أحاديث متفرقة - الدرس : 107 - في حسن الخلق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 107 - في حسن الخلق.


2005-03-06

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، أحياناً المسلمون يتزايدون ويدخل الناس في دين الله أفواجاً ويتألق الدين وترمقه الأبصار ويكون معظماً في العالم كله، وأحياناً تضعف دوائر الدين ويحاصره أعداء الله ويصبح التدين مذمة في الإنسان، ما الذي يرفع مكانة الدين وما الذي يضع من قدره ؟ المتدينون، يوجد بالإسلام شيئان كبيران في عبادات شعائرية وفي عبادات تعاملية لا ينجذب الناس إلى الدين بالعبادات الشعائرية هذه بينك وبين والله، ولكن الذي يجذب الناس إلى الدين العبادات التعاملية، يعني بشكل مكثف يمكن أن نقول الخلق، فحينما قال عليه الصلاة والسلام:

(( إنما بعثت معلماً إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))

 هل يمكن أن يضغط النبي عليه الصلاة والسلام دعوته كلها بكلمة واحدة أو بكلمتين

(( إنما بعثت معلماً إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))

 ويبدو أن ثمن الجنة الخلق الحسن ويبدو أن الخلق الحسن أكبر جاذب للدين فلذلك حض النبي على حسن الخلق وحسن الخلق أبرز معالم شخصية المؤمن، أحياناً لا سمح الله ولا قدر تجلس مع إنسان محسوب على المؤمنين يتكلم بكلام فاحش يتابع بنظره عورات المسلمين يمتلئ مجلسه غيبة ونميمة لا تشعر أن هذا الإنسان يتميز عن الآخرين أبداً إلا يقوم ويصلي الظهر والعصر أما حينما تجلس مع مؤمن لابد من أن تشعر أنك أمام شخصية فذة، هذه الشخصية فذة في أخلاقها لأن الإيمان مرتبة خلقية وشخصية فذة في علمها، الإيمان مرتبة علمية وشخصية فذة في جمالها، الإيمان مرتبة جمالية بشكل أو بآخر ينبغي أن تكون سفير المسلمين، بشكل أو بآخر ينبغي أن تكون داعية وأنا أيها الإخوة، ألح من أعماق أعماقي أن التصور الضيق للمسلم أن الدعوة من شأن كبار العلماء أقول لك لا، الدعوة فرض عين على كل مسلم، فرض عين، هناك دعوة مباشرة أن تنطق وأن تلقي كلمة وأن تلقي خطبة وهناك دعوة غير مباشرة أخلاقك وحدها دعوة، عفتك دعوة، صدقك دعوة، إنصافك دعوة، حلمك دعوة، صبرك دعوة، أدبك دعوة، إكرامك للناس دعوة، فكل هذه المكارم الأخلاقية هي التي تجذب إلى الدين فلذلك أنا أعد من علامات نجاح الداعية إلى الله أن يبني نفوس إخوانه بناءً أخلاقياً على الصدق والأمانة كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة ))

 يعني لا يمكن ومستحيل وألف ألف مستحيل أن يكذب المؤمن، ولا يمكن أن يخون المؤمن، يخطئ كثيراً وكل بني آدم خطاء ولكن الكذب والخيانة يتناقض مع إيمانه، لذلك في كل كتب الحديث نجد كماً كبيراً جداً من دعوة النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكارم الأخلاق، النبي عليه الصلاة والسلام مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال عليه الصلاة والسلام دعه فإن الحياء من الإيمان. هذا الحديث فيه ملمح خطير، ملمحه الخطير أنه لن يكون الخلق من سبب غير الإيمان فما بال إنسان كافر ملحد أخلاقي، أقول هذه الأخلاق أخلاق الأذكياء أخلاق تجارية أخلاق موظفة لمكسب دنيوي أما إذا مست مصالح هذا الإنسان انقلب إلى وحش كاسر، وهذا الذي رأيناه عقب الحادي عشر من أيلول كانت هذه الدولة العظمى قد خطفت أبصار أهل الأرض بقيم رائعة طرحت فلما مست مصالحها أصبحت دولة من حيث الهمجية من الدرجة الخمسين، لذلك شاءت حكمة الله أن الذي يخطف أبصار الناس بأخلاقه بحياديته بعلمانيته أن يكشفه الله عز وجل على حقيقته وأحياناً إنسان يخدع الناس بأخلاقه لكن سرعان ما تتضارب مصالحه مع أخلاقه فيكشر عن أنيابه ويبدو وحشاً مفترساً.
 أول ملمح في هذا اللقاء الطيب يجب أن تشعر أنه لن يكون الإنسان أخلاقياً إلا إذا كان مؤمناً هذا الخلق الأصيل الذي لا يتأثر لا بمديح ولا بذم ولا برخاء ولا بشدة ولا بإقبال الدنيا ولا بإدبارها ولا بذكر أو عدم ذكر، هذا الخلق العظيم هو الذي تمثل بنبينا الكريم عليه الصلاة والتسليم، الله عز وجل منحه ذاكرة قال تعالى:

 

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾

 

[ سورة الأعلى: 6]

  السورة يسمعها مرة واحدة فإذا هو يحفظها، أوتي فصاحة ما بعدها فصاحة، أنا أفصح العرب، أوتي جمالاً.

 

وأجمل منك لـم ترَ قط عيني              وأكمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرءاً من كل عــيب               كأنك قد خلقت كما تشاء

 

 جمال، وفصاحة، وعلم وذكاء، وذاكرة، ونسب، لما مدحه الله عز وجل مدحه بالخلق فقط، يعني مثلاً أنت كلفت ابنك بمهمة كبيرة، أمنت له مركبة وأمنت له مبلغاً من المال، أمنت له حاجاته كلها هذه الأشياء التي أخذها منك لا ينبغي أن يفتخر بها لأنها منك وليست منه، ما في إنسان يشتري إلى ابنه سيارة ويعمل حفل تكريم لابنه على هذه السيارة كلام مضحك لكن يقيم له حفل تكريم إذا نال الدرجة الأولى في الامتحان العام، يبدو أن كل خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من الله كوسائل من الدعوة أما حينما أثنى الله عليه أثنى على شيء من كسبه ألا وهو خلقه قال تعالى:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

[ سورة القلم: 4]

  ولا سيما أيها الإخوة في هذه الأيام يعني في هجمة على الدين وسبحان الله خطأ المؤمن يكبر ألف مرة في سبب، السبب نفسي يعزى إلى العقل الباطن، في بالإنسان عقل باطن وعقل واعٍ، أنت اشتريت سيارة وإذا بإنسان يقول لك سيصدر مرسوم لتخفيض رسوم السيارات، أول رد فعل ليس معقول قالوا منذ خمسين عاماً، لماذا ؟ أنت اشتريت ولما يأتِ خبر يتناقض مع مصلحتك تتألم فأول دفاع تدافع عن نفسك فيه تكذب الخبر، هذا من فعل العقل الباطن والذي لا يملك سيارة يسمع خبراً يقول يجب حقيقة واقع لماذا خبر واحد صدقه إنسان وكذبه إنسان، صدقه بعقله الباطن من ينتفع بتصديقه وكذبه بعقله الباطن من يتضرر بتصديقه.
 مرة سافرت إلى بلد الذي آثر البقاء في هذا البلد من الشام هو سألني عن أحوال هذه البلدة فكل خبر طيب يقول لي أكيد دون أن يشعر وكل خبر سلبي لا يقول لي أكيد، أنت لماذا صدقت الخبر السيئ ولم تصدق الخبر الطيب ؟ الخبر السيئ يريحك، أنت حينما هاجرت وتركت هذه البلدة معك الحق إذاً، والخبر الطيب عن هذه البلدة يزعجك ليتك لم تسافر، في شيء اسمه عقل باطن، الآن سأقول لكم نقطة دقيقة في حياتنا لما الإنسان يعصي الله ينشأ عنده حالة اسمها اختلال توازن يعني عقله الباطن يضطرب ما الذي يحصل كل إنسان يختل توازنه يحاول يستعيد توازنه، لو فرضنا ارتفعت الأسعار تأتي موجة حزن على الناس، كل واحد يقول أنا أرفع السعر أعمل هكذا أخفف مصروفي، فكل إنسان لما السعر يرتفع يختل توازنه الاقتصادي يحاول يبحث عن حل ليستعيد توازنه فهذا شأن أي إنسان في الأرض لما يرتكب خطأ كبير وبهذا الخطأ يختل توازنه يحاول يستعيد توازنه، الإنسان حينما يعصي الله يختل توازنه كيف يستعيده ؟ في عنده ثلاثة حلول أو أربعة، الحل الأول أن يتهم كل الصالحين الملتزمين بأنهم كاذبون لهم مصالح يرتاح، مرة سألت طالب أين الوظيفة ؟ قال لم نكتب الوظيفة أستاذ، قلت له أنت كم واحد، لماذا مالنا كاتبين قل لم أكتب الوظيفة، وسع الدائرة ارتاح.
 والآن كل شيء يعم والإنسان واقع فيه يقول بلوى عامة، فأول استعادة لاختلال التوازن هو توسيع الدائرة ترى الإنسان العاصي لا يصدق طائع، الإنسان العاصي يقول كلهم يكذبون أمامك يصلي لمصلحة هذا شعوره بهذه الطريقة يستعيد توازنه، أو أنه يتعلق بعقيدة فاسدة النبي قال شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يرتاح، أو يبدل الله سيئاتهم حسنات، يقول كلما أكثرنا سيئات تنقلب يوم القيامة حسنات أو لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون لحق نفسك بذنب، لما يختل توازنه إما أن يستعيد التوازن بالتهجم على الصالحين وتكذيبهم أو الشك بإخلاصهم أو الشك بجدوى عملهم، أيام تقوم عمل كبير أنت الذي يمكن أن يغار منك يقول لا يطلع منك ما في جدوى يثبط عزيمتك حتى يرتاح، أو أنه إنسان أمضى حياته في النوم والاسترخاء وما فعل شيئاً له زميل بالسن نفسه اجتهد واشتغل وتألق نجمه يصير الأول يحسد الثاني ودائماً يذم ويقدح ويقلل من قيمته ويشكك من نواياه يشكك بإخلاصه ليستعيد توازنه قضية نفسية خطيرة العقل الباطن الأولى أن يتهم الصالحين ويشكك في نواياهم وفي جدوى أعمالهم والثانية أن يتعلق بعقيدة فاسدة، غارق بالربا يقول الله ما حرمه كيف ما حرمه ؟ قال الله لا تأكلوا أضعافاً مضاعفة، نهى عن الأضعاف المضاعفة ما ننهى عن النسبة العادية كلها ثمانية بالمئة.
 يتعلق بعقيدة زائغة أو بفتوى ضعيفة أو بشيء من هذا القبيل، والثالثة أن يستقيم على أمر الله، الثالثة صحية والأولى والثانية مرضية فلذلك لما الإنسان يعتقد أنه لا خلق إلا من الدين وأن كل هذه الأخلاق التجارية الذكية أنا أسميها أخلاق الأذكياء أو أخلاق التجار بأعلى درجة من الأدب، بلغني أن الجالية اليابانية معها تعليمات مشددة إذا بيت فيه موظفين يابانيين ممنوع أن يزورهم صديق مع زوجته، ما في عندنا تقاليد في الشام وعادات فيها محافظة داخل إنسان مع فتاة إلى بيت فيه شباب قد يتهم بشيء آخر، تعليمات مشددة، بإدارة الأعمال في أمريكا يلموا الطلاب إذا كنت في بلد مثل السعودية وباجتماع مهم جداً وأذن المؤذن وقاموا للصلاة لا تنزعج ولا تقلق هذا من طبيعة هذا البلد، يعلموا من أجل الربح أن تتوافق مع تقاليد البلاد وعاداتها، هذه أخلاق الأذكياء وهؤلاء الأذكياء بأعلى درجة من الذكاء والمصلحة هذه الأخلاق تنهار أمام أي خطر يصيب مصالحهم، وهذا الضابط وسأقول لكم كلمة أنه أكبر مكسب للمسلمين بعد الحادي عشر من أيلول أن هذه الدولة العظمى التي خطفت أبصار أهل الأرض بغناها وتفوقها وعلمها وقيمها التي طرحتها وذكائها وغناها ستة آلاف جامعة فيها حينما هددت مصالحها وانقلبت إلى وحش كاسر أصبحت قوة غاشمة وليست حضارة رائعة لم يبق في ساحة القيم والمبادئ إلا الإسلام.
 إذاً

((قال دعه فإن الحياء من الإيمان ))

  من الإيمان حصراً، الحلم من الإيمان، الحياء من الإيمان، الكرم من الإيمان، اللطف من الإيمان، الرحمة من الإيمان، أيها الإخوة نحن في صدد هذا الحديث

((قال دعه فإن الحياء من الإيمان ))

  عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ))

[ متفق عليه ]

  بصراحة بأي لقاء بأي مجتمع بأي مؤسسة بمستشفى بمدرسة بجامعة بسوق الأخلاقي متميز يشار إليه بالبنان، الأخلاقي محبوب لأن هذا الدين كله من أجل أن تكون أخلاقياً لأن أخلاقية المسلم سبب الجنة التي وعده الله بها، فالحياء لا يأتي إلا بخير، في شيء آخر بموضوع الأخلاق وهو أن الأخلاق متفقة مع الفطرة بفطرتك السليمة تعرف ما إذا كنت أخلاقياً أو غير أخلاقي فالنبي عليه الصلاة والسلام سئل عن البر والإثم فقال:

(( البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ))

  حدثني أخ كان في بلد غربي رأى دعاية لهاتف خلوي أن رجل دين الأنوار تشع من رأسه مرت أمامه فتاة فتأملها فسقط عن رأسه التاج وانقطع عن الله عز وجل. فالدعاية أن هذا الهاتف يمكن أن تستعيد به صلتك بالله عز وجل. لفت نظري من الإعلان أن حتى في عالم الغرب في عالم الإباحية غض البصر من الفطرة والذي يملأ عينيه من محاسن النساء كأنه خالف منهج الله عز وجل فلمجرد أنه ملأ عينيه من محاسن هذه الفتاة سقط عن رأسه تاج المقام الذي هو فيه وانقطع عن الله بقي معه وسيلة واحدة أن يتصل بالله عن طريق هذا الجهاز طبعاً هي دعاية.

 

(( البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ))

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام من أجمل الأحاديث:

 

(( إياك وما يعتذر منه ))

  احرص أن لا تفعل شيئاً تحتاج أن تعتذر منه كن واضحاً وقد علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أنه تركنا على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا ضال، المسلم ما عنده شيء معلن وشيء مبطن، صدقوا ما عنده سريرة وعلانية ما عنده ظاهر وباطن، باطنه كظاهره وظاهره كباطنه، وسريرته كعلانيته وعلانيته كسريرته، وسره على لسانه، إذاً هذا التوحد في شخصية المؤمن أحد نتائج الاتصال بالله عز وجل أما أن إنسان يتكلم بكلمة بذيئة أو فاحشة أو يسمي العورة باسمها وإذا خرج عن طوره تكلم كلاماً لا يليق بأي إنسان هذا ليس مؤمناً لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: وَكَانَ يَقُولُ:

(( إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا ))

[ متفق عليه ]

  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، والله لا أبالغ أيها الإخوة يمكن أن تعاشر أخاً مؤمناً ثلاثين أربعين سنة ما تسمع منه كلمة فاحشة ولا مزحة فاحشة والعياذ بالله الآن كيف ما تحكي مع الناس يغشوا كلامك أي ضمير غائب يعزى إلى جهة إلى عورة وأي كلمة لها معنى معين تعزى إلى حالة بين المرأة والرجل، فترى غش وفي ابتسامة ماكرة خبيثة، مجتمع المؤمنين مجتمع صادق ومجتمع عفيف ومجتمع ألسنة هؤلاء المؤمنين مطهرة عن كل فاحشة أو فحش.
 الآن من صفات المؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ فَقُلْتُ بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ:

(( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ))

[ متفق عليه ]

  يعني العنف، والله في بيوت يا أخوان أتمنى أن تعمم على كل مسلم بيوت هادئة لا في سباب لا في أعمال عنيفة لا فيه صياح لا في ضرب لا في إغلاق الباب بشدة لا في كسر أواني، هذه الشدة الغضب الشديد هذه الانفعالات يكون لها ارتكاسات لضياعات، ارتكاسات لاختلال توازن، كلامي دقيق جداً لما الإنسان يختل توازنه يعني ماله حرام كله، تراه في البيت ليس طبيعياً عنيفاً رد فعله قاسي جداً، لما يبني عمله على إيذاء الآخرين يختل توازنه، أحياناً عمل بسيط له دخل محدود لكن شرعي ترى البيت فيه سكينة فيه وقار فيه محبة فيه مؤانسة فيه مودة أما إذا في معصية كبيرة خارج البيت وفي تفلت ترى ردود الفعل ليست طبيعية عنيفة جداً، العنف دليل اضطراب داخلي، سمعت عن شخص عمله قائم على إيذاء الناس ببيته وحش يعني كلامه في منتهى القسوة ويضرب ضرباً مبرحاً هذا من اختلال توازنه لذلك أيها الإخوة

(( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ))

 يحب الرفيق الهادئ الحليم المتأني المستبصر الذي لا يضطرب، في إنسان كالسفينة العملاقة كأنها جبل وفي إنسان كأنه قارب القارب الصغير أية موجة تقلبه أما السفينة الكبيرة راسخة في المجتمع،

(( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))

[ متفق عليه ]

  والله سامحوني أيها الإخوة أحياناً معلم يضرب طالباً ضرباً مبرحاً أو يحطمه والله قد تنشأ عقدة مع هذا الطفل الصغير لخمسين سنة قادمة يقول له أنت غبي هذا ليس عمل تربوي أنت مهمتك تفجر طاقات الطلاب ترفع من معنوياتهم تمنحهم ثقة بأنفسهم تحترم كل الطلاب تحترم آباءهم، تحترم مهن آبائهم، بالمناسبة كان في كتاب مقرر للتعليم الثانوي هو مترجم إلى إنسان بإفريقيا يقول العنف لا يلد إلا العنف، يعني مستحيل وألف ألف مستحيل أن تحل مشكلة بالعنف، لأن العنف يلد العنف فالأمر يتفاقم ويتفجر،

(( وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))

 أحد الملوك توفي رحمه الله كان يتصف بالحكمة فدعا مرة شيوخ القبائل إلى قصره ووضع فواكه وأوعية للماء من أجل غسل الفاكهة في هذا الوعاء يعني العنب أحياناً يوضع جنبه وعاء من الماء لغمسه في الماء فأحد شيوخ القبائل مسك هذا الوعاء وشرب منه فالكل تبسموا استخفافاً بهذا الذي وقع في هذا الخطأ الفاحش أمام الملك فالملك مسك وعاءً آخر وشرب منه فالكل جمد، يعني أنقذه، البطولة أنك لا تحرج إنساناً لا تحمر الوجوه لأن تحمير الوجوه ليس من أخلاق المؤمن، في شخص يتفنن بإحراج الناس، أحياناً بالسعر أحياناً بأي شيء يحرج الناس فالنبي أشار إلى هذا الخلق العالي.
 وإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع إلا شانه، ويقول عليه الصلاة والسلام: عَنْ جَرِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:

(( مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ ))

[ مسلم، أبو داود، أحمد ]

  لكن بشكل عام إذا الأب في البيت عنيف وصوته عال ويده والضرب ترى كل أهل البيت صاروا مثله، يغيب ساعة ترى الأولاد يضربون بعضهم سباب على ضرب على ترفيس على... الجو الذي هو خلقه في البيت يستمر بعد غيابه وإذا كان الأب هادئاً، حتى في التعليم الذين يعلمون المدرسين الصف ضائج في مدرس اسكت اجلس هو يعلي صوته يعلى معه أيضاً في أستاذ يدخل هادئاً جداً هدوءه سرى كل الطلاب سكتوا بعد فترة، كنا في التعليم الثانوي كان عندنا مدرس سامحه الله عصبي المزاج وصعب جداً فالطلاب عرفوه أنه عصبي وصعب ونظيف زيادة يضعون ورق مكبتل، سندويشة يابسة، حذاء على الطاولة ينظر فيخرج من طوره يطلع معه كلام شيء كان وشيء لم يكن الطلاب يضحكون. العبرة أن هذا الإنسان يثار بهذه الطريقة وانفعالاته ونقده ويعلى صوته والطلاب مسرورين، مرة لاحظت فعلوا مع مدرس آخر رياضيات دخل وضعوا له أشياء على الطاولة مزعجة قال من عريف الصف؟ نادي للآذن خذها، ما أعادوها معه أبداً لأنه أخذ موقف هادئاً وعالجها بشكل بسيط، الأب الذي يكون عنيفاً بالبيت وصوته عالٍ وكلامه قاسٍ وسباب وترى زوجته مثله مشكلة في البيت كبيرة جداً.

 

(( لا يكون الرفق في شيء إلا زانه ولا ينزع إلا شانه مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ ))

 معقول إنسان في المسجد يبول أمام الناس، النبي عليه الصلاة والسلام واجه مثل هؤلاء الناس واجه أعرابياً بال في المسجد والصحابة وقفوا قال لهم دعوه لا تذرموا عليه بوله، كأنه ألمح أن قطع البول مؤذي للإنسان صبوا عليه ذنوباً من ماء قال يا أخا العرب هذه المساجد لم تخلق لهذا فارتاح أولاً خاف أن يضرب ثم اطمأن قال اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً.
 ويقول عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:

 

(( يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا))

[ متفق عليه ]

  عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:

(( مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا ))

[ متفق عليه ]

  أيها الإخوة، والله حينما أرى إخواننا الكرام بحلم وبهدوء وبرحمة وبصفاء وبعفو من بعضهم والله هؤلاء جميعاً يرتفعون عند الله عز وجل وحينما تجد حزازات وغمز ولمز وغيبة وكلام سيئ وطعن تشعر أن هؤلاء الناس لم ينتفعوا من هذا الدين، ومرة ثانية وثالثة هذا الدين قيمته بأخلاقه حتى أن ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ ))

[ أحمد، مسلم ]

  الأناة الهدوء والحلم كاد الحليم أن يكون نبياً كاد الحليم أن يكون نبياً والحلم سيد الأخلاق، أريد أن أتكلم كلمة لعلي أصيب بها الحقيقة الذي عنده أولاد في البيت كل أب محترم بحكم التقاليد والعادات والدين لكن ما كل أب يحب، لا تحب إلا إذا كنت مع أولادك كاملاً كونك أباً على العين والرأس لك مكانة والأولاد يجب أن يقدموا لك كل صور التعظيم والتبجيل والخضوع هذا من حقك وهذا مما يمليه عليك المجتمع أما أن يحبك أولادك من أعماق قلوبهم هذا يحتاج إلى كمال إلى إحسان إلى تربية فأنا أقول البطولة لا أن يقف أمامك ابنك خاشعاً متأدباً بل أن يحبك ابنك من أعماق قلبه هذا دليل إحسانك، وفي قول لأحد الأدباء من أطاع عصاك فقد عصاك. أنا أعد الإنسان نجاحه في تربية من حوله لا في قسوته عليهم ولا في خوفهم من إيقاع الأذى بهم لا بل من إعراضه عنهم فقط، بل من إعراضك عن هؤلاء الذين حولك إن أعرضت عنهم اختل توازنهم معنى أنت محسن.

 

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ ))

 

[ متفق عليه ]

  من يسترجي يجذب قوي يكون راح رأسه، جذبه من ردائه جذبة أثرت في صفحة عنقه الشريف وابتسم، آخر حديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ))

[ متفق عليه ]

  حدثني مرة إنسان والده كان بالتسعينات يحب والده محبة تفوق حد الخيال مرة أخذ السيارة وعمل فيها حادثاً كبيراً وتوقع من أبوه الضرب والإهانة والإخراج من البيت أبوه كان حليماً والأب أدرك أن الابن أغلى من السيارة مادام سليم الله يعوض، يقول لي هذه الحادثة مرّ عليها خمسين سنة يعني يحبه محبة يكرمه إكرام لوالده، دائماً بخدمته كيف كان يجب أن يحطمه لكن ما حطمه، الإنسان أحياناً يقف موقفاً أخلاقياً أو في حلم أو في هدوء يملك قلوب الآخرين.

 

((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ))

 

[ متفق عليه ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018