أحاديث متفرقة - الدرس : 127 - باب الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة والترهيب من إخلافه ومن الخيانة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 127 - باب الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة والترهيب من إخلافه ومن الخيانة.


2005-09-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل و الوهم إلى أنوار المعرفة و العلم، و من وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 أيها الإخوة الكرام، لازلنا في إتحاف المسلم بما في الترغيب والترهيب من صحيح البخاري ومسلم، والحديث اليوم أخرجه البخاري ومسلم معاً في باب الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة، والترهيب من إخلافه ومن الخيانة.
 عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ... ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ، ولا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ، ولا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ، ولا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ )).

[ متفق عليه ]

  أيها الإخوة الكرام، لعلكم تذكرون منهج البحث في الإسلام، منهج البحث في الإسلام أنه في حياة المسلمين كتاب من عند الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا الكتاب هو القرآن الكريم بإجماع الأمة، وهو منقول تواتراً عن جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جيل إلى جيل، إلى أن وصل إلينا القرآن الكريم كما أنزل، ولأن الله عز وجل تولى حفظه، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

 

[ سورة الحجر ]

 تولى حفظه لا بأمر تكليفي، بل بأمر تكويني، وقد كلف الأنبياء حفظ كتبهم بما استحفظوا من كتاب الله، والأنبياء حفظوا هذه الكتب، لكن أتباعهم لم يحفظوها، فالإنجيل والتوراة كلف أهل الكتاب بحفظهما بأمر تكليفي، والأمر التكليفي كما تعلمون يعصى أو يطاع، لكن الله عز وجل لخاصة في القرآن الكريم، وهو أنه لكل الناس، ولكل الأمم كافة، ولنهاية الدوران، وهو خاتم الكتب، إذاً ينبغي أن يحفظ من التبديل والتعديل، وللزيادة والحذف، وما إلى ذلك، فتولى الله بأمر تكويني حفظه، هذه قضية إيمانية، لأن الله أخبرنا بها، والأدلة تؤكدها فالله عز وجل حفظ هذا الكتاب، فنحن في حياتنا كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو قطعي الثبوت، لكن معانيه بعضها قطعي الدلالة، وبعضها قطعي الدلالة، بعضها ظني الدلالة، وبعضها قطعي الدلالة، ومعنى قطعي الدلالة أي لا يختلف اثنان في فهم الآية، هذه قطعي الدلالة قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

 

[ سورة التوبة ]

  هذه الآية قطعية الدلالة لا تحتاج لا إلى مفسر، ولا إلى الزمخشري، ولا إلى القرطبي، آية واضحة، ومعظم آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة، أحياناً أنت في رمضان تستمع إلى الإمام، وهو يقرأ القرآن الكريم، القرآن الكريم بحد ذاته من دون تفسير، من دون تحليل، من دون اجتهاد، معظم آياته قطعية الدلالة، إلا أن هناك حكمة بالغة من وجود بعض الآيات ظنية الدلالة، تحتاج إلى تأويل، تحتاج إلى تحليل، إلى تفسير، قال تعالى:

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

[ سورة النحل: الآية 43]

  أهل الذكر هم أهل القرآن، الإنسان يقرأ آية، قال تعالى:

 

﴿ (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

 

[ سورة الشمس ]

  قد يتوهم الإنسان أن الله ألهم النفس الفجور، أو ألهم النفس التقوى، والحقيقة خلاف ذلك، برمجها برمجة، وفطرها فطرة، وجبلها جبلة بحيث لو أنها فجرت تعرف أنها فجرت ذاتياً، هذا شيء رائع جداً، ممكن أن يكون خلل في المركبة، لكن قد لا تكشفه، الخلل يتفاقم، وقد يحترق المحرك، وقد تدفع مبالغ طائلة جداً، لكن الآن المركبات الحديثة أيّ خلل يظهر على الشاشة، هي تنبئك بالخلل، هذا مستوى من الصناعة عالٍ جداً، أنت أيضاً مبرمج برمجة بحيث لو أخطأت تكشف أنك أخطأت، قال تعالى:

 

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾

 

[ سورة القيامة ]

  إذاً الآية:

 

﴿ (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

 

[ سورة الشمس]

  قد يفهم إلهام الفجور أن الله عز وجل خلق فيها الفجور، والعياذ بالله، هذا المعنى يتناقض مع كمال الله، لكن معنى الآية أنها مبرمجة برمجة فيما لو فجرت تكتشف ذاتياً أنها فجرت، قال تعالى:

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

[ سورة النحل: الآية 43]

  بعض آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة، وبعض آيات القرآن الكريم ظنية الدلالة، قال تعالى:

 

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾

 

[ سورة السجدة: الآية 13]

  ولكن يبدو أن الله ما شاء أن يؤتي النفوس هداها، قال تعالى:

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

[ سورة النحل: الآية 43]

  يقول لك أهل الذكر: الإنسان مخير، ولو أن الله عز وجل سلب حريته واختياره، وأراد أن يجبره على شيء ما، لو أن الله أراد إلغاء هويته، وإلغاء تكليفه، وإلغاء حمل الأمانة، وإلغاء اختياره، وأراد الله أن يجبره، إن أراد الله أن يجبره لما أجبره إلا على الهدى، لو شئنا أن نلغي اختياركم أن نلغي هويتكم، أن نلغي حملكم للأمانة، أن نلغي تكليفكم، أن نلغي الجنة والنار، وأجبرناكم على شيء لما لما أجبرناكم إلا على الهدى، قال تعالى:

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

[ سورة النحل: الآية 43]

  كأن الله عز وجل كان من الممكن أن يجعل كل آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة، لكن أراد أن يكون نقل هذا العلم عن طريق أناس من البشر، دورهم كشف هذه الملابسات، وأكبر دليل على ذلك القرآن الكريم، كما قال تعالى:

 

﴿ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات ٌ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 7]

  الآية المحكمة لا يختلف شخصان في فهم معناها، لكن الآية المتشابهة تشبه الحق من جهة، وتشبه الباطل من جهة أخرى، أنت بحاجة إلى من يوضح لك معنى هذه الآية، وقد قال الله عز وجل:

 

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾

 

[ سورة يونس: الآية 39]

  معنى ذلك أن الإنسان ليس له الحق أن يتسرع، ويتساءل حول آية قبل أن يستمع من أهل الذكر معناها الدقيق الذي يتناسب مع وحي الله، سئلت: كيف يقول سيدنا أيوب: ] إِنَّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ ؟ وكيف يستطيع الشيطان أن يصل إلى النبي ؟ هو لم يصل إليه، النبي موصول بالله عز وجل، المؤمن العادي إذا كان متصلاً بالله لن يستطيع الشيطان أن يصل إليه، فكيف يصل الشيطان إلى نبي كريم ؟ له معنى دقيق جداً، أن النبي يتمنى هداية الخلق، وأن الشيطان يتمنى إضلالهم، فالشيطان حينما يتمنى إضلالهم، وحينما يتحرك نحو إضلالهم يؤذي النبي في أنه يتمنى هدايتهم، لكن الشيطان أراد أن يضلهم، الشيطان لم يصل إلى النبي، ولكن وصل إلى أتباعه، تماماً كما لو أن إنسانًا يسعى بكل طاقته أن يكون ابنه متعلماً، فإذا وسوس صديق ابنه لابنه أن دعك من الدراسة، ولا فائدة منها يكون هذا الصديق لابنه الذي أغراه بعدم الدراسة قد آذى الأب، لكن لا بشكل مباشر، بشكل غير مباشر، الأب أقنع ابنه بالدراسة، وصديق ابنه بدأ يقنع هذا الابن بترك الدراسة، وكأن هذا الصديق وصل إلى الأب بشكل غير مباشر، هذا المعنى الذي يمكن أن يفهم من أن الشيطان استطاع أن يؤذي النبي، لا يؤذيه مباشرة، يؤذيه بأن يضل البشر، وهذا يتناقض مع طموح النبي، ومع رحمته بأمته.
 القرآن الكريم قطعي الدلالة، والقضية إيمانية، القرآن الكريم قطعي الثبوت، والقضية إيمانية، بينما هو قطعي الدلالة، أو ظني الدلالة، ظني الدلالة، أنت بحاجة إلى من يفسر لك القرآن الكريم، قال تعالى:

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

[ سورة النحل: الآية 43]

   مرة فيما أذكر ألفت كتاب للشهادة الثانوية، وبقي يدرس تقريباً عشر سنوات للفرع الأدبي والعلمي، في كل صفحة من صفحات الكتاب أثرت قضية النحو، أو الصرف، أو البلاغة، ولم أجب عنها، أكتب ما معنى ( حتى ) ؟ وما وجوه إعراب ( حتى ) ؟ اسأل أستاذك الكريم، أردت بهذه التعليقات أن أقيم علاقة بين الطالب وأستاذه، أحياناً في خطبة إذاعية أقول: وللقصة تتمة، اسألوا عنها، كل واحد يسأل مرجعه الديني، إذاً يبدو أن للحكمة التربوية يكون الإنسان من بني البشر يقدم معلومات لهؤلاء البشر، أنت بحاجة إلى معلم، ولو ألغينا دور المعلم فالقضية سهلة جداً، ثاني أكبر ميزانية في بلدنا من تأخذها ؟ وزارة التربية، ملايين الطلاب يحتاجون إلى معلمين، كل أربعين طالباً يحتاجون إلى معلم، وكتب مدرسية، لو كان من الممكن أن نلغي دور المعلم لوزعنا كتباً على الطلاب فقط، لكن هذا العلم لا يؤخذ إلا عن الرجال، ومن أراد هذا العلم من دون رجال فهو ينتقل من محال إلى محال، دور المعلم ضروري، والله عز وجل أكد دور المعلم في آيات متشابهة في ظاهرها يبدو أنه فيها جبر، أو فيها إضلال، ولو سألت أهل الذكر لأعطاك المعنى.
 إذاً أنا في منهج البحث الإسلامي عندي كتاب قطعي الثبوت، أما الدلالة فبعضه قطعي الدلالة، بل في معظمه، وبعض آياته ظنية الدلالة، وهي آيات قليلة، هذه لها هدف تربوي، أن يبرز دور المعلم في تعليم هذا القرآن الكريم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))

[البخاري عن عثمان]

  أول نقطة في منهج البحث أن القرآن كتاب قطعي الثبوت، وبعضه ظني الدلالة، أو قطعي الدلالة، قال تعالى:

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

[ سورة النحل: الآية 43]

  هناك ميزة كبيرة جداً للمسلم، أن له مرجعًا، أحياناً يرتكب بعض الأشخاص حماقات كبيرة جداً، وقد يتحركون دون أن يدخلوا الحساب الإلهي في برنامجهم، فإذا وقعوا في قبضة الله تأتيهم حالة ندم قد يتمزقون منها، لأنه لما كان يتحرك ما كان له مرجع، أما أجمل ما في حياة المسلم أن له مرجعًا يسأله، هل هذا العمل صحيح ؟ أقدم على هذا أم لا أقدم ؟ أفعل هذا أم لا أفعل ؟ المرجعية شيء مهم جداً، صدقوا أيها الإخوة الكرام، الإنسان أحياناً يرتكب خطأ فادحًا يدمر به سعادته الزوجية، وقد يخرب بيته بيده، وقد يعمل عملاً في منتهى الخطأ، لكن المؤمن له مرجع، هذا المرجع يعطيه الدليل من الكتاب والسنة، وأنت حينما تستشير الرجال تستعير عقولهم، وعلمنا الله عز وجل في القرآن الكريم منبهاً نبيه الكريم قال تعالى:

 

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 159]

 سيد الخلق، حبيب الحق، سيد البشر، يوحى إليه، لا يخطئ، معصوم، قال له، أنت أنتَ بالذات: ] وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [، وصف المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم.
 أنت لك مرجعية، صدق أيها الأخ مرة ثانية، قد يرتكب الإنسان حماقات كبيرة جداً لرؤية معينة فيها خطأ، بضغط معين، بإغراء معين، لأنه ليس له مرجع، قد يدمر حياته أو سعادته، أو زواجه، أو عمله بيده، بينما أقل مؤمن له مرجع، والمرجع لا يعطيه الرأي من عنده، يقول له: هذا حرام، والآية تؤكد ذلك، هذا حلال، والآية تؤكد ذلك، أنا أسأل أسئلة كثيرة جداً، أقول له: الأصل في هذا الموضوع الآية الكريمة:

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 2]

  أنت حينما تؤجر بيتك بطريقة أن الأجرة تفوق أجرة فندق خمس نجوم في الليل الواحدة، إذاً ليست قضية سكن، لو أن هذا البيت هدفه هذه الأجرة، أن ينام الإنسان في هذا البيت ليلة واحدة ينام في أفخر فندق، وخدمة من أعلى مستوى، إذاً حينما يدفع لك إنسان مبلغاً كبيراً جداً مقابل ليلة واحدة في بيت فالقضية ليست نظيفة، ولأن الله يقول:

 

﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 2]

  فأنت شريك في هذه الجريمة، جريمة الزنا، أنت إذا لك مرجع تسأل هذا العمل حرام هذا الكسب غير مشروع، هذه البضاعة ممنوع التعامل معها، هذا اللقاء فيه شبهة، فيه معصية، أجمل ما في حياة المؤمن أن له مرجعية، والمرجع ليس مرجعًا قمعيًّا، ليس المرجع استبدادياً، ليس المرجع فيه جبروت، المرجع مرجع علمي، يقول لك: هذا حلال، وهذا الدليل، و هذا حرام، وهذا الدليل بمنهج البحث الإسلامي عندنا القرآن الكريم قطعي الثبوت، أما من حيث الدلالة فبعضه ظني الدلالة، وبعضه قطعي الدلالة، قطعي الدلالة، لأنه كتاب الله، يخاطب عباده المؤمنين، أما ظني الدلالة فليكون للعلماء دور في أن ينقلوا هذا العلم إلى الناس.
 أنا مرة لا أنسى قضية في التجارة متعلقة بالسندات والسفتجة، وتوقيعين، وفي موطن، و من وقع هذا السند قضايا شائكة في التعامل بالسندات، وأنا مرة اقتنيت كتاباً في هذا الموضوع، يدرس في الصف الثالث في التجارة، قرأته ما فهمت منه ما ينبغي أن أفهمه، مرة كنت في صحبة إنسان اختصاصي في هذا الموضوع في سفرة من حلب إلى دمشق، استفدت من هذا اللقاء فائدة لا أجنيها ولا بعشرة كتب أقرأها لوحدي.
 أيها الإخوة الكرام، أحياناً الشبهات تحرك طلاب العلم إلى معرفة الحقيقة، مثلاً قال تعالى:

 

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)﴾

 

[ سورة الأنعام ]

  يؤلف كتاب فيه خطأ كبير، فيه اتهام لكمال الله عز وجل، اتهام كبير، فيه أخطاء كبيرة في العقيدة، هذا الكتاب في ظاهره ضلالات، لكن في حقيقته حرك العلم في البلد، كل طالب قرأ الكتاب تألم ألماً شديداً، سأل مرجعه الديني، بين له الحقيقة، صار في قفزة نوعية، وهذا الذي أحياناً يمكن أن يوجه له طالب العلم، الدور السلبي الذي يقوم به بعض أعداء الدين من حيث لا يريد، ولا يشعر، ولا يتمنى يمتن علاقة المؤمن بربه، تطرح شبه لا يحتملها، يسأل أهل العلم، يتأكد، فلذلك حتى الذين لهم دور سلبي في بث الضلالة، وفي بث الشبهات والأباطيل هؤلاء يقدمون فائدة غير مرئية، وغير مشاهدة.
مثلاً من منكم يصدق أن كتابًا ألف من قبل إنسان بعيد عن الدين، وعدو من أعداء الدين اسمه سلمان رشدي، ألف كتابًا آيات شيطانية، الإحصاء الدقيق الدقِيق، وقد أخبرني به أحد الإخوة الكرام أن أربعين ألف بريطاني دخل في الإسلام بسبب هذا الكتاب، لا عن طريق هذا الكتاب، هناك فرق بسبب هذا الكتاب.
 فيه اتهام للنبي غير معقول، والذي قرأ الكتاب لم يحتمل، فبحث عن الحقيقة، فأسلم، وهذا معنى قول الشاعر:

وإذا أراد الله نشر فضيـلــة       طويت أتاح لها لسان حســــــود
لولا اشتعال النار فيما جاورت           ما كان يعرف طيب عرف العـــود

 العود بخور من دون أن تشعله لا يقدم لك رائحة ؟ متى يقدم لك رائحته ؟ إذا أشعلته، فأحياناً يوجد تحديات، نحن في عصر التحديات، هناك من يتحدى القرآن الكريم، من يتحدى مصداقيته، من يتحدى أنه وحي من الله يدنسه، هذا التحدي يمتن علاقة الإنسان بكتابه، فأنت لا تتألم ألماً غير معقول إذا رأيت أعداء الدين يصولون، ويجولون، هذا لتمتين عقيدة المسلم، الله عز وجل:

﴿ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 7]

  إذاً القرآن الكريم أكبر مرجع قطعي الثبوت، وظني الدلالة، والثبوت بين أيدينا هذا منهج، دورنا معه ماذا أراد الله بكلامه هنا الحديث، هنا علاقته، فأنا لا أستطيع أن أفهم القرآن الكريم وفق مزاجي، ووفق هواي، أنا أفهم القرآن وفق علم الأصول، دلالات الكلمات، ودلالات الجمل والصور، وما إلى ذلك، لكن يجب أن أقيد هذا بفهمي القرن الأول والثاني والثالث، لا يعقل أن أفهم القرآن الكريم فهماً بعيداً عن فهم هذه القرون الثلاثة التي شهد الله لها بالخيرية عن طريق نبيه، فأي فهم لهذا الدين متناقض مع فهم الصحابة الكرام والتابعين وتابعي التابعين فهو فهم غير صحيح، أنا لا أقبل أن يأتي عالم في آخر الزمان يفتي بالربا، وهو المعصية الكبيرة جداً، التي توعد الله مرتكبها بالحرب، وأن يقول: الفائدة عائدة، فأنا حينما أفهم أحكام الدين بعيداً عن فهم القرون الثلاثة الأول والثاني والثالث فقد خرجت عن منهج الله عز وجل، والحقيقة سبب حديثي عن منهج البحث في القرآن الكريم في الإسلام هذا الحديث: (( إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ...))، الآن هناك محاولة، قوة الإسلام، وقوة القرآن الكريم، وقوة الحديث الصحيح أكبر من أن يلغي هذه المرجعيات، أما كيف يحتال الشيطان عليها ؟ بتأويلها تأويلاً يخالف الحقيقة، ما الضمانة لعدم تأويلها تأويلاً يناقض أصل نزولها ؟ أن ترجع بتأويلك إلى ما فهمه الصحابة الكرام في القرن الأول والثاني والثالث، (( إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ...))، إذاً أنا أفهم كلام الله وفق علم الأصول، وعلم الأصول علم قطعي من حيث مصداقيته، وبحسب فهم الصحابة الكرام لهذا القرآن الكريم، مثلاً يقول الله عز وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 130]

  يقول ببساطة ما بعدها بساطة، وبسذاجة ما بعدها سذاجة، يتوهم الإنسان أن التحريم للنسب العالية، أما النسب المنخفضة فليست محرمة، وقد فات هذا المفتري على الله أن هذا القيد ليس قيداً احترازيا، بل هو قيد وصفي، كيف ؟ مثلاً: إذا قال الله عز وجل:

 

﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾

 

[ سورة النور: الآية 33]

  البغاء هو الزنا.

 

﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾

 

[ سورة النور: الآية 33]

  إن لم ترد الفتاة التحصن هل لك أن تكرهها على الزنا ؟ أعوذ بالله، هذا اسمه قيد وصفي، يعني ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء، وهؤلاء الفتيات من شأنهن أنهن يُردن التحصن، هذا صار قيدًا وصفيًّ، وليس قيداً احترازياً، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾

 

[ سورة المؤمنون: الآية 117]

  إذا كان مع إنسان برهان على وجود إله آخر هل هو إذاً معفى ؟ المعنى: ومن يدعو مع الله إلها آخر، ومن شأن هذا الذي يدعو مع الله إلهاً آخر أنه لا برهان له فيه، الفرق بين أن يكون قيدًا احترازيًا وقيدًا وصفيًّا، أنا لا أفهم أحكام الدين من خلال كتاب الله إلا وفق فهم الصحابة، هذا صار فهم الصحابة الكرام، وفهم التابعين، وتابعي التابعين، هذا الفهم من منهج البحث في الإسلام.
 أنا مع القرآن، مهمتي أن أفهم وفق علم الأصول، ووفق فهم الرعيل الأول من الصحابة والثاني والثالث، هذا أكبر منهج بحث.
 البند الثاني: أنا معي كلام النبي عليه الصلاة والسلام، الفرق الدقيق أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام ليس قطعي الثبوت، بعضه قطعي الثبوت، وبعضه ظني الثبوت، بعض الأحاديث صحيحة، وبعضها ضعيف، وبعضها موضوع، والصحيحة بعضها متواتر، وبعضها صحيح، وبعضها حسن، فمع كلام رسول الله هناك مهمتان، مع كلام رسول الله هناك مهمتان، مهمة التأكد من صحة الحديث، ومهمة فهمه، هذا منهج البحث في الإسلام، مع القرآن الكريم مهمة واحدة، لأنه قطعي الثبوت، مهمتي أن أفهمه وفق علم الأصول، ووفق فهم الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، لكن حين أقف أمام حديث شريف فلي مهمتان، مهمة التأكد من صحة الحديث، ثم مهمة فهم الحديث، فمن كذب علي متعمداً من النار، ومن روى عني حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين.
 الفقرة الثانية في منهج البحث في الإسلام أن الحديث الشريف قطعي الثبوت، أو ظني الثبوت، لذلك مهمتي أن أتأكد من صحة الحديث، وبعد ذلك مهمتي أن أفهم قصد النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً وفق علم الأصول، ووفق فهم الصحابة الكرام له، فهم الصحابة أحد أكبر منهج البحث في الإسلام،

(( إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.))

 البند الأخير في منهج البحث في الإسلام: الآن أي نص آخر.
 معي قرآن من عند خالق الأكوان، ومعي سنة بعضها صحيح، وبعضها موضوع، الآن أمام نص ثالث ليس قرآناً ولا سنة ً من آدم إلى يوم القيامة الآن في ستة آلاف مليون إنسان كل يوم يطبع في اللغة الإنكليزية ما يحتاج القارئ في قرأته إلى مئتي عام، أنا ماذا آخذ، وماذا أدع ؟ أقول لك: منهج البحث مع النص الثالث، الأول هو القرآن، والثاني هو كلام النبي العدنان، والثالث كلام البشر، أولاً التأكد من صحة نقل هذا النص إلى صاحبه، كثير من النصوص مفتراة على أصحابها، لم يقولوها، هذا تحت بحث طويل اسمه الدس في الإسلام، هناك جماعة قامت بدور قذر جداً، وهو أن يدسوا على كبار العلماء كلاماً ما قالوه، حتى إن الإمام الشعراني يذكر في بعض كتبه أن إنسانًا قرأ كتب الشيخ محي الدين، وفي نفسه مأخذ كبير جداً على بعض ما في كتبه من تجاوزات، فلما التقى بعالم في مكة المكرمة قال: دخل على غرفته، وأخرج نسخة من هذا الكتاب بخط يد الشيخ محي الدين، قال: فلم أجد شيئاً مما أخذته عليه، لأن هذه النسخة التي قرأها صحيحة، أما هناك فدس، وهناك بحث طويل حول من دس على الإمام ابن حنبل، والإمام مالك، والإمام الحنفي، فأنت مع النص الثالث أول مهمة أن تتأكد من صحة هذا النص إلى صاحبه، وبنهج البلاغة يوجد أقوال كثيرة لسيدنا علي غير صحيحة، بينما يقول عن سيدنا الصديق: كنت أشبهنا برسول الله خَلقاً وخُلقاً، وسمتاً، وهناك حديث عن هذا الخليفة يذوب القلب له، وفي كلام آخر: أما بعد، فقد تقمصها ابن أبي قحافة مني تقمصاً ـ يعني الخلافة.
 الذي يقول هذا الكلام الأول لا يقول هذا الكلام الثاني.
 هناك أحياناً انتحال ودس على بعض الأئمة الكرام، إذاً أنا مع النص الثالث أول مهمة التأكد من نسبة النص إلى صاحبه، ثم أن أفهمه وفق ما أعلم من قواعد فهم النصوص، أما الشيء الثالث، وهو الأخطر أن أعرض هذا الكلام على الكتاب والسنة الصحيحة، فإن وافقه فعلى العين والرأس، وإن خلافه أركله بقدمي، النص الثالث التأكد من نسبة النص إلى صاحبه، قد يكون منحولاً، وقد يكون مفترى، والمهمة الثانية أن أفهم النص وفق علم الأصول، والثالثة أن أعرضه على الكتاب والسنة.
 أنا مع نص قرآني قطعي الثبوت موقفي منه فهم النص وفق علم الأصول، ووفق فهم الصحابة له والتابعين وتابعيهم، ومع نص نبوي مهمتي التأكد من صحة النص، ثم فهمه وفق علم الأصول، ووفق فهم الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، أما المهمة الأصعب فمع النص الثالث الذي هو للبشر أولاً أن أتأكد من صحة نسبة النص إلى صاحبه، ثم أن أفهمه وفق علم الأصول، وأن أقيمه بالكتاب والسنة، فإن وافقه فعلى العين والرأس، وإن خالفه أركله بقدمي.
 هذا منهج البحث في الإسلام إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن مدعياً فالدليل، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ، ولا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ، ولا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ، ولا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ))

[ متفق عليه ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018