أحاديث متفرقة - الدرس : 094 - أصلحوا رحالكم وحسنوا لباسكم حتى تكونوا شامة بين الناس. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 094 - أصلحوا رحالكم وحسنوا لباسكم حتى تكونوا شامة بين الناس.


2001-04-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام:
 يقول صلى الله عليه وسلم:

(( قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ))

[ أحمد، أبي داوود ]

  موضوع قد لا يُعالج في المساجد ولكنني أجد أنه من الموضوعات المهمة، ذلك أن الدعوة إلى الله في عصر الفتن عمل معقد في عصر الشبهات، في عصر زينة الأرض وزخرفها، الزينة تجذب، والأرض مزخرفة، أماكن اللهو أنيقة جداً، بيوتات أهل الدنيا مرتبة جداً مدن الشاردين عن الله أنيقة جداً، نظيفة، منظمة جداً، هذه المظاهر مظاهر الدقة والنظافة والنظام تخطف أنظار شباب المسلمين، فتجد أن أكثر شباب المسلمين يرنو بنظره إلى أن يعيش في بلاد الغرب، نقط دقيقة، ما دام الإسلام هو الحياة وما دام النبي عليه الصلاة والسلام فيما يحدثنا عن ربه يقول:

 

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))

 

[ الترمذي، أبي داوود، ابن ماجة، أحمد، مسلم ]

 فلماذا حذف الجمال من الإسلام ؟ لماذا صار المسلم له منظر لا يُرضي، بيته لا يُرضي، محله لا يُرضي، علاقاته لا تُرضي، أي يهمل كل مظهر أنيق، يهمل كل مظهر نظيف، يهمل كل مظهر منظم، ليس هناك نظام ولا انسجام ولا نظافة، إذا ذهبت إلى بلاد الدنيا تجد نظام يفوق حد الخيال، تجد نظافة ما بعدها نظافة، هناك بلد من بلاد شرق آسيا، يقال عنها أنظف بلد في العالم، لو أن إنسان ألقى عقب سيجارة، يدفع مائة ألف ليرة، أي ألفا دولار، لو أنه أعاد هذه المخالفة مرة ثانية لابد من أن يعمل عشرة ساعات ينظف المدينة، ويرتدي ثياب عمال التنظيفات، ولو كان في أعلى منصب، يتساءل الإنسان لماذا هذه الشعوب وتلك البلاد التي ما عرفت ربها والتي آمنت بالدنيا فقط، وقد يعبد بعضها أوثاناً من دون الله، ومع ذلك هناك نظام ونظافة وجمال، الأشياء الباطنة حدِّث عنها ولا حرج، الانهيار الأسري، تفكك الأسرة، الإباحية، اختلاط الأنساب، الفواحش، مهما حدثتكم عنها فالواقع أشد، ولكن لماذا اقترن النظام والنظافة والجمال، بالفسق والفجور والعدوان ؟ ولماذا اقترن الإهمال والفوضى والمناظر التي لا تُرضي بالإيمان ؟ هذه مشكلة كبيرة، هذه المشكلة ليست في الإسلام، نحن صنعناها، والشيء الذي يلفت نظري أنك حينما تكون في بلاد الغرب، الرجل العربي المسلم إذا وعد إنسان غربي يأتي قبل ربع ساعة، هناك إذا وعد أخيه المسلم يأتي بعد ساعة، ما هذه المفارقة ؟ من قرن بين الفوضى، واختلاف المواعيد، والمظهر غير الأنيق، والمظهر غير النظيف مع الإسلام، ومع الدين هذه المشكلة تُنَفِّر الشباب من دينهم، وتُحَبِّب الغرب إليهم، فتجد طموح كل شاب أن يعيش هناك، أن يبقى هناك، أن يعمل هناك، أن يتجنَّس هناك، هذا بحق الأمة جريمة، الأمة بشبابها، فللأمة ثلاثة أعمار: أطفال وشباب وشيوخ، الشيوخ انتهوا، يحدثونك عن الماضي دائماً، والصغار لا يعلمون شيئاً، من هي القوة الفعالة في المجتمع ؟ الشباب، من هم صانعوا المستقبل ؟ الشباب، من هم الذين أُنيط بهم نهوض الأمة ؟ الشباب، هؤلاء في معظم البلاد الإسلامية تركوا بلادهم، هذه الملاحظة بحكم سفري وجدت هذا الربط المؤلم بين الفوضى وعدم المظاهر الجمالية وبين خلاف المواعيد، فهذه طرفة، إذا إنسان مسلم في بلاد الغرب له اسم هو آ ب م.
 الألف تعني إن شاء الله، فكلما وعدك وعداً يقول لك إن شاء الله، في المفهوم العامي، في المفهوم الساذج، بمفهوم المُتَفَلِّتين، أي لن يدفع لك هذا المبلغ، إن شاء الله سأدفع لك، لن يأتي على الموعد. والباء أي بكرة، تأجيل، والميم أي معلش، ماذا حدث ؟ يسمونها في بلادهم آ ب م أي إن شاء الله وبكرة ومعلش، أنا أريد أيها الإخوة ما لم يكن في العالم الإسلامي مكان تظهر فيه معالم الإسلام، عظمة الإسلام، عظمة هذا الدين، ما لم نقطف ثمار هذا الدين، لن يطمع أحد بديننا، لو أن كل مسلم ضبط مواعيده، ضبط علاقاته، ضبط حساباته، ضبط بيته ضبط عمله، جمَّل بيته، أنا لا أتحدث هنا عن الغنى، لأن الطبقة الواسعة في المجتمع ليست غنية، أنا لا يؤلمني أن يكون البيت صغير، أو متواضع، بل يؤلمني الفوضى في البيت، يؤلمني المظهر غير الجمالي في البيت، ليس هناك انسجام، هناك حاجات ليس لها لزوم، أنت حين تنزع المدفأة ويبقى شريط المدفأة اثني عشر شهراً مسيباً هكذا، ألا تنزعج من منظره، تجد أشياء موجودة تخرش العين، تؤذي النظر، فلماذا لا يكون الإسلام جميلاً ؟ لماذا لا يكون المؤمن أنيقاً ؟ لماذا لا يكون محله مرتباً ؟ لماذا لا يكون المؤمن أنيقاً، ومحله مرتباً ونظيفاً ؟ لماذا جمعنا بين الفسق والفجور والكفر والإباحية وبين الأناقة والجمال والنظام ؟ ولماذا جُمعت الفوضى والإهمال في المنظر مع الإيمان ؟ هذه مشكلة، قد تزور بلدة ليست إسلامية، تجدها نظيفة جداً وأنيقة، لو زرت بلداً أو بلدةً إسلامية صغيرة، لا تُسَرُّ بها إطلاقاً، ما هذه المشكلة ؟ هذه مشكلة كبيرة، هذه مشكلة سوف تُسَبِّب نزيف الشباب من بلادهم، أنا لا أتمنى أن يكون للإنسان قَصر، لا ليست هذه غايتي، في بيتك المتواضع شيء من النظام، شيء من الأناقة، شيء من النظافة، شيء من المظهر المقبول، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِّ))

 

[ أحمد، أبي داوود ]

  لماذا الفتاة السافرة أنيقة جداً والمُحَجَّبة غير أنيقة ؟ النفس تحب الأناقة، تحب العناية، تحب النظافة، تحب الإهتمام، فكل مظهر مُنَفِّر يتلبس به المسلم، هو يُنَفِّرُ من دينه دون أن يشعر، وكل مظهر أنيق محبب يتلبس به الكافر، هو يجذب إلى دينه دون أن يشعر، أي دائماً هناك قواعد أساسية، حينما يقول الله عز وجل:

 

﴾رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴿

 

[ سورة الممتحنة: الآية 5 ]

  والله الذي لا إله إلا هو لا أرتوي من هذه الآية، أي موقف من المسلم فيه خطأ، فيه وعد كاذب، فيه احتيال، فيه إهمال مظهر، فيه تفلت، فيه مخادعة تعين الكافر على التشبث بكفره يقول إذاً أنا الصح وهذا خطأ، فضبط المواعيد من صفات المؤمنين، ضبط الأمور من صفات المؤمنين، المظهر المقبول من صفات المؤمنين، النظافة من صفات المؤمنين، الإنسان حين يسافر يشاهد نماذج عديدة، بلاد في آسيا عمرها الحضاري من عمرنا تماماً، لكن فيها نظافة ونظام يفوق حد الخيال، فإذا كل إنسان هان دينه عليه، وأنت سفير المسلمين، أنت على ثغرة من ثُغر الإسلام، فلا يُؤتَيَنَّ من قِبَلك، وعندما غير المسلم يرى المؤمن منضبط، واضح، صادق، أمين هناك جَمَال في حياته، هناك مسحة جمال، الله عز وجل خلق الجمال، العالم الغربي استغل جمال الطبيعة إلى حد يفوق الخيال، تجد مثلاً في بعض الأماكن الجميلة الدولة قدَّمت حديقة، قدَّمت أماكن للطعام، إذا زرت هذه الأماكن تجدها مُجَمَّع للقمامة، أليس كذلك ؟ هذا الذي يأكل ويدع بقايا الطعام في الأرض وبمشي هذا إنسان عديم الذوق، حينما تجد المكان نظيف جداً وفيه سلات للمهملات وأماكن لبقايا الطعام، وتضع بقايا الطعام على الأرض، اذهب إلى جبل قاسيون في النهار تجد آثار ما يشربه الناس ويأكلونه على أوسع مسافة، هل هذا هو الإسلام ؟ هل هذه هي النظافة ؟ هل هذه هي الأناقة ؟ قد يكون الدرس غريباً بالنسبة إليكم، ولكن بالنسبة لي هو ليس غريباً، هذا من صُلب الدين، إذا كنت مسلماً وتعتز بإسلامك وببلدك فلماذا هذه الفوضى ؟ ولماذا هذا المنظر الذي لا يُرضي ؟ المؤمن مُرتَّب، مُنظَّم، له مظهر مقبول كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ))

 

[ أحمد، أبي داوود ]

  لو أن بنتاً صغيرة نظرت إلى أمها المؤمنة المسلمة المصلية الصائمة القائمة وجدتها تهمل نفسها إهمالاً شديداً، ووجدت هذه البنتُ معلمتها التي ليست منضبطة بالدين إطلاقاً، سافرة تبرز كل مفاتنها، لكن وجدت في هذه المعلمة الأناقة، النظافة، الترتيب، ولم تجد في أمها كذلك، تميل إلى ماذا؟ تميل إلى سلوك الثانية، وتمقت سلوك الأولى، أنت قد تجد القضية ليس لها علاقة بالدين، قضية نظافة و ترتيب وأناقة. هذه من صلب الدين، الدين هو الحياة، إنك إن كنت نموذجاً محبباً للناس أحب الناس دينك، النفس بطبيعتها كما قيل، النفس البشرية تحب الجمال، وتحب الكمال وتحب النوال، تحب الجمال هذه فطرة الإنسان، وتحب الكمال، هناك موقف، هناك بطولة، موقف فيه صدق، هناك أمانة، موقف فيه ضبط، موقف فيه كرم، موقف فيه تضحية، موقف فيه وفاء، نطرب له، أحياناً نكون في جلسة، تنطرح مواقف عن قصص نبيلة لبعض الأشخاص فتشعر براحة عجيبة، تشعر بسرور، يقال صار في تجلي، هذه رائحة الأعمال الطيبة، رائحة الأمانة، مرة إنسان باع بيته، سمعت هذه القصة وتأثرت بها، البيت أساسه مجمع، أي فيه مشروع كبير، باع بيته فرضاً بمائتين وسبعون ألفاً، الذي اشترى البيت أجاب وأقر وقال اشتريت، ونكتب عقداً، قال لا: تعال يوم السبت القادم ومعك المال وأتنازل لك عن البيت، في إدارة المشروع بدون عقد، قال له: نعم، وبعد يومين يأتي من دفع لهذا الإنسان خمسين ألفاً زيادة، فبلغ الشاري أنه دفع بهذا البيت خمسين ألف ليرة زيادة أيقن يقيناً قطعياً أن البائع لن يبيعه البيت، جاء يوم السبت والمال معه، يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، فقال له: لقد جئتك بالمال، قال له: وأنا جاهز، لم يقل له أريد أن أُغيِّر السعر، بعد التنازل ودفع المبلغ، وأصبح البيت بملك الشاري، قال له: لي عندك سؤال ؟ ألم يأتك فلان الفلاني ودفع لك خمسون ألفاً زيادة، قال: نعم ولكني لا أبيع ديني بخمسين ألفاً، أنا بعتك، إلى هنا انتهت القصة، ولكن حدث أن هذه البيت بمشروع، وكان سعره غير مغلق، أي مفتوح سعره، طبعاً بعد ما أغلق سعره بِيْعَ البيت، عندها فوجئ الشاري الجديد، أن هناك ثلاثين ألفاً يجب أن تُدفع لإدارة المشروع، ماذا فعل الشاري ؟ دفعها ولم يعلم البائع، وهي على البائع، هنا تسمع قصة فيها وفاء، فيها وعد، عندها تشعر براحة عجيبة في الجلسة نفسها تسمع قصة فيها لؤم، عندها تحس بضيق تقول تعكر المجلس، لذلك قالوا بذكر الصالحين تتعطر المجالس، وأنا بالمناسبة أنصحكم إذا جلستم، إذا سمرتم في سهرة، أو في اجتماع لا تفتح ملف الأخطاء الاجتماعية كأنك بحاوية، أحياناً بأي جلسة حين يفتح الملف لا ُيغلق، فلان سرق، فلان نهب، فلان لئيم، فلان خلص الشركة، فحين ينفتح ملف الأخطاء وملف سقوط الإنسان، تجد أنه ضاق الصدر، هذه هي الرائحة النتنة للأفعال السيئة، والحالة الأولى الرائحة العطرة للأعمال الطيبة، مثلاً سائق تكسي فقير جداً، وجد كيساً فيه عشرين مليون ليرة، يأخذ بالحساب: بيت بخمسة ملايين، سيارة خاصة، محلاً تجارياً ويحل كل مشاكله، بحث عن صاحب هذا المبلغ عشرين يوماً، يدور حول المكان الذي وجده فيه، ووضع أخباراً أنه وجد مبلغاً إلى أن التقى فيه وسلمه المبلغ بالتمام والكمال، صاحب هذا المبلغ لم يرضَ إلا أن أخذ هذا السائق إلى سوق السيارات، واشترى له سيارة جديدةً، بمليوني ليرة. القصة الطيبة تشكل راحة نفسية، تؤمن بالإنسان على أنه مخلوق مكرم، اقرأ تاريخ المسلمين الذهبي، شهد الله أنك تتغذى بمواقف الصحابة، سيدنا عمر قال له سيدنا الصديق: ابسط يدك كي أُبايعك، قال له سيدنا عمر: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر، هذا الشيء فوق طاقتي. قال له سيدنا الصديق: أنت أقوى مني ياعمر، قال له أنت أفضل مني، فقال له: قوتي إلى فضلك، نتعاون. هذه القصة نموذجية، في التعاون نسمع أن سيدنا الصديق كان يحلب شياه جيرانه، صار خليفة، وصار في قمة المجتمع الإسلامي، طبعاً جيرانه أيقنوا أن هذه الخدمة انتهت، في اليوم الذي انتهت فيه الخلافة، طرق باب الجيران، قالت الأم لابنتها: افتحي يا ابنتي، فلما فتحت قالت: من الذي طرق الباب ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه، جاء الصديق يحلب الشياه وهو خليفة المسلمين، هنا تجد الكرم والتواضع والوفاء وحسن العهد. أما اليوم فتسمع قصص القنص والاحتيال، والانحراف الأخلاقي، والخيانة الزوجية، والسقوط، والأزواج الشرسين، تجد كل زوج كالوحش في البيت، والزوجة الخائنة، والابن الفلتان، عند سماعك لهذه القصص تقعد ولا تتمكن من الوقوف، فلذلك بذكر الصالحين تتعطر المجالس، وقياساً على ذلك وبذكر اللئام تتعكر المجالس، طبعاً أنا لا أمنعكم أن تتحدثوا عن أخطاء من حولنا، ولكن أن لا تكون الجلسة كلها أخطاء، عندها تيئس، تشعر بانكماش، تحس بوهن، بضعف، الإنسان معنوياته مهمة جداً، لذلك إذا كانت علاقاتنا وتعاملنا مع المؤمنين حتى مرحنا ونزهاتنا معهم تجد وفاء وحياء وأدب وخجل وكلمة لطيفة وموقف ذكي، والله تجد من بعض المؤمنين مواقف ذكية جداً تُحَارُ لها، سيدنا عمر يخطب الآن وهو خليفة المسلمين، وهو في رأس المجتمع الإسلامي، نزل درجة، ولكن لماذا لم يقف على الدرجة الأخيرة ؟ قال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، مع أن أبي بكر قد توفي وأصبح هو الخليفة، ومع ذلك نزل درجة، شيء مدهش، سيدنا عثمان لم ينزل درجة ولكن لحكمة بالغة أيضاً، أحد الخلفاء سأل: لِمَ لَمْ ينزل ؟ فقال له: والله لو فعلها ـ يخاطب خليفة أموي ـ لكنت في قعر بئر لا نهاية لها، سيدنا عمر وقف موقفاً كاملاً، وسيدنا عثمان وقف موقفاً كاملاً أيضاً.
 رسول الله سأل عن شخص: أين فلان ؟ فقالوا له: بتبوك، فقال: لقد شغله بستانه، فقام أحد أصحاب رسول الله وقال له: لا والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، لقد تخلّف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، ما هذا الدفاع ؟ ما هذا الوفاء ؟ فأنا الذي أراه أن هذا العصر فيه معلومات كثيرة، كما قالوا عنه ثورة المعلومات، أي موضوع يمكن أن أقدم لك فيه مائة بحث مرتب ومنظم، وسائل المعلوماتية كبيرة جداً، هناك كتب إسلامية لا يعلمها إلا الله، بأي موضوع هناك ألفي كتاب، أشرطة كاسيت لمئات العلماء، هناك فيديو، إنترنت، كل شيء موجود، مساجد كبيرة، لكن لا يوجد حب، لا يوجد مجتمع إسلامي راقي، مجتمع يقوم على العدل والوفاء والصدق والأمانة لا يوجد، أحد إخواننا الكرام له قريب أسمع عنه كثيراً من أرقى تجار دمشق، عنده صانع قال له: يا سيدي إن أردت أن أفتح محلاً لوحدي هل تحزن، فقال له: أبداً يا ابني على عيني، فقال له: حسناً، أمامنا محل معروض للبيع، فقال له: لا بأس، لا مانع عندي، فقال له: ولكني لا أملك ثمنه، فروغه تسعين ألفاً ومعه فقط عشرة آلاف منها، فقال له: أنا أكمل لك الباقي، فقال له: ولكن لا يوجد عندي بضاعة، فقال له: أنا أعطيك بضاعة، هذا الإنسان عاش حوالي تسعين عاماً ومات في ليلة القدر وهو يقرأ القرآن، يعيش للناس، حدثني أخ ببلدة بعيدة وهو بائع أقمشة، ذكر لي اسم تاجر بالشام وصار يبكي، فقلت له: خيراً، قال لي: هذا الإنسان هو سبب حياتي سبب سعادتي، فقد باعني بضاعة بالدين ولم أتمكن من سداد ثمنها، فالسوق صعب جداً وعلي تكاليف كبيرة، فجا ليزوره ومعه سندات، مبالغ ضخمة، قال له: والله لا يوجد معي، هل يمكن لنا أن نتغذى سوية، قال له: لا بأس، فقال له: ولكن بالبيت لأنني لا أستطيع أن أدعوك إلى المطعم، فدخل ورأى البيت صغير، ماذا يفعل بعض التجار ؟ يشتري بيت، يؤسسه، بأموال الناس كلها يشتري بضائع ويبيعها، ويحل مشاكله بها، ويماطلهم، فظن التاجر أن هذه هي طريقته أيضاً، فوجد بيتاً صغيراً، أثاث متواضع، فهذا يعني أنه لم يأكل أموال حرام، ولكن السوق أحواله متعبة، ماذا قال له هذا التاجر ؟ قال له: أين السندات، فأراه إياهم وقال له: سأمزقهم، تعال إلي وخذ بضاعة مرة أخرى، وإن أردت أشياء لا توجد عندي فأنا سأكفلك وبع وردّ لي ديوني، أي شخص شبه مفلس، وليس معه ما يسد ديونه، فجاء التاجر وفوق هذه الديون الشديدة أعطاه بضاعة وكفله عند بائعين آخرين، وأخذ الله بيده وسدد ديونه، وزرناه في بيته وهو أربعمائة متر ومن أحلى ما يكون، وكل هذا الخير بفضل هذا التاجر الذي أمدني ببضاعة بعد أن كدت أُفلس، ثم بعت البضاعة وربحت، والله حين ذكر اسمه بكى من شدة امتنانه منه هكذا كان السلف الصالح، إذا إنسان لديه صانع آخرته يكون صهره وشريكه، الآن تعمل عنده عشرين سنة، ولا ينالك شيء منه يعصرك عصراً. والله حدثني أخ، له ابن لم ينجح بالدراسة، وضعه في محل ميكانيكي، طبعاً سيعمل بدون أجر لأنه سيتعلم صنعة، ولم يعطيه معلمه قرشاً واحداً، مع أنه يعمل طوال النهار، بجلب الطعام وتنظيف المحل وحين يريد فك المحرك فإنه يرسله خارج المحل، هذا هو اللؤم، فحين التعليم يرسله خارج المحل، استخدمه خمسة سنوات للتنظيف وتأمين حاجاته، فالبلد مليئة باللؤم والجشع والقهر والظلم والاستغلال.
 أيها الإخوة الكرام:
 نحن الآن بحاجة إلى مجتمع مسلم، فيه صدق وليس فيه كذب أبداً، فيه أمانة وليس فيه خيانة، فيه وضوح وليس فيه خداع، فيه نظافة، فيه جمال طبيعيّ أنا أخاف جداً حين أتحدث عن الجمال والنظافة، أخاف أن تظنوا أنني أحب حياة الأغنياء، لا والله، لكن ممكن أن تكون أنت أفقر إنسان ولكن يكون بيتك نظيف ومرتب، الأمور واضحة فالترتيب جزء من الحياة، أنا لا أقول أن يكون دخلك كبير أبداً، مهما كان دخلك قليل ومهما كانت حياتك خشنة، ممكن أن تكون جميلة، وأنيقة، وفيها مسحة رائعة، فأنا هذا الذي أدعو إليه، من خلال خبرتي أيها الإخوة لم أجد شيء يجلب الناس إلى الدين، كالخلق الكريم
فعندما النبي قال:

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ))

[ مسلم، البخاري، الترمذي، أحمد، النسائي ]

  مع أن الإسلام غير الخمس، فالإسلام من ضمن قيم، الخمس هم صوم، صلاة، حج، زكاة، شهادتين، هذه أعمدة، أما البناء فشيء آخر، فنحن فهمنا أن البناء هو الأعمدة فقط، مشكلة المسلمين الأولى أنهم فهموا الدين خمس أركان للإسلام فقط، فإذا صلى وصام وحج وزَكَّى أدّى كل شيء، الآن يعيش حياته كما يحلو له، يكذب، يحتال، مسلم طُلِب لشهادة لا علاقة له بالمحل أبداً فقال له: خمسة آلاف، شاهد زور، يريد مالاً، قال له: حسناً، تفضل، دخل إلى المحكمة لأول مرة في حياته، فوجد قاضياً ومصحفاً، قال له القاضي: ضع يدك على المصحف، فقال له: تمهل قليلاً، خرج وقال له أريد عشرة آلاف، فسأله: لماذا ؟ فقال له: لأنه يوجد يمين، هل هذا مسلم ؟ يوجد حلف يمين كذب لذلك طلب عشرة، تجد ألف شاهد زور وألف كاذب يشهد معك، مثلاً يقول لك على التلفون: والله الحق معك، والبيت لك، لكن خصمك دفع لي ثلاثين ألفاً، ادفع لي مثلهم حتى أحكم لك، هو أحد إخواننا الذين نعرفهم، ونعرف أن البيت له، قال له: دفع لي خصمك ثلاثين ألفاً، ادفعهم حتى أحكم لك، في باب الجابية أشخاص ـ أنا أقدس أي عمل، لكن بحسب السلم الإجتماعي هناك أعمال أقل مستوى من أعمال أخرى ـ هناك أناس أعمالهم بالمجارير والمياه المالحة، يقفون ومعهم عدَّتهم، هذا القاضي لو جلس بباب الجابية وعمل بالمجارير أشرف عند الله عز وجل من أن يأخذ قرار بحسب المبلغ، هذه مشكلة أيها الإخوة، فحياتنا يجب أن تُنَوَّر بالقيم، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، يعيش بمبادئه وبكرامته وبقيمه وبمواقفه.
 لنا صديق مهندس تزوج من فتاة بعد فترة بسيطة جداً فوجيء أن معها ورم خبيث بالرحم، وبقي يخدمها أربع سنوات، وهي على فراش الموت، قال له أبوها مرة: هذه ليست زوجتك، هذه ابنتي، يكفيك ما تحملته حتى الآن، كان يخدمها ويطبخ لها، هذه الفتاة لها عمَّات مُتفلتات أشد التفلُّت، أي يسبحن في البحر بثياب السباحة مع الرجال، أعتقد أن هذا تفلت قطعاً وليس اتهاماً، هؤلاء تحجبن لأنّ هذا الزوج لابنة أخيهم أخذ لُبَهم، هل يوجد زوج مسلم يفعل هذا الشيء ؟ المسلم بالتعبير الدارج شيء له معنى كبير جداً، هذا مسلم أي أخلاقي، وفي، صادق أمين، مضبوط، لا يخون، الذي يشد الناس للدين ليس الفلسفة والكلام الفارغ وإنما المواقف الأخلاقية، الاستقامة، فأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكون درس الأحد تسليك لله تعالى، درس عملي، تطبيقي، نصل فيه إلى الله، أنت حينما تعمل عملاً أخلاقياً تبقى أسبوع نشوان.
 حدثني أخ قال لي أنه وهو قادم من الزبداني في الساعة الثانية عشرة ليلاً، وجد امرأة مع زوجها يمسكان طفلاً صغيراً والوضع يبدو كأنه مأساوي، وقفت وقلت لهم خيراً ـ أثناء أحداث لبنان، فزوج وزوجته قد فرا من القصف، والحرب الأهلية وسكنوا في دمر، يبدو الابن حرارته واحد وأربعون، ولم يعرفوا أحداً في الشام، فوقف وهو خطيب مسجد وقال: أية خدمة فحدثوه بالأمر، فدعاهم إلى الركوب معه، وأوصلهم إلى المشفى، وهم بحاجة إلى الأدوية، فدار لهم على جميع الصيدليات حتى وجد لهم الدواء، وطلب ضرب إبر للابن، فذهب إلى بيت أحد الصيادلة حتى يضرب الإبرة للابن، وانتهى من عمله الساعة الرابعة صباحاً، وأرجعهم إلى بيتهم، وعاد إلى بيته. قل لي: والله عشرة أيام مغموس بسعادة لاتوصف، لأنه قام بعمل لوجه الله عز وجل، حدثني أخ طبيب أسنان قال: جاءتني إنسانة فقيرة جداً ولها عمل في التعليم وأسنانها في المقدمة مشوهة، فكلما ابتسمت الطالبات تغامزن وتهامسن عليها، فذهبت إلى هذا الطبيب لإصلاح أسنانها، مبلغ كبير ستون ألف يكلف التقويم، فشكرته، هو لم تَهُن عليه، قال لها: عندي حل، عمل لها مواعيد، خلال ستة أشهر عمل لها تقويم من الطراز الأول، وقال لها: هذا هدية مني، هو ابتغى بها وجه الله، قال لي: طوال حياتي وأنا أعمل بطب الأسنان ما مر علي ستة أشهر وأنا بجَنَّة كهذا العمل.
 زارني البارحة طبيب وقال لي يا أستاذ أريد أن آخذ رأيك، فقد اتُهِمت بالجنون، قلت له خيراً، قال لي: أتتني امرأة فقيرة جداً وليس معها غير الخمسمائة ليرة فقال لها: لا بأس، وردَّها لها، ليس معها ثمن دواء فأعطاها ثمن الدواء، أي ربما يأخذ الثلث، والثلثين الباقِيَين بدون ثمن، ربما نصف الثلث ثمن أدوية، فقال لي: أنا عند زملائي وكأنني مجنون، ولكن نفسي لا تُطاوعني أن أجد امرأة مُحَجَّبة وفقيرة وتريد دواء ثمنه ألف ومئتين، ومعاينة سبعمائة، فقلتُ له: والله أنت تفعل عين العقل، أنت والله عند الله كبير، هو طبيب في مستشفى عام، المرضى لا أحد يهتم بهم، و لا أحد يوصي بهم، قال لي: والله أعالجهم وكأنهم في أرقى مستشفى، تحليل، اهتمام، سماع قصة المريض، وعندما أنتهي أشعر بسعادة لا تُوصف، وكأنني في جنة، اعمل عملاً لله، وانظر ما الذي يحصل معك، لوجه الله فقط لا تبتغِ ثناء، ولا كتاب شكر، ولا مديح، لا تريد أن تبني جامعاً فقط من أجل الرخامة التي توضع عليه، لأجل أن يُقال أنّ هذه المئذنة أنشأها المُحسن فلان، هذه مشكلة، لأنّ ما تريده هو فقط الرخامة.
 أيها الإخوة: إن كان هناك شيء في الدرس يمكن أن يكون مركزياً، فهو أن تعمل عملاً لوجه الله، لا تبتغِ أحداً، ولا ثناء، ولا سُمعة، ولا مديح، ولا كتاب شكر، ولا تزكية، اعمل لوجه واحد يكفيك الوجوه كلها، إن قدَّم كل إنسان خدمة لإخوانه، كل إنسان خفف شيء عن المسلمين، فهذا شيء عظيم.
مرة أخ من إخواننا الكرام ـ جزاه الله كل خير ـ في أيام الصيف الحارة شعر أحد الأشخاص بدوار، على الرغم من وجود الستائر ولكنها لم تكن كافية، وكاد أن يصاب بضربة شمس بسبب الحر الشديد جداً، وهو مهندس، فقال لي: هل أستطيع أن أضع طبقة أخرى من الستائر، فقلت له: أجل ـ جزاك الله خيراً ـ فوضع طبقة أخرى بيضاء، فوَضْعُ هاتين الطبقتين من القماش حلَّ الكثير من المشاكل، بسبب وجود منطقة عزل بينهما، لو أن كل شخص عمل عملاً طيباً للتخفيف عن المسلمين، هناك الكثير من طلاب العلم، الكثير من الطلاب الأجانب، معاهد لتحفيظ القرآن وجوامع، قد تحتاج هذه المرافق إلى إتمام نقص ما، هذا الشيء أيها الإخوة يرقى بك عند الله، وأنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والله هناك أشخاص قدموا الكثير من الخدمات التي لا يعلمها إلا الله، وهم والله أسعد الناس لأنهم متصلون بالله عز وجل، لذلك نريد إسلام عملي، أخلاقي، نريد إسلام قيم، إسلام مبادئ، إسلام محبة، لا إسلام عِدَاء، آلمني جداً أينما ذهبت أجد المسلمين بأسهم بينهم، يتقاتلون مع بعضهم، أعداءنا يتآمرون لإفقارنا، ولإضعافنا، ونحن كل همنا أن هذا الشيخ ليس جيداً، متناسين أن هناك آلاف الأشياء غير الجيدة غير هذا الشيخ، وهذا كله رغبة فقط لإيقاع الفتنة، لأن الشيطان كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

((عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))

 

[ مسلم، الترمذي، أحمد ]

  ولكن رضي في التحريش بين المؤمنين، كل إنسان يخلق مشكلة لمؤمن ويتحرش به، ويطعن به، ويسفِّهه، ويحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، هذا إنسان له عذاب أليم في الدنيا والآخرة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018