الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 14 - العقل - ما يتعلق بالعقل ـ خيط العنكبوت أمتن من الفولاذ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - مقومات التكليف - الندوة : 14 - العقل - ما يتعلق بالعقل ـ خيط العنكبوت أمتن من الفولاذ


2006-01-16

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة متجددة في لقاءنا المعنون : الإيمان هو الخلق ، وفي الرحلة التي بدأناها منذ حلقات طويلة مع أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين .
أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم .
سيدي الكريم ، في الحلقات الماضية تحدثنا عن مقومات التكليف ، وبدأنا بالكون وأفردنا للكون مساحات واسعة الحقيقة ، ثم بدأنا بمحطة هامة ، من محطات التكليف التي من خلالها كلف الله الإنسان ، وحمله أمانته ورسالته على هذه الأرض ، ليستعمرها بالشكل السليم في الخير ، وما يصلح لنفسه ولغيره ولسكناه ، وقبل كل ذلك أن يصلح علاقته بالله عز وجل .
تحدثنا في محطات كثيرة من خلال الحلقات الماضية عن العقل ، وبقي أن نختم هذا المقوم التكليفي في هذه الحلقة في مسائل مختلفة ، منها ما يتعلق بالمحبة ، ومنها ما يتعلق بالذكاء ، ومنها ما يتعلق بالهوى ، ومنها ما يتعلق بالجهل ، ولدنيا في نهاية كل حلقة إن شاء الله محطة علمية إعجازية لنتدبر ، ولنتفكر ، وللنظر إلى بديع صنع الله .

مقدمة حول العقل :

الدكتور راتب :
ولأن العقل أداة معرفة الله تأتي هذه الفقرة الأخيرة حول الإعجاز العلمي في القرآن والسنة .

1 - الإنسان مفطور على الحب :

أستاذ علاء ، بادئ ذي بدء ، الإنسان يحب ولا شك ، لكن من الناس من يحب بعقله ، ومن الناس من يحب بحواسه .
مرة كنت مسافراً ، وأتيت إلى دمشق ، فرأيت إنساناً في الشارع يجري ، والأمطار منهمرة ، والبرد قارس ، ومعظم الناس في بيوتهم وراء المدافئ ، يأكلون ويشربون ، ما الذي في عقل هذا الإنسان حتى حملته قناعته على أن يجري في البرد وفي المطر ؟ قناعته أن القلب قوام حياة الإنسان ، وأن القلب قوته بالجري .
فأحياناً هذا لا يحب بحواسه ، لو أحب بحواسه لجلس إلى المدفأة ، وأكل أطيب الطعام ، لكنه رغم كل ذلك جرى في المطر ، وفي البرد .

2 - الحب بالعقل أرقى من الحب بالحواس :

كلما ارتقى الإنسان أحب بعقله
كلما ارتقى الإنسان أحب بعقله ، لآخذ أمثلة بسيطة : أحياناً في أطعمة طيبة جداً ، ولكنها تضر بالجسم ، وتؤذيه ، فينما هي من حيث الطعم رائعة جداً ، لكن العاقل يأخذ منها باعتدال شديد .
مرة عثرت على نص أدبي أعجبني ، يقول بعض الأدباء : " لي صديق كان من أعظم الناس في عيني ، وكان رأس ما عظّمه في عيني صغر الدنيا في عينيه ، فكان خارجاً عن سلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يكثر إذا وجد ، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة ، فلا يتكلم بما لا يعلم ، ولا يماري فيما علم ، وكان أكثر دهره صامتاً ، فإذا تكلم بزّ القائلين ، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً ، فإذا جدّ الجدُ فهو الليث عادياً ، أردت من هذا النص فقرة واحدة كان خارجاً عن سلطان بطنه .
فالذي يحب بحواسه يأكل كثيراً ، ويتحمل متاعب لا حصر لها ، والذي يحب بعقله يأكل قليلاً ، ويأكل طعاماً يفيده ، له نتائج طيبة جداً ، هذا في الطعام والشراب .
الإنسان أحياناً يحب الدراسة بعقله ، الراحة أقرب إلى فطرة الإنسان من التعب ، فيدرس لأنه أحب أن يكون شخصية مهمة في المجتمع ، أحب أن يعطي أمته شيئاً ثميناً ، فلابد من العلم ، الدراسة متعبة وشاقة ، فالذي يقبل على الدراسة هو إنسان يحب بعقله ، الذي يقبل على أداء العبادات ؛ الصلوات ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، الذي يقبل على الأعمال الصالحة يحبها بعقله ، من حيث علاقة الأعمال بالراحة الجسمية الراحة أولى ، فهو يخالف طبعه .

3 - الإنسان بين الطبع والتكليف :

بالمناسبة ، الإنسان معه طبع ، ومعه تكليف ، دائماً هناك تناقض بين الطبع والتكليف ، الآن الذي ينام باكراً يستيقظ نشيطاً ، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ فَلْيَنْفُضْهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي ، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

سمح لي أن أعيش يوماً جديداً .
كلما ارتقى إدراك الإنسان وارتقت مرتبته عند الله يحب بعقله .
مرة كنا في جلسة ، ومعنا طبيب قلب ، فقُدم له طعام نفيس جداً ، فاعتذر ، قال : والله أنا أحبه أكثر منكم جميعاً ، لكن لكثرة ما أرى الشرايين المسدودة في أثناء العمليات الجراحية أكره الأطعمة الدسمة .
فالإنسان قد يحب طعاماً بعقله ، وليس بإحساسه ، وكلما هبط مستوى الإنسان يحب بأحاسيسه .
الأستاذ علاء :
إذاً : الذي يخالف شحه في الذل والعطاء .
الدكتور راتب :

4 - التناقض بين التكليف والطبع ثمن الجنة :

 لذلك التكليف يتناقض مع الطبع ، وتناقض التكليف مع الطبع ثمن الجنة .

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

( سورة النازعات )

 الذي يدخن لا تبتعد كثيراً ، هو ألفَ الدخان ، لكن أحياناً حينما يفاجئ بالنتيجة الصاعقة بورم خبيث برئتيه ، هو لماذا وصل إلى هذه النتيجة ؟ لأنه أحب بحواسه ، أما لو فكر وترك لم يصل إلى هذه النتيجة .

5 – العاقل يتعامل مع النص والجاهل يتعامل مع الواقع :

 أالمؤمن العاقل المفكر الموفق يصل إلى الشيء بعقله قبل جسده
نا أضرب مثلا أعمق : لو أن إنسانا يمشي في طريق ، وله هدف في نهاية الطريق ، والطريق مغلق بسبب تراكم الثلوج في مكان معين ، فإنه يرجع ، أما الدابة فتمشي إلى أن يوقفها الثلج .
العاقل يتعامل مع النص ، بينما الجاهل يتعامل مع الواقع ، هو العاقل هو يرى الشيء قبل أن يصل إليه ، في من أروع الآيات الله عز وجل يقول :

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ﴾

( سورة النحل الآية : 1 )

 أتى فعل ماضٍ ، قال :

﴿ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

( سورة النحل الآية : 1 )

 معناه لم يأتِ

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

 المؤمن العاقل المفكر الموفق يتلقى وعيد الله وكأنه وقع ، لذلك قالوا : أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه ، أن تصل إلى الشيء بعقلك قبل أن تصل إليه بجسمك .

6 - سؤال العاقل لنفسه : هل يقبل الله من ي عملي ؟!

 التفكير بالنهاية مع ممارسة الحياة الطبيعية يحفظ من الانزلاق ويسرع الخُطى إلى الله
حينما أؤمن باليوم الآخر في كل حركة وسكنة في حياتي اليومية أسأل هذا السؤال : هل يقبل الله مني هذا العمل ؟ هل أرضي الله بهذا العمل ؟ أما ما دمت أفكر في النهاية فأنا لي بداية مشرقة ، وبالبرمجة العصبية اللغوية يقال : ابدأ من النهاية ، النهاية مغادرة الدنيا .
يمكن أن أسس شركة ، أن أنال دكتوراه ، أن أتزوج ، أن أمارس حياتي بشكل طبيعي ، ومع أنني مؤمن أنني سأموت ، التفكير بالموت يحفظ انزلاقي يمنة ويسرى ، والتفكير بالموت يسرع خطاي إلى الله عز وجل ، أما حينما ابدأ من النهاية فإني أنسجم مع هذه النهاية .
دائماً المشكلة أن يأتي الإنسانَ شيءٌ غير متوقع ، أما إذا توقع الإنسان النهاية الطبيعية ، وانسجم معها فلن يفاجأ .
من أدق تعريفات الذكاء : هو التكيّف ، تعريف للذكاء جامع مانع هو التكيف .
ما الحدث الواقعي الحتمي الذي لا ينجو منه إنسان كائناً من كان ، نبياً كان أو طاغياً ؟ الموت ، هذه النهاية اليومية الحتمية ، ما التكيف ؟ ما الذكاء ؟ التكيف مع هذا الحدث ، أن أتوب إلى الله ، وأن أستقيم على أمره الله ، وأن أعمل صالحاً .
الأستاذ علاء :
هل هذا يلخص الكلام الحديث النبوي عندما قال عليه الصلاة والسلام :

(( الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ))

[ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم ، عن شداد بن أوس]

 الدكتور راتب :

7 - موقف العاقل والعاجز من الموت :

 أكبر مصيبة عند الناس هي عرس عند المؤمن ، وصف النبي الكريم الموت بأنه عرس المؤمن ، وصف النبي الكريم الموت بأنه فرح المؤمن ، لأن كل هذه الحياة من أجل أن يلقى الله ، وقد نجى من الشرك والمعصية ، وما يسبب شقاءه في الآخرة ، فإذا وصل إلى هذه النتيجة فهو أسعد الناس .
الأستاذ علاء :
الآن سيدي بدأت بنقطة في تعريف الذكاء ، عرفت الذكاء بأنه بالاختصار هو التكيف ، معرفة الواقع ، والنتائج ، أو ما سيجري بالحتمية ، والعمل بمقتضى هذا العلم ، إذاً : هنا من أشياء العقل ، أو من القضايا التي يفرزها العقل السليم الذكاء ، والذكاء يقتضي التكيف ماذا عن هذا الموضوع ؟
الدكتور راتب :

8 - بين العاقل والذكي :

 لكن أريد أن أنوه قبل أن أقول هذا الكلام ، الإنسان الآن عنده مستجدات ، ما لم يتعامل مع المستجدات تعاملا جديدًا فهو لا يسمى عاقلاً ، بحياتنا العامة ، بحياتنا الدولية مستجدات ، ما لم نتعامل مع المستجدات تعاملا جديدًا فنحن بعيدون عن العقل الناجح .
إنسان تاجر في مرحلة ما ربح أرباحاً كثيراً بكميات من البضاعة كبيرة ، فإذا تابع استيرادها ، وقد ضعف السوق ، وأصبح فيه كساد كبير لا يكون عاقلا ، لكن قيل : ما كل ذكي بعاقل ، كأن الذكاء يتوجه إلى الجزئيات .
أنا قد أدرس الطب النووي ، قد أدرس الكيمياء الذرية ، قد آتي باختصاص نادر ، يحتاج إلى عقلية كبيرة جداً ، وقد يحقق لي هذا الاختصاص النادر دخلا فلكيا ، فأشتري أجمل بيت ، واشتري أجمل سيارة ، وأتزوج بأجمل زوجة ، مثلاً ، ولكن حينما أغفل عن آخرتي ، وعن مصيري بعد الموت ، حينما أغفل عن سر وجودي ، وغاية وجودي ، حينما لا أتبع منهج الله عز وجل ، حينما لا أعلم أن الله سيحاسبني ، حين لا أعلم أن الله سوف يحاسبني على أدق الصغائر ، فأنا لست عاقلاً ، أنا ذكي ، ولست بعاقل .
الإنسان في هذا العصر أمام خيارين... الإيمان أو عدم الإيمان
لذلك مر النبي عليه الصلاة والسلام في الطريق مع أصحابه برجل مجنون فسأل سؤال العارف : من هذا ؟ قالوا : هذا مجنون ، قال : لا هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله .
لذلك قال تعالى :

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾

( سورة القلم )

 لذلك ثمة آية دقيقة جداً :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾

( سورة هود الآية : 28 )

 الأمور واضحة كالشمس ، والآن والله الأمور واضحة كالشمس في العالم كله ، كان هناك مساحة كبيرة جداً رمادية بين الأبيض والأسود ، هذه التطورات الأخيرة في العالم ضيقت هذه المسلحة الرمادية ولم تبقِ إلا لونين ، أبيض ناصع ، وأسود داكن ، الأمر واضح جداً ، أنت أمام خيارين لا ثلاث لهما ، إما أن تكون صادقاً أو غير صادق ، مخلص أو غير مخلص ، رحيم أو قاسيا ، منصفا أو جاحدا ، المساحة الرمادية اضمحلت ، وبقي لونان كبيران أبيض وأسود .
فلذلك الإنسان حينما يغفل عن سر وجوده ليس عاقلاً :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾

 مقابل هذه البينة والوضوح :

﴿ وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

( سورة هود )

 قد يكون المؤمن في سعادة لا توصف ، قد يكون في توازن نفسي لا يوصف ، قد يكون في راحة قلبية ، قد يكون في قوة ، قد يكون في عزة ، في كرامة ، لكن هو مقيد بمنهج الله عز وجل ، يأتي إنسان متفلت لا يرعى حقاً ، ولا قيمة ، ولا منهجاً يظن أنه أسعد منه بكثير ، وهو محصور متقوقع .
الأستاذ علاء :
دعني أتكلم ، يقولون : فلان أجدب ، أي أنه لا يعرف من ملذات الحياة شيئا ، ولا يعرف كذا ، سيدي الكريم اسمح لي أن أتكلم بأسلوب المجتمع ، ما يقال في بعض الأوساط أنه الذي لا يمد يده إلى سرقة ، أو لا يمد يده أن يستغني ، أو أن يكون صاحب مال من طرق ملتوية ، هذا غير عاقل ، هذا لا يفهم ، هذا أجدب ، المفترض يكون غير هذا ، حتى يجمع ثروة ، ويجمع مال ، ماذا نقول في هذا الموضع ؟ .
الدكتور راتب :

العبرة بالحقائق لا بالصور والمظاهر :

 هذا :

﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ﴾

 أنا بها سعيد ،

﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾

 العبرة بالحقائق لا بالمظاهر والصور
فلذلك العبرة أن يكون الإنسان مع الحقائق لا مع الصور .

(( إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ))

[ أخرجه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ]

 مرة زرت إنسانا يعمل في إصلاح المركبات في أيام مطر وشتاء ووحل ، ونزل تحت المركبة ، ويلبس ثيابًا كان لونها سابقاً أزرق من الوحل والزيت والشحم ، لم بعد لها لون ، وفك القطعة ، وأصلحها ، وأخذ مبلغا معتدلا ، فهذا أنا سميته ذا عمل نظيف ، مع أن العمل غير نظيف ، شحم ، ووحل ، ومطر ، وماء ، زيت ، وحينما ترى إنسانا يكسب المال الحرام ، ويعتدي على أعراض الناس ، وهو في محل أنيق جداً ، فيه تزيينات مذهلة ، و نعومة بالغة ، وعطور فائقة ، هذا عمله قذر ، فالبطولة أن أكون مع الحقيقة ، أن أكون مع النتيجة .
فكلما تعمق الإنسان في فهم حقائق الإيمان أحب بعقله ، وأبغض بعقله ، وكلما بسر وجوده كان عاقلاً ، لذلك ما كل ذكي بعاقل ، الذكي جزئي ، يحمل شهادة عليا ، عنده قدرة فائقة ، أما العقل فهو إدراك شمولي ، إدراك شمولي لحقيقة الكون ، وحقيقة الحياة ، وحقيقة الدنيا ، وحقيقة الإنسان ، هذا العقل ، لذلك ما كل ذكي بعاقل .
الأستاذ علاء :
الآن سيدي ، الصراع الذي يعتور الإنسان بين عقله وبين هواه ؟ .

حقيقة الصراع بين العقل والهوى :

1 - طريقان لا ثالث لهما : طريق المصلحة وطريق المبدأ :

 أنا أؤمن أن هناك طريقي لا ثالث لهما ، فإن لم تكن على أحدهما فأنت على الآخر الدليل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 24 )

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

 هما طريقان لا ثالث لهما ، طريق المصلحة ، وطريق المبدأ ، طريق القيم الأخلاقية وطريق الانخفاض والابتزاز ، فأنت بين القيمة والحاجة ، بين المصلحة والمبدأ ، فإن لم تكن مستجيباً لمنهج الله عز وجل فالإنسان على الخط الثاني حتماً .

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ﴾

 لمنهج الله الذي من عند الخالق ،

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

 الآن :

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

2 - المتَّبع لهواه وفق منهج الله لا حرج عليه :

 اتباع الهوى وفق منهج الله لا شيء عليه
هناك معنى رائع أستاذ علاء ، الذي يتبع هواه وفق منهج الله لا شيء عليه ، الإسلام لا حرمان فيه ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، إذاً ليس في الإسلام حرمان ، لكن فيه تنظيم ، فيه بناء أسرة ، لكن ليس فيه زنا ، فيه كسب مال حلال ، لكن ليس فيه سرقة ، ولا غش ، ولا معاصي كسب المال .
الأستاذ علاء :
كيف نجد معنى الغاية تبرر الوسيلة هنا في هذا
الموضع ؟ .

مقولةٌ إبليسية : الغاية تبرر الوسيلة :

 للدكتور راتب : في الإسلام الغاية لا تبرر الوسيلة
ليست واردة إطلاقاً في الإسلام ، الأهداف النبيلة لا نسلك إليها إلا وسائل نبيلة الهدف النبيل وسيلته نبيلة ، الحقيقة فرعون قال :

﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

( سورة غافر الآية : 29 )

 هذا ادعاء .

﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص الآية : 4 )

 كل إنسان في رأسه فكر يضفي على جرائمه ، كلام مزخرف ، العبرة بالواقع ، فلذلك إذا كان للإنسان هدف نبيل يجب أن يسلك له الوسائل النبيلة ، ولا يوجد هدف نبيل يوصل إليه بوسائل غير نبيلة ، وغير خيرة ، تنبع الوسيلة من جنس الهدف ، فالأهداف النبيلة وسائلها شريفة ، والأهداف الخسيسة التي أعلن عنها أنها أهداف نبيلة وسائلها خسيسة .

العقلُ والجهلُ :

 لذلك الآن دخلنا في آخر فقرة ، العقل والجهل ، نحن نتوهم أن الجاهل وعاءه العلمي فارغ ، لا ، قد يكون ممتلئًا ، لكن كل المعلومات خاطئة .
مثلاً : عند رجلٍ قناعة أنه كلما أكل ملحاً أكثر هبط ضغطه ، هذه معلومة خاطئة هذه الفكرة قد تتسبب بموته ، إذاً : الجاهل هو الذي يملك معلومات كثيرة جداً ، لكنها مغلوطة .
مثلاً : إذا عدّ الإنسان أن كسب المال الحرام شطارة ، هذه معلومة غلط ، إذا عدّ العدوان على الناس قوة ، إذا عدّت الفتاة أن تفلتها الشديد حضارة ، إذا عدّ المنافق نفسه لبقاً ، أحياناً يتوهم الإنسان سلوكًا منحرفا ، لكن يضفي عليه عنوانا براقًا .
الأستاذ علاء :
كأننا وصلنا إلى المحطة التي سوف نكون معكم ، ومع الإخوة المشاهدين فيها لنتدبر خلق الله .
الدكتور راتب :

الموضوع العلمي : العنكبوت :

1 - التفكُّر في الكون طريق إلى الله :

 التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله
أستاذ علاء ، التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله ، لأن التفكر في خلق السماوات والأرض يضعنا أمام عظمة الله ، وأصل الدين معرفة الله ، وإذا عرف الإنسان الله ، ثم عرف أمره تفانى في طاعته ، أما إذا عرف الأمر ، ولم يعرف الآمر تفنن في التفلت من الأمر ، فنحن في مرحلة مكية أمضيناها كلها في التعريف بالله ، ثم جاءت المرحلة المدنيّة مرحلة التشريع ، الآن في الدعوة إلى الله إذا أغفلنا المرحلة المكية ، وعرفنا دقائق التشريع قد لا ننصاع إلى أمر الله ، لأن معرفة الآمر قبل معرفة الأمر ، وإذا بالغنا في معرفة الآمر تفانينا في طاعة الآمر ، أما إذا لم نتعرف إلى الآمر تفننا من التفلت من الأمر .

2 - حقائق عن شبكة العنكبوت :

 سوف نشاهد مقطعاً من موسوعة علمية عن العنكبوت ، الحقيقية العنكبوت هناك حقائق عنها قد لا تصدق ، فشبكة العنكبوت واحدة من خوارق التصميم ، ما من بيت ، ما من مكان إلا فيه العنكبوت ، في زوايا البيت ، فهذا العنكبوت له شبكة تعد واحدة من خوارق التصميم ، ولها مخطط معماري متميز ، والله عز وجل يقول :

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

( سورة الذاريات )

 شبكة العنكبوت إحدى عجائب الكون
الكون كله ينطق بوحدانية الله ، وبوجود الله ، وبكمال الله ، بل الكون كله مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى .
الحقيقة أنّ شبكة العنكبوت إحدى العجائب ، لو كبرنا العنكبوت إلى حجم الإنسان لكانت شبكة العنكبوت تساوي ناطحة سحاب مؤلفة من خمسين طابقًا ، ارتفاعها 150 مترًا ، ولو استطاع العنكبوت أن يصنع شبكة عرضها 50 مترًا لحالت هذه الشبكة بين أن تخترق من طائرة نفاثة .
بعد قليل سأبين أن خيط العنكبوت أمتن من الفولاذ بخمسة أضعاف ، أمتن عنصر في الأرض هو الفولاذ المضفور ، تصنع منه المصاعد الكهربائية ، والتلفريك .
العنكبوت يرسم مخططًا ، ويبحث عن مكان لاستناد هذا البيت ، ثم يرسل خيطاً ، الخيط هو لعابه ، هذا الذي يساوي خمسة أضعاف متانة الفولاذ ، هو لعاب يخرج من فمه ، ويتجمد في الهواء ، فالعنكبوت ترسل خيطًا إلى الهواء ، وتربط هذا الخيط بجهة متينة ، ثم تصمم البيت ، ترسل خطوط من المركز إلى الخارج ، وبعدها ترسم الحدود البعيدة لهذه الشبكة ، الآن ترسم هذه الصورة مسرعة ستين مرة ، وتستغرق في بناء العش ساعة ، هي مسرعة ستين مرة ، بعد أن رسمت الحدود البعيدة ، الآن بدأ ترسم الخطوط الداخلية من الخارج نحو الداخل .

3 - وَإِنّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ :

 الحقيقة أن شبكة العنكبوت من الأشياء المدهشة ، من حيث دقة الصنع والمتانة لكن حينما يقول الله عز وجل :

﴿ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ﴾

( سورة العنكبوت الآية : 41 )

 قال العلماء : الوهن اجتماعي ، العلاقات سيئة جداً بين العنكوبتة وزوجها ، وبين العنكوبتة وأولادها ، فضعف البيت ناتج عن ضعف اجتماعي .

4 - الهندسة المعمارية في بيت العنكبوت :

 الآن لو تابعنا مشاهدة صنع هذا الخيط ، صنع هذه الشبكة لوجدنا أنها مبنية على هندسة ، كأنه في مخطط .
الآن وصلنا إلى خيط العنكبوت ، أتينا بكبل فولاذي ، وخيط عنكبوت ، فقدرة خيط العنكبوت على تحمل قوى الشد خمس أضعاف خيط الفولاذ .
لو جئنا بخيط عنكبوت قطره 30 مليمترا لأمكن أن يحمل 150 سيارة ، الإنسان قلد خيط العنكبوت بخيط اسمه الكفلر ، منه تصنع الدروع الفولاذية ، المعلوم أن طلقة المسدس تنطلق الرصاصة بسرعة 150 مترا في الثانية ، هذه تخرق كل شيء ، إلا هذا النسيج المصنوع من خيط تقليدا لخيط العنكبوت ، وخيط العنكبوت أمتن منه عشرة أضعاف ، العنكبوت أمتن من الفولاذ خمسة أضعاف ، أمتن من خيط صنعه الإنسان تقليداً لخيط العنكبوت ، الكفلر أمتن بعشر مرات ، من هذا الخيط تصنع الألبسة المضادة للرصاص .
الحقيقة أن خيط العنكبوت أدق من الشعرة ، وأخف من القطن ، وأمتن من الفولاذ .

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

( سورة لقمان الآية : 11 )

 نحن في حياتنا الصناعية عندنا متانة وقساوة ، الماس أقسى عنصر لتحمل قوى الضغط ، الفولاذ أمتن عنصر لتحمل قوى الشد ، وعندنا عنصر يتحمل قوى الضغط ، أعلاها الماس ، وعندنا عنصر يتحمل قوى الشد ، الجسور مصنوعة من الفولاذ ، هذا من آيات الله الدالة على عظمته ، والتفكر في خلق السماوات والأرض هو أقصر طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله .
الأستاذ علاء :
وهذا التفكر يكون أساسه أحد مقومات التكليف ، ألا وهو العقل أداته ، ولذلك يصل إلى الله عز وجل الإنسان من خلال إعمال هذا العقل في الجانب السليم ، وبآيات الكون ، وبأن يتدبر ، لذلك قيل : كان كثير من الصحابة ، الكثير من التابعين يذهب ليتفكر ، وليتدبر ويعتبر هذه المسألة من أجل العبادة .
الدكتور راتب :

التفكر أساسه العقل :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ *الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ ﴾

( سورة آل عمران )

 فعل مضارع ، يعني مستمر .

﴿ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( سورة آل عمران )

خاتمة وتوديع :

 الأستاذ علاء :
لا يسعنا في نهاية حلقتنا إلا أن نشكر أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين على كل ما بسطت في هذه الحلقة والحلقات الماضية ، وننهي بهذه الحلقة مبحث العقل ، ومبحث العقل في كونه أحد مقومات التكليف ، وننتقل إلى الفطرة في الحلقات القادمة ، شكراً لكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018