرها ، ومن حدائقها ، وبيوت الطلبة فيها ، ومن موقعها أستنبط مئات الحقائق ، أن وراء هذه الجامعة مهندسا متألقا ، خبيرا بأمور الجامعات ، هيأ لكل وظيفة للجامعة مكانا ، يمكن أن استنبط آلاف الحقائق من تأملي في الأبنية ، لكن مهما كنت ذكياً ، ومهما كان تحليلي عميقاً ، ومهما كان تأملي دقيقاً فلا أستطيع أن أعرف نظام الجامعة ، ولا من يسمح له بالانتساب لها ، نظام الامتحانات ، نظام القبول ، من هو عميد الكلية ؟ من هو رئيس الجامعة ؟ ما نظام التفوق في الجامعة ؟ هذا لا بد من كتيب .
فلذلك أنت في التفكر في خلق السماوات والأرض تصل إلى حقائق ، أن هذا الكون لابد له من خالق ، لكن الخالق أخبرك بالوحي ، أنك المخلوق الأول ، وأنك خُلقت للجنة ، وأن الدنيا دار تكليف لا دار تشريف ، ودار عمل لا دار أمل ، الخالق أعطاك توجيهات رائعة جداً بالوحي ، فأنت بالكون والعقل تعرف الله ، وبالشرع الذي هو الوحي تعرف منهجه ، إذاً لا يستغنى عن العقل بالنقل ، ولا بالنقل عن العقل ، إنهما متكاملان .
ودائماً وأبداً قضية التفرد هذه قضية مفتعلة مصطنعة ، الحياة متكاملة ، ونحن إذا قسمنا ما في الحياة إلى أبواب هذا تقسيم مدرسي ، أما العقل فله مهمة ، والوحي له مهمة ، ولكن هذا الذي يذكرني بمثل شهير :
لو أن الإنسان له عينان بالغتا الدقة ، أحياناً يكون الفحص 12 على 10 هاتان العينان البالغتان الدقة لا معنى لهما من دون ضوء يكون وسيطاً بين العين والمرئي .
وأنا أؤمن بكل قطرة في دمي ، وبكل خلية في جسمي أن العقل لا معنى له من دون الوحي لأنه :

 

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ *ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ *سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾

( سورة المدثر )

5 – العقل والوحي متكاملان :

العقل والوحي يتكاملان
فالعقل لا يستغني عن الوحي ، والوحي يحتاج كي تعرف دقائقه إلى عقل .
إذاً : العقل والوحي يتكاملان ، والخطأ الكبير أن حضارة اعتمدت العقل ، فوقعت في الإباحية ، وزنى المحارم ، والمخدرات ، والخمور ، حتى يقول بعض زعماء العالم الغربي : إن هناك أخطار تهددنا ، أنا كنت أظن قبل أن يتابع كلامه بأخطار الصين ، أو أخطار التجمع الأوربي ، الذي يهدد تفسخ الأسرة ، وشيوع المخدرات ، وارتفاع الجريمة .
فحينما اعتمدنا العقل وحده وقعنا في مشكلات لا تعد ولا تحصى ، إذاً العقل والوحي يتكاملان ، ولا غنى لأحدهما عن الآخر .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، هل يصح أن يكون العقل ميزاناً للوحي ؟ أن أزن ما جاء في الوحي بالعقل ، أم أن يكون الوحي ميزاناً للعقل ؟ .

لن يكون العقل ميزانا للوحي :

الدكتور راتب :

1 – العقل مرتبط بالواقع :

لا يمكن بحال أستاذ علاء أن يكون العقل حكماً على النقل ، السبب أننا لو اخترنا من بين الموتى أحداً من أكبر العلماء ، ويتمتع بأعلى ذكاء ، وترك 200 مؤلف ، لو أعطيناه قرصًا مدمجا ، قلنا له : في هذا القرص خمسة آلاف كتاب ، ويمكن أن تقرأه في ثلاث ثوانٍ ، لا يصدق ، بل يتهمنا بالجنون ، وكان ألمعية ، وترك 200 مؤلف ، لأن العقل مرتبط بالواقع .
الآن نحن عندنا أشياء لو أخبرت إنسانا قبل مئة عام يمكن أن ترسل رسالة إلى أقصى مكان في الدنيا في ثوان بالفاكس لا يصدق ، كانوا يركبون الجياد ، ويسرعون شهرًا ليصل البريد ، الآن ما يحدث في العالم نعرفه بعد ثوانٍ .
إذاً : العقل مرتبط بالواقع .

2 – الوحي مرتبط بالحقيقة المطلقة :

أما الوحي مرتبط بالحقيقة المطلقة ، لذلك لا يمكن أن يكون العقل حكماً على النقل ، بل النقل حكم على النقل ، لأن النقل وحي السماء ، بينما العقل مقياس أودعه الله فينا ، لكن محكوم بالظروف التي يعيشها .
الأستاذ علاء :
محاط بظروف ، ولا يستطيع أن يجتاز ذلك السور أو الغرز الذي وضع حوله ، لذلك هو يتحرك ضمن هذا المجال وهذا الحيز .
الدكتور راتب :

حتمية توافق العقل السليم مع النقل الصحيح :

هذا ينتج عن هذا السؤال جزاك الله خيراً ، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى ، قال : " حتمية توافق العقل مع النقل " ، لا بد من أن يتوافق العقل مع النقل ، لماذا ؟ لأن العقل مقياس أودعه رب الأرض والسماوات فينا ، والنقل كلامه ، وكلاهما فرعان من أصل واحد ، فمادام الفرعان من أصل واحد فلا بد من أن يتساويا ، ولكن لو ظهر تناقض كما تفضلت ، كيف نفسر هذا التناقض ؟ لعدم قطعية أحدهما ، إما أن الحديث موضوع ، أو أنه حديث ضعيف ، أو حديث فيه إشكال كبير عند علماء الحديث ، لا يتوافق مع العقل ، أو الآية وهي قطعية الثبوت تأويلها غير صحيح ، فإمّا عدم قطعية أحدهما ، أو أن القضية التي جاء بها العقل ليست صحيحة ، ليست حقيقة ، بل نظرية ، فإذا لم يتوافق العقل مع النقل فبعدم قطعية أحدهما .
ولو فرضنا جدلاً أن الحقيقة العلمية مطلقة ، وأن النص مطلق في ثبوته ، وفي تأويله فالتوافق حتمي 100 % ، وهذا أعظم ما في هذا الدين العظيم ، نحن ديننا دين عقل ودين نقل ، ودين فطرة ، ودين حياة ، نحن ديننا لا يغفل شيئاً من الحياة ، هناك حضارات ألقت الوحي وراء ظهرها ، وهناك حضارات نبذت العقل وراء ظهرها ، وكلا الحضارتين لم يحسنا صنعا ، لا بد من اعتماد النقل على أنه توجيهات من عند الخالق ، ولا بد من اعتماد العقل بفهم النقل .

مهمة العقل أمام النقل : التأكد من صحة النقل ثم الخضوع له :

التأكد من صحة النقل هي مهمه العقل أمام النقل ثم الخضوع له
أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً ، هناك علاقة ثانية : علاقة العقل مع النقل ، العقل له مهمتان ، مهمة قبل النقل ، ومهمة بعد النقل ، المهمة التي قبل النقل للتأكد من صحة النقل لأن هناك حديثا ، نحن مشكلتنا أن كل إنسان سمع حديثاً منقول عن النبي الكريم من إمام مسجد ، من خطيب ، من إنسان غير متعمق يعده حديثاً صحيحاً ، وقد يبنى عليه أحكام غير صحيحة ، فالعقل مهمته أن أتأكد من صحة النقل ، بما أن الدين نقل أخطر ما في النقل صحة النقل .
كم من خطبة ألقيت بنيت على حديث موضوع ؟ وكم من تعصب أعمى انحاز إلى جانب أساسه نص موضوع ؟ أو فتوى غير صحيحة ؟ فالعقل مهمته التأكد .
منهج البحث في الإسلام : إن كنت ناقلاً فالصحة ، و إن كنت مدّعيا فالدليل ، إن جئت بشيء جديد فأعطني الدليل من أصول الدين على صحته ، وإن نقلت عن إنسان شيئاً هل كنت متأكداً من هذا ؟ لولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، منهج البحث في الإسلام أنا أراه أهم من مفردات الدين .
الأستاذ علاء :
سيدي إن كنت من هنا جاء علم مصطلح الحديث ؟
الدكتور راتب :

الإسلام فيه منهجية للبحث :

نعم لأن منهج البحث هو الميزان ، بينما الخطأ في الميزان لا يصحح ، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر ، لو أن في ميزان في إحدى كفتيه وزن زائد ، لو استخدمته مليون مرة كل الأوزان خطأ ، بينما لو توهمت أن هذا كيلو مكان كيليين ممكن مرة تصبح ، الخطأ في الوزن لا يتكرر ، أما الخطأ في الميزان لا يصحح .
فلذلك نحن بحاجة إلى أن نصحح النصوص ، أنا أقدر داعية أو خطيباً لا يلقي على منبره إلا النص الصحيح ، النص الصحيح أرض صلبة ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال الله عنه :

 

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾

( سورة النجم )

كلامه وحي غير متلو ، فإذا صح هذا عن رسول الله فهو مغطى من قبل الله عز وجل ، لذلك قال الله عز وجل :

 

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

( سورة الحشر الآية : 7 )

فلذلك نحن حينما نعتمد السنة الصحيحة ، والتأويل الصحيح ، نجتمع لا نتفرق .
الأستاذ علاء :
إذاً : نعمل العقل في مهمته الأولى السابقة .
الدكتور راتب :

من أسباب الوحدة اعتمادُ النصوص الصحيحة :

أنا قناعتي أن أحد أسباب وحدتنا الإسلامية اعتماد النصوص الصحيحة ، نجتمع على الصحيح ، ونختلف في الموضوع .
أستاذ علاء ، الفرق الضالة في العالم الإسلامي بدءاً من عبد الله بن سبأ وإلى نهاية الزمان تعتمد النصوص الموضوعة والضعيفة ، وتؤلّه الأشخاص ، وتخفف التكاليف ، وذات نزعة عدوانية ، الأحاديث الصحاح توحدنا ، وفي الصحاح غنية ، لكن الكلام موجه إلى الإخوة الدعاة جزاهم الله خيراً : أحياناً الحديث الصحيح مألوف ، مألوف جداً ، يشعر الداعية دون أن يشعر برغبة أن يتحف الناس بشيء جديد ، فيغوص في الضعاف ، على ظنه أن هذا شيء جديد يمتع السامعين ، ابقَ في الصحاح ، ولو أنها مألوفة ، وعمق شرحها ، وعمق الاستنباطات منها ، وعمق فهمها ، لأن كلام خلق الكون ، وكلام نبيه لا حدود لفهمه .
بدل أن آتي بشيء جديد يمتع الناس على حساب الصحة ، أنا آتي بشيء مألوف عند الناس ، لكن أعمق فهمه ، فإذا اعتمدنا الصحاح توحدنا ، وإذا غرقنا في الموضوعات تفرقنا ، والقاعدة المهمة ، هذا الدين كما قال الله عز وجل :

 

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

( سورة المائدة الآية : 3 )

هذا الدين توقيفي ، لا يحتمل الزيادة ولا النقصان ، لأنه من عند الله ، من عند المطلق ،

﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾

الإكمال نوعي ، أي طريقة معالجة أي موضوع عالجها الإسلام كاملة معالجةً ،

﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾

والإتمام عددي ، عدد القضايا التي عالجها الإسلام تام عدداً ، فأية إضافة على الدين اتهام له بالنقص ، وأي حذف من الدين اتهام له بالزيادة ، وإذا قلنا : التجديد في الدين فيعني إلا أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه ، هذا هو التجديد .
أستاذ علاء :
وأن نعود إلى جوهره ، وأن ننفض الغبار الذي تراكم في الفهم .
الدكتور راتب :

هذا هو التجديد :

الدين لا يقبل الزيادة ولا النقصان
الآن إذا أضفنا ـ دقق ـ تقاتلنا ، وإذا حذفنا ضعفنا ، كلمة بكلمة ، إذا أضفنا على هذا الدين الذي هو وحي السماء إذا أضفنا تفرقنا ، أصبحنا شيعاً وأحزاباً وطوائف ، وإذا حذفنا منه ما هو معلوم بالضرورة أصبحنا في مؤخرة الأمم ، فهذا الدين لا يقبل الزيادة ، ولا النقصان .

 

 

 

 

 

 

أحكام الشرع فيها حكمة بالغة :

الآن هنا فكرة دقيقة : أن الذي ذكره الله في الوحيين في القرآن ، وأمر النبي أن يقوله في السنة ، له حكمة ما بعدها حكمة ، والذي سكت عنه النبي وراء سكوته حكمة ما بعدها حكمة .

 

 

 

 

 

 

1 – الحكمةُ من عدم شرح النبي للآيات الكونية :

مثلاً : في بالقرآن 1300 آية في الإعجاز العلمي ، سدس القرآن قضايا كونية ، والنبي الكريم في أي موضوع تعبدي ذكر مئات الأحاديث ، في بموضوع التجارة 400 حديث لرسول الله ، أما الشيء العجيب أن النبي لم يشرح ولا آية كونية ، ولا حديثا ، هذه حكمة ما بعدها حكمة ، هذه هي قضايا في الإعجاز العلمي في القرآن ، لو أنه شرحها شرحاً مبسطاً يفهمه من حوله لأنكرنا عليه العالم ، ولو شرح هذه الآيات شرحاً واسعاً ، لأن الله أراه من آياته لأنكر عليه أصحابه ، تركت هذه الآيات من دون شرح ، كلما تقدم العلم كشف عن جانب من عظمة هذه الآية ، إذاً سكوته حكمة ، فالذي سكت عنه الدين لا يتعلق لا بالخير ولا بالشر .

2 – مهمة النبي هداية الناس :

عندنا قاعدة : الحقيقة الأولى في الكون هي الله ، مهمة الأنبياء أي شيء يقربك إلى الله ذكره النبي به ، ولو كان واحدا بالمليون ، وأي شيء يبعدك عن الله ذكره النبي به ، لكن أن لا أصدق أن يعلم النبي جهاز هضم الضفدعة مثلاً ، ليس من شأنه أن يعلم هذا ، هذا شيء متعلق بأصحاب العلوم والخبرات ، فهذا الذي يضع بمقام النبوة أشياء غير معقولة كأنه يؤلّه النبي عليه الصلاة والسلام ، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر ، وجاء بالوحي وحي السماء ، وكل شيء يقربنا إلى الله ذكره ، وكل شيء يبعدنا ذكره ، أما مكانيك التربة مثلاً فليس من شأن هذا الإنسان العظيم أن يضيع وقته في هذا الموضوع ، هذا موضوع ترك للخبراء ، إذاً الذي يقربنا إلى الله ذكره النبي ، والذي يبعدنا ذكره ، أما قضايا الطعام ، كل بيئة لها طعام لها شراب ، لها تقاليد على الطاولة ، على الأرض ، الثياب ، كل شيء لا يمس القرب من الله ، أما ثياب المرأة فمذكورة في أحاديث ، فكل شيء يقرب أو يبعد في نصوص ، وهناك أشياء حيادية .
الأستاذ علاء :
لذلك عليه الصلاة والسلام عقد اللواء من نبي مخزوم ، قادة حرب ، وهم أصحاب خبرة ، وترك لهم ، وعقد الرفادة ، والضيافة لبني هاشم هم أصحاب هذا الاختصاص ، وللعلاقات العامة من بني أمية ، وكل هذه الاختصاصات أقرها النبي عليه الصلاة والسلام في أمر الدنيا .
الدكتور راتب :

لابد للناس من وسطية في التعامل مع العقل :

أنا الذي يؤلمني أن هناك من طلق العقل ، والعقل أصل في الدين ، وهناك من لم يعبأ بوحي السماء ، اعتمد العقل ، فمن الحضارات حضارة اعتمدت العقل ، وقد أخطأت خطأ كبيراً ، والآن تعاني ما تعاني ، وحضارة طلقت العقل فتخلفت ، ليس في الكون تناقض أبداً ، كل شيء خلقه الله له وظيفة ، فأنت كما تفضلت في بداية هذا اللقاء الطيب وقلت : العلاقة بين العقل والنقل علاقة تكاملية ، وهذا هو الصواب .
الأستاذ علاء :
تحدثت أستاذنا عن مهمتي العقل ، قبل النص وبعد النص ، وفرق التثبت من صحة النص ، وبعد النص فهم هذا النص ، وفهم مكنونات هذا النص ، ولماذا كان هذا النص .
الدكتور راتب :
أحياناً يقول لك أحدهم : أنه ورد في الحديث أن الشياطين تصفد في رمضان ، أيْ تقيَّد ، يأتي العقل ويقول : ربي لو تابعت تقييدها طوال العام لارتحنا منها ، لكن يقول لك بعض العقلاء : إن الإنسان حينما يمتنع عن المعصية يقيَّد الشيطان ، أنت تقيده ، فأنت تابع تقيده بعد رمضان ، أنت من تمسكه ، أنت الذي تقيده عملياً ، فأحيانا يأتي تفسير العقل للنص الصحيح عميق جداً ، ويكون هذا التفسير متألقاً ، ويأخذه الإنسان كالغذاء .
الأستاذ علاء :
سيدي الكريم ، بقي في هذه الحلقة دقيقتان ، هل العقل يفسر النص له مهمتان كما تفضلت ، التثبت من النص ، ثم فهم هذا النص ، هل هذا الفهم يختلف باختلاف الأزمان ، وباختلاف الحواضن العقلية ، بالاختلاف المساحة التي تحيط بالعقل ضيقاً واتساعاً بزيادة المعارف .
الدكتور راتب :

هل يختلف الفهم والاستنباط باختلاف الأزمان والأشخاص والظروف ؟!

أولاً : أستاذ علاء ، السلف الصالح قدموا علوم لتفسير النصوص واستنباط الأحكام منها رائعة جداً ، هذا مجموع في باب أصول الفقه ، قواعد أصول الفقه كلها قطعية ، العقل ليس مسموحاً له أن يستنبط على مزاجه ، هناك قواعد وضعها علماء الأصول ، وقد قيل : إن علماء المسلمين أمام علماء الأصول عوام ، فنحن نفهم النص بعقلنا وفق علم الأصول ، هذه واحدة .
لكن النص قد يكون قطعي الدلالة ، قد يكون ظني الدلالة ، إذا كان قطعي الدلالة يغطي الثوابت في الإنسان ، وإذا كان ظني الدلالة يغطي المتغيرات في الإنسان ، هذا يحتاج إلى شرح إن شاء الله ، نتحدث عنه في لقاء قريب .
الأستاذ علاء :

خاتمة وتوديع :

الوقت أدركنا ، لا يسعني إلا أن أشكر الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق ، ونتابع إن تكرمت هذا المبحث في العقل في جوانب أخرى تتعلق ، بالعقل والجهل ، العقل والذكاء ، ونفرد لهذه المسألة الكثير من الوقت حتى تكون واضحة .
شكراً لك ، وشكراً لكم أعزائي المشاهدين لمتابعتكم ، وإلى اللقاء إن شاء الله في الحلقة القادمة سلام الله عليكم ورحمته وبركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018