العقيدة من مفهوم القرآن والسنة - الدرس : 40 - الإيمان باليوم الآخر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠3العقيدة من مفهوم القرآن والسنة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة من مفهوم القرآن والسنة - الدرس : 40 - الإيمان باليوم الآخر


2004-10-03

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ما هما الركنان اللذان تلازما في معظم آيات القرآن الكريم؟ :

 أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الأربعين من دروس العقيدة الإسلامية, وننتقل اليوم إلى موضوع كبير, وهو الإيمان باليوم الآخر.
 أيها الأخوة الكرام, الإيمان بالله لا يكفي إلا إذا أضيف إلى الإيمان بالله إيمان باليوم الآخر, لذلك لا تجد ركنين من أركان الإيمان تلازما في معظم آيات القرآن الكريم, كالإيمان بالله واليوم الآخر؛ الإيمان بالله يحملك على طاعته, والإيمان باليوم الآخر يمنعك أن توقع الأذى بمخلوق.

لغز في الحياة :

 أيها الأخوة الكرام, في بالحياة لغز كبير, كل ما في الكون رائع, ومحكم, وجميل, وعظيم, ومنظم, وحكيم, ومعجز، إلا أن العدل بالأرض غير محقق, إنسان يموت من الجوع, وإنسان يموت من التخمة، واحد يملك مليارات, ومليار لا يملكون واحداً، شعوب تعيش في بذخ, العقل لا يصدقه.
 يعني كنت في بلد, الثلاجة كل مكان فيها, معه مشعرات الإلكترونية؛ البيض, الجبن, الزبدة, اللحم، العصير، الفواكه، الخضراوات، فكلما قلت الكمية, البراد نفسه عن طريق الإنترنت, يتصل بالسوبر ماركت, يبلغه النقص, ويدفع الثمن عن طريق البطاقة, يعطيه رقمها, يطرق الباب, فتأتي الكميات الناقصة، وأنت لا تحرك ساكناً.
 قد تجد لوحة زيتية, تباع بخمسة وستين ألف دولار، لوحة زيتية عادية، شعوب الشمال تعيش في بذخ وبحبوحة يفوق حد الخيال, وباقي شعوب الأرض تموت من الجوع، الذي يسافر, يرى البذخ في مكان, والفقر والقهر في مكان آخر.
 أيها الأخوة الكرام, في الأرض لغز, كل شيء محكم بخلق الله عز وجل، كل شيء منظم, كل شيء يعبر عن حكمة, عن رحمة, وعن دقة, وعن إعجاز, وعن غنى, وعن قدرة, إلا أن العدل في الأرض محقق جزئياً، الله عز وجل يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين, ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين.

ماذا لو ألغيت الآخرة؟!! :

 أيها الأخوة, كم تجد من مسيء لا يعاقب, ومن محسن لا يكافئ؟ ذلك لأن هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن تفهم من دون الآخرة، لو ألغيت الآخرة, لقفز أمامك مليون سؤال؛ لماذا الإنسان يعيش عمراً قصيراً؟ الإنسان حتى يكتب إلى جانب اسمه: د, يحتاج إلى خمس وأربعين سنة, وإذا بالطب قريب الخمسين كم بقي له؟ عشر سنوات، ليس معقول الإعداد للحياة بأطول من الحياة نفسها, هذا إذا ما أصيب بورم خبيث فجأةً, أو خثرةً بالدماغ, أو حادث سير، أو أصيب بمشكلة, فقد فيها حريته، تجد الحياة فيها متاعب, فيها قوى, فيها قهر, فيها فقر, فيها ظلم.

ما حل هذا اللغز؟ :

 هذا سؤال كبير جداً: ما حل هذا اللغز؟ لا يحل هذا اللغز إلا في اليوم الآخر، فيه تسوى الحسابات, فيه ينال كل إنسان حقه، فيه ..... قال تعالى:

﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 47]

 فيه تحاسب على ابتسامة ساخرة، فيه تحاسب عن لفتة حائرة، فيه تحاسب عن لقمة اقتطعتها من مال حرام، فيه تحاسب عن نظرة، فيه تحاسب عن عبوس، فيه تحاسب عن ابتسامة، لو أن ظالماً ظلم أحداً أمامك ونظر إليك ما موقفك؟ ابتسمت خوف منه, تحاسب على هذه الابتسامة, شجعته؟ أقررته على هذا الظلم؟ قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 92-93]

هل يستقيم العبد على أمر الله إن لم يؤمن باليوم الآخر؟ :

 أيها الأخوة الكرام, الإيمان بالله لا يكفي, لا بد أن تضيف إليه الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالله يحملك على طاعته, لكن الإيمان باليوم الآخر يمنعك من أن توقع الأذى بالخلق، هؤلاء الطغاة لو أيقنوا أن يوماً سيحاسبون فيه عن كل قطرة دم أهرقوها, وعن كل يتيم يتموه, وعن كل أرملة جعلوها أرملة, وعن كل بيت هدموه, لعدوا للمليار قبل أن يفعلوا شيئاً, لكنهم كافرون باليوم الآخر، لذلك الإيمان قيد، الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمناً، ما لم نؤمن باليوم الآخر, لن نستقيم على أمر الله.

ما وراء هذا المثل :

 أنا أضرب لكم مثل من واقع الحياة: في مواطن عاقل يقف على إشارة حمراء, والشرطي واقف, وشرطي على دراجة نارية, ونقيب بسيارة, وأنت مواطن عادي, مالك أي ميزة تتخطاها؟ مستحيل وألف ألف مستحيل, لأن واضع نظام السير علمه يطولك من خلال هذا الشرطي, وقدرته تطولك من خلال حجز المركبة, وسحب الإجازة, وإيقاع العقاب الكبير، أنت حينما توقن أنه سوف تحاسب عن كل حركة, وسكنة, وعن كل عطاء ومنع, وعن كل ابتسامة وعبوس, وعن كل صلة وقطع، لا يمكن أن تعصي الله عز وجل.
 أيها الأخوة, لا تجد إنسان يغتصب أموال الناس إلا وهو عملياً كافر باليوم الآخر، إنسان يغتصب مال, يغتصب بيت، يغتصب أرض, يغتصب شركة إنسان, يحرم أخوته من الإرث لأنه الأكبر, وخافوا منه, أعطوه وكالة, ضم كل هذه الأملاك إلى ذاته, ومؤمن باليوم الآخر؟ تأتي على القاضي العدل ساعة, يتمنى فيها أن لو لم يقض بين اثنين في تمرة.

لم اعتزل هذا القاضي منصب القضاء؟ :

 قاضي طرق بابه رجل, أعطى الغلام طبقاً من الرطب في بواكيره، فسأل القاضي هذا الغلام: من الذي أعطاك هذا؟ قال: رجل في الباب, قال له: صفه لي, وصفه له, قال: كيت وكيت, فعرفه أنه أحد المتخاصمين, قال: رده، رد الطبق, بعد أيام طلب من الخليفة أن يعفيه من منصب القضاء، قال له: لماذا؟ قال: والله قدم لي أحد الخصمين طبقاً من الرطب, فرددته في اليوم التالي, تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم هذا الطبق، إذاً أنا لست عادلاً.

قارن :

 سيدنا رسول الله يرى تمرة على السرير, يقول لعائشة: لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها، لعلها وقعت من طبق الصدقة, لا ينبغي أن آكلها.
 الآن يستعد أن يخلصك البيت وهو لك، يستعد أن يسحب منك الوكالة وهي لك، يستعد أن يفقر أخوته الأربعة ويضم المال كله له، أقسم بالله العظيم, لو آمن الناس باليوم الآخر لما أخذوا شيئاً ليس لهم، ترى الذكي عند الناس, الذي يأخذ أكبر كم من الدنيا بغير حق, بقوته, أو بذكائه, أو باحتياله, ويقول له: دونك القضاء، هذا لو أنه آمن بيوم القيامة.

قصة رمزية :

 يروى أن إنسان غني كبير بمصر توفي, فخاف أولاده عليه من أول ليلة في القبر, يروى بالأثر: أن أول ليلة هي أصعب ليلة عند الميت, ينادى؛ أن يا عبدي رجعوا وتركوك، تصور بيت ثمان وثمانين مليون، أربعمئة متر مربع، الأثاث، التحف، الثريات، التزيينات, الأجهزة, التكييف, المطبخ, منه إلى القبر، شيء لا يحتمل, أولاده خافوا عليه, فأقنعوا إنساناً فقيراً جداً, أن ينام معه ليلة واحدة, يعطوه عشرة جنيه, فنام إلى جانبه -طبعاً قصة رمزية- فلما جاء الملكان وجدوا اثنين, قالوا: عجيب! هذه أول مرة تصير معنا, هذا الثاني من خوفه حرك رجله, فقالوا: هذا طيب ليس ميت، تعال إلى أن نبدأ به, أجلسوه, من كثرة فقره, يلبس كيس خيش, فاتحه من الأعلى, يخرج منه رأسه, ومن الطرفين يديه ورابطه بحبل، بدؤوا بالحبل: من أين أتيت بها؟ قال: البستان الفلاني، كيف دخلت إلى البستان؟ ما عرف أن يجيب, قتلوه قتل، بقي كيس الخيش، كيف أخذ الحبل؟ كيف دخل؟ استأذن ما استأذن، هذا ثاني يوم خرج من القبر, وقال: الله يعين والدكم.
 أنت حينما تؤمن, لا بد من أن تحاسب.

من العبر :

 يروى أن إنساناً يطوف حول الكعبة, يقول: ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل، سمعه أحد وراءه, قال: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله؟ قال له: ذنبي عظيم، قال: ما ذنبك ؟ قال: كنت جندياً بقمع فتنة, فلما قمعت, أبيحت لنا المدينة, دخلت أحد البيوت, رأيت فيه رجل وامرأة وولدين, فقتلت الرجل, وقلت لامرأته: أعطني كل ما عندك, أعطتني كل ما عندها, فقتلت ولدها الأول, فلما رأتني جاداً في قتل الثاني, أعطتني درعاً مذهبة, تأملتها, أعجبتني, إذاً عليها بيتان من الشعر:

إذا جار الأمير وحاجباه  وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويــل لقاضي الأرض من قاضي السماء

نصيحة :

 أنا أحياناً ألتقي بإنسان بمركز حساس, وبإمكانه أن ينفع الناس, أو أن يوقع بهم أشد أنواع الأذى, أقول له: الله في عنده سرطان, وأنواعه؛ في بالدماغ, في بالدم, في بالمعدة, في بالبنكرياس, وفي عنده خثره دماغية بمكان, ينشل بمكان, يفقد بصره بمكان, يجن بمكان, يفقد ذاكرته، وفي عنده تشمع كبد, وفي عنده فشكل كلوي, والأمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً.

هذه هي غيرة المؤمن على دينه :

 كان في خطيب بمصر, توفي رحمه الله, كان يقول بعد الخطبة: اللهم من أراد إطفاء النور في هذا المسجد, فأصبه بسرطان بدمه, وشلل بيديه, وعمى في عينيه, حتى يتمنى الموت فلا يجده.
 إذا الإنسان لم يؤمن باليوم الآخر, يصبح بغل متفلت، يريد أن يأكل كل شيء, وأن ينهب كل شيء, وأن يعتدي على كل شيء, وأن يبني مجده على أنقاض الآخرين, أن يبني غناه على إفقارهم, أن يبني عزه على ذلهم, أن يبني أمنه على خوفهم هكذا.

قف عند هذه المحطة :

 الإيمان بالله وحده لا يكفي، لا بد من أن تضيف إلى الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر ، وأنا أؤكد لكم: أن الإيمان باليوم الآخر وحده من بين أركان الإيمان يحتاج إلى العقل، العقل لا يقبل أن تنتهي الدنيا، شعوب تموت من الجوع، شعوب تموت من الأمراض، يبعثوا إلى الصومال باخرة أغذية مساعدة, ثلثيها نفايات ذرية, تدفن في المياه الإقليمية للصومال، تجد أن نسب السرطان أربعين ضعفاً، خمسين ضعفاً، نفايات مشعة، هؤلاء الذين أرسلوا هذه الباخرة إلى الصومال, تحت غطاء مساعدات غذائية, وألقوا بهذه النفايات في ساحل الصومال, الحياة تمضي ولا شيء عليهم؟ .

هذه حضارة أوربا :

 أيها الأخوة الكرام, أكبر مشكلة بأوربا؛ النفايات الذرية الناتجة عن المحطات الحرارية ، تارةً يقول: باخرة محملة ألفا طن نفايات ذرية, تجول البحار سنة, لا توجد دولة قبلت أن تستقبلها, ثم أغرقت في مكان, هذا المكان لآلاف السنين, يصبح أمراض سرطانية كبيرة جداً.

خبر عاجل :

 أنا سمعت مرة بالأخبار: أن إنسانة سألت عالم بالعراق, أنهم ألقوا عليهم قنابل, فيها يورانيوم مخضب، قال لها: لا يوجد مشكلة، قالت له: كيف!! مادة مشعة؟ قال لها: ليست مشكلة كلها, أربعمئة وخمسين ألف سنة وينتهوا، حتى ينتهي مفعول إشعاع هذه المواد، فإنسان يلقي على شعب هذه القنابل, ولا يوجد آخرة، تنتهي الحياة هكذا، هذا خلق الله, قال تعالى:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

[سورة القيامة الآية: 36]

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 115]

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 92-93]

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾

[سورة إبراهيم الآية: 42]

من هو الملك في رأي الملك؟ :

 سأل ملك وزيره: من الملك؟ قال: لا يوجد غيرك ملك، قال: لا, الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا, له بيت يؤويه, وزوجة ترضيه, ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا, وإن عرفناه جهدنا في إذلاله.
 أتريدون أن أقول لكم الآن: الملك الذي لا علاقة له بمؤامرة على المسلمين لإفقارهم, ولإضلالهم، ولإفسادهم، ولإذلالهم, ثم لإبادتهم، فكل إنسان ما له علاقة بهذه المؤامرة العالمية ملك، الإنسان بنيان الله, وملعون من هدم بنيان الله.

هل تصدق .....!؟ :

 هل تصدقون: أن الأدوية الآن تجرب في دول العالم الثالث, كانت قبل عشر سنوات تجرب على الفئران فقط, الآن تجرب على الإنسان؟ هل تصدقون: أن الدخان الذي يصدر إلينا في أربعة أضعاف نيكوتين، بتعبير السوق: زبالة  الدخان، فوق أنه يدمرنا, ويضعفنا في أربعة أمثال من النيكوتين عن الذي يباع عندهم, تنتهي الحياة هكذا؟ شعوب تبني مجدها على أنقاض الآخرين, تبني رفاهها على قتلهم, ألا ترون كل يوم ماذا يجري؟ ألا ترون سبعين بيت هدمت في يومين؟ لا يوجد من يحاسب؟ هكذا الإيمان, ينبغي أن يؤمن أنه لا ينجو أحد من قبضة الله.

ما الدليل من الكتاب على أن لا ينجو أحد من قبضة الله؟ :

الدليل: قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾

[سورة إبراهيم الآية: 42]

 دليل آخر: أيظن الكافر أنه سيتفلت من قبضة الله؟ مستحيل، لا يمكن أن تستقيم على أمر الله, وأن لا تؤذي مخلوقاً, إلا إذا آمنت باليوم الآخر.
 سيد الخلق, ماسك بيده سواك, يرسل خادم, يغيب عشرة أضعاف المدة, والنبي بشر, غضب لما رجع, قال له: والله لولا خوف القصاص, لأوجعتك بهذا السواك.

دل على موضع الشاهد في هذا المقطع :

 الفرنجة عندما فتحوا القدس, ذبحوا سبعين ألف في يومين، هولاكو ذبح سبعمئة ألف, يقول لك: برج الروس، يعني أمر بذبح خمسين ألف إنسان, وأن توضع الجماجم على شكل برج، هذا برج الروس تسمعون به، وينجو, وتنتهي الدنيا هكذا؟ مستحيل, وألف ألف ألف مستحيل.

ما معنى ورود النار في هذه الآية؟ :

 الله عز وجل يقول:

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾

[سورة مريم الآية: 71]

 النار؛ أي إنسان سوف يرد النار, لكن ورود النار غير دخولها، ورودها اطلاع مثل السائح, ليرى عدل الله الذي لم يكن محقق بالدنيا, لأننا دار ابتلاء لسنا في دار جزاء، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾

[سورة الروم الآية: 27]

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾

[سورة طه الآية: 15]

حرب إبادة :

 يصدروا نفايات، ينهبوا الثروات، يبيدوا الجماعات، بعض البلاد أبادوا أصحاب الأرض الأصليين إبادة كاملة؛ في أمريكا وأستراليا إبادة كاملة، والإبادة الآن حاصلة، الآن حرب إبادة, كل يوم في قتل, ما هو الذنب؟ صاحب الأرض ماذا فعل؟ قال تعالى:

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾

[سورة التكوير الآية: 8-9]

يجب أن تعتقد :

 أيها الأخوة, اعتقدوا أن الإيمان باليوم الآخر دليله عقلي، لا يوجد عقل يقبل أن تنتهي الدنيا هكذا.
 أيها الأخوة الكرام, الله عز وجل جعلنا في دار ابتلاء, قال: إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء, ومنزل ترح لا منزل فرح, فمن عرفها, لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء, قد جعلها الله دار بلوى, وجعل الآخرة دار عقبى, فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً, فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.
 ما لم نؤمن باليوم الآخر, لا يمكن أن تستقيم حياتنا.

هذا قيد المؤمن :

 لما فتح سيدنا صلاح الدين القدس, كم مئة ألف ذبح؟ ولا واحد، لا يستطيع, مقيد بالشرع, مقيد باليوم الآخر.
 قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! مثل بهؤلاء الذين مثلوا بعمك الحمزة, ماذا أجاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً. هذا الإيمان.

من هو الشقي؟ :

 أيها الأخوة, هذا الذي اغتصب أموال أخوته جميعاً, وجعلهم فقراء يتسولون الناس, هو تمتع بهذا المال كله, الحياة ما انتهت, ولو انتهت, في فصل آخر باليوم الآخر, تسوى فيه الحسابات, لذلك أشقى إنسان على الإطلاق: هو الإنسان الذي يغفل اليوم الآخر, هذا الذي يغفل هذا اليوم, قال تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[ سورة الزلزلة الآية:7-8]

متى فقه الرجل؟ :

 جاء النبي عليه الصلاة والسلام أعرابي, قال: يا رسول الله! عظني موعظة لا أسأل بعدك أحداً عنها، تلا عليه قوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[ سورة الزلزلة الآية:7-8]

 قال: كفيت, قال: فقه الرجل.
 أيها الأخوة, متى فقه؟ أي أصبح فقيهاً, ما عرف الحكم، لأنه عرف لأن هناك حساب.

ملاحظة :

 لي ملاحظة دقيقة: لو أنك تعالجت عند طبيب, وصف لك وصفة, ودفعت له الأتعاب الأجر, وأخذت الوصفة, وصافحته, وبجلته, وعظمته, وأثنيت على علمه, وقلت له: ما شاء الله, والدواء ما اشتريته, لأنك ما قنعت بهذا الطبيب، أنت الآن تكذبه تكذيباً عملياً لا تكذيباً لفظياً، التكذيب العملي أخطر.
 أنت لا تجد في العالم الإسلامي واحد يجرؤ على أن يقول: ليس هناك يوم آخر, لكن تجد ملايين مملينة تكذب اليوم الآخر من عملها، عملها لا ينبئ أن هناك يوم آخر, يقول لها: البيت تكتبيه لي, وإذا لم تكتبيه أطلقك, كتبت البيت له، ثم طلقها.

من هو الغبي؟ :

 مرة قال لي أخ قصة، عنده أخت عانس ساكنة عنده في البيت, زوجته تتفنن في إذلالها، مرة جالس هو على كنبة, وأخته على الأرض, فركلها بقدمه, قال لها: هاتي كأس ماء, وأخته كبيرة في السن، وزوجته شابة, لكنها لم يتح لها الزواج, فأصبحت عند زوجة أخيها خادمة, ثاني يوم سافر إلى مدينة في الشمال, ووقع بحادث سير, قطعت رجله الذي ركلها بها من أعلى الفخذ، لا ترى في عدل مطلق, لذلك الإنسان الذي لا يخاف الله إنسان أحمق وغبي، وهو في الدنيا عقاب, لكن في الدنيا يعاقب بعض المسيئين, يعاقب بعض الطغاة, وليس كلهم, لكن الحساب الختامي, قال تعالى:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 185]

ما سبب الاستقامة؟ :

 أيها الأخوة, فهذا الإيمان باليوم الآخر هو الذي يمنعك أن تؤذي الناس, هو الذي يمنعك أن تأكل أموالهم بالباطل, هو الذي يقيدك, هو الذي يجعلك تكسب المال الحلال, هو الذي يدفعك إلى إنفاق المال, لذلك الذي لا يؤمن باليوم الآخر, هو الذي لا يستقيم على أمر الله, الاستقامة سببها: الإيمان في اليوم الآخر.

خاتمة القول :

 الإيمان باليوم الآخر له أدلة لا تعد ولا تحصى نقلية في الكتاب والسنة, بينما النبي عليه الصلاة والسلام وحده في الإسراء والمعراج, رأى الجنة والنار رأي العين، هو وحده مؤمن باليوم الآخر إيماناً شهودياً.
 ومعنى قرآن, ومعنى سنة, في آلاف الأدلة النقلية, وفي آلاف الأدلة العقلية, وكل إنسان لا يدخل في حساباته اليوم الآخر, هذا إنسان شقي في الدنيا والآخرة.
 أيها الأخوة الكرام, دروس العقيدة بشكل أو بآخر انتهت في هذا الدرس, والحمد لله رب العالمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018