أحاديث متفرقة - الدرس : 106 - النصح لكل مسلم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 106 - النصح لكل مسلم .


2005-02-27

  الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
  أيها الإخوة الكرام،

((عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ))

[ متفق عليه ]

  في بالحديث مركز ثقل السمع والطاعة يعني أن تصغي إلى الأمر وأن تبادر إلى تطبيقه، الاستقامة أساسية في الدين لكن النصح لكل مسلم، يبدو أن هذا المقياس دقيق جداً ويدور معنا في كل دقيقة في كل حركة وسكنة في كلمة نقولها في كل صفقة نعقدها في كل بيع نبيعه في كل علاقة نقيمها في كل قطيعة في كل صلة في كل غضب في كل رضى النصح لكل مسلم.
  أيها الإخوة الكرام، في حديث آخر يقول:

((عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ))

[ مسلم، النسائي، أبو داود، أحمد]

  و في أحاديث أخرى الدين النصيحة، و يوجد إضافات و يوجد روايات عديدة، يكاد يكون محور هذا الدرس النصح لكل مسلم.
  أقول لكم أيها الإخوة لو تصورت كلمة تقولها لا تبتغي بها النصح للمسلم بل تبتغي بها مصلحتك فكأنك حجبت عن الله عز وجل، لو أنك تبيع أقمشة و طلب منك أن تختار لوناً على ذوقك، و اخترت لوناً كاسداً لتخف كمية البضاعة الفاسدة فأنت بهذا لم تنصح هذا المسلم، فلو طبقنا هذا الحديث و هذا مقياس دقيق جداً و يوجد مقاييس كثيرة هذا المقياس يضعك في مواجهة الحق، هل تستطيع أن تلقى الله عز وجل و أنت تغش المسلمين و لو بكلمة ؟
  النبي عليه الصلاة و السلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، و أوسع نشاط يقوم به المسلم هو البيع و الشراء، و عند الناس يسمى هذا الإنسان بائعاً متفوقاً إذا استطاع أن يقنع الإنسان بالشراء، يا ترى يقنعه بحقائق أم بأكاذيب ؟ يقنعه بشكل موضوعي أم بأوهام ؟ لو تكلمت كلمة ليست واقعية لكنها تحقق مصالحك فأنت لست ناصحاً.
  هذه الجنة التي عرضها السماوات و الأرض و التي فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، هذه الجنة لا يمكن أن يكون ثمنها شيء بسيط، لا يوجد إنسان ينال أعلى شهادة في الأرض بلا امتحان و بلا جهد، يوجد جامعة بالأرض تمنح دكتوراه لطلب يقدم لإدارتها يرجى منحي دكتوراه و الطالب أمي لا يقرأ و لا يكتب ؟
  لا يوجد شيء ثمين بالحياة إلا يقابله جهد كبير، حتى الناجحون في الحياة هؤلاء بذلوا شيئاً مستحيلاً يفوق معظم الناس، تجد إنساناً يقول لك لا يوجد عمل، صح، يوجد أزمة عمل لكن الذي يعمل بجد و نشاط يوجد عمل و يوجد ربح و يوجد رزق وفير، لكن مع القعود و الإرجاء و عدم الإتقان و عدم الانضباط و عدم إنجاز الوعد و عدم تحقيق العهد هذا كله ينصرف الناس عنك.
  يوجد بالحياة قوانين البطولة أن تعرفها، فالنصح أحد أسباب التوفيق بالحياة، نحن أحياناً لا يوجد إنسان بالأرض إلا و يتمنى رزقاً وفيراً، من أين يأتي الرزق الوفير ؟ من النصح لكل مسلم، يأتي من الاستغفار، مرة جمعت هذه الأسباب بقائمة فقلت:

 

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12)﴾

 

[ سورة نوح ]

  فالاستغفار بند، إذاً صلة الرحم أحد بنود وفرة الرزق، صلة الرحم تزيد في الرزق كما قال عليه الصلاة و السلام، و الاستغفار:

 

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾

 

[ سورة طه: الآية 132]

  كأن الله ضَمِنَ رزقك إذا أديت الصلاة و أمرت أهلك بالصلاة:

 

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾

 

[ سورة طه: الآية 132]

  إذاً أداء الصلوات، و أن يكون البيت يذكر الله فيه، ليس قبراً و ليس فندقاً، و ليس مكان للنوم، بل مكان للذكر و العبادة، هذا أيضاً من أسباب الرزق.
  الآن الأمانة: يقول عليه الصلاة و السلام: الأمانة غنى.
  أي أنت حينما تكون أميناً يتهافت الناس عليك كي تعمل عندهم، الآن دقق يوجد عنصر آخر من عناصر كسب الرزق الإتقان.
  الأسواق تمر دائماً بحالات بوار و حالات فورة، في أيام فورة البيع و الشراء أسوأ بضاعة تباع، لكن الصعوبة في أيام الكساد، حيث لا تباع إلا السلعة المتقنة ذات السعر المعتدل، لذلك الذي يتقن عمله إن كان تاجراً و إن كان صانعاً و إن كان ذا حرفة لا يتعطل أبداً، النبي عليه الصلاة والسلام حينما وقف على قبر أحد الصحابة الذي حفر القبر ترك فرجة، فقال للحفار هذه لا تؤذي الميت و لكنها تؤذي الحي، إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه، أي بعض الأمثلة يقدم لك إنسان قرص فيه محاضرة، فيه موضوع معين، يقول لك هذا قرص متعلق بالإعجاز، أنت تضعه في مكان لكن بلا عنوان، تجد نفسك فجأة أمام عدد كبير من الأقراص التي لا أسماء لها، تحتاج لوقت كبير كي تضعها و تكشف هويتها، لو كتب لك موضوع هذا القرص هذا إتقان.
  أحياناً تجد أشياء فيها تقصير كبير جداً عدم الإتقان، أما الإنسان المنضبط الذي يعمل عملاً منتجاً تجد فيه انضباط شديد جداً بمواعيده، بخطة عمله، هذا النصح هو محور هذا اللقاء، طبعاً تفرع منه أسباب زيادة الرزق، الإتقان، الاستغفار، صلة الرحم، الأمانة، أداء الصلوات، و الانطلاق إلى العمل باكراً.
  يوجد ظاهرة بدمشق عجيبة قبل الساعة الحادية عشرة لا يوجد شيئاً، بينما هؤلاء الذين يحكمون العالم كنت عندهم، الذين يمسكون العالم كله الساعة الخامسة فجراً لا تجد محل بالطرقات فارغ، يناموا الساعة العاشرة يستيقظوا الساعة الخامسة، الطرقات كلها ممتلئة، أليس هذا مأخذاً علينا نحن السهر إلى أنصاف الليالي، و استيقاظ بوقت متأخر، فالتبكير إلى الرزق أحياناً يوجد ساعات بأول النهار تعدل ثلاثة أرباع النهار هذه الساعات الأولى، بورك لأمتي في بكورها.
  ثم يوجد شيء آخر مادام تكلمنا عن موضوع الرزق:

 

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾

 

[ سورة الجن: الآية 16]

  الاستقامة و منها النصيحة، النصيحة جزء من الاستقامة.
  مرة أذكر كطرفة أريد أن أشتري ستائر فسألت صاحب المحل كيف الترتيب ؟ فقال لي أستاذ يوجد عندنا قاعدة ثابتة عرض الحائط ضرب اثنين أي الضعف زائد متر، قال لي يظهر مظهر الستائر جميل جداً، اخترت ثوباً فلما قاسه قال لي عرض الحائط ضرب اثنين ناقص متر، و رآني قد تعلقت بهذه النقشة قال لي هذا المطرز على الفرد يأتي أجمل، رأساً عمل قاعدة ثانية.
  فكلمة لا ينطق عن الهوى أي معظم الناس بضاعته يحسنها، يمدح أولاده دون أن يشعر، كل واقعه يمدحه، و يغمط من واقع الآخرين، لو انتقل لموقع آخر يمدح الواقع الجديد و يزدري الموقع الثابت، هذا كله كما يقال ينطق عن الهوى.
  لنبي عليه الصلاة و السلام كان قدوتنا في أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، الإنسان يلاحظ كيف يمدح و كيف يذم، يمدح أحياناً بلا سبب موضوعي، و يذم بلا سبب موضوعي، و الأولى أن يمدح بسبب و أن يذم بسبب، و الأولى أن يكون موضوعياً، و الموضوعية أيها الإخوة قيمة تجمع بين العلم و الأخلاق، الأخلاق تلتقي مع العلم بقيمة موحدة مثل تقاطع، أحياناً الخطان يتقاطعان في نقطة، فالخلق يتقاطع مع العلم في نقطة ما هي ؟ الموضوعية.
  أنت أخلاقي إذا كنت موضوعياً، و أنت في الوقت نفسه عالماً إذا كنت موضوعياً، وما في شيء أجمل من الموضوعية، النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى صهره مع الأسرى، ما معنى صهره مع الأسرى ؟ يعني جاء ليقاتله، ما معنى جاء ليقاتله ؟ كان من الممكن أن يقتله، في الحرب القتل من صور الحرب، رأى صهره مع الأسرى فقال عليه الصلاة والسلام: والله ما ذممناه صهراً. يعني كصهر جيد ما ذمه كصهر لكن ذمه كإنسان تأخر في قبول الإسلام وكان مع المشركين، الله عز وجل يقول:

 

﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 199]

  ماذا تعني كلمة من ؟ للتبعيض ليسوا جميعاً هكذا، فأنت كلما عودت نفسك تعطي حكماً موضوعياً تعلو عند الناس وعند الله، وكلما كانت أحكامك فيها تعميم تسقط عند الله وعند الناس، والتعميم أقول لكم من العمى، دائماً الإنسان أحياناً يميل إلى التعميم إذا آلمه إنسان من المدينة يتهم كل أبناء المدينة جملة وتفصيلاً وإذا أدخل على قلبه السرور من مكان يمدح كل أهل هذا المكان، أما الموضوعية جزء كبير من دين الإنسان ومن أخلاقه ومن علمه، الموضوعية هي النصح، والنصح لكل مسلم.
  أما التفصيل كيف أنصح لله ؟ مثلاً إنسان سمع في الأخبار أنه يوجد منخفض جوي وصل المنخفض والأمطار غزيرة ستين ملم، سبعين ملم، خمسين ملم، أربعين، شعر أن الموسم جيد يقول لك هذه المنخفضات رائعة، حينما يذكر المنخفضات وينسى خالقها وقع في الكفر، والنبي عليه الصلاة السلام فيما يروي عن ربه أن أصبح مؤمناً بي وكافراً، فالذي يقول أمطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكواكب والذي يقول أمطرنا بنوء كذا ونوء كذا فهو كافر بي مؤمن بالكواكب، فالنصح لله ألا تنسى التوحيد، أيام تسمع أخبار مؤلمة جداً أخبار مفادها أن في جهة قوية تتحكم بالعالم جو الغرفة جو شرك جو اعتقاد أن هذه القوة الطاغية الباغية لا أحد يقف أمامها وأن المسلمين يتفنن في الفتك بهم فأنت في هذه الجلسة ينبغي أن تنصح لله كيف ؟ تقول الله عز وجل لا يتخلى عنا، و الأمر كله بيده، و هناك حكم لا نعلمها من هذه الشدة، و لعله يأتي بعد هذه الشدة فرجاً، و لولا هذه الشدة ما توحدنا، و لولا هذه الشدة لما صحونا، و لولا هذه الشدة لما صغر الغرب في أعيننا، لولا كذا، تجد كلاماً يطمئن، كلاماً يبث الأمل، كلام يحيي الإنسان مع أن الشدة قائمة و موجودة، أي هناك مناقشة منطقية، كيف تقبل أن يفعل الإنسان القوي ما يشاء و الله لا علاقة له ؟ أي:

 

﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 59]

  و لكل شيء حقيقة و ما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه و أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.
  و الله مرة كنت بجلسة ببلد عربي آخر و بأكبر صحيفة هناك و سمعنا ماذا ينوي الغرب أن يفعل بنا، و الله بعدما تحدث أكثر الحاضرين شهد الله أنك لا تستطيع أن تقف على قدميك من شدة ما يخطط للمسلمين من تجزئة و من تفرقة و من إفقار و من إضلال و من إفساد و من إذلال و من إبادة، قلت لهم اسمحوا لي بهذه الكلمة و دليلي الوحيد فيها إيماني بالله أن قوة مهما طغت و بغت و مهما خططت لمستقبل شعبها و مهما بنت مجدها على أنقاض الشعوب و بنت غناها على إفقار الشعوب و بنت أمنها على إخافة الشعوب و بنت عزها على إذلال الشعوب أن هذه القوة الطاغية الباغية حينما تخطط لمستقبل لها رائع لأنها ملكت زمام الدنيا و ملكت الإعلام و المال و القوة و الأسلحة نجاح خططها على المدى البعيد يتناقض مع وجود الله، نجاح خططها مع المدى البعيد يوجد عبارة أخرى ذكرتها لا يتناقض مع عدل الله فحسب بل مع وجوده، قال لي شخص و الله أنعشتنا، فما معنى النصح لله ؟ إذا جلسة كلها شرك و كلها قهر و كلها قلق و كلها ألم، أين إيمانك ؟ أين توحيدك ؟ أين ثقتك بالله عز وجل ؟

 

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 216]

  كلما وجهت الناس إلى الله عز وجل أحياناً جلسة كلها مدح أشخاص، مجاملات لا تحتمل، جلسة كلها حديث عن الطعام و الشراب أو عن الأسعار أو عن السيارات، أنت حينما تلفت الناس إلى الله عز وجل، تذكرهم بالله، بنعم الله، بوحدانية الله، بكمال الله، بقوة الله، هذا يريح الناس، فالنصح لله أن تلفت النظر إلى الله لا إلى الدنيا.
  شيء آخر: إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، أحياناً يكون إنسان قوياً أو غنياً و له أعمال تلفت النظر فالجلسة كلها ذهبت في الثناء عليه، لكن لا يوجد به دين أبداً، ينشأ عند الناس اضطراب، اختلال توازن، أما أنت حينما تلفت النظر إلى الله عز وجل، و تبين أن الله موجود، و أن فعال، و في السماء إله و في الأرض إله عندئذ يتغير الأمر.
  ممكن أن تقول الحجامة طريقة من طرق المعالجة البدائية كانت على عهد رسول الله فأقرها النبي ظهر ديننا دين فولكلور، تقاليد، عادات، ضعفت السنة، أما حينما تقول النبي عليه الصلاة والسلام إذا أعطى توجيهاً ليس من خبرته و لا من اجتهاده و لا من ثقافته و لا من معطيات بيئته إنما هو وحي يوحى:

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

 

[ سورة النجم ]

  رفعت مكانة التوجيهات النبوية لا إلى عادات مألوفة عند النبي وقت نزول الوحي فأقرها و لكن إلى توجيه إلهي قويم و سديد.
  إذاً أنت حينما تبين أن هذا الإنسان العظيم ليس مصلحاً اجتماعياً، و لا عبقرياً، و لا إنساناً فذاً، إنما هو نبي مرسل، جاء برسالة، و هذا التوجيه صحيح، لذلك أيها الإخوة النصح للنبي عليه الصلاة و السلام أن تبرز مكانته في هذا الدين.
  الآن قال لي شخص اليوم هذا الحديث ليس كثيراً، قلت له النبي عليه الصلاة والسلام مشرع و ينبغي أن تأخذ أمره على أنه مشرع، و على أن توجيه النبي يجب أن تأخذ به دون أن تنظر إلى القرآن الكريم، أما أي إنسان آخر لا أقبل منه شيئاُ إلا إذا ورد في الكتاب و السنة، أما النبي يقول: أوتيت القرآن و مثله معه، و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول، ما معنى و أطيعوا الرسول ؟ أي النبي يطاع استقلالاً، لكن لا وجد إنسان على وجه الأرض يمكن أن تطيعه استقلالاً إلا النبي لأنه يوحى إليه، و لأن الله عصمه و ألا ينطق عن الهوى.
  أنت حينما تبين عصمة النبي معصوم أن يخطئ في أقواله و أفعاله و إقراره و أن تبين كماله و أن تنفي عنه ما لا يليق بمقامه.
  يوجد قصص كثيرة جداً غير صحيحة و نحن التاريخ الإسلامي صار هناك تداخل كبير بين الأمم و بين الشعوب، و يوجد أعداء ملطنين و دسوا أحاديث ما قالها النبي عليه الصلاة والسلام، فأنت حينما تنقي سمعة النبي، تقدم النبي على أنه نبي معصوم يوحى إليه، مجمع للكمال البشري، أنت بذلك نصحت للنبي.
  و يوجد معنى آخر أن تنصح للنبي، أن يكون هناك تقليد أو عرف أو عادة تتناقض مع السنة النبوية يبدو أنها أسهل، أما السنة فيها متاعب أحياناً، فإذا نصحت الناس باتباع السنة و نهيتهم عن اتباع البدعة فهذا نصح للنبي عليه الصلاة و السلام.
قيل النصح لمن يا رسول الله أي

(( لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ))

    أي الله عز وجل قال:

 

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 38]

  أحياناً تشاهد حواراً، تشاهد برنامج أحياناً أن قطع اليد سلوك همجي فأنت تسكت، كيف سكت ؟ لما لم تدافع عن كتاب الله ؟ إله عظيم خالق السماوات و الأرض أساساً أكاد أقول إن مشكلة الأرض الخمس قارات هي السرقة، ما معنى السرقة ؟ أي أناس يأخذون تسعين بالمئة من ثروات الأرض بلا جهد، و التسعين بالمئة من سكان الأرض يعانون الفقر لأنه هناك مسموح أن تكسب مالاً حراماً، طبعاً يوجد للسرقة مليون طريق و طريق أي أبسط طرق السرقة و أغبى طرق السرقة أن يدخل لص للبيت و يسرقه، أما أنت حينما تغش المسلمين إنك تسرق أموالهم، حينما تدلس عليهم، حينما تحتكر بضاعة، حينما تقيم أساليب لكسب المال غير مشروعة، بعض الإيهام، بعض الغش، هذا نوع من السرقة.
  حينما تقدم بضاعة بمواصفات و كان البيع على صفات أخرى فلو وسعت الكسب الحرام، الكسب الحرام له قاعدة أية منفعة بنيت على مضرة فهي كسب حرام، و أية منفعة متبادلة فهي كسب حلال، أوضح مثل السرقة كسب حرام، اليانصيب، الربا، القمار، منفعة بنيت على مضرة، أما المنفعة التي يتبادل بها الطرفان هي حلال البيع و الشراء، أنت انتفعت أخذت الحاجات من جانب البيت بلا جهد و بلا تعب و البائع انتفع اشترى بسعر و باع بسعر، الفرق هو ربحه، غطى به مصروف أولاده و زوجته.
  أي كسب للمال أساسه منفعة متبادلة فهو حلال، و أي كسب للمال أساسه منفعة بنيت على مضرة فهو حرام، إذاً أنت حينما تنصح للقرآن كي تبين أن الله أحل البيع و حرم الربا، عندما تبين مضار الربا كيف أن المال إذا ولد المال تجمعت الأموال في أيد قليلة و حرمت منها الكثرة الكثيرة، و الآن المشكلة الثانية في الأرض هو التفاوت الطبقي، هذا التفاوت يكون الحقد و الكراهية، و ينتهي إلى الدعارة و الجريمة، طبعاً نحن عندنا نظام أراد الله عز وجل أن يكون هذا المال متداولاً بين كل أفراد المجتمع، قال تعالى:

 

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾

 

[ سورة الحشر: الآية 7]

  فالحالة الطبيعية الصحية في المجتمع أن تكون هذه الكتلة النقدية متداولة بين كل أفراد المجتمع، أما حينما تكون الأموال بأيد قليلة و قد حرمت منها الكثرة الكثيرة هذه حالة مرضية، و سيدنا علي له قول رائع: كاد الفقر أن يكون كفراً، أي الفقر يوجد وراءه احتيال، يوجد وراءه سرقات كثيرة، يوجد وراءه اختلاس، يوجد وراءه تزوير، يوجد وراءه كسب حرام، يوجد وراءه قتل أحياناً، يوجد وراءه دعارة، كاد الفقر أن يكون كفراً.
  فأنت حينما تبين للناس أحكام القرآن أنت إذاً تنصح لقرآنك، أما حينما يقال إن قطع اليد سلوك همجي تسكت أنت ما نصحت لكتاب الله:

 

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 38]

  لكن أنت لا تعرف النتائج، بلد بحجم بلدنا بخمس مرات، بالعام بأكمله تقطع يد أو يدان فقط، و لما تساهلوا في تطبيق هذا الحد السرقات على قدم و ساق صارت، صراف يضع صندوق العملات الأجنبية فيه ملايين، يضع قطعة قماش فوقه و يدخل ليصلي، و الله أعداء المسلمين كتبوا كتابات عن الأمن في بلد تطبق فيه حد قطع اليد بشيء لا يصدق، جاء مندوب من صحيفة بعيدة جداً بأمريكا إلى بلد يطبق فيه قطع اليد، وجد شخصاً حاملاً كيساً على أكتافه ثمن سيارتين ماشي بالطريق، ثم بلغه أن محافظة نائية جداً في الجنوب في بعدها عن العاصمة حوالي ألفي كيلو متر رواتبها موضوعة بأكياس بشاحنة، بأوربا قطارات مصفحة، و محروسة، و مع ذلك تسرق، وازن بين الأمن الذي ينعم به بلد تطبق فيه حدود الله عز وجل و بين بلد بعيد عن هذه الحدود، فلذلك أيها الإخوة النصح لله أن تبرز معالم التوحيد، و النصح لرسوله أن تبرز نبوته، لا أن تقول هو عبقري، مصلح كبير، لا، هو نبي يحمل منهج الله.
و النصح لكتابه أن تبين أن التوجيهات القرآنية إنما هي حق مطلق من عند الخبير، و لأئمة المسلمين و عامتهم، أي إمام المسلمين ينبغي أن تنصحه، من قال لك ينبغي أن تنصحه بقسوة، أو بغلظة ؟ من قال لك ذلك ؟ هذا سلوك غير إسلامي أساساً، لكن لا يوجد مانع إذا كان هناك خطأ أن تبينه بأدب و بلطف و بالدليل، أما أن تعين إنساناً أخطأ على خطئه خوفاً أو طمعاً أو مجاملة و الله مشكلة، لذلك ورد أنه من أعان ظالماً سلطه الله عليه، و من أعان ظالماً و لو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب على جبينه آيس من رحمة الله.
  و لا بكلمة و لا بإشارة، مرة زرت إنساناً له مكانة بوظيفة معينة كان بالحج قال لي أستاذ أنا سأقول لك ماذا حصل معي ؟ عندي ثلاثمئة موظفة كلهم صافحتهم جاؤوا و سلموا عليّ اعتبرت الكبيرة أختي و الصغيرة ابنتي فقلت له و الله ليست صح، يجب أن تحكي الحقيقة، تريد أن تنصحه، هو ما توقع أن تقول له هذا ليس صحيحاً، مستحيل ليست صحيحة، قال لي اعتبرت الكبار أخوتي و الصغار بناتي و صافحتهم جميعاً، قلت له هذا غير صحيح.
  النصح لا تظل ساكتاً، طبعاً لست مكلفاً أن تكون غليظاً لماذا ؟ لأن سيد الخلق و حبيب الحق الذي معه وحي السماء، الذي معه معجزات، الذي أوتي جوامع الكلم، الذي كان أجمل العرب:
و أجمل منك لم تر قط عيني و أكمل منك لم تلد النساء
  الفصيح، الجميل، العفيف، الأمين، الصادق، الذي أنزل الله عليه القرآن، الذي عرج إلى السماوات، الذي بلغ سدرة المنتهى، قال له أنت أنت يا محمد:

 

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 159]

  مع كل هذه الخصائص، مع كل هذه الميزات:

 

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 159]

  شخص ليس معه معجزات، و لا معه رسالة، و لا نبوة، و لم يكن جميل الصورة كثيراً، و لا أوتي الفصاحة، و غليظ، لماذا هذه الغلاظة ؟

 

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 159]

  النصح لأئمة المسلمين لا يعني الغلظة و الفظاظة، لكن يعني الكلمة الصادقة، الكلمة المخلصة، الكلمة الواضحة، الكلمة البريئة من كل قصد، و لعامة المسلمين، جاءك زبون لا يعلم شيئاً قال لك اختر لي لوناً على ذوقك ؟ عندك اللون الزيتي لم يباع معك فأعطيته لوناً زيتياً، أنت لم تنصحه، هذا مثل بسيط، و يوجد على هذا اللون مليون مثل ينصح لمصلحته، إذاً ينطق عن الهوى.
  أيها الإخوة: بايعت النبي عليه الصلاة والسلام على السمع و الطاعة فلقنني فيما استطعت، و النصح لكل مسلم، أحياناً مصلحتك أن تبقى ساكتاً، الساكت عن الحق شيطان أخرس، مصلحتك أن تفعل كذا إذا سئلت تقول كذا، أنت لم تنصح، قل الحق و لو كان مراً، الإنسان لو تكلم الحقيقة، قال لي أخ عندي قطعة ثمنها عشرين ألفاً، قطعة تبديل سيارات و صار لها عندي سبع سنوات و لم تباع معي من جرد لجرد، جاء زبون و طلبها قال لي شعرت بفرح ليس له حدود، صعدت على السلم لأحضرها قال له أصلية ؟ هي ليست أصلية قال له و الله ليست أصلية، قال له أنزلها، على كلمة لو قال له أصلية البيعة حرام، قال لي سبع سنوات هي عندي و لم تكن تباع، أنت نصحته و البيع أصبح حلالاً.
  أنا أقول لكم أيها الإخوة هذا الدرس لماذا مهم ؟ يمكن كل دقيقة، كل دقيقة تحتاجه، بكل حركة، بكل سكنة، انصح.
  ماذا يصير مثلاً ؟ يوجد بضاعة مطلوبة و لا تملكها، عندك بضاعة درجة ثانية تتفنن بإقناع الزبون بالثانية، أنت إذا ما كذبت لا يوجد مشكلة، أما ذلك فقط اسم، أما عند الاستعمال هذه أقوى بكثير و هو ليس كذلك، بكل قضية تجد تُحَسن بضاعتك تذم ببضاعة الآخرين، يوجد وكيل بذرة معينة جيدة البذرة لكن حتى يقنع الشارين أن البذور الأخرى سيئة جداً يشتري من كل الأنواع، يأتي زبون يطلب بذرة غير التي عنده يقول له هذه كلها خذها بلا نقود، يرميها بالأرض، عنده من الأنواع كلها، وجد أنه أمسك هذا الظرف و رماه بالأرض خذه هذا بلا نقود لا أريده لا يسوى شيئاً، هذا أسلوب غير صحيح، يجب أن تتكلم بالحقيقة، أكثر شيء الغش يتم و عدم النصح بالبيع و الشراء، فلذلك التاجر الصدوق مع النبيين و الصديقين يوم القيامة، و التاجر الصدوق داعية إلى الله، ويوجد تاجر فاجر، حديث شريف ليس في الصحاح، إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، و إذا وعدوا لم يخلفوا، و إذا أؤتمنوا لم يخونوا، و إذا اشتروا لم يذموا، و إذا باعوا لم يطروا، و إذا كان لهم لم يعسروا، و إذا كان عليهم لم يمطلوا.
  سبع صفات، قال لي شخص أول ما عملت بالتجارة بالأقمشة، اشترى صفقة، كبار التجار يسمونهم الحيتان جاء هذا الشاب حديث عهد بالتجارة و اشترى صفقة خمسة آلاف متر، هذا التاجر الكبير الذي يريد أن يشتريها منه أحاطه بعطف أبوي، أنت مثل ابني يا ابني ماذا تريد أنا حاضر، كم متر اشتريت ؟ قال له خمسة آلاف، قال له أعوذ بالله ما هذه الورطة، خمسة آلاف ؟ مسكين برك هذا الشاب، قال له عرض أم عرضين ؟ قال له عرض واحد، أعوذ بالله، من يشتري عرض واحد لا تمشي هذه، برك مرة ثانية، قال له أنا آخذها منك برأسمالها، لم يربحه و لا قرش، ثاني يوم باعها بالضعف، لا يعلم شيئاً خوفه من الكمية و خوفه من عرض واحد و هذه لا تباع و هذه تفلسك، أنا أحملها عنك أنا مثل والدك و أخذها برأسمالها و باعها ثاني يوم بربح كبير جداً، هذا واقع المسلمين، الإنسان تجده مثل العسل و فعل مثل الصبر، هذا الواقع سبب هذا الضعف الذي نعاني منه في العالم كله.
  لا يوجد رحمة، لا يوجد إنصاف، لا يوجد صدق، لا يوجد أمانة، و الغش أكبر شيء أساساً، كلمة نصح شهد الله تزلزل الجبال كلمة نصح، أن تكون ناصحاً لا تكذب أبداً، و كل إنسان يقول لك أخي إذا ما كذبت لا تربح، هذا شيطان، بالاستقامة تربح و تربح الآخرة و تربح رضاء الله، و تربح مكانتك عند الناس، و تربح رزقاً الله عز وجل يبارك لك فيه، معنى يبارك لك فيه تنتفع منه كثيراً، هذا شيء عند الناس معروف دخل قليل مع البركة تجد الله معافي لك صحتك، و صحة زوجتك و أولادك، و لا يوجد عندك مشكلة، و الرزق يغطي المصروف، و أنت طموحك في الدنيا ليس طموح الثراء و الترف، طموح السترة تقريباً، لذلك يوجد عندنا فقر أنا أسميه فقر القدر، إنسان عنده عاهة هذا فقير معذور لا يوجد مشكلة، و يوجد عندنا فقر الكسل، الذي يؤخر، لا يتقن، و يوجد عندنا فقر الإنفاق، ماذا أبقيت يا أبا بكر ؟ قال له الله و رسوله، و يوجد عندنا غنى الكفاية، و عندنا غنى البطر، غنى البطر هدفه الرفاه، و الانغماس في الملذات، غنى الكفاية: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[ الترمذي، ابن ماجه ]

  و أنا لا أنسى هذه المقولة ملك جبار سأل وزيره من الملك ؟ ماذا تجيبه لو كنت مكانه ؟ قال له أنت، قال له لا، الملك رجل لا نعرفه و لا يعرفنا، له بيت يؤويه و زوجة ترضيه و رزق يكفيه، هذا ملك، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، و إن عرفناه جهدنا في إحراجه، فلو أنت ليس لك اسم لامع جداً، و لو لم تكن من نجوم المجتمع، لو كنت إنساناً متواضعاً، إذا حضرت لا أحد ينتبه لحضورك، إذا غبت عن الدرس لا أحد يسأل عنك، قال النبي:

((أولياء أمتي إذا حضروا لم يعرفوا، و إذا غابوا لم يفتقدوا ))

  كنت أنت من الطبقة العادية غير المشهورة، لست نجماً من نجوم المجتمع، و كنت تقياً لله عابداً، فأنت الملك.
  فلذلك أيها الإخوة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[ الترمذي ]

  أنا لا أنسى هذه القصة رويتها عشرات المرات لكن مناسبة الآن، مستخدم عنده ثمانية أولاد راتبه أربعة آلاف ساكن بأحد أحياء دمشق الفقيرة، من شهر ورث أرضاً بحكم الإرث مساحتها مثلاً أربعة دونم و ثمنها ثلاثة و نصف مليون، أحد كبار محسني دمشق أحب أن يبني مسجداً في هذا المكان، و وجد الأرض مناسبة جداً، جاء ليرى الأرض مناسبة مربعة باتجاه القبلة، معه دفتر شيكات، كتب ثمنها ثلاثة و نصف، كتب مليونين وقعه و أعطاه لصاحب الأرض، قال له أين البقية ؟ قال له عند التنازل، قال له أي تنازل ؟ قال له تذهب إلى الأوقاف و تتنازل للأوقاف عن هذه الأرض لتكون مسجداً، قال له هذه ستكون مسجداً، قال له طبعاً، قال له أعطني الشيك مزقه، قال له و الله أستحي من الله أن أبيع أرضاً لتكون مسجداً، أنا أولى منك أن أهبها لله عز وجل، يقول هذا المحسن الكبير حجمه مئتي أو ثلاثمئة مليون، يقول و الله بحياتي ما صغرت أمام إنسان كما صغرت أمام هذا الفقير، فالفقير أمامه أعمال بطولية، لا يهم السمعة، يوجد أناس يهمهم السمعة، من أشهر مخلوق بالأرض ؟ إبليس، موجود بكل اللغات، و بكل المجتمعات، فالعبرة أن ترضي الله عز وجل، فدائماً المظاهر لا قيمة لها أبداً، العبرة في البواطن.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018