الدرس : 22 - سورة الأنفال - تفسير الآيات 60 - 63 ، الإعداد للعدو ثم الاتكال على الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 22 - سورة الأنفال - تفسير الآيات 60 - 63 ، الإعداد للعدو ثم الاتكال على الله


2009-12-18

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

 

من لم يجاهد أو يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق:

أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثاني والعشرين من دروس سورة الأنفال، ومع الآية الكريمة:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء، من لم يجاهد، ومن لم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق، ولكن الناس يتوهمون أن الجهاد هو الجهاد القتالي ليس غير، مع أن الحقيقة أن هناك أنواع كثيرة من الجهاد، منها جهاد النفس والهوى، تؤكدها الآية الكريمة:

 

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة العنكبوت )

وقد نسب إلى بعض الصحابة قولهم وقد عادوا من غزوة: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس والهوى ".

 

الجهاد الأساسي جهاد النفس والهوى فما لم تنتصر على نفسك لن تستحق من الله شيئاً:

جهاد النفس والهوى
حينما تحمل نفسك على طاعة الله فأنت في جهاد، حينما تضبط لسانك عن الغيبة والنميمة فأنت في جهاد، حينما تضبط عينك عن أن تطبقها في محارم الله فأنت في جهاد، حينما تضبط يدك عن أن تبطش بغير حق فأنت في جهاد، حينما تضبط رجلك عن أن تسير بها إلى مكان لا يرضي الله فأنت في جهاد، حينما تضبط أعضاءك وجوارحك عن أية معصية فأنت في جهاد.
أيها الأخوة، الجهاد النفسي هو الجهاد الأساسي، كي أقرب لكم هذه الحقيقة:
الدكتوراه، الماجستير، الدبلوم، اللسانس، الشهادة الثانوية، كل هذه الشهادات لا يمكن أن تكون قبل أن تحمل إعدادية، وهو التعليم الأساسي، من الصف الأول وحتى التاسع، تسمى عندنا في بلادنا التعليم الأساسي، الثانوية بعد التعليم الأساسي، المعهد المتوسط بعد التعليم الأساسي، اللسانس بعد التعليم الأساسي، الدبلوم بعد التعليم الأساسي، الماجستير بعد التعليم الأساسي، الدكتوراه بعد التعليم الأساسي.
أساس الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك، والمهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة لذلك أية دعوة إلى الجهاد القتالي لا تسبقها دعوة إلى جهاد النفس والهوى لا تنجح، الجهاد الأساسي جهاد النفس والهوى، ما لم تنتصر على نفسك فلا تستحق من الله شيئاً.

لن يستطيع أي إنسان أن يجاهد عدوه إن لم يجاهد نفسه و هواه أولاً:

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم هو بشر:

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

( سورة الكهف الآية: 110 )

ولولا أنه بشر، تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، ولن تستطيع أن تجاهد العدو إلا إذا جاهدت نفسك وهواك أولاً.
لذلك، جهاد النفس والهوى يغطيه القرآن الكريم

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

المهزوم أمام نفسه لا يواجه نملة
الصحابة الكرام قولهم: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى ".

 

للتقريب مرة ثانية: قد تدفع عدة ملايين لإنشاء مسجد، لكنك لا تستطيع أن تغض بصرك عن محارم الله، فأنت ضعيف في جهاد النفس والهوى، أية شهوة تصر عليها ولا تفكر أن تتوب منها تحول بينك وبين الجهاد الحقيقي، جاهد نفسك وهواك أولاً.
مرة ثانية: المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة، كل قوتك أن تجاهد نفسك وهواك.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد الآية: 11 )

وهذه الآية فيها إشارة واضحة جداً إلى جهاد النفس والهوى،

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

عن طريق جهاد النفس والهوى.

 

حلاوة الإيمان ثمنها الجهاد في سبيل الله:

لذلك حينما تلزم دروس العلم، وتتعرف إلى منهج الله، وحينما تحمل نفسك على طاعة الله، حينما تضبط دخلك وتجعله حلالاً صرفاً، حينما تضبط لسانك، حينما تضبط أذنك ، حينما تضبط عينك، حينما تضبط يدك، حينما تضبط رجلك، حينما تضبط أهلك، حينما تضبط بيتك، حينما تضبط عملك وفق منهج الله، نقول: أنت سرت في طريق الجهاد، جاهد نفسك وهواك أولاً، وهذا الجهاد من أعلى درجات الجهاد، لأنك في هذا الجهاد ترفع عند الله، هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ))

[أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

أي ؛ أن يكون الله في قرآنه أي في الأمر والنهي، ورسوله في سنته أي في الأمر والنهي:

(( أحب إليه مما سواهما ))

فحينما تؤثر طاعة الله على مصلحتك المتوهمة، على مصلحتك الدنيوية، عندئذٍ تكون قد دفعت ثمن حلاوة الإيمان، وحلاوة الإيمان ثمنها الجهاد في سبيل الله.

 

الجهاد الدعوي:

طلب العلم من الجهاد
أيها الأخوة، الجهاد في سبيل الله مرتبة يسبقها مراتب عدة، الجهاد الثاني الجهاد الدعوي، أن تطلب العلم، وأن تُعلم، وهذه المرحلة يمكن أن تسمى بالجهاد الدعوي، تعليماً وتعلماً، إلقاء وتلقياً، فإن كنت لا تعلم تلقى العلم، وتلقي العلم من الجهاد.
حينما تركب مركبة أولى، وثانية، وقد تكون ثالثة، وتأتي من أطراف المدينة إلى المسجد، وتجلس على الأرض من دون ضيافة إطلاقاً، لتتعرف إلى الله فأنت في جهاد آخر، اسم هذا الجهاد: الجهاد الدعوي، هذا الجهاد تغطيه الآية الكريمة:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ﴾

أي بالقرآن:

 

﴿ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

( سورة الفرقان )

لذلك يقول سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ: " قوام الدين والدنيا أربعة رجال، عالم مستعمل علمه ـ فالعالم حينما يطبق علمه تطبيقاً تاماً فهو في جهاد ـ ومتعلم لا يستنكف أن يتعلم، والمتعلم في جهاد ـ....."

 

.

 

الجهاد الدعوي أن تتعرف إلى الله و تتفكر في ملكوت السماوات و الأرض:

التفكر من الجهاد
الآن الجهاد الدعوي أن تتعرف إلى الله، حينما تجلس لتفكر في ملكوت السماوات والأرض أنت في جهاد، حينما تقرأ كتاباً في العقيدة أنت في جهاد، حينما تقرأ كتاباً في الفقه أنت في جهاد، أنت في الجهاد الدعوي، جهاد التعليم أو التعلم، جهاد الأخذ أو الإعطاء، جهاد التلقي أو الإلقاء، جهاد طلب العلم أو إلقاء العلم، هذا الجهاد تغطيه الآية الكريمة:

 

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

(( إنَّ الملائكةَ تضع أجْنِحَتَها لطالب العلم رضا بما يطلب ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن صفوان بن عسال ]

دعاني أخ من إفريقيا لزيارة بيته، في أطراف المدينة، صدقوا ولا أبالغ رأيت بيتاً لا يمكن أن يُسكن، برد لا يحتمل، ليس عنده مدفأة، ليس عنده بساط، جاء من أطراف إفريقيا ليطلب العلم في الشام، هذا الجهاد، طلب العلم جهاد، قد يأتي أخ من درعا ليستمع إلى الدرس هو في جهاد، هناك من يأتي من حلب ليستمع إلى الدرس فهو في جهاد، وعلى الأرض، وبلا ضيافة.

(( إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر ))

[ ورد في الأثر ]

الأمن و الحكمة أكبر هدية من الله للمصلي في بيته:

بماذا يكرمك الله وأنت في بيته ؟ يكرمك بنعمة الحكمة.

 

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

( سورة البقرة الآية: 269 )

الحكمة أكبر هدية
أنت بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، أنت بالحكمة تتدبر أمرك بالمال القليل، ومن دون حكمة تبدد المال الكثير، أنت بالحكمة تجعل العدو صديقاً، ومن دون حكمة تجعل الصديق عدواً، أنت بالحكمة تسعد في بيتك، ومن دون حكمة تشقى في بيتك، أكبر هدية لك أيها المصلي، وأنت في بيت الله

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

يؤتيك الأمن، لا تقلق، تشعر أن الله معك، تشعر أن الله يحفظك، يؤيدك، يدافع عنك، يوفقك، يدعمك.

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[أحمد]

السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء:

أنت حينما تأتي إلى بيت الله أنت طالب علم.

 

(( إنَّ الملائكةَ تضع أجْنِحَتَها لطالب العلم رضا بما يطلب ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن صفوان بن عسال ]

(( مَن سَلَكَ طريقا ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]

السكينة والأمن نعمة
خرجت من بيتك، الوقت شتاء، وبرد قارس، والمدفأة مشتعلة، وجالس في بيتك لك أن تجلس على مقعد وثير، تطلب القهوة، والشاي، والفواكه، زوجتك أمامك، أولادك أمامك، جاء وقت الدرس تقوم وترتدي ثيابك، وتركب أول مركبة والثانية من أجل أن تصل إلى مسجد بعيد، بماذا يتفضل الله عليك ؟ بنعمة الأمن.

 

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

أنت في جهاد، منحك الأمن، منحك الحكمة، منحك السكينة، السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.

(( ما جلس قوم في بيت من بيوت الله تبارك وتعالى، يتدارسون كتاب الله تعالى ويتعاطونه بينهم، إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وإلا كانوا أضياف الله تبارك وتعالى حتى يقوموا ))

[أخرجه مسدد بن مسرهد عن عبد الله بن عباس ]

وقد تجلس في بيت عظيم، في غرف رائعة، على أثاث راق، تقدم لك الضيافة الراقية، والحديث نهش في أعراض المسلمين.

(( ما من قوم يقومون من مَجلس لا يَذكرونَ اللهَ فيه إِلا قاموا عن مثلِ جيفة حمارٍ ))

[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]

أحياناً تجلس من كثرة معاصي اللسان لا تستطيع أن تقف.

 

أفضل إنسان من دعا إلى الله و عمل صالحاً:

إذاً بعد الجهاد النفسي يأتي الجهاد الدعوي: " قوام الدين والدنيا أربعة رجال، عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره ".
إذاً الجهاد الثاني:

 

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ـ بالقرآن ـ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( خيرُكُم ـ أي الخيرية المطلقة ـ من تعلّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عثمان بن عفان ]

الآية الكريمة:

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت )

أي لن تجد على وجه الأرض إنساناً أفضل عند الله

﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

للحديث روايات ثلاث:

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

و:

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]

و:

(( خير لك من الدنيا وما فيها ))

[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]

أغلى أنواع المال.

 

الجهاد البنائي و إعداد القوة المتاحة:

 

أما الجهاد الثالث موضوع الدرس، الجهاد البنائي:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾

أعدوا لمن يحاربونكم، أعدوا لأعدائكم، أعدوا للطرف الآخر الذين يتربصون بكم الدوائر،

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾

أعدوا لهؤلاء الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمناً للجهاد، أعدوا لذوي الشهداء الذين فقدوا معيلهم، وأباهم، أعدوا للأسرى الذين أُسروا ظلماً، أعدوا لمن تضرر في حرب مع الطرف الآخر، وأعدوا للطرف الآخر.

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾

للطرف الآخر:

﴿ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾


هم يعدون عدتهم
أخواننا الكرام، رحمة الله بالمؤمنين أن الله ما كلفهم أن يعدوا لأعدائهم القوة المكافئة وقد يكون هذا الآن مستحيلاً، لأن الأمم الأخرى تعد لنا من مئتي عام، أنواع منوعة من الأسلحة، فنسمع مثلاً عن قنبلة خارقة حارقة، ملجأ سقفه من الإسمنت المسلح، هذه القنبلة تخرق السقف أولاً ثم تنفجر ثانياً، فتحرق كل من في الملجأ، وقد ألقيت هذه القنبلة في حرب الخليج الأولى، و نسمع عن القنبلة العنقودية، بدائرة قطرها خمسمئة متر لا ينجو إنسان، تسمع مرة عن القنابل الفسفورية الحارقة، القنابل التي تلغي الاتصالات، القنابل التي تعطل الطاقات، القنابل التي تفني البشر وتبقي الحجر، البناء كما هو، الناس وحدهم يموتون، أعدوا لنا كثيراً، أعدوا لنا الطائرات، تسمع "f16 "، أباتشي، تسمع "b52 "، تنطلق من أمريكا، تقصف أفغانستان وتعود دون أن تتزود بالوقود أعدوا لنا كل شيء، في كل أنحاء العالم، طيران، أقمار صناعية، هم يطلعون على أقل حركة في سطح الأرض، بدل أن نعد لهم أعدوا لنا، فلما أعدوا لنا ملكوا ناصية العالم، الآن فرضوا علينا إباحيتهم، فرضوا علينا انحرافهم، والغزو الثقافي يفوق آلاف المرات خطراً من الغزو العسكري، هذه الصحون التي تتجه إلى السماء، من أجل أن تستقبل الإباحية، والقنوات الفضائية، هذا الذي أعدوه لنا، أرادوا إضلالنا، وأرادوا إفسادنا، وأرادوا إفقارنا، وأرادوا إذلالنا، وفي الحقيقة هم في النهاية أرادوا إبادتنا.

على المسلمين أن يعدّوا ما يستطيعون من قوة و على الله الباقي:

ماذا ينبغي علينا أن نفعل ؟

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

همجية العدوان على غزة
لا تيأسوا، لماذا؟ لأن المؤمن معه قدرة الله، معه علم الله، لأن المؤمن يمده الله بملائكته، وهناك قصص كثيرة، ألقيت في إذاعة العدو، في حرب غزة، يسأل الجندي الأسير ماذا يرتدي جنودكم ؟ يقول: يرتدي ثياباً مبرقعة، فيقولون له: أنت كاذب يرتدون ثياباً بيضاء.
الله عز وجل حينما وعد المؤمنين أن يمدهم بالملائكة قال:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

والباقي يتولاه الله.

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

أعد ما تستطيع وعلى الله الباقي، لأن الذي تستطيعه مع قدرة الله يفوق قوة العدو والعدو مهما كان قوياً.
تصور حلف الناتو، ثلاثون دولة أوربية، عمرها الحضاري مئتا عام، طائرات ، صواريخ، قنابل، مدرعات، ذخائر، إعلام، أموال، وثلثا أفغانستان ليست بيدهم، أين هم ؟ المؤمن مع دعم الله له، مع قوة الله أقوى من عدوه.

انتصار أخواننا في غزة غيّر مقاييس الحرب في العالم:

 

لذلك:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

القصف الوحشي لغزة
أخوتنا في فلسطين، في حرب غزة، عشرة آلاف مقاتل معهم بنادق فقط، وأسلحة بدائية جداً، وصواريخ بدائية جداً، وقفوا أمام أكبر جيش في المنطقة، لاثنين وعشرين يوماً لم يستطيع هذا الجيش العملاق، رابع جيش في العالم بأسلحته الفتاكة أن يحقق أهدافه، هل هذا الكلام صحيح ؟ هذه جرعة منعشة من الله،

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

تأثرت تأثراً بالغاً من قول أحد زعمائهم قبل الحرب قال: يا رب لقد أعددنا ما نستطيع، وعليك الباقي، وهذا الذي حدث، والله انتصار أخواننا في غزة، انتصار المسلمين في غزة عام 2008، وفي لبنان عام 2006 ، والله غيّر مقاييس الحرب في العالم، ما قيمة هذا الجيش !.
أحدث الأسلحة ضد شعب غزة الأعزل
لذلك مرة قرأت تعليقاً لأحد كبار القادة في أمريكا، قال: ماذا نصنع بحاملات الطائرات وماذا نصنع بالصواريخ العابرة للقارات وليس هناك دولة على وجه الأرض تجرؤ أن تحاربهم ؟ ولكن ماذا نصنع بهذا الإنسان الذي أراد أن يموت ليهز كياننا ؟ لذلك الحرب التقليدية انتهت في العالم، لم تفلح.
أيها الأخوة،

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول:

(( أَلاَ إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ ثلاثاً ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عقبة بن نافع ]

أي القوة في عهد النبي إن أطلقت سهماً أن يصيب هدفاً، هذه القوة.

(( أَلاَ إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ ثلاثاً ))

الأعداء أعدوا لنا ما يستطيعون من قوة من أجل إفقارنا وإضلالنا وإفسادنا وإبادتنا :

أيها الأخوة،

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

نبال، المسافة قريبة، رماح ، صار هناك التحام ؟ سيوف، نبال بعيدة، هناك قوس، ورماح، وسيوف.

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

لكن بالضبط كما يجري الآن، النبال والرماح والسيوف هذه تصيب أهدافاً بعيدة، لكن لا تحقق نصراً، النصر أن تحتل الأرض.

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾

أنتم بحاجة إلى خيل تحتلون بها الأرض، صار هناك قصف جوي وزحف عسكري.
والآن مهما قصفت الدول المعتدية، لا بدّ من أن تحتل الأرض بالنهاية، وقد تكون عاجزة عن أن تحتل الأرض، النصر إذاً لم يحقق.

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾

صار هناك تطوير، الآن القوة الصاروخ، القوة القنابل، القوة الطيران، القوة المدرعات، القوة الأقمار الصناعية، القوة التواصل، القوة الإعلام، القوة هذه جاءت نكرة، كي تغطي كل أنواع القوة لنهاية الدوران، في عصر يكون الإعلام قوة كبيرة، وفي عصر آخر تكون الأقمار الصناعية قوة، لأنها تغطي كل الأرض.
وقع تحت يدي مجلة، تستطيع أن ترى الأرض كلها من القمر، الأرض كلها، على الأرض يوجد مربع صغير ميلي بميلي، كُبر في صورة ثانية، فإذا هو شمال أمريكا، على الصورة الثانية مربع صغير، كُبر فإذا هو فلوريدا، هناك مربع صغير كُبر فإذا هو شاطئ بفلوريدا، مربع صغير آخر كُبر فإذا هي حديقة من الحشيش الأخضر عليها مربع صغير، كُبر هذا المربع الصغير إنسان مستلق على بساط يمسك كتاباً يقرأه إلى جانبه صحن فيه تفاح، وساعته بيده، ويمكن بدقة بالغة أن تقرأ عنوان الكتاب، هذه الصورة من القمر.
أعدوا لنا، نحن نقول: ممنوع التصوير، أعدوا لنا ما يستطيعون من قوة، من أجل إفقارنا، وإضلالنا، وإفسادنا، وإذلالنا، وإبادتنا، ونحن ما صدقنا ربنا حينما قال لنا:

 

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 119 )

كلمة جامعة مانعة.

 

الإرهاب في القرآن الكريم يعني أن تملك سلاحاً يمنع الإرهاب والعدوان عنك:

أيها الأخوة، إذا

 

ً ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

الآن يجب أن ندرس مقياس القوة، تجد حصناً حصيناً قبل مئتي عام، لا يوجد طريقة لتصل إليه، حوله ماء، كقلعة حلب الآن، فإن كان هناك طيران فالحصن لا قيمة له، و أنت إن لم تملك سلاح جو فعال لا تملك شيئاً، كل منشآتك في خطر، مصافي النقل، السدود، كلها في خطر، إذا لم تملك سلاح جو فعال جداً تحمي به أجواء الأرض فهناك مشكلة.

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾

وكل عصر له قوة، أي قصف تمهيدي، ثم الاحتلال.

(( أَلاَ إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ ))

عن بعد، ولا بدّ من رباط الخيل تحتلون بها الأرض، من أجل ماذا ؟ قال: من أجل أن:

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

فأي دولة معها سلاح فتاك هي مرهوبة الجانب، الآن دول في التاريخ المعاصر عندها مفاعل نووي لا أحد يحاربها، لأنها تملك سلاحاً رادعاً، السلاح أحياناً قد لا تستخدمه إطلاقاً، ولكن وجود السلاح يرهب العدو.
حدثني أخ من الباكستان، قال لي: نحن نعيش في بلد مجاور للباكستان في الهند، عددنا تسعون مليوناً، نُعامل معاملة قاسية جداً، فعندما استطاعت باكستان تصنيع قنبلة ذرية اختلفت المعاملة مئة و ثمانين درجة،

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

فلا بد من سلاح رادع.

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

الإرهاب هنا ماذا يعني في القرآن الكريم ؟ الإرهاب أن تملك سلاحاً يمنع الإرهاب بالضبط، الإرهاب أن تملك سلاحاً يمنع العدوان عليك فقط، أن يكون عندك سلاح رادع، قوة رادعة،

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

ويجب أن يكون عدوكم هو عدو لله لا أن تقاتلوا بعضكم بعضاً، هذه مشكلة كبيرة جداً.

 

أكبر مصيبة تصيب المسلمين أن يكون بأسهم بينهم وسلمهم لأعدائهم:

أكبر وصمة عار بحق المسلمين أن بأسهم بينهم، وأن سلمهم لأعدائهم.
أخواننا الكرام، يجب أن يكون العدو الذي نحاربه عدواً لله، كأن الله يشير إلى أن أكبر مصيبة تصيب المسلمين أن يكون بأسهم بينهم.
لذلك أعداء المسلمين يتعاونون وبينهم 5% قواسم مشتركة، والمسلمون يتقاتلون وبينهم 95 % قواسم مشتركة، وهذه وصمة عار بحقنا

 

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

معاً.
ولكن أيها المؤمنون إياكم أن تتوهموا أن أعداءكم هم الذين في ساحة المعركة، لا

﴿ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾

هناك من يخطط، هناك من يخفي نفسه، هناك من يعمل في الخفاء، هناك من يستعد للانقضاض عليكم.

﴿ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾

لذلك المؤمن كيس، فطن ، حذر.

﴿ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾

هناك من يتآمر عليكم خفية، وهناك من عنده استعداء ليتآمر عليكم.

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

هنا الآية متصلة بآية القتال، أي ما تنفقوا من شيء لتجهيز الجيوش، إعداد العدة هذا أيضاً

﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

وليست العبرة بقوة العدوان، ولكن العبرة أنهم:

 

﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة الأنفال )

من كان الله معه فلن يستطيع أحد أن يخدعه:

لذلك حينما قال الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾

( سورة الفتح )

هذا الفتح المبين جاء عقب صلح الحديبية، معنى ذلك البطولة أن ينتشر السلام بين شعوب الأرض، الفتح الحقيقي ليس فتح حرب بل هو فتح سلم،

﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾

هذه الآية جاءت عقب صلح الحديبية.

﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ﴾

لا تقل: موقف تمثيلي، ثم ينقضون علينا، الله معك، ولن يخذلك، لا تكن داعية حرب، كن داعية سلم.

﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

إن الله هو سميع وعليم، إن تكلمت فهو سميع، وإن أضمرت شيئاً فهو عليم، لا تخاف، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ و إذا كان عليك فمن معك ؟

﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

إذا كان الله معك من يستطيع أن يخدعك ؟

﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴾

الحب والودّ و التعاطف بين المؤمنين من خلق الله عز وجل:

﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

( سورة الأنفال )

هذا الحب بين المؤمنين، هذا الود بينهم، هذا التعاطف فيما بينهم، من خلق الله عز وجل.
المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون و لو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم،

﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018