العقيدة من مفهوم القرآن والسنة - الدرس : 37 - العين والحسد -1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠3العقيدة من مفهوم القرآن والسنة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة من مفهوم القرآن والسنة - الدرس : 37 - العين والحسد -1


2004-09-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مدخل الدرس :

 أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السابع والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية، الموضوع اليوم موضوع العين، لا بد من مقدمة ذلك: أن الإنسان في عصر العلم, جمح به عقله إلى إنكار بعض الحقائق التي وردت في القرآن الكريم إنكاراً لفظياً, وهذا قليل جداً, ولكن الإنكار الواسع هو الإنكار العملي، قضية عين قضية حسد, هذه المعاني التي ورد فيها نص قرآني, وورد فيها أحاديث صحيحة, قلما يعبأ الإنسان بها.
 أيها الأخوة, يجب أن نعلم علم اليقين: أن الذي ورد في القرآن الكريم حق بكل ما في هذه الكلمة من معنى، لأن الذي أنزل هذا القرآن؛ هو رب الأكوان, هو خالق الإنسان, هو الخبير, هو العليم, فلمجرد ألا تكترس بقضية, نبه إليها القرآن الكريم, لمجرد أن لا تهتم لقضية حذر منها القرآن الكريم, فهذا ضعف شديد في عقيدة الإنسان.

حقيقة غفل عنها كثير من الناس :

 بربكم, لو سألتم ألف إنسان من عامة المسلمين عن قضية العين, لا أحد يعبأ بهذا المعنى، لا أحد يأخذ الحيطة من عين الحاسد.
 الآن: في هذا الموضوع المتعلق في العين فقط, لا بد من أن نأتي بالآيات والأحاديث الصحيحة, التي تبين حقيقة غفل عنها الناس كثيراً، مصائب كثيرة تقع أحياناً بسبب العين، لا أقول لكم: إن الذي أصابته العين إنسان مستقيم منيب، لا في خطأ منه، في خطأ أنه أظهر ما عنده, ليعلو في نظر الناس, هذا ذنب كبير، أنت حينما تريد أن تستعلي على الناس, وأن تخطف الأبصار إليك, وإلى بيتك, وإلى مركبتك, وإلى أولادك, وإلى قوامك, وإلى أناقتك, هذا منطلق غير شرعي، المنطلق الشرعي أن تشكر الله، المنطلق الشرعي أن تتواضع لله، المنطلق الشرعي ألا تتوجه إلى إغاظة من حولك، فحينما يتجه الإنسان إلى إظهار ما عنده, إلى الافتخار, إلى الكبر, ويأتي إنسان محروم, وله عين هذه العين, تضع الجمل في القدر, والرجل في القبر.

قضية تثير الانتباه :

 أيها الأخوة, نحن في أمور الدين, لا يجرؤ إنسان كائناً من كان أن يدلي بآرائه الشخصية، في أمور الدين توقيفي من عند الخالق، في الدين في نصوص قطعية قرآن وسنة, فالإنسان حينما ينتبه إلى هذا الموضوع الدقيق؛ موضوع العين, آلاف المصائب أو تسعون بالمئة من المصائب, سببها عين حاسد, وسببها الآخر إنسان غافل، عين حاسد والمحسود غافل، غافل عن الله, فافتخر بما عنده, وحاسد محروم, نظر إلى هذه النعمة, فكأن شعاعاً مؤذياً خرج من عينه إلى المحسود.

من ضعف الإيمان :

 موضوع العين موضوع دقيق, لمجرد أن يرد في القرآن الكريم, لمجرد أن يرد في السنة النبوية الشريفة, فهو موضوع حق, ولا بد من أن نأخذ منه موقفاً، أما أن تدعي أنك ذو تفكير علمي, وأن هذه الأشياء التي وردت في القرآن والسنة, دون أن تشعر بعقلك الباطن, لا تعبأ بها, خرافات, خزعبلات، حينما تنظر إلى قضية عالجها القرآن الكريم, ونبه إليها, ولم تأخذ منها الحيطة والحذر, فهناك ضعف شديد في إيمانك.

إليكم هذه الآيات الثلاثة التي تؤكد أن العين لها فعل خطير :

1-الآية الأولى: (وقال يا بني ...... وعليه فليتوكل المتوكلون) :

 أيها الأخوة الكرام, إلى الآيات, ثم إلى الأحاديث، الله عز وجل يقول:

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 67]

 يعني إنسان حرمه الله الأولاد, أنت عندك أولاد, في وسامة, وفي أناقة, وفي جمال, وفي تفوق مدرسي, تأخذهم إلى هذا الإنسان, وتبين لهذا الإنسان هذا الأولي كان، وهذا الثاني, وهذا نال الدرجة الأولى, وهذا أخذ جائزة, ما هذا الكلام؟ هذا تحجيم له, هو يتألم لما أعطاه, ولم يعطن هنا الخطأ, المنطلق حينما تنطلق إلى أن تتباهى بما عندك, اجعل هذه الآية منهجاً لك, قال تعالى:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

[سورة القصص الآية: 81]

 الإنسان قد ينعم الله عليه, يزداد بهذه النعمة تواضعاً, يزداد بهذه النعمة محبة لله, يزداد بهذه النعمة خدمةً للآخرين, والإنسان إذا تواضع مع النعمة, كان في أعلى درجات الكمال.

دعوة لقاء :

 أيها الأخوة الكرام, أحياناً ألتقي بأناس أغنياء, والله قد يشتهي كل إنسان أن يكون غنياً مثلهم, من تواضعهم, ومن أدبهم مع الفقراء, ومن نفسهم الطيبة, يلبون أية دعوة, يتواضعون, لا يكسرون قلوب الآخرين، فلذلك هذه الآية الأولى:

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 67]

من المؤلم :

 تعلمون قبل سنوات عدة, أن ثمانية وثلاثين ضابطاً كبيراً, درسوا في دولة بعيدة أعلى الاختصاصات العسكرية, وعادوا إلى بلدهم في طائرة واحدة, هذه الطائرة أسقطت، هذا توجيه قرآني؛ ثمانية وثلاثون ضابطاً كبيراً باختصاصات عالية, كلفوا أمتهم ملايين الدولارات, يعودون في رحلة واحدة, صيد ثمين, والأرجح أن هذه الطائرة أسقطت من الأرض، والآن في تقنية عالية جداً, أنه يمكن أن توجه الطائرة بخلاف توجيه ربانها من الأرض.
 إنسان محاولة إظهار ما عنده, أو الحديث عن دخله الكبير أمام أناس مؤمنين, أصحاب دخل محدود, أو الحديث عن بيته ....

عملية موازنة :

 مرة دخلت إلى بيت, جلست في غرفة الضيوف, فقال لي صاحب البيت: هذا البيت مساحته أربعمئة متر مربع، في أرقى أحياء دمشق, وقال لي: هذا البلاط أتيت به من إيطاليا بالشحن الجوي، وقال لي: هذا الأثاث مستورد, وهذه اللوحة كذا مئة ألف ثمنها, وهذه الثريا أتيت بها من إيطاليا، غريب أنا ما سألته ولا سؤال، لا يزال يحدثني عن هذا البيت, وعن مساحة البيت, وعن نوع البلاط, وعن الأثاث, وعن اللوحات الثمينة, إلى أن ضقت به ذرعاً, فقلت له: ما قولك ببيت في حي فقير جداً من أحياء دمشق, واحد ساكن في حي فقير, وسئل: أين تسكن؟ قال: في Black Stone city –منطقة فقيرة تدعى بالحجر الأسود-, فإنسان يسكن في حي فقير, بيت شمالي, المياه المالحة مكشوفة, البيت من دون كسوة, من دون طلاء, قلت له: وازن بين هذا البيت الذي تحدثني عنه, وبين ذلك البيت، قال لي: مسافة كبيرة جداً.

ما موضع الشاهد في هذا الحوار؟ :

 أيام تجد في بعض البلاد قصر, مكلف مئة مليون إلى جانبه خيمة بدو، في حالات رأيتها بعيني خيمة إلى جانب قصر، خيمة لا يوجد فيها شيء، قلت له: الفرق بين دكتور في الجامعة وبين أستاذ معلم ابتدائي, يعني لا يكاد راتبه يكفيه أيام عدة, وبقرية, وعليه أن يمشي مسافة طويلة مشياً على قدميه, كم هي المسافة بين أستاذ في الجامعة, دخله كبير, وله مكتب فخم, وعنده ساعتان, ثلاثة, وهو أستاذ ذو كرسي, وبين معلم ابتدائي؟ قال لي: مسافة كبيرة جداً، قلت له: رئيس غرفة التجارة, وبائع متجول في أسواق دمشق, كلما رأى شرطياً ولى هارباً، هذا كهذا, ممرض ينظف المرضى من أوساخهم, وجراح قلب كبير, كل عملية بخمسمئة ألف ، أتيت له بأسئلة، مجند في خط أمامي في الشتاء بحفرة ممتلئة بالماء, عليه أن يقف فيها ليرقب العدو, وقائد الجيش في غرف فخمة جداً, وفي تدفئة, وفي ..، وازنت بين رئيس الأركان وبين مجند, وبين طبيب قلب وبين ممرض, وبين أستاذ جامعي وبين معلم, وبين رئيس غرفة تجارة وبين بائع متجول, وبيت في أرقى أحياء دمشق بثمانين مليون، في بالقاهرة ثمنه ألف مليون ليرة سوري, عشرين مليون دولار، وازنت بين هذه البيوت وبين تلك البيوت, ثم قلت له: تهيأ لهذه الآية:

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾

[سورة الإسراء الآية: 21]

 أكبر درجات وأكبر تفضيلا، مراتب الدنيا لا تعني شيئاً, وقد تعني العكس, قال تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[سورة الأنعام الآية: 44]

 لكن مراتب الآخرة أبدية لا تزول, وتعني كل شيء.

 

هذه هي البطولة :

 البطولة: أن تبحث عن مرتبة في الدنيا تنتهي عند الموت, وقد يكون الموت قريباً, أم تبحث عن مرتبة عند الله, في مقعد صدق عند مليك مقتدر؟ كم هي المسافة بين من يسعى لمقعد صدق عند مليك مقتدر, وبين من يسعى لمرتبة في الدنيا لا تعني شيئاً, وقد تكون سبب شقاء الإنسان وهلاكه؟.
 الله عز وجل أعطى الدنيا لمن لا يحب ولمن يحب, أعطاها لقارون وهو لا يحبه, وأعطاها لعبد الرحمن بن عوف وهو يحبه، إذاً ليست مقياساً, أعطى الملك لفرعون, وهو لا يحبه, وأعطاه لسليمان الحكيم وهو يحبه, إذاً ليست مقياساً.
قال عليه الصلاة والسلام:

((ابتغوا الرفعة عند الله))

خطأ شرعي :

 قضية أن تظهر ما عندك لإنسان محروم أو لغير محروم, هذا المنطلق في خطأ شرعي, الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة الصحة, ورأى مبتلى, لا ينبغي أن يقول له: والله أنا الحمد لله, عملت تخطيط وفحوص وكله درجة أولى، هذا كلام فيه سوء أدب مع إنسان مريض، إن رأيت مبتلى, فيجب أن لا تشعره بهذا المصاب, وأن تشكر الله فيما بينك وبينه, على أنه عافاك من هذا البلاء.
 ورد في بعض الأحاديث:

((أن الذنب شؤم على غير صاحبه, إن عيره ابتلي به, وإن رضيه شاركه بالإثم, وإن ذكره فقد اغتابه))

 هذا الذي لم يفعل ذنباً, فكيف الذي فعل الذنب؟ هذه الآية الأولى.

 

2-الآية الثانية: (ولما دخلوا ....... قضاها) :

 

 الآية الثانية:

﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾

[سورة يوسف الآية: 68]

 الحاجة هي الحكمة, وهي معرفة طبيعة النفوس:

﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾

[سورة يوسف الآية: 68]

 يعني خاف عليهم أن تصيبهم العين.

من الطرائف :

 يعني من الطرائف: أن في بلاد حولنا ذاقت الحروب الأهلية, وقد عافنا الله منها, ذاقت الحروب الأهلية ردحاً من الزمن, وأحرقت الأخضر واليابس, فبالتحليل لهذه الحروب: أنه صراع عربي, أو صراع دولي, أو صراع طائفي, وفي تحليل نسائي قالوا: أن حكمتها عين هذه البلاد, وفي تحليل قرآني:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾

[سورة النحل الآية: 112]

3-الآية الثالثة: (وإن يكاد الذين كفروا ........... للعالمين) :

 الآية الثالثة, قال تعالى:

﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾

[سورة القلم الآية: 51]

 ينظرون إليك, وقد منحك الله صحةً, وكمالاً, وجمالاً, وفصاحةً, وانطلاقاً:

﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾

[سورة القلم الآية: 51-52]

 آيات ثلاث تؤكد العين، أن العين أحياناً تفعل فعلاً خطيراً, لكن بالمناسبة ليس معنى هذا أن العين تفعل وحدها من دون إذن إله عظيم، ليس معنى هذا أن العين يمكن أن تحدث شيئاً من دون إذن الله عز وجل، لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه شيء لا يريده، فالأمر بيد الله, لكن أحياناً الله يقدر لهذه العين أن تؤذي, لأن الذي آذته العين, كان غافلاً عن الله عز وجل، وفي حركته كان مخطئاً، غفلة مع خطأ سببت عين تصيبه وتهلكه.

إليكم الأدلة من السنة التي تؤكد على أثر العين في المحسود :

 عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ, فَقَالَ:

((اسْتَرْقُوا لَهَا, فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ))

[أخرجه الحاكم في مستدركه]

 يعني أصابتها العين، استرقوا لها؛ أي اقرؤوا لها القرآن فإن بها النظرة، هذا حديث في البخاري, يشير إلى أن العين لها أثر في إيقاع الأذى بالذي أصابته العين.
 حديث آخر: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ, سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ))

[أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي في سننه]

 يعني هناك من ينظر بعينه وهو محروم إلى ذي نعمة غافل عن الله عز وجل, هذه العين يخرج منها شعاع يؤذي الإنسان .
 وفي حديث ثالث: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

((دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَسَمِعَ صَوْتَ صَبِيٍّ يَبْكِي, فَقَالَ: مَا لِصَبِيِّكُمْ هَذَا يَبْكِي, فَهَلَّا اسْتَرْقَيْتُمْ لَهُ مِنْ الْعَيْنِ!؟))

 ثلاثة أحاديث تؤكد أثر العين في المحسود .
 وفي حديث رابع: عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُهَا أَنْ تَسْتَرْقِيَ مِنْ الْعَيْنِ ُ.
 أن تقرأ القرآن.
 وأخرج البخاري وأحمد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ الْوَشْمِ))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]

من السذاجة :

 الآن: الناس بسذاجة مضحكة, يضع حدوة فرس على مركبته, أو حذاء صغير, أو خرزة، هذه الأشياء لا تقدم ولا تؤخر, وما أنزل الله بها من سلطان, الذي يقدم ويؤخر أن تكون متصلاً بالله, أن تكون مقبلاً عليه, أن تكون منيباً إليه, أن تكون مستقيماً على أمره.
 هذا شعر:

 وإذا المنية أنشبت أظفارها  ألفيت كل تميمة لا تنفع

 التميمة حلقة توضع في رجل الطفل, يعني على رغبة ألا يموت وهو صغير.

قف عند هذه الأدلة من السنة أيضاً التي تؤكد على أثر العين في المحسود :

 وفي حديث سادس: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ تعالى من العين, فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ))

[أخرجه الحاكم في مستدركه]

 ويروى عن أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ قَالَتْ:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ, تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ, أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ, فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ, لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 ويروي الإمام أحمد, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ لَتُولِعُ بِالرَّجُلِ بِإِذْنِ اللَّهِ, حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقًا, ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنْهُ))

[أخرجه البزار في مسنده, والإمام أحمد في مسنده]

 أي جبلاً عالياً, ثم يتردى منه، تولع, تعلق، إن العين لتعلق الرجل بإذن الله, حتى يصعد حالقاً, أي جبلاً عالياً, ثم يتردى منه .
 الحديث الثامن والتاسع: العين تدخل الرجل القبر, والجمل القدر .

قصة :

 حدثني أخ, يعمل في الهندسة, يكسو بيت, ففي مركبة من أيام, خرجت من الوكالة -إن صح التعبير- جميلة جداً, يبدو أن أحد العمال, مس الضوء الخلفي, جرح فقط, فقال له: أقدم لك ثمن ضوء جديد, قال: لا، أريد مبلغاً كبيراً, يوجد عطل, والثمن بخس، وتعنت تعنتاً غير معقول، في اليوم التالي وجد مركبة سحقتها سحقاً, نصفها الخلفي حطم، أحياناً الإنسان يتباهى بشيء يتعنت من أجله, فيؤدبه الله عز وجل.

من الأدلة أيضاً التي تؤكد على أثر العين في المحسود :

 الحديث العاشر: عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ لَتُولِعُ بِالرَّجُلِ بِإِذْنِ اللَّهِ, حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقًا, ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنْهُ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

 والحديث الحادي عشر:

((أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين))

 والحديث الثاني عشر: عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ, أَوْ حُمَةٍ, أَوْ دَمٍ لا يَرْقَأُ))

[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]

 الحمى السم، السم والعين والدم الذي لا يرقأ.
 والحديث الثالث عشر: حَدَّثَنِي حَيَّةُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ, أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَا شَيْءَ فِي الْهَامِ, وَالْعَيْنُ حَقٌّ, وَأَصْدَقُ الطِّيَرَةِ الْفَأْلُ))

[أخرجه البزار في مسنده]

من الموضوعات التي عالجها النبي :

 بالمناسبة: في عندنا موضوع الطيرة، إنسان أيام يتشاءم أو يتفاءل, هذا الموضوع عالجه النبي عليه الصلاة والسلام.
 فقال: سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الطيرة -يعني التشاؤم- فقال:

((أصدقها الفأل ولا يرد مسلماً))

 يعني إنسان شعر بانقباض, والعمل مشروع وفيه خير, لا ينبغي أن يعتد بهذا الانقباض، يعني أسست جمعية خيرية لإطعام الفقراء أو لرعاية الأيتام, يا أخي متضايق, هذا الكلام ليس له معنى, قد تشعر بضيق أحياناً، هذه تصير بالمتزوجين, يوم يوافق على الزواج من واحدة, يدخل بوساوس، ترى في انقباض, هذا أحياناً من الشيطان، البنت جيدة ومناسبة, ولا يوجد فيها عيب, وأخلاقها عالية, ودينة, ومطواعة, يقول لك: متضايق، هذا الضيق ليس له معنى إطلاقاً، فالإنسان عليه ألا يأخذ بهذه المشاعر الغير منضبطة.
 لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

((وَأَصْدَقُ الطِّيَرَةِ الْفَأْلُ))

 كان عليه الصلاة والسلام يحب الفأل.

واقعة :

 حدثني أخ, مستوى المياه في استانبول, هبط إلى الثلاثين بالمئة في السدود, وفي مشكلة كبيرة جداً, وهناك تحذير من الجفاف, في ليلة واحدة في شهر آب الماضي، نزل من الأمطار ما يساوي معدل سنة بأكملها، الذي نزل في عام بأكمله نزل في ليلة واحدة, فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحب الفأل، في شخص سوداوي إن شاء الله في أمل, يقول: لا ما في أمل أبداً، كلما تعطيه بصيص نور أمل, الله ينصرنا, انتهينا.
 هذا إنسان سوداوي المزاج, واليأس والقنوط من الكفر، الله عز وجل عنده خير كبير, وبلحظة تتبدل الأحوال.

قف هنا :

 من كان يظن أن هذه الكتلة الشرقية المرعبة التي تملك أسلحة نووية, بإمكانها أن تدمر القارات الخمس خمس مرات؟ كلام دقيق, عندها من الأسلحة النووية, ما يمكن أن تدمر بها القارات الخمس خمس مرات، من يصدق أن هذا العملاق الجبار, يتداعى من داخله من دون حرب؟ وكما أظهر الله لنا جبروته وقدرته في المشرق, قد يظهر الله لنا أيضاً إن شاء الله جبروته في المغرب، فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يحب الفأل ما كان يحب التشاؤم، والتشاؤم يأس واليأس كفر، والقنوط يأس والقنوط كفر.
 كان عليه الصلاة والسلام يقول:

((أصدقها الفأل ولا يرد مسلماً))

 إذا الأمر واضح, هدف واضح, والوسائل واضحة, والحكم الشرعي واضح, وشعرت بانقباض, لا تعبأ بهذا الانقباض, هذا حال يحول.

ما المراد بهذا الحديث؟ :

 عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ:

((أَحْمَدُ الْقُرَشِيُّ قَالَ: ذُكِرَتْ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا, فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ, فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ, وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ, وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ))

[أخرجه أبو داود في سننه]

 الإنسان قد ينقبض إذا أقدم على عمل جيد العمل؛ أقدم على سفر والسفر مشروع، أقدم على دراسة والدراسة مشروعة، أقدم على زواج والزواج مشروع، انتقل من بيت إلى بيت, في أيام يصيب الإنسان حالة اسمها التكلس العقلي, يعني لا يغير ما هو عليه, مهما كلف الأمر, بلا سبب، يعني الإنسان أيام ينقبض, ولا يشعر أنه ارتكب ذنباً, ليس مؤاخذاً على هذا الانقباض, ولكن ما دام الهدف واضح, والوسائل مشروعة, ينبغي ألا يصرفه انقباضه عن أن يفعل هذا الشيء .

محور الدرس :

 الحقيقة: القصص التي تتحدث عن مصيبة نزلت بإنسان, بسبب مباهاته, وبسبب عين الحسود, قصص كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى، ولكن هناك أناس يعني لا يعبؤون بهذه الموضوعات إطلاقاً, وهي حق, وهناك ثلاثة عشر حديثاً صحيحاً في البخاري, أو مسلم, أو في الصحاح, تؤكد العين, وهناك آيات ثلاثة.
 أنا موقفي من هذا الدرس: أنني أتواضع لله عز وجل, ولا أفكر أبداً أن أظهر ما عندي, بغية أن أستعلي, وأن أزهو على الناس, هذا الموقف العملي من هذا الموضوع.

سؤال ورد :

 جاءني سؤالان: ما معنى قوله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث؟.
 أيها الأخوة, مليون نعمة نحن جميعاً مشتركون بها, حدث الناس بنعم الله المشتركة؛ أن الله عز وجل أعطانا نعمة البصر, أعطانا ذاكرة، أعطانا مياه, في أمطار كثيرة تحدث عن هذه الأمطار, واشكر الله عليها, من قال لك: أن هذه الآية تعني أن تحدثنا عن نعمك أنت؟ في نعم لا تعد ولا تحصى بين كل الخلق.

قف عند هذا الكلام :

 صدقوني أيها الأخوة الكرام: الإنسان إذا كان مهتدياً إلى الله, ومعافى في جسمه, وعنده قوت يومه, كأنما ملك الدنيا بحذافيرها، كلامي دقيق جداً.

((إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه, معافىً في جسمه, عنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها))

 الباقي مظاهر فقط, دخلت على بيت بزماني, والبيت متواضع جداً, لا يوجد بلاط, يسمونها عدسي, والأثاث من أرخص أنواع الأثاث؛ بساط وطراحة, لا يوجد كنبات، أنا هكذا شعرت أن هذا البيت قطعة من الجنة, صاحب البيت مؤمن, وله زوجة يبدو أنه يحبها وتحبه, وفي أولاد أطهار, قد يكون بيت ثمنه مئة مليون قطعة من النار، لما الله عز وجل يسعد إنسان, المظاهر ليس لها قيمة.

من هو الملك؟ :

 يقولون: أن ملك سأل وزيره: من الملك؟ قال له: أنت, قال له: لا, الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا, له بيت يؤويه, وزوجة ترضيه, ورزق يكفيه, إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا, وإن عرفناه جهدنا في إحراجه.
 أنا أقول لكم الآن: إن لم تكن طرفاً في مؤامرة قذرة, هدفها إفقار المسلمين, أو إضلالهم, أو إفسادهم, أو إذلالهم, أو إبادتهم, فأنت ملك الآن, قد تكون حاجب بدائرة, إن كنت أعلى, أفضل, ولكن إذا أنت مستقيم، قد تكون ضارب آلة كاتبة، قد تكون أمين مستودع, ما عندك شيء ثان, لكن ما دام تعرف الله وتطيعه, فأنت الملك.
 قال عليه الصلاة والسلام: ابتغوا الرفعة عند الله.
 إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه, معافىً في جسمه, عنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.
 الآن: ترى عدداً كبيراً في العالم يخضع للقطب الواحد، يخضع ويرتكب الجرائم من أجل أن يرضي هذا القطب الواحد, ويضحي بالمسلمين, وبثروات المسلمين, وبكرامة المسلمين, إرضاءً لهذا القطب الواحد، فإذا الإنسان ما كان طرفاً في مؤامرة قذرة, هدفها إفقار المسلمين, أو إضلالهم, أو إفسادهم, أو إذلالهم, أو إبادتهم, فأنت والله ملك, لكن لا تعرف قدر هذا الملك إلا يوم القيامة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018