العقيدة من مفهوم القرآن والسنة - الدرس : 33 - مستلزمات التوحيد -13- الرضا - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠3العقيدة من مفهوم القرآن والسنة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة من مفهوم القرآن والسنة - الدرس : 33 - مستلزمات التوحيد -13- الرضا


2004-05-23

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

من لوازم التوحيد :

هل أنت راض إذ جعلك الله إنسانا ومنحك نعمة الوجود؟
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس العقيدة، ومع موضوع هو من لوازم التوحيد، ولا زلنا في عدد غير قليل من دروس لوازم التوحيد .
من لوازم التوحيد اليوم: الرضا، إن آمنت أن الله سبحانه وتعالى صاحب الأسماء الحسنى و الصفات الفضلى، صاحب الكمال المطلق، وأن الأمر كله بيده، وأنه لا معبود بحق إلا هو، و أن كماله كمال مطلق، إذاً يقتضي الإيمان بهذا الكمال, وهذه الأسماء, وتلك الصفات, أن يكون فعله خيراً مطلقاً، تدركه عقولنا أو لا تدركه، ليست العبرة أن ندرك الكمال، كماله مطلق، لكن قد يكون العقل قاصراً عن إدراك الكمال، فهل أنت راض عن الله؟ هل أنت راض أنه منحك نعمة الوجود؟ هل أنت راض عن الله إذ جعلك إنساناً؟ هل أنت راض عن الله إذ جعلك تعرف إليه وتهتدي إليه؟ إن رأيت الأحداث الجسام في الأرض, هل أنت راض عن الله؟ .

هذه هي البطولة :

البطولة أن ترضى عن الله مع كل ما يحصل من ظلم
الذي يجري في الأرض الآن لا يحتمله إلا مؤمن، لو عزلت الإيمان عما يجري لاختل توازن الإنسان، أناس أقوياء يملون إرادتهم على كل البشر، ينتهكون الأعراض، يقتلون الرجال، والله سمح لهم، وأناس مؤمنون بالله عز وجل, ينالهم أذى كبير من هؤلاء الطغاة، هل أنت راض عن الله مع كل هذه الأخبار؟ هنا البطولة .

هل أنت مؤمن أن كل شيء يقع بأمر الله, وبقضائه, وقدره, وأن الذي يقع له حكمة؟ أنا قد لا أدركها، ولكن قد تكشف الأيام عن حقيقتها، هل أنت مؤمن أنه كل شيء وقع أراده الله، و كل شيء أراده الله وقع؟ هل أنت مؤمن أنه لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؟ هل أنت راض عن الله في معاملته لك؟ أنت إنسان ذو دخل محدود، هل أنت راض عن الله؟ هل إذا رأيت إنساناً معه أموال قارون ترى أن هناك حكمة بالغة، وأن الذي اختاره الله لك هو عين الكمال؟ هل أنت راض عن الله إذا وجد في الجسم مرض؟ يا رب لولا هذا المرض لكنت في حال آخر، كأنك تتهم حكمة الله عز وجل .

محصلة إيمانك بالله أنك راض عنه :

هذا الدرس مهم جداً، محصلة إيمانك بالله أنك راض عنه:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا
هذا تعبير رمزي:

هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدل وإن عدلوا
والله وإن فتتوا في حبهم كبدي باق على حبـهم راض بما فعلوا
***
لو قال تيهاً قف على جمر الغض ا لوقفــــت ممتثلاً ولم أتوقف
أو كان من يرضى بخدي موطئاً لوضعتـــه أرضاً ولم أستنكف

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :

هل أنت راض عن الله بمكروه القضاء؟)
حالة الرضا حالة مسعدة، راض عن الله أنه أوجدك؟ راض عن الله أنه خلقك في بلد معين؟ من أم معينة؟ من أب معين؟ بخصائص معينة؟ بدخل معين؟ بقدرات معينة؟ يا رب هل أنت راض عني؟ .
إنسان يطوف حول الكعبة يقول: يا رب هل أنت راض عني؟ كان وراءه الإمام الشافعي قال: يا هذا, هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: يا سبحان الله! كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، أن يمتلئ القلب رضىً عن الله في السراء وفي الضراء، في الغنى وفي الفقر، في الصحة والمرض، في الزواج وفي عدم الزواج، هل أنت راض عن الله؟ .

ما هي حقيقة العقيدة الصحيحة؟ :

العقيدة الصحيحة تقتضي الاستسلام لقضاء الله
أيها الأخوة الكرام, أعود و أذكر: أن حقيقة العقيدة الصحيحة ليست ما ينبغي أن تعتقد فحسب, بل ما ينبغي أن تكون عليه؛ من حب، ومن شكر، ومن صبر، ومن رضا، ومن استسلام، هذا هو الرضا، المؤمن راض عن الله، يا رب لك الحمد في جميع الأحوال .
ما من دعاء يناسب هذا المقام كدعاء النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف -إن صح التعبير- إن كان هناك خط بياني لدعوة النبي في الطائف كانت في الحضيض، مشى إليهم ثمانين كيلو متراً في جبال وعرة حتى وصل إليهم، دعاهم إلى الله فكذبوه، وسخروا منه، ونالوه بالأذى، أراد الله أن يبين عظمة هذا النبي، أرسل له ملك الجبال، قال: يا محمد, أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك, لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين, قال: لا يا أخي، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده .

لماذا ساق الله للنبي عليه الصلاة والسلام هذه المحنة الشديدة؟ :

ماذا دعا؟ قال:

((يا رب, إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين, وأنت ربي, إلى من تكلني؟ إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ اللهم إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي))

ألا يحتاج هذا المسلمون اليوم في شتى أقطارهم؟ لأن حرباً عالمية ثالثة كائدة لئيمة غادرة تشن عليهم في كل بقاعهم، لماذا ساق الله للنبي عليه الصلاة والسلام هذه المحنة الشديدة؟ ليكون قدوة لنا، هو مبعوث العناية الإلهية، هو سيد ولد آدم ولا فخر، هو سيد الخلق حبيب الحق، ومع ذلك امتحنه الله امتحاناً, لا أعتقد أن هناك امتحانًا أصعب منه، ونجح في الامتحان.

((يا رب, إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين, وأنت ربي, إلى من تكلني؟ إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ اللهم إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي))

أي يا رب, إذا كانت هذه المحنة والشدة, تعبر عن غضبك علي, فأنا أعتذر، وأنا أستغفر، وإن كانت هذه المحنة لا علاقة لها بغضبك, فأنا راض بها، لك العتبى حتى نرضى، لكن أنا بشر يا رب، لكن عافيتك أوسع لي .
هذا الدعاء هو دعاء اليوم، أقوياء، أشداء، لؤماء، طغاة، يتلذذون بقتل البشر، يتلذذون بإهانتهم, بتعذيبهم، وهذه الفضيحة التي ظهرت في سجون العراق تعبر عنهم بالضبط، وحوش ، وبيدهم قوة كبيرة جداً، إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي، ولك العتبى حتى نرضى، هل أنت راض عن الله؟ راض عن الله بمرض؟ .

قصة :

لي صديق أحسبه صالحاً، ولا أزكي على الله أحداً, أصابه مرض عضال، مرض خبيث في أمعائه، بقي يعاني سنتين من آلام لا تحتمل، تقول زوجته لأبيها: إنه ما سمعت منه كلمة في السنتين, إلا يا رب أنا راض عنك، هل أنت راض عني؟ وتوفاه الله عز وجل .

ماذا تستنتج من هذين المشهدين؟ :

حدثني أخ طبيب, جاءه مريض معه مرض خبيث في أمعائه، أقسم بالله غيّر وضع المستشفى كله، كلما دخل عليه زائر يقول له: اشهد أنني راض عن الله، يا رب لك الحمد، إذا نادى يتهافت الأطباء على خدمته، إذا دخلوا يأنسون به، كأن في هذه الغرفة أنوارًا، ثم توفاه الله عز وجل بأحلى حال، لحكمة بالغة ساق الله لهذه المستشفى مريضاً آخر بالمرض نفسه بالغرفة نفسها، لا يوجد نبي ما سبّه، إذا دخلت إلى غرفته شعرت بانقباض، سخط، وغضب، وسباب، وتبرم، وضجر، وكفر، إلا أن توفاه الله، أي سبحانك يا رب، مرض واحد في إنسانين مختلفين .

مقالة علمية :

بوابات الألم في الدماغ تتحكم بها الحالة النفسية
أنا قرأت مقالة علمية في موضوع رائع جداً، وهذا الموضوع هو: أن الله سبحانه وتعالى زود الجسم ببوابات للألم، الآلام تنتقل من السطوح الخارجية عبر النخاع الشوكي إلى قشرة الدماغ، عبر هذا الطريق, هناك بوابات تفتح أو تغلق، فإذا أغلقت انخفض الألم إلى العشر، المقالة مترجمة, والذي كتبها يغلب على ظني أنه لا يعرف الله، لكن كتب, هذه البوابات تتحكم بها الحالة النفسية للمريض، إذا كنت مؤمناً أغلقت هذه البوابات، ووصلك من الألم واحد بالمئة أحياناً، إذا كان الشخص ساخطاً عن الله عز وجل, تفتح هذه البوابات على مصارعها, فالألم لا يحتمل .

هذا اختيار الله لك :

أيها الأخوة الكرام, هذا امتحان كبير، أنت لك وجود بزمن معين، بمكان معين، من أم معينة ، من أب معين, أنت ذكر، ولست أنثى, هذا اختيار الله لك، لك قدرات معينة، لك شكل معين ، وسيم أو غير وسيم، من أب غني أو من أب فقير .
مرة كنت ماشياً في حي في دمشق, وجدت طفلاً، ربط علبة سمك مستعملة بخيط، وملأها ترابًا يجرها، وكأنها سيارة، وتجد ابناً عنده ألعاب على الكهرباء، وعنده غرفة فيها ألعاب بمئات الألوف، الله اختار له هذا الأب، وهذا اختار له هذا الأب، لكن والله الذي لا إله إلا هو, يوم القيامة حينما يكشف الغطاء, سأستخدم هذه العبارة: إن لم تذب كالشمعة محبة لله, فهذا الدين باطل:

﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة يونس الآية: 10]

يا رب لك الحمد .

من علامة إيمانك :

حينما تأتي المصيبة, ما من وسام شرف تتقلد به, كأن تقول: يا رب لك الحمد، أنا راض عنك في السراء والضراء، في الغنى وفي الفقر، في الصحة وفي المرض، في إقبال الدنيا و في إدبارها، من علامات إيمانك الصحيح أنك راض عن الله، والذي يسخط عن الله ليس فيه إيمان إطلاقاً .

عبد غير راض عن الله عز وجل :

إنسان له زوجة صالحة, توفاها الله قبل أجله بعشر سنوات تقريباً، لها أخت عمرت خمسًا وتسعين سنة، وزوجها توفي من عهد طويل، قال له: كنت أخذت الثانية، ودع لي هذه، هذا ليس راض عن الله عز وجل، لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان, حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه .

ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك :

ربما أعطاك الله فمنعك ومنعك فأعطاك
ابن عطاء الله السكندري رحمه الله عز وجل, له كلمة, يقول: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك .
لو دخلنا في بعض التفاصيل: تجد في بلاد الحياة فيها صعبة جداً، الأسعار غالية جداً، فرص العمل قليلة جداً، البيوت غالية جداً، طرق الزواج شبه مستحيلة، لكن هذه البلاد على ما فيها من صعوبات، وعلى ما فيها من ضآلة دخل، وعلى ما فيها من شدائد, يوجد إقبال على الدين عجيب، تذهب إلى بلاد أخرى, كأنها جنة الله في الأرض، فيها بعد عن الله شديد، يا رب كأن هذه الشدة كي نتقرب إليك، لعل هذه الشدة كي نقبل عليك، لعل هذه الشدة كي تسوقنا إليك .
أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي، وتكدري، وتضيقي على أوليائي, حتى يحبوا لقائي .

مرة قال لي شاب, في درس من دروس السبت: ما الحكمة أن الزوجة سيئة؟ قلت له: حتى نراك في الدرس، ما كان لك طريق إلى المسجد, لو كانت زوجتك من الدرجة الأولى، تجلس معها، وتنسى كل شيء، يوجد حكمة بالغة، أحياناً الابن المتعب له حكمة، والزوجة المتعبة لها حكمة، الدخل القليل أحياناً يكون لك دخل قليل، وعندك كرم شديد، أحياناً تؤثر أخاك بشيء أنت في أمسّ الحاجة إليه، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

[سورة الحشر الآية: 9]

الحزن خلاق :

أخواننا الكرام, الحزن خلاق، أما النعيم في الدنيا يكسب النفس صفات بغيضة، أما الفقر أحياناً فيعلم التواضع، يقول لك: كن عصامياً، ولا تكن عظامياً، أشخاص الله يوفقهم في الحياة, لهم بداية صعبة جداً، هذه البداية تهذب أخلاقهم .

امتحن إيمانك :

أيها الأخوة الكرام, يجب أن تمتحن إيمانك، علامة إيمانك أنك راض عن الله، في السراء و في الضراء، أعيدها مرة ثالثة، في الغنى وفي الفقر، في الصحة وفي المرض، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، بيتك ملك أم أجرة؟ كبير أم صغير؟ بأعلى مكان أم بأدنى مكان؟ بأدنى حي، أو بحي متواضع؟ راض عن الله، يا رب لك الحمد .

عملية مقارنة :

مرة قرأت عن سيدنا عمر, جاءه رسول من أذربيجان، وطمع الرسول أن يأكل في بيت الخليفة طعامًا نفيسًا جداً، هو خيّره بين أن تأكل مع فقراء المسلمين، أو أن تأكل عندي؟ فاختار أن يأكل عنده في البيت، فوجئ، قال لها: يا أم كلثوم, ماذا عندك من طعام؟ قالت له: والله ما عندنا إلا خبز وملح، قال لها: هاتيه لنا، هذا جاء من أذربيجان، قطع الفيافي والقفار حتى يأكل ملحاً وخبزاً, بعد أن انتهى عمر قال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا.
أنا لاحظت أنك تدعى أحياناً إلى طعام كأس عصير، ثم المقبلات، ثم الشوربة، بعد ذلك طبق لحم، ثم طبخ، ثم فواكه، ثم حلويات، ثم مياه غازية، بعد ذلك, فنجان قهوة، ثم ..... ، و هو ساكت لا يتكلم ولا كلمة .
أيها الأخوة, هذا الذي يتنعم ولا يشكر كالبهيمة تماماً، يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام, والنار مثوى لهم، دابة، فقط يرفس .

الرضا لا يعني أن يتوقف طموحك:

image
الرضا أحد مؤشرات الإيمان أنك راض عن الله، ولكن حتى لا تفهموا فهماً أنا ما أردته، أي أنا لا أحسن وضعي، أنا راض، كلا، هذا غير صحيح، يجب أن تسعى لتحسين وضعك المعاشي, والاقتصادي, والعلمي, والوظيفي، وأن تكون طموحاً، أما حينما تبذل كل ما تستطيع ، و ينتهي بك السعي إلى هذا المكان, أنت راض عن الله، طالب لم يدرس، فلم ينجح، قال: أنا راض عنك يا رب، هذا قضاء وقدر، أنا راض، هذا زعبرة، ادرس، أنت حينما تدرس ليلاً نهاراً، ويأتي مرض -لا سمح الله- في أثناء الامتحان، ويحول بينك وبين النجاح, فأنت راض عن الله، لكن الذي لا يدرس، لا أسعى، يوجد تسيب، يوجد تكاسل .

 

أنا كنت أقول دائماً: هناك فقر الكسل، وهناك فقر القدر، وهناك فقر الإنفاق، فقر الإنفاق بطولة، قال له: يا أبا بكر! ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: أبقيت الله ورسوله، هذا فقير فقر إنفاق، هذا وسام شرف .

متى يستيقظ عندك الوازع الإنساني؟ :

رؤية الفقر والفقراء يوقظ عندك الوازع الإنساني
ذهبنا إلى جنوب السودان، رأينا مشاهد لا يصدقها العقل، أطفال عراة، لا يوجد ثمن ملابس، لا طعام، ولا شراب، ولا كساء، ولا طب، ولا صحة، ولا مدارس، ولا تعليم، ولا شيء، بيوت من القش، أنت حينما ترى ما يحل ببعض الشعوب, يستيقظ عندك الوازع الإنساني إلى درجة تفوق حد الخيال، نحن في نعم كبيرة .
يقول عليه الصلاة والسلام:

((انظر لمن هو أدنى منك, فذلك أحرى ألا تحتقر نعمة الله عليك))

حروب دامت أربعين عاماً هدتهم، نحن كنا أول وفد عربي يزور هذه المنطقة من أربعين عاماً .

للتقريب بين بلدنا فرضاً، وبلد متقدم جداً بالميزان الحضاري؛ المستشفيات، الجامعات، المدارس، الطرقات، المطارات، المعامل، المرافئ، أي بهذا المستوى، ليس بميزان إسلامي، ولا بميزان إيماني، بميزان حضاري، قد يوجد بلاد تسبقنا أربعين ضعفاً، خمسين ضعفاً، بين البلاد التي زرتها وبيننا ألف ضعف، أن تجد كأس ماء في البيت قضية سهلة, كأس ماء سهل ، أن تجد لك مأوى، أن تجد كساء تلبسه, تستر به عورتك, قضية سهلة، عندنا هذا شيء بديهي، شيء طبيعي .
النبي دخل إلى بيته قال: أعندكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فإني صائم، يوجد بيت مهما يكن أهله فقراء, لا يوجد شيء يؤكل .

ما هي مقامات الرضا عن الله؟ :

1-أن ترضى بربوبيته، وأن ترضى بألوهيته :

أيها الأخوة الكرام, قالوا: الرضا غاية التوكل، ومن ذاق طعم الإيمان، وآمن بأسماء الله و صفاته كما يليق بجلاله سبحانه رضي عن الله .
مقامات الرضا ثلاثة: مقامات الرضا عن الله، وأن ترضى بربوبيته، وأن ترضى بألوهيته, بربوبيته خلق وأمد، بألوهيته يسيّر، أي سمح لبلاد قوية أن تحتل بلاداً إسلامية، راض عنه؟ ليس معنى هذا ألا أقاوم -والعياذ بالله- ليس هذا هو المعنى، لكن ألم يسمح الله لهم؟ إذًا رسالة من الله .

رسالة شكر :

ادعوا الحرية وتبنيها وتصرفوا بغير هذا المبدأ
أنا أقول لكم أيها الأخوة: لا يمكن أن تؤمن بالله إلا بعد أن تكفر بالطاغوت، أنا أشكرهم على أنهم أعانونا على أن نكفر بهم، أليس كذلك؟ قبل خمسين سنة, هذه البلاد خطفت أبصار أهل الأرض؛ غنى، و ذكاء، وتفوقًا، وعلمًا، وطرحوا مبادئ رائعة، أن تكون حراً فيما تقول، أن يكون لك حقوق مقدسة، قبل الحادي عشر من أيلول, اتهم إنسان بعمل، وأودع في السجن عدة أيام، ثم تبين أنه بريء، أقام دعوى, أخذ ستة ملايين دولار، فطرحوا الحرية و المساواة، وتكافؤ الفرص، والرفق بالحيوان، وحقوق الإنسان، هذه خطفت أبصار أهل الأرض ، بكلمة أخرى نافسوا الدين، حضارة، الإنسان محترم جداً، له حقوق، بعد هذا التاريخ, بعد الحادي عشر من أيلول, انكشفت الحقيقة، وبعد فضائح سجن أبو غريب تعروا، كما أنهم عروا السجناء تعروا هم، وسقطوا من عين أهل الأرض، وهذا أكبر إنجاز للإسلام، أكبر إنجاز، لم يعد هناك شيء ينافسه، الخلق الأصيل عند المؤمن فقط، أما كل إنسان ذكي, يتكلم كلاماً كما يحلو له، أما عند التنفيذ فهو وحش، الرضا عن الله، عن ربوبيته، وعن ألوهيته .

2-الرضا برسول الله، وتمام الانقياد له :

لابد أن ترضى عن منهج رسول الله باتباعه
المقام الثاني: الرضا برسول الله، وتمام الانقياد له، المقام الثالث: الرضا بدينه، و التحاكم له، والتسليم لمراده .
أي أنت راض عن الله عز وجل أنه أوجدك, راض عن هذا الدين العظيم، لكن تجد فيه حرجاً شديداً، يا أخي الحياة المعاصرة حياة مصارف، وفوائد، وبالدين الفائدة حرام، أيدينا مربوطة بالدين، إذاً أنت لست راضياً، رأيت الدين حجر عثرة أمام النمو الاقتصادي مثلاً، يا أخي المرأة نصف المجتمع، خذ طريق، ويا الله بحسب مقاييس أهل الدنيا هذا الدين عبء، هل أنت راض عن هذا الدين؛ بصلواته الخمس، بحجه، بصيامه، بزكاته؟ صلاة الفجر صعبة جداً ، لو ما زلنا نائمين، لو جعل الله الصلاة الساعة العاشرة أحسن، الساعة العاشرة استيقظ، أكل ، ارتاح، ثم صلى، راضٍ عن الصلوات الخمس؟ عن صيام رمضان؟ عن حج بيت الله الحرام ؟ ثلاثة ملايين بوقت واحد يقفون في عرفات، يا أخي والله غير معقول، اعملوا الحج على خمس دورات، كل شهرين دورة، أحسن، راض أن الحج بيوم واحد؟ الأربع ملايين معاً واقفون، هذا شرع الله عز وجل، يجب أن ترضى عن الله، وعن ربوبيته، وعن ألوهيته، وأن ترضى عن رسوله، وعن منهج رسوله، وأن ترضى عن دينه إجمالاً .

قف عند هذه الآيات :

قال تعالى:

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾

[سورة الأنعام الآية: 164]

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾

[سورة الأنعام الآية: 114]

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة الأنعام الآية: 14]

متى يطمئن العبد؟ :

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:

((قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بهن طعم الْإِيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ, كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]

أي أن يكون الله في قرآنه والرسول في سنته أحب إليه مما سواهما، حينما تتعارض نصوص القرآن ونصوص السنة مع مصالحك, هل أنت راض عن الله؟ الإنسان الجاهل يحس الشرع قيودًا، وهي في الحقيقة حدود .
أنت تسير بأرض فلاة، وجدت لوحة كتب عليها: ممنوع الاقتراب، حقل ألغام، هل تشعر بحقد على واضع هذه اللوحة؟ لا أبداً، تشعر بامتنان، لأن هذه اللوحة ليست حداً لحريتك ، لكنها ضمان لسلامتك، حينما تفهم أوامر الدين أنها ضمان لسلامتك تطمئن .

هدية :

مرة قدم لي أحد الأخوة، وهو مدير سجون بالقطر، قدم لي كتاباً من تأليفه، فيه ثلاث وستين جريمة، ولكن أجمل ما في الكتاب, حينما تنتهي الجريمة, يبين لك سبب وقوعها، ومخالفة الشرع في ذلك، تجد أن الشرع ضمان لسلامتك .

رسالة جاهل :

أذكر أول خطبة خطبتها في هذا المسجد عام أربعة وسبعين, سألني إنسان وصار يبكي، قال لي: زوجتي تخونني، قلت له: مع من؟ قال لي: مع جارنا، قلت له: كيف تعرف إليها؟ قال لي: مرة زارني، وقلت لها: تعالي واجلسي معنا أم فلان، هو مثل أخيك، قلت له: لو كنت تحضر درس علم واحد ما فعلت هذا بنفسك، أنت السبب .

احفظ هذا القانون :

وراء كل مصيبة معصية
يقولون في الأمن الجنائي: وراء كل جريمة امرأة، أنا عدلتها: وراء كل مصيبة معصية، يكاد يكون هذا قانونًا, فتش عن المعصية، خيانة زوجية، اختلاط، مشكلة أسرية، يوجد تسيب ، خيانة تجارية, يوجد عدم توثيق العقود، هذا الشرع ضمان لسلامتنا:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[سورة الإسراء الآية: 9]

يهديهم سبل السلام، فحينما تفهم الشرع أنه قيد, فأنت لا تفقه شيئاً، وحينما تفهم الشرع ضمان لسلامتنا فأنت فقيه، إذاً أن يكون الله في قرآنه, ورسوله في سنته, عند التعارض مع مصالحك, أن ترضى بهذا، عندئذ تذوق حلاوة الإيمان .

 

تعريف الرضا :

يقول بعض العلماء: الرضا هو صحة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم, أدى به إلى الرضا .
حالة الرضا حالة مهمة جداً، أن ترضى عن الله، لكن إذا كان واقعك مؤلمًا، وسببه تقصير منك, فهذا موضوع آخر، كسول، هذا معه فقر الكسل، يوجد عندنا فقر الإنفاق، تحدثت عنه قبل قليل، هذا وسام شرف، يوجد عندنا فقر القدر، عنده عاهة، معذور، فقير لكنه معذور، أما الذي يعد وصمة عار أن تكون فقيراً فقر الكسل .

 

هذا فقر الكسل :

فقر الكسل والانسحاب من المسؤولية مبغوضان
تلاحظ أحياناً إنسانًا لا يعمل شيئاً، تسويف، وتأجيل، ومماطلة، وانسحاب من المسؤولية، جالس ينظر إلى الناس .
شخص يجلس ساعة أمام بابه, يمر شخص ينظر إليه، والثاني ينظر إليه، لا يعمل شيئاً، إما أن يتابع مسلسلات، أو في غيبة ونميمة، أنت ماذا فعلت؟ ماذا قدمت لهذه الأمة؟ لم يقدم شيئاً، يقول لك: فقير، لا يوجد عمل، صحيح، هذا فقر الكسل، فقر الكسل وصمة عار بحق الإنسان، تحرك، بكل عصر يوجد شخص يعمل، الذي يعمل يلقى نتيجة عمله .
 

متى يكون الإنسان راضياً عن الله؟ :

الرضا هو القبول بالعطاء والرضا بالمنع والعبادة في الشدة
قال بعض العلماء: متى يكون الإنسان راضياً عن الله؟ إذا أقام نفسه على أربعة أصول؛ يقول: يا رب إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدتك، وإن دعوتني أجبتك، دعاك للصلاة أجبت، دعاك للحج أجبت، دعاك لإنفاق مالك أنفقت، شعرت بوحشة, لا يوجد إقبال، إذا لم تلاحظ إقبال بالصلاة, فالصلاة لا تترك، يوجد شخص إذا لم يجد نفسه مرتاحاً يدع العبادات، لا، وإن تركتني -أي حجبتني عن السكينة, وعن تجلياتك- أنا داومت على عبادتك.

الآن: أن ترضى عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قال:

((إنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا))

[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

النبي عليه الصلاة والسلام منع المرأة أن تحج مع غير ذي محرم، منع المرأة أن تسافر إلا مع محرم، الآن تشعر المرأة تضجر من هذا الحكم، تقول لك: بالطائرة في ساعتين، من المطار إلى المطار، لا يوجد فتوى، هل أنت راض عن هذا الرسول العظيم؟ هذا التشريع من عنده؟ لا، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى .

قرأت عدة قصص، امرأة ببلد عربي وزوجها ببلد خليجي، خطبها بالإجازة، وتهيئ نفسها للسفر إليه، كان في ذلك الوقت تلكس، استلم التلكس أحد الموظفين عنده، استقبلها بالمطار، وانفرد بها، وانكشفت جريمة كبيرة جداً، قصص كثيرة جداً، المرأة في السفر مطموع بها، فالتي لا ترضى عن رسول الله بهذا التشريع, هذا من عند الله، ما كان لهذا النبي الكريم أن يشرع شيئاً من عنده:

﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾

[سورة الأحقاف الآية: 9]

من مشاكل أهل الشام :

أحياناً التشريع لا يروق للناس، معظم أهل الشام يقول لك: نحن أهل، نجلس جميعاً على طعام واحد، أما أن نصنع طعاماً مرتين فهذا مستحيل، أكثر النساء الموجودين مع الرجال أجنبيات عن الرجال، والإنسان يتمتع بمنظر الحسناوات، ويتمنى أن تكون زوجته كتلك مثلاً، هذه مشكلة طبعاً، لا أحد يتكلم بشيء، كلها خواطر داخلية، لكن هذه مفاسد اجتماعية، فيوجد عندنا عدم اختلاط، أنت راض عن رسول الله بهذا التشريع، بعدم الاختلاط: لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة التوبة الآية: 128]

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, أن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وأنا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا, غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ))

[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]

الآن: لو كنت في عهد النبي، واختصمت مع إنسان، ورفعت الأمر إليه، يقول الله عز وجل:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾

[سورة النساء الآية: 65]

بماذا يتصف مقام النبوة؟ :

يروى أن صحابياً عندما قال النبي لأصحابه: لا تقتلوا عمي العباس -فهمها فهماً آخر- أن أحدنا يقتل أباه وأخاه، و ينهانا عن قتل عمه؟ -فهمها فهماً آخر, لا يليق بالنبي- ثم اكتشف أن هذا الصحابي الجليل كان مسلماً في مكة، وكان عين النبي، و كان كل ما يجري في قريش يوصله للنبي، وكان يكتم إيمانه -لأنه لو قال: عمي مسلم، لا تقتلوه, كشفه، وانتهى دوره، والطريق لا زالت في البداية، لو أن العباس ما شارك في بدر كشف نفسه، هذه الثانية، لو سكت النبي لقتلوه، فيجب أن يقول لهم كلمة واحدة من دون تعليق: لا تقتلوا عمي العباس، فهذا الذي ظن برسول الله غير ما يليق به, اكتشف الحقيقة بعدئذ- يقول: ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله .
أيها الأخوة, مقام النبوة مقام فيه كمال:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾

[سورة النساء الآية: 65]

اقرأ هذا القول :

بعض العلماء يقول: إياك أن تستوحش من التفرد، أنت جالس ببيتك، لا يوجد معك ، والرضا به رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، هو الكمال المطلق، وكلما ذاق الإنسان حلاوة الانفراد، وحلاوة التفرد, رأى الوحشة عين الأنس للناس، والذلة عين العز بهم، و الجهل عين الوقوف على أبوابهم، والانقطاع عين التقيد برسومهم، فلم يؤثر بنصيبه من الله أحداً من الخلق، ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان .
أيها الأخوة, الإنسان المؤمن له حياته الخاصة، له مجتمعه الخاص، أما مع الناس في سرائهم وضرائهم، في سخافاتهم وسقوطهم، هذا ليس مؤمناً .

3- أن ترضى بدين الله سبحانه وتعالى، وأن تحتكم إليه :

المقام الثالث: أن ترضى بدين الله سبحانه وتعالى، وأن تحتكم إليه, قال:

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 59]

أي أطيعوا الله في قرآنه، أطيعوا الرسول في سنته، وأولي الأمر منكم، أولي الأمر هم العلماء والأمراء، العلماء يعلمون الأمر، والأمراء ينفذون الأمر، أحدهم مشرع، والآخر منفذ .

ما ملمح هذه الآية؟ :

قال: فإن تنازعتم، مع من؟ طبعاً ليس من المعقول أن تنازعتم مع الله عز وجل، ولا مع رسوله، فإن تنازعتم في شيء من أمور الدنيا، أو أمور الدين مع علمائكم، أو مع أمرائكم, من هو المرجع؟:

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

[سورة النساء الآية: 59]

إلى كتاب الله، وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام .
في هذه الآية ملمح دقيق جداً: وهو أنه ما من قضية يعاني منها البشر إلا و لها غطاء تشريعي في القرآن والسنة، وإلا فلا معنى لهذه الآية .
أيها الأخوة, هل يعقل أن يقول الله كلاماً لا معنى له؟ لا يعقل أن يقول الله كلاماً لا معنى له، أن يردنا إلى القرآن والسنة, فنأتي إلى القرآن والسنة, فلا نجد جواباً لهذه المشكلة, مستحيل .

امتحان صعب :

إذا كانت المرأة مقيمة ببلد غربي، وتنازعت مع زوجها، وانتهى الأمر إلى الطلاق، هل ترضى بحكم رسول الله: أن تأخذ مهرها, أم ترفض هذا الحكم, وتطمع أن يكون الحكم حكم القوانين؟ هناك تأخذ نصف ثروة زوجها، هذا امتحان صعب، لذلك قال تعالى:

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾

[سورة المائدة الآية: 44]

اعلم هذه الحقيقة :

يقول بعض العلماء، وهذه حقيقة مرة: كثير من الناس يرضى بالله رباً، ولا يبغي رباً سواه ، لكنه لا يرضى به وحده ولياً وناصراً -له شبكة علاقات، يعتمد على زيد، وعلى عبيد، و علاقاته متينة مع فلان، يعتد بما سوى الله، يتوكل على غير الله، هذا الذي لا يرى أن الإيمان وحده يكفي، نحن بهذه المحنة الشديدة يوجد كثير من الطروحات، لا بد من أن نخضع لمشيئتهم حتى نسلم، أما يقول لك: لا بد من أن نخضع لله وحده حتى نسلم، هذا الآن كلام غير مطروح، المطروح شيء آخر-, بل يوالي من دونه أولياء, ظناً منه أنهم يقربونه إلى الله، قال: وهذا عين الشرك، بل التوحيد ألا يتخذ من دون الله أولياء, وكثير من الناس يبغي غيره حكماً يتحاكم إليه ويتخاصم .
هذه المقامات الثلاثة: أن ترضى عن الله، وأن ترضى عن رسوله، وأن ترضى عن دينه, هي ثمرة يانعة من ثمرات التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، لذلك في المحن الشديدة تهتز هذه القيم .

هذه وظيفة المحن :

المحن تكشف درجات إيمان الناس
أنا أقول لكم دائماً: هناك امتحان صعب، أي أن الله يقوي الكافر، ويقويه، ويقويه, حتى يظن أن الله ترك أمر الدنيا لهؤلاء، هذا امتحان صعب نحن فيه الآن، ثم يظهر الله آياته, حتى يقول الكافر: لا إله إلا الله، أي نبتلى بالسراء وبالضراء .
يوجد بالإسمنت حقيقة لطيفة: كلما طبخوا طبخة إسمنت, يصبون مكعبات صغيرة، هذا المكعب يوضع على جهاز, يمسك من قسمه الأعلى، وقسمه الأسفل توضع فيه كفة, توضع فيها أوزان بالتسلسل، على أي وزن ينكسر, هذا الإسمنت كانت هذه مقاومته، يوجد إنسان يكسر لسبب تافه، موت إنسان قريب له يفقد توازنه، إنسان إذا فقد ماله كله يفقد توازنه ، إنسان إذا فقد مكانته الاجتماعية يفقد مكانته، فالمؤمن الكامل القوي بإيمانه لا يفقد توازنه أبداً؛ مهما ادلهمت الخطوب، مهما اشتدت المحن، هو راضٍ عن الله عز وجل، هذه تحتاج إلى قوة إيمان، لكن والله أناس كثيرون تركوا الصلاة الآن، أين الله؟ يرى ما سوى الله أنه هو الفعال لما يريد، فهذه المحن تكشف درجات الإيمان .

قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 142]

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 30]

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 2-3]

وطن نفسك أنك مبتلى، وطن نفسك أنك ممتحن، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تستحق عطاء الله من دون امتحان .
أيها الأخوة, قل ما شئت، أعطِ نفسك أي مقام، حدث الناس عن نفسك كما تريد، لكن الله متكفل أن يحجمك، أو أن يعيدك إلى حجمك الحقيقي، فالامتحان يكشف حقائق الرجال .

خاتمة القول :

أيها الأخوة الكرام, أعود وأقول: إن هذه الدروس الكثيرة, تنطلق من محور واحد، ليست عقيدة المسلم هي ما ينبغي أن يعتقد فحسب، بل ما ينبغي أن يكون عليه؛ من خضوع لله ، ومن محبة له، ومن شكر له، ومن صبر على قضائه وقدره، ومن رضا عنه، وعن رسوله, وعن دينه .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018