أحاديث متفرقة - الدرس : 111 - حسن الظن بالله تعالى. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 111 - حسن الظن بالله تعالى.


2005-04-03

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
  أيها الإخوة الكرام، من مسلمات الإيمان أن حسن الظن بالله ثمن الجنة، ليست العبرة أن تكون غنياً أو فقيراً ولا أن تكون قوياً أو ضعيفاً ولا أن تكون وسيماً أو ذميماً ولا أن تكون موسعاً عليك في الرزق أو مقتراً عليك في الرزق، العبرة أن تكون راضياً عن الله، لذلك ورد في بعض الأحاديث أن حسن الظن بالله ثمن الجنة. كيف أحسن الظن بالله ؟ الحقيقة ورد في الأثر أن سيدنا جبريل سأل النبي عليه الصلاة والسلام أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ كان جواب النبي عليه الصلاة والسلام بل نبياً عبداً أجوع يوماً فأذكره وأشبع يوماً فأشكره، والحقيقة هذا الكلام يحتاج إلى شرح طويل يبدو أن الإنسان حينما يكون قوياً أو حينما يكون غنياً وقد يصل بغناه إلى أعلى مراتب الجنة وقد يصل بقوته إلى أعلى مراتب الجنة، فسيدنا سليمان الحكيم قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾

[ سورة ص: 35]

  كان ملكاً وهو نبي كريم وسيدنا عبد الرحمن بن عوف كان غنياً وسيدنا عثمان بن عفان كان غنياً، الآن وفرعون كان قوياً قال تعالى:

 

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

 

[ سورة النازعات: 24]

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

[ سورة القصص: 38]

  وقارون كان غنياً، قال تعالى:

 

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

 

[ سورة القصص: 78]

  شيء دقيق يمكن أن تكون مؤمناً كبيراً وأنت غني ويمكن أن تكون مؤمناً كبيراً وأنت فقير، ويمكن أن تكون مؤمناً كبيراً وأنت قوي ويمكن أن تكون مؤمناً كبيراً وأنت ضعيف، فمادامت القوة تمنح للمؤمن وللكافر والغنى يمنح للمؤمن وللكافر إذاً الغنى والفقر والقوة والضعف ليست مقياساً يقاس به الإنسان، ولكن موضوع الدرس حينما خير النبي عليه الصلاة والسلام بين أن يكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً فقال بل نبياً عبداً أجوع يوماً فأذكره وأشبع يوماً فأشكره والحقيقة الدقيقة أن النبي كان خبيراً ذلك لأن الله جل جلاله حينما قال:

 

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7)﴾

 

[ سورة العلق ]

  يعني شيء واقع صحتك طيبة ودخلك كبير وزوجتك تروق لك أولادك نجباء وبيتك ملكك ولك مكانة تصلي ولكن صلاة ضعيفة، تدعو الله ولكن دعاء ضعيفاً ما عندك مشكلة، أحياناً أكبر مشكلة أنه ليس عندك مشكلة، هذه أكبر مشكلة لأن الدنيا إذا جاءت كما تريد شئت أم أبيت كانت حجاباً بينك وبين الله، وأن المتاعب ولو أنها مكروهة ربما كانت باعثاً إلى الله عز وجل، وقد تسأل إنساناً يقول لك وأنا في أصعب الحالات كنت مع الله على صفاء لا يوصف وحينما حلت المشكلة أصبحت أشكو من ضعف صلتي بالله، لأن الأنبياء قمم البشر يشدون الرحال إلى الله وهم في أعلى درجات قوتهم بينما نحن نوع آخر، نحن نحتاج إلى من يدفعنا إلى الله أو نحتاج إلى ما يدفعنا إليه إما شخص أو مشكلة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال بل نبياً أجوع يوماً فأذكره وأشبع يوماً فأشكره. الشرح الدقيق لو أخذنا مئة غني، عدد الناجين من هؤلاء في الدنيا والآخرة أقل من عدد الناجين من الفقراء لأن العبودية لله تتصل بها حالة الضعف، فأنت إما أن تشعر بحالة ضعفك لله عز وجل وهذا درجة عالية جداً أو أن تكون فعلاً ضعيفاً، إما أن تشعر بهذا الضعف وأنت في أعلى درجات القوة أو أن تكون فعلاً ضعيفاً فتكون مفتقراً لله، لكن الذي أتمنى أن يكون واضحاً هو أنك حينما تثق بحكمة الله وتثق بعدل الله وتثق برحمة الله عز وجل وتعلم علم اليقين أن هذه الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر وأن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل توقن أن الذي اختاره الله لك ليس في الإمكان أبدع مما كان.
 لذلك علاقة الإنسان مع الله في الدنيا تلخص يوم القيامة بكلمة واحدة وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، أنت حينما تكون فقيراً أقرب إلى العبودية منك حينما تكون غنياً وأنت حينما تكون ضعيفاً أقرب من العبودية منك قوياً، إذاً كأن النبي عليه الصلاة والسلام يبين لهؤلاء الضعاف الفقراء أن اختيار الله لكم وراءه حكمة لا تكشف إلا يوم القيامة ولقد ورد في بعض الأحاديث أن سر القضاء والقدر ادخر إلى يوم القيامة، بشكل دقيق دقيق هو أنك حينما تولد هل أحد خيرك في أي مكان تحب أن تولد ؟ لا، هل أحد خيرك من أي أب تحب أن تكون ؟ لا، هل أحد عرض عليك عروضاً من أي أم ينبغي أن تكون ؟ لا، هل أحد قال لك تحب أن تكون ذكراً أم أنثى ؟ لا، أنت لست مخيراً لا في جنسك ولا في أمك ولا في أبيك ولا في مكان ولادتك ولا في زمان ولادتك، يجب أن يكون واضحاً لدى الإخوة الكرام أن الذي سيرت فيه هو لصالحك مئة في المئة وما من كلمة أبلغ من كلمة الإمام أبي حامد الغزالي الذي عبر عن هذه الحقيقة بقوله ليس في الإمكان أبدع مما كان. إياكم أن تفهموا هذه العبارة أنه ليس في إمكان الله عز وجل، الله عز وجل قدرته لا تحد لكن نبتة صغيرة هذه النبتة لو أردت أن تسقيها بماء كثيف وقوي قد يزيد عن خمسة إنش تسحق النبتة، الماء الذي تعطيه إياها لا يتناسب مع قدرتك بل مع قدرة تحملها، الماء الغزير تسقى به هذه النبتة الصغيرة لا يتناسب مع كرم الساقي بل يتناسب مع قدرة تحمل هذه النبتة لهذا الماء، إذاً ليس في الإمكان أبدع مما كان تعني أن الذي أنت فيه هو خير كله، لكن في ملاحظة أتمنى أن لا تفهم خطأً أنت فقير ينبغي أن تسعى إلى أن ترفع مستوى دخلك هذا الفقر قد يكون فقر كسل وفقر الكسل مذموم وقد يكون فقر قدر وفقر القدر صاحبه معذور وقد يكون فقر إنفاق وفقر الإنفاق ممدوح لكنه قليل، يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال الله ورسوله، عندنا فقر إنفاق، وفقر القدر، وفقر الكسل، بل إن الله عز وجل حينما قال:

 

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

 

[ سورة البقرة: 195]

  قال علماء التفسير إن لم تنفقوا أودت هذه إلى التهلكة.
 أيها الإخوة الكرام، أنت مسير في مكان ولادتك وفي زمن ولادتك وفي أمك وأبيك وفي كونك ذكراً أو أنثى، لكن اعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى إذا كشف لك يوم القيامة عن حكمة هذه الظروف التي رافقت وجودك لوجدتها أفضل ظروف على الإطلاق عندئذ تقول كما قال الإمام الغزالي ليس في الإمكان أبدع مما كان. ثم شرحت شرحاً آخر فقال ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، يعني إنسان صحيح ندعوه إلى نزهة في الربيع إلى بستان جميل نطعمه أطيب الطعام لكن إنسان يصيح من ألم شديد بأن الزائدة التهبت عنده أي مكان يناسبه ؟ المستشفى، وعلى أي شيء نجلسه ؟ على طاولة العمليات، وما الذي نعطيه ؟ نعطيه مبضع الجراح، نعطيه المخدر، نشق له بطنه والدم يتدفق، فهذا الذي معه التهاب زائدة ليس في إمكانه تقبل إلا العملية الجراحية، هل يتقبل نزهة ؟ لا، فلذلك أنت حينما تؤمن أن الله أعطانا أنسب شيء على الإطلاق ترضى عن الله وحينما ترضى عن الله تكون مؤمناً.
لذلك إنسان يطوف حول الكعبة ويقول يا رب هل أنت راض عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي قال له: هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال يا سبحان الله من أنت ؟ قال أنا محمد بن إدريس، قال كيف أرضى عن الله وأنا أتمنى رضاه ؟ قال يا هذا إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله. وأدق شيء في حياة المؤمن إيمانه بحكمة الله وإيمانه بعدل الله وإيمانه برحمة الله فالذي يسوقه الله له يرضى به. في إنسان يواجه موقف أصعب من أن تتجه إلى بلد على قدميك ثمانين كيلو متراً كي تدعوهم إلى الله فإذا هم يقابلوا دعوتك بالسخرية القاسية وبالاستهزاء وبالتكذيب ثم ينالوك بالأذى وتقول يا رب إني أشكو إليك قلة حيلتي وضعفي وهواني على الناس يا رب المستضعفين إلى من تكلني إلى صديق يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبة حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي.
 مرة أحد الأساتذة في كلية التربية حضر مؤتمر للطب النفسي في أوربا لعله في بريطانيا وكان مندوب سوريا، قال أؤكد لكم بكل بساطة أن نسب الأمراض النفسية في بلادنا قليل جداً لسبب بسيط هو أننا نؤمن بالله.
 الإيمان بالله يخفف الآلام ومرة أيها الإخوة الكرام، أخ تساءل في جلسة قال لي تقول المؤمن سعيد أنا لا أصدق ذلك قال لي إن كان في ارتفاع أسعار يعاني كما يعاني بقية الناس وإذا في موجة حر شديدة يعاني كما يعاني بقية الناس وإذا في صعوبة في تربية الأولاد يعاني كما يعاني بقية الناس فأين السعادة التي تقول عنها ؟ قلت له ببساطة لو أن إنساناً عنده أسرة وعنده ثمانية أولاد وبيته بالأجرة وعليه دعوى إخلاء وراتبه أربعة آلاف ليرة الآن، أربعة آلاف ليرة وثمانية أولاد وأجرة بيت وعليه دعوى إخلاء ما حياة هذا الإنسان ؟ له عم غير متزوج ومعه خمسمئة مليون مات فجأة في حادث بحسب قوانين الميراث هذه المبالغ كلها له ولأن هناك ضريبة تركات وبراءات ذمة روتين أحياناً يحتاج إلى وقت طويل فلم يستطع أن يأخذ من هذا المبلغ قبل سنة لماذا هو في هذه السنة من أسعد الناس ؟
 لو بحثنا عن سبب مادي للسعادة لا يوجد، ما أخذ ولا ليرة ولا اشترى ولا حاجة ولا سكن بأي بيت، لكنه لأنه موعود يقيناً بخمسمئة مليون هذا الوعد القطعي بحسب أنظمة المواريث يمتص كل متاعب هذه السنة، والحقيقة قال تعالى:

 

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

 

[ سورة القصص]

  الوعد الإلهي القطعي لهذا المؤمن بالجنة هذا شيء مسعد، لكن أيها الإخوة كما قال السيد المسيح ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، لكن المؤمن لعله يكون دخله محدوداً وقد يكون ضعيفاً، وقد ذكرت لكم من قبل أن الأنبياء في الأعم الأغلب ضعفاء والدليل النبي عليه الصلاة والسلام يمر على آل ياسر وهم يعذبون هل يستطيع أن ينقذهم من العذاب ؟ لا يقدر ماذا كان يقول لهم ؟ صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، لو كان النبي عليه الصلاة والسلام قوي كالأقوياء ودعاهم إلى الإيمان بالله ملايين مملينة تؤمن لا حباً بالآخرة ولا قناعة بعظمة هذا الدين ولكن خوفاً من بطش هذا القوي وطمعاً بما عنده، إذاً التغت الدعوة، إذاً ينبغي أن يكون الإيمان بالرسول إيماناً حقيقياً لذلك كان ضعيفاً لذلك يقول:

 

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾

 

[ سورة يونس: 49]

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾

[ سورة الأعراف: 188]

﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾

[ سورة هود: 31]

﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾

[ سورة الأنعام: 50]

 أيها الإخوة الإنسان حينما يعلم حقيقة الحياة الدنيا لا يندم على شيء فاته من الدنيا قط، أذكر أنني قرأت كلمة عن سيدنا الصديق ولا أبالغ قبل تقريباً خمسين عاماً، كنت أقرأ كتاب سيرة فإذا مؤلف الكتاب يصف هذا الصحابي الجليل بأنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط لأن الدنيا عرض حاضر يأكله منه البر والفاجر، وأن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل، الدنيا ماضية ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها.
 أيها الإخوة، لذلك نحن حينما نستقبل ما يسوقه الله لنا بالرضا نسلم ونسعد لكن إياكم أن تفهموا أنه يمكن أن نستسلم للمقضي، ما المقضي ؟ وجدت حركة في البيت إذاً في لص ما قولك أن تقول قضاء وقدر ترتيب ربنا، لماذا تقوم من الفراش وتبحث عن السارق وتلقي القبض عليه ؟ هذا اسمه مقضي، كل شيء سيق لك ليس في صالحك ينبغي أن تقاومه ينبغي أن ترفضه، لكن أنا أقول أنت حينما تسعى بكل ما أوتيت من قوة لرفضه ومقاومته ثم لا تستطيع عندئذ ترضى بقضاء الله وقدره، مثلاً المسلمون الآن في أخطاء من مئتي سنة تراكمت شكلت ضعفاً للمسلمين الآن ماذا تستطيع أن تفعل ؟ لا تستطيع إلا أن تفعل شيئاً إيجابياً في بيتك وفي عملك فقط، هل تستطيع أن تحرك ساكناً ؟ أن تلغي قراراً ؟ أن تمنع غزواً ؟ لا تقدر، ليس هذا ضعفاً هذا صار قدراً، لكن الضعف أن أنهزم من الداخل والضعف أن أستسلم والضعف أن لا أتحرك حركة إيجابية.
 أيها الإخوة، حسن الظن بالله ثمن الجنة، قال تعالى:

 

﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

 

[ سورة آل عمران: 154]

  فلذلك الإنسان حينما يحسن ظنه بالله يسعد، يقطف ثمار هذا الظن الحسن، أما الشيء الذي ترك لك ينبغي ألا تقصر فيه، في شيء من نوع القضاء والقدر وفي شيء من نوع التقصير، أنا أفرق دائماً بين ما يصيبني تقصيراً مني وبين ما يصيبني قضاء وقدراً، فالذي يصيبني قضاء وقدراً أرضى به، أما الذي يصيبني تقصيراً لا أرضى به أحاول تغييره أحاول مقاومته لذلك هذا الموضوع يحكمه حديث شريف رائع جداً هو:

(( عَنْ سَيْفٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[ أبي داود، أحمد ]

  أنت عليك بالكيس عليك أن تتحرك والآن المسلمون يواجهون تحدياً كبيراً غربياً عليهم أن يفكر في حل عليه أن يتعاون مع أخيه المسلم، عليه أن يقوي علمه، شاب في مقتبل حياته قال لي أنا ماذا أستطيع أن أفعل حتى أسهم في خدمة أمتي ؟ قلت له أفضل شيء لك أن تتفوق في دراستك، الأمة لا تنهض إلا على أيدي علمائها فأنت حينما تتخصص اختصاصاً مهماً وتتفوق به تكون قد بنيت لبنة في صرح هذه الأمة، وأنا أبشركم الذي وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق. فنحن يوجد أشياء تأتينا قضاءً وقدراً ويوجد أشياء تأتينا تقصيراً فالشيء الذي يأتينا تقصيراً ينبغي أن نقاومه وأن نسعى للخلاص منه بشتى الوسائل والطرق المشروعة والذي يأتينا قضاءً وقدراً ينبغي أن نعلم علم اليقين أنه في صالحنا وهو خير لنا وأقوى دليل على ذلك، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

 

[ سورة النور: 11]

  السيدة عائشة علماء التفسير عددوا اثني عشر حالة لو أن حالة واحدة وجدت لألغي حديث الإفك، لو أن عقدها لم ينفرط ولم تبحث عنه ما في إفك، لو أن الصحابة حينما حملوا الهودج رأوه خفيفاً فبحثوا عنها ما في إفك، لو أنها لم ترافق النبي بالغزوة ما في إفك، أذكر أن اثني عشر حالة عددها علماء التفسير بحيث لو وقعت حالة واحدة ألغي حديث الإفك لكن الله شاءت حكمته أن يكون الإفك قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

 

[ سورة النور: 11]

  كل شيء وقع خير، ما كل موقع خير قد يكون الموقع مجرماً كما يجري في العالم الآن، لكن قالوا لكل واقع حكمة ما كل موقع حكيماً لكن لكل واقع حكمة، وهذه الفكرة لو تعمقنا فيها لدخل إلى قلوبنا راحة ما بعدها راحة، ينبغي أن تعلم أن الذي وقع أراده الله ومن خلال وقوعه حكمة لا نعلمها الآن نعلمها بعد حين، فهذه النظرة التفاؤلية وهذه النظرة التوحيدية وهذه النظرة الإيجابية للأحداث يمكن أن تغيب عن بعض المسلمين.
 أيها الإخوة، أقول دائماً أنه في إيجاز كبير جداً تم عقب الحادي عشر من أيلول يعني معظم المسلمين غائبون عن حقيقته هذا الإنجاز أن الغرب بقيمه التي طرحها الرائعة نافس الإسلام وخطف الأضواء وصار كل إنسان حلمه الأكبر أن يذهب إلى هناك وأن البطاقة الخضراء كالجنة الخضراء تماماً لكن عقب الأحداث الأخيرة الغرب كحضارة سقط في الوحل بقي قوة غاشمة لذلك قال تعالى:

 

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾

 

[ سورة البقرة: 256]

  يعني لن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت ماذا فعلوا هم ؟ أعانونا على أن نكفر بهم، الآن عند صغارنا عند شبابنا عند أطفالنا شعور أن الغرب ساقط ما في رحمة وما في صدق أخبار كلها كاذبة مئة مكيال يكال به، يفعلون الجرائم الكبرى ويحاسبون على اللمم، تناقضات وكيل بمئة مكيال فالغرب سقط كحضارة وبقي قوة غاشمة ونسأل الله عز وجل أن ينصرنا عليهم.
 أيها الإخوة في الختام أشرح لكم هذه الآية قال تعالى:

 

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾

 

[ سورة الفجر: 15]

  ربي أكرمن مقولة من ؟ مقولة الإنسان الذي أكرمه الإنسان ونعمه.

 

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾

 

[ سورة الفجر: 16]

  مقولة من ؟ الإنسان الذي ضيق الله عليه، الإنسان يتصور أن الله إذا أعطى إنساناً مالاً أو قوة معنى ذلك أنه يحبه والعوام لهم فكرة ساذجة جداً ومضحكة يقول لك: إذا أحب عبده أراه ملكه. الذي يسافر يفعل المعاصي كلها والآثام وينفق الأموال ترفاً وتبذيراً ويعود ليزهو على من حوله ويقول إن الله يحبني، وأي إنسان بشكل أو بآخر حينما يضيق عليه في الرزق يجد نفسه محروماً دون أن يشعر يتوهم أن الله يهينه، جاء الجواب الإلهي كلا، كلا ليست نفياً بل هي ردع، فرق كبير بين أن تقول لا وبين أن تقول كلا، لو أن واحداً قال لك: هل أنت جائع ؟ تقول له لا، لو قال لك لا سمح الله ولا قدر وأنت في قمة الورع والنزاهة والأدب هل أنت سارق ؟ تقول له لا، تقول له كلا، لأن كلا أداة ردع ونفي، فالله عز وجل قال:

 

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا﴾

 

[ سورة الفجر: 15-17]

  ليس هذا الكلام صحيحاً، يعني يا عبادي ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، أنا حينما أعطي أبتلي بمعنى أن الله عز وجل حينما يعطيك مالاً هل هو نعمة ؟ لا، هل هو نقمة ؟ لا، إذاً ما هو ؟ تعريف هذا المال الذي منحك الله إياه يكون بعد استعماله هل استعملته بالحق أم بالباطل ؟ إن كان استعمالك له في الحق فهو نعمة، وإن كان استعماله بالباطل فهو نقمة، يقاس على هذا كل شيء، الزوجة إذا أظهرت كل مفاتنها أمام الناس وفي الطريق وفي العمل وكانت فاسدة مفسدة هذه الزوجة نقمة وليست نعمة، أما إذا كانت محصنة بالأخلاق والأدب والحشمة وأطاعت زوجها الزوجة نعمة، اجعل كل شيء الله وهبك إياه على هذا المقياس، كلا ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء.
 يعني ملخص هذا اللقاء الطيب أن تحسن الظن بالله وأن ترضى عن الله وأن تقول ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، ليس حداً من قدرة الله بل حداً من قدرتك على تلقي عطاء الله عز وجل، أيام تجلس في جلسة أكثرهم غير متعلمين لا تستطيع أن تقول كلام معقد وعميق ومشعب وأدلة والرد على الأدلة يملوا، أما قصة مؤثرة لطيفة بسيطة يفهمها، فأنا حينما أتكلم بقصة بسيطة مع إنسان غير مستوعب للعلم أقول ليس في إمكانه أكثر مما ألقيت عليه، وهذه حكمة من يدعو إلى الله عز وجل، وأحياناً تجلس مع إنسان متعمق بالعلم فإذا حدثته بكلام بسيط سطحي إهانة له يجب أن تحدثه بكلام عميق وبأدلة قوية وبالرد على الأدلة المعارضة وبتحليل وبإدراك للأهداف والوسائل، فلذلك ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، هذا من أجل أن ترضى عن الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018