أحاديث متفرقة - الدرس : 092 - الترغيب في بناء المساجد - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 092 - الترغيب في بناء المساجد


2001-02-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام:
 لازلنا في إتحاف المسلم لما في الترغيب و الترهيب من صحيح البخاري و مسلم، و الباب اليوم الترغيب في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها:

 

(( عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول:ُ مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ))

 

[ البخاري، مسلم، الترمذي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  أيها الإخوة الكرام:
 كما أنتم تعلمون و كما أنتم تشاهدون معركة الحق و الباطل معركة أزلية أبدية، فإما أن تبني مسجداً، و إما أن تبني ملهى، المسجد يدعو إلى الله و أماكن اللهو تدعو إلى الشهوة، فهناك شهوة و هناك عقل، يوجد دنيا و يوجد آخرة، يوجد خير و يوجد شر، و الإنسان لابد له من عمل يعرض على الله، و الناس الآن في غفلة شغلتهم دنياهم و طعامهم و شرابهم و معاشهم و أولادهم و تجارتهم، لكن هذه اللحظة التي نفارق فيها الدنيا متصورة لكن لا يعيشها الإنسان، لو عاشها لارتعدت فرائصه، مغادرة الدنيا من كل شيء إلى لا شيء، من بيت فخم إلى حفرة تحت الأرض، من زوجة و أولاد إلى وحشة ما بعدها وحشة، فهذه المغادرة من الدنيا إلى الآخرة تحتاج إلى إعداد كبير، الذي يرقى بك عملك الصالح، فيا أيها الإخوة الكرام حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح، و الله الذي لا إله إلا هو ينبغي ألا تغمض عينيك إلا و أنت قلق عن العمل الذي قدمته بين يديك يوم القيامة، تسمع أزمة قلبية حادة عمره اثنين و ثلاثين سنة، سبحان الله في هذه الأشهر الستة أكثر من سبعة أو ثمانية أشخاص في الثلاثين من عمرهم جاءتهم أزمة قلبية حادة أودت بهم، الإنسان إلى أين سيذهب ؟ ذهاب من دون رجوع، كيف كان؟ هل هو مستعد للقاء الله ؟ هل تاب من ذنوبه و آثامه ؟ هل في رقبته مال حرام ؟ هكذا، فلابد من أن نستعد لهذه الساعة، و النبي عليه الصلاة و السلام يقول:

 

(( عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))

 

[ الترمذي، ابن ماجه]

  مرة ثانية أيها الأخوة:
 التفكر بالموت شيء، و أن تعيشه شيء آخر، الذين أصابتهم أمراض حادة و كانوا على مشارف مغادرة الدنيا يعلمون علم اليقين ما معنى مفارقة الدنيا، الإنسان حينما يوقن أنه سيغادر كل اللذائذ التي استمتع بها في الدنيا لا شيء تذهب أدراج الرياح، تبقى المسؤولية، فمن هو البطل الذي هيأ لنفسه مكانة عند الله باستجابته و طاعته ؟ إذاً بعد أن تؤمن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله ينبغي ألا تبحث عن شيء، بحثك عن عمل صالح يصلح للعرض على الله، من أبرز هذه الأعمال الصالحة: أن تبني لله مسجداً لأنه لا كيان بلا أرض، الجامعة تحتاج إلى بناء، التطبيب و الناس يحتاج إلى مستشفى، تعليم الطلاب يحتاج إلى بناء، الدعوة إلى الله تحتاج إلى مسجد، قال تعالى:

 

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18)﴾

 

[ سورة الجن: الآية 18]

 بآخر الفصل حديث لعلي أستبق ذكره. خير البلاد مساجدها، و شرها أسواقها.

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا))

 

[ مسلم]

  الأسواق ترغب في الدنيا و قد لا تملك ثمن هذه السلعة، لأن السير في أسواق راقية جداً و لا تملك ثمن هذه السلعة الجميلة تنشأ مشكلة الشعور بالحرمان، و إذا معك زوجتك فعندك في المساء قتال معها، هذا الفستان أعجبها و أنت لا تملك ثمنه، و البضاعة معروضة بشكل رائع جداً، بشيء مغرٍ أما أسعارها باهظة فوق طاقة أصحاب الدخل المحدود، فتجد الإنسان يأتي مع زوجته إلى المسجد و يعودان إلى البيت على وفاق تام، لأنها سمعت حقوق الزوج و واجبات الزوجة، و سمع هو حقوق الزوجة و واجبات الزوج، فكل واحد من الطرفين سعى لإرضاء الله عن طريق إكرام الطرف الآخر، هذه من ثمار المجيء إلى المسجد، أما من ثمار المجيء إلى الأسواق لابد من مشكلة لأن ما كل شيء تراه عينك تملك ثمنه جيبك، و طوبى لمن اكتفى بحاجاته الأساسية، الحاجات الثانوية لا تنته، و الحياة الدنيا أربابها و الذين يعيشون للدنيا يخترعون كل يوم سلعة جديدة و جهازاً جديداً، صعب أن تمسك الفرشاة و تفرشي أسنانك الآن يوجد فرشاة معها حركة ذاتية، محرك و بطارية، خذ من الدنيا ما شئت و خذ بقدرها هماً، كل ميزة تتملكها يقابلها هم حينما يصيبها العطب، فهذا القول رائع جداً.
 خذ من الدنيا ما شئت، و خذ بقدرها هماً، و من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه، أخذ من حتفه و هو لا يشعر.
 أحياناً إدارة الأعمال الكبيرة جداً، إدارة الأموال الكبيرة جداً، تحتاج إلى طاقة قد لا يملكها الإنسان تنعكس أزمة قلبية في نفسه، هذا من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه، أخذ من حتفه و هو لا يشعر، لكن أعمال البر سبحان الله لها أثر كبير جداً، أنا لا أريد أن أبقى في مضمون الكلمة فقط، أريد أن أوسع المعنى، بناء مسجد، بناء ميتم، بناء ثانوية شرعية، تأليف كتاب دعوة إلى الله، عمل خيري، مساعدة أيتام، مساعدة طلاب علم، لا بد لك من عمل صالح يصلح للعرض على الله، أنا أتمنى على كل واحد منا أن يسأل نفسه سؤالاً محرجاً، ماذا فعلت اليوم من أجل الجنة ؟ ماذا فعلت اليوم من أجل الدار الآخرة ؟ ما العمل الذي أبتغي به وجه الله و لا أريد ثناء و لا مديحاً و لا شكراً و لا تعقيباً و لا هدية لوجه الله ؟ هذا الذي يبقى، و ذكرت لكم إنه من أجمل ما فسر به المفسرون قوله تعالى:

 

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)﴾

 

[ سورة الرحمن ]

  أي أنشأنا جامعة عملاقة مكلفة ثلاثة آلاف مليون عند قيام الساعة تصبح هباء منثوراً، أسسنا جسور، أسسنا طرق، مثلاً أقمنا مستشفيات:

 

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)﴾

  ما الذي يبقى و لا يفنى ؟ عمل صالح ابتغي به وجه الله، أي من أعظم هذه الأعمال أن تُنشِئ كياناً بدعوة إلى الله، أي مسجد أو تدريس أو معاونة طلبة علم أو معاونة دعاة إلى الله، و الدنيا مفعمة بالأعمال الصالحة، و الله الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، بإمكانك أن تفعل كل شيء، بل إن الله لا يكلفك فوق طاقتك، يكلفك اختصاصك، إن آتاك الله مالاً أنفق من هذا المال، إن آتاك الله علماً أنفق من هذا العلم، إن آتاك الله جاهاً أنفق من هذا الجاه، إن آتاك الله حكمة وفق بين الناس، لا يوجد إنساناً لا يملك شيئاً، أي هذا رزق:

 

 

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 3]

  يوجد شخص عنده قدرة على الإقناع، و عنده قدرة على التوفيق بين الناس، هذا إذا أصلح بين الناس وصل إلى أعلى درجات الجنة، و الذي طبب المسلمين و أخلص لهم يصل إلى الجنة، و الذي باعهم سلعة جيدة مقبولة معقولة يصل إلى الجنة، كل اختصاص و كل حرفة و كل ميزة و كل هوية تصلح أن تكون سبباً للجنة، يقول عليه الصلاة و السلام:

 

((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ بُكَيْرٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ))

 

[ البخاري، مسلم، الترمذي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  و أنا أذكركم بقصة لعلكم سمعتموها مني كثيراً، رجل من أهل اليسار، من أهل الغنى أراد إنشاء مسجد في أحد أحياء دمشق الجنوبية المكتظة بالسكان و ليس فيها مسجد، كلف أحد أخوانا الكرام أن يبحث له عن أرض مناسبة، و الرجل من الأغنياء الكبار، وجد أرضاً مناسبة، مساحتها مناسبة، شكلها مناسب، صاحبها آذن مدرسة ورثها قبل أسابيع و لا يملك من الدنيا غيرها، و دخله محدود جداً و عنده أربعة أو خمسة أولاد، يشكو الفقر و الحاجة و الفاقة، و الأرض مناسبة جداً فتم الاتفاق على شراء هذه الأرض من هذا الوريث، و جاء بهذا المحسن الكبير ليرى الأرض و ليدفع الثمن، فجاء بهذا المحسن و رأى الأرض و أعجبته، و الثمن مقبول و جيد و معقول ووقع الشيك بمليوني ليرة، هذا الآذن قال له: أين البقية لماذا ليس ثلاثة ملايين و نصف ؟ قال له: البقية عند التنازل، قال له: أي تنازل ؟ قال له: حينما تتنازل لنا في الأوقاف أدفع لك بقية الثمن، قال له: و ما علاقة الأوقاف بهذا ؟ قال له: نريد أن نجعلها مسجداً، عندما قال له مسجد، ارتعد و قال له: أعطني الشيك و مزق الشيك، قال له: أنا أولى منك أن أقدمها لله، لا يعقل أن أبيعك أرضاً تقدمها أنت لله مسجداً، أنا أولى أن أقدمها لله منك، يقول هذا المحسن بحياتي ما صغرت أمام إنسان كما صغرت أمام هذا الآذن، و استحيا من الله أن يأتي من يشتريها و يجعلها لله مسجداً، أنا أتمنى أنه يجب أن يكون لك عملاً تبتغي به وجه الله، الإنسان أحياناً عنده كل شيء له أجر لا يتحرك دون أجر، لا يتكلم كلمة من دون نسبة، كم لنا نسبة ؟ لا يستطيع أن يتحرك حركة إلا ليحسب كم له من هذه ؟ لا، لا يوجد، إذا لا يوجد شيء لا يتحرك، هذا أفقر إنسان يوم القيامة، أفقر إنسان يوم القيامة الذي لا يتحرك إلا بأجر، الله عز وجل خلقنا لنربح عليه، خلقنا ليعطينا شيئاً لانهائياً مقابل شيء بسيط.
 إذاً:

(( مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ))

  الآن يوجد عندنا حديث آخر، هذا المسجد يمكن أن يبنى و يتأسس، طبعاً هناك من يدفع مالاً، هناك من يأتي بالمواد، هناك من يبني، أحدهم يقول لك أنا سوف آخذ منك نصف أجرة لأنه بيت الله، و النصف الثاني محسوب صدقة عند الله عز وجل، إنسان سيأخذ فقط سعر المواد معنى هذا أن أجرته محسوبة صدقة عند الله عز وجل، إنسان يقدم المواد و أجرته، أحدهم قدم ماله، و الآخر قدم جهده، و الآخر قدم ماله و جهده، أنشأنا مسجداً إنسان قدم جهاز تكبير صوت مثلاً جهاز إنارة، جهاز مولدة، أي المسجد بناء يحتاج إلى عشرات بل مئات الأشياء، مرافقه من أجهزته، كله داخل في البناء، الله عز و جل كما قلت قبل قليل خلقنا لنربح عليه، أي حركة تتحركها لك فيها أجر، الآن الصيانة و الفرق بيننا و بين بعض البلاد المتقدمة مادياً، نحن لا يوجد عندنا صيانة أبداً، يبنى البناء بعد حين يتداعى، يوجد إهمال شديد لا يوجد تنظيف، أحياناً تجد محلاً تجارياً تزييناته مكلفة ملايين، اللوحة التي في مدخله لا تنظف، أمطار و غبار إلى أن تغدو سوداء اللون و لا يفكر صاحب المحل أن ينظفها، موضوع الصيانة و التنظيف هذا جزء من الحضارة، تدخل أحياناً إلى بناء منشأ منذ أربعين سنة تتوهم أنه من يومين انتهى من الصيانة، و أنا أقول لك هذه قضية حضارة، قضية رقي، أي الذي يقدر أن يتم كل حاجاته مجددة، بالتنظيف و العناية و المتابعة و الصيانة و الإصلاح، و النبي الكريم قال:

 

(( أصلح دنياك و اعمل لآخرتك))

  أي مشكلة بالبيت تحتاج إلى نقطة زيت في الباب، يزقزق الباب و كلما يزقزق البيت يصرخ بأولاده و يشتمهم، فالمشكلة هذه من ثلاث سنوات و كل يوم يوجد مشكلتين ثلاثة، أيقظتني، فتحت الباب، فضع له زيتاً و انتهى، أحياناً يكون الباب ليس له دافع و الدنيا برد وشتاء كذلك أغلق الباب يريد دافعاً و انتهى الأمر، لو إنسان فكر أن يصلح حياته هذه ليست من الدنيا هذه من الدين، تحل مشكلة، تجد شخصاً كل مشكلة لها عنده حل، هذا استطراد، لكن الصيانة مهمة جداً، تجد مسجداً مهملاً، أساس بنائه جيد لكنه مهمل، و هذا يحتاج إلى جهد، فهذا الذي ينظف، يعتني، يلمع البلور، يلمع الثريات، يغسل السجاد، أحياناً يأتي إنسان يرتدي بذلة كحلية اللون يركع و يسجد يجد بقعتين بيضاوتين على ركبتيه، معنى هذا أن السجاد منذ شهرين لم ينظف، أما إذا كان منظفاً و مغسولاً تجد السجاد له لمعة، أي الأولى أن تكون بيوتنا نظيفة جداً أم بيت الله ؟ بيت الله، الآن هؤلاء الذين ينظفون، هؤلاء لهن عند الله أجر لا يعلمه إلا الله، فالنبي عليه الصلاة و السلام:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجلاً أَسْوَدَ أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ؟ فَقَالُوا: مَاتَ قَالَ أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ أَوْ قَالَ قَبْرِهَا فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا))

 

 

[ البخاري، مسلم، أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]

  أرأيت إلى هذه الأخلاق، هذا الإسلام، أي بحسب مقاييس المجتمع أما عند الله تكون هذه المرأة عند الله في مكانة علية، لكن بمقياس المجتمع أدنى رتبة الذي يعمل في تنظيف الطرق أليس كذلك ؟ ما قولك أن أبا الأنبياء نبي كريم أوحى الله إليه و إلى ابنه أن:

 

 

﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 125]

  إذاً تنظيف المساجد من أعظم الأعمال، مرة أخ من إخوانا جاء والده من مصر، حضر خطبة الجمعة و اضطر لقضاء حاجة في أثناء الخطبة فقال لي: غير معقول ! كأنه ببيت، المرافق في مسجدكم كأنها في بيت من شدة النظافة، فبفضل من ؟ بفضل عدد من الأخوة الكرام لهم مكانة كبيرة عند الله تبرعوا لتنظيف هذه المرافق بأيديهم، بأغلى المواد، فتنظيف المسجد شرف عظيم.
 هناك نقطة دقيقة جداً يتوهم إنسان أن أعظم عمل الدعوة إلى الله، أن تلقي درساً تلقي خطبة، هذا عمل، من أدراك أنك إذا نظفت المسجد بإخلاص قد تفوق الذي يتكلم، من أدراك ؟ قيمة العمل عند الله ليست بالوجاهة لكن ببذل الجهد، فالنبي عليه الصلاة و السلام ذهب إلى قبرها و صلى عليه و هذه من خصوصيات صلى الله عليه وسلم، لا يوجد صلاة على إنسان مدفون، الصلاة على إنسان فوق الأرض لا تحت الأرض لكن لكرامتها عند الله ولم يقتدِ الصحابة في هذا ولم يبنَ حكم شرعي إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام تولى بنفسه الصلاة عليها وهو في القبر وغضب غضباً شديداً لأن أصحابه لم يلموه بموتها.
 وفي حديث آخر ونحن في المساجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إِلا الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَلا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ))

 

[البخاري، مسلم، الترمذي، أحمد، النسائي، ابن ماجة، مالك، الدارمي ]

  يعني أجر الصلاة في المسجد خمساً وعشرين ضعفاً كأجر الصلاة في البيت أو في السوق أي في محله التجاري، وإذا كنت تنتظر إقامة الصلاة فأنت في صلاة، أحياناً في بعض المساجد تقام صلاة الظهر بعد عشرين دقيقة من الأذان، والفجر بعد ثلاثين دقيقة، والمغرب بعد خمس دقائق، إنسان دخل مع أذان الظهر وصلى السنة وهو ينتظر إقامة الصلاة هذا الوقت هو من الصلاة، فانتظار الصلاة من الصلاة.
 وفي رواية أخرى:

 

(( اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه))

  كيف يؤذي الإنسان في المسجد ؟ أنا يوم الجمعة لفت نظر وأنا لا أعرفهم من بعض الأخوة أو بعض من ارتادوا هذا المسجد، أو بعض من لم يكن لهم عهد بمسجد، تكلموا بصوت مرتفع وكأنهم في الطريق والناس جميعاً يصلون هذا بعيد بعد الأرض عن السماء، عن أن يكون في مستوى بيت الله، كل الأخوة يصلون وحديثهم مسموع بصوت مرتفع فشوش على الحاضرين صلاتهم، هذا نوع من الأذى، أحياناً يأتي أخ يصلي مع اثنين في الحرم والدرس قائم ويقول الله أكبر بصوت مرتفع ويشوش على الدرس هذا نوع من الأذى، شخص آخر يصلي مقتدياً بإمام وقد تكون الصلاة سرية أو جهرية يقرأ الفاتحة بصوت مرتفع يعني غلاظة ما بعدها غلاظة شوش على الكل صلاتهم يعمل موجات موجات ترتفع موجة وتنزل موجة، ما هذا ؟ خشوع لا والله ليس بخشوع لو خشع قلبه لخشعت جوارحه، النبي الكريم نهى عن هذا، وهذا الرجل إذا رفع صوته ليس له، أحياناً يأتي مع ابنه الصغير والله أنا أحب الصغار وأتمنى على كل أب أن يأتي بأولاده أما دون السنتين، زوجته ضغطت عليه وقالت له خذه معك هذا ليس موضوع طلب علم والطفل ما نظف...
 هذا مكان السجود ما قولك أليس هذا إيذاء شديد ! والله بضع عشرات من الإخوان في هذا المسجد يأتون ويحضرون الماء ويغسلون أيضاً هذا إيذاء، أيام تأتي أخت كريمة وأنا أتمنى أن كل أخت أن تأتي إلى المسجد، لكن معها خمسة أو ستة أولاد تتركهم يركضوا و يلعبوا معهم بسكويت و غيره هذا غير معقول، نحن انزعجنا جداً من هذا الشيء، عملنا ترتيب أن أخت كريمة تبرعت تعمل درساً للصغار، عملنا المصلى العلوي و كل سيدة معها أولاد تدفع أولادها للمصلى و هي تسمع الدرس، هذا شيء جميل لأن بعض النساء وجدوا الفرصة ممتازة، عندها استقبال تضع أولادها بالجامع و تذهب، أليس هذا كله إيذاء للمسجد، نحن قلنا التي معها أولادها نقبل لها أولادها و لكن ليست هي بالاستقبال و زوجها عنده سهرة و ليس عندهم مشكلة إلا الأولاد فوضعوهم بالجامع و ذهبوا، هذه مشكلة كبيرة جداً، دقق بالحديث:

 

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيه))

 

[ البخاري، مسلم، النسائي، الترمذي، أبو داود، أحمد، ابن ماجه، مالك، الدارمي ]

  هذا بيت الله، حتى لو أن الإنسان حمل قشة من المسجد له أجر، بيت الله أي الله عز وجل قال:
((إن بيوتي في الأرض المساجد، و إن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارنا و حق على المزور أن يكرم الزائر ))
 فأنت عنصر خدمي بالجامع، للخدمة، عنصر نظيف، صوت منخفض و رفع الصوت من المنكرات، و الله أعرف أناساً يتكلم في المسجد و هو ممتلئ بالمصلين و كأنه في فلاة، مرتاح، فهذا لا يعظم شعائر الله:

 

﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

 

[ سورة الحج: الآية 32]

  أنا سوف أدقق مرة أخرى على كلمة: و في رواية((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ)) يؤذي فيه: إذا أذى، هناك إيذاء بالصوت، هناك إيذاء مع أولاده الصغار، إيذاء باللغو في المسجد، هذا كله إيذاء، أو بعدم تنظيف المسجد، أو ترك شيء من بقايا الطعام بالمسجد، من بضع سنوات أو أكثر، من اثنتي عشرة سنة تقريباً كان عندنا إحياء بالمسجد ينتهي الإحياء تجد المكدوس و الأكل و الشرب نظل شهراً و نحن ننظف المسجد، هكذا، أي بالحرمين برمضان الكل يأكلون و لكن تمراً و قهوة و تُمد ملاءات من البلاستيك و تقام بأقل من دقائق شيء جميل جداً، كلما كنت لطيفاً بالمسجد و كلما كنت نظيفاً وأنيقاً تكون أقرب إلى الله عز وجل:

 

(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: خَلَتْ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ))

 

[مسلم، أحمد ]

  يعني الزموا دياركم تكتب آثاركم، أعادها ثانيةً، فقالوا: ما يسرنا أنا تحولنا، وفي رواية لهذا الحديث أخرى إنّ لكم بكل خطوة درجة
 أخ جاء من دوما راكب ساعة من الزمن هذا بالأجر يتساوى مع أخ إلى جوار المسجد ؟ لا والله، يوجد مشقة بالغة فكلما كان مكانك أبعد كان أجرك أكبر، مكانكم تكتب آثاركم، وليس معنى هذا أن الإنسان يبيع بيته المجاور للمسجد ويسكن بعيداً هذا ليس وارد، بيته قريب نعمة، بيته بعيد له أجر، والله جبار خواطر، لا يوجد إنسان عند الله ليس له شيء حتى لو كان بيتك بعيداً.
أيها الأخوة:
 المشقة في الإسلام لا يمكن أن تكون مطلوبةً لذاتها، أما إذا فرضت علينا مرحباً بها، قد يأتي الصوم في أشهر الصوم في أشهر الحر الشديد وقد لا تتوقع أن يدوم الصيام سبعة عشر ساعة والحر خمسة وأربعين، يوجد مشقة مرحباً بهذه المشقة لأن العبادة فرضتها، قد تطوف حول البيت في الحج بمشقة بالغة، وقد ترمي الجمار بمشقة بالغة هذا كله لك أجر عليه كبير انطلاقا من أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً قابعاً في الشمس فقال عليه الصلاة والسلام وسأل عن حاله قالوا: نذر أن يبقى في الشمس قال: امروه فليتحول إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه.
 إذا الله يسر أمر، يسر ركوب، يسر طائرات، مواصلات، إذا إنسان يوجد عنده في البيت ماء فيجة فأراد حتى يكسب أجر حمل التنك من مكان بعيد وعبء وجاء بها إلى البيت هذا مجنون، المشقة لا تطلب لذاتها أما إذا فرضت عليه مرحباً بها.
 يوجد قاعدة أساسية كل إنسان يحرم نفسه بلا مبرر النبي عليه الصلاة والسلام بلغه أن بعض أصحابه أراد أن لا يتزوج تقرباً إلى الله، وبعضهم الآخر أراد أن لا يأكل اللحم تقرباً إلى الله، وبعضهم أراد أن يقوم الليل تقرباً إلى الله فجمعهم وقال:

 

((عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ ؟ فَقَال بَعْضُهُمْ: لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

 

[ البخاري، مسلم، النسائي، أحمد ]

  الإسلام واقعي، الإسلام متوازن، الإسلام وسطي، جمع بين الدين والدنيا، وبين الدنيا والآخرة، وبين حاجات الجسد وحاجات الروح، وبين حاجات العقل، يوجد في الإسلام غذاء للعقل العلم، غذاء للروح القرب، وغذاء للجسم، قال تعالى:

 

﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾

 

[ سورة الأعراف: الآية 32]

  أنت ليس مكلفاً أن تعيش الحرمان في التقرب إلى الله إلا أنه حينما أمرك الله أن تصوم هذه مشقة أرادها الله، والمشقة الإلهية التي أرادها الله متناسبة مع حاجة الإنسان قال تعالى:

 

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 286]

  في حالات معينة الإنسان يفطر في السفر أو في المرض.
 وفي حديث آخر:

 

(( عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى فَأَبْعَدُهُمْ وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الَّذِي يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنَامُ))

 

[ البخاري، مسلم ]

  يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))

 

[ مسلم، أحمد، ابن ماجة ]

  المؤمن الضعيف على العين والرأس، إنسان بيته قريب نعمة، بيته بعيد له أجر، من أروع ما قرأت أن النبي عليه الصلاة والسلام بلغه أن صحابيين وقعا في أسر مسيلمة الكذاب، مسيلمة الكذاب سأل الأول أتشهد أني رسول الله، قال: ما سمعت شيئاً فقتله، سأل الثاني أتشهد أني رسول الله فشهد له أنه رسول الله، بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فماذا قال عنهما ؟ قال: أما الأول فقد أعز دين الله فأعزه الله، وأما الثاني فقد قبل رخصة الله، والثاني ليس آثم، الله رخص له إذا أكره على الكفر نجاةً بحياته سمح له أن ينطق بالكفر فقال له النبي: وإن عادوا فعد ولا شيء عليك.
انظر إلى عظمة الإسلام يوجد حد أدنى وحد أعلى، الحد الأعلى حد البطولة هذا تخييري لا قصري، والأدنى مسموح والأعلى مأجور، أنت في بحبوحة كبيرة لك أن تقلد أولي العزم.
 عالم أحد حكام المغول أراد أن يتحدى علماء المسلمين فجمعهم وجاء بلحم خنزير وأمرهم أن يأكلوا فمن لم يأكل فقتله، يوجد عالم جليل ورع وقور من شدة محبة الناس له وتقديرهم له استطاعوا دون أن يعلم هذا الملك أن يضعوا له بدل لحم الخنزير لحم ضأن فلو أكله فلا شيء عليه، فلم يأكل وقال: هذا عند الناس لحم خنزير وقتله الملك. كم هو ورع خاف على سمعة العلم، قال: هذا عند الناس لحم خنزير فإذا أكلت سقط العلم في أعينهم ولم يأكل وقتل.
 يوجد مواقف تحتاج إلى عزيمة، مرة الحسن البصري يبدو أنه تكلم كلام أزعج الحجاج فقال الحجاج لمن حوله: والله يا جبناء لأروينكم من دمه فجيء به ليقتله فجاء بالسياف، ومد النطع، وكل شيء جاهز لقتله، والحجاج وما أدراكم... قال: إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، الحجاج مخيف ضرب الكعبة بالمنجنيق وصلب أحد الصحابة... لما جيء بالحسن البصري ورأى الأمر كله واضح حرك شفتيه بتمتمات لم يسمعها أحد فإذا بالحجاج يقف له ويقول له: أهلاً بأبي سعيد وقال له: أنت سيد العلماء ومازال يدنيه من مجلسه حتى أجلسه على سريره وسأله واستفتاه وضيفه ثم ودعه إلى باب القصر، السياف صعق أين قتله والخادم أيضاً، فتبعه الخادم وقال له: يا أبا سعيد لقد جيء بك لغير ما فعل بك فماذا قلت بربك ؟ قال: قلت لربي يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
 الأمر بيد الله، قلوب العباد بيد الله، أنت مع الله إذا كنت مع الله كان عدوك معك يخدمك، وإن لم تكن مع الله تطاول عليك أقرب الناس إليك.
 أيها الأخوة:
 أنا أتصور أن صلاة الجماعة في المسجد لها فوائد كبيرة جداً، أحد هذه الفوائد أنك تلتقي بأخيك، الجماعة رحمة، أخوك قد يأخذ بيدك إلى الله وقد تأخذ بيده، قد ينصحك وقد تنصحه، قد تحل عنده مشكلتك وقد تحل عندك مشكلته، قد يكون متألق تألقه يطفي على أخيه روحانيةً عجيبة.
 صدقوا أيها الأخوة يحدثونني أخوان لا أعرف ؟ ولكن شيء متكرر أخ مثلاً تأخر ولم يبقَ وقت فوقع في حرج يا ترى يأتي إلى المسجد أم لا يأتي يذهب ويصلي العشاء فقد يجتمع مع إخوانه ويشعر براحة ما سمع من الدرس ولا كلمة ولكن دخل بيت الله عز وجل والتقى مع إخوانه فشعر باحة، أنا أتمنى أن يكون تعارف بينكم، هذا في تقصير والله شديد يكون أخ من أخوانا فرضاً له اختصاص نادر ثمان سنوات أنا لا أعلم أنه يحضر عندنا، ونحن نبحث عن هذا الاختصاص ولمصلحته، نبحث عن هذا الاختصاص في الطب النادر ولا نجد وهو يحضر هنا منذ ثمان سنوات وهذا تقصير.
 يجب أن نعرف بعضنا، قد يكون أخ يشكي البطالة ويوجد أخ آخر عنده فرصة عمل فكلما تعرفنا إلى بعضنا أكثر هذا يرضي الله أكثر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن يكون هناك تواصل بيننا، فلا يكفي أن تأتي إلى المسجد وتجلس في زاوية فقط، لا تعرف أحد ولا أحد يعرفك هذا خلاف السنة، إذا التقيت مع أخوك اسأله عن اسمه من هو؟ عمله، اختصاصه، بيته، أولاده، تأخذ فكرة، يمكن أن تخدمه أو يخدمك والحياة فرص أحياناً، قد يكون أخ عنده ضائقة مادية شديدة وعمله واقف وأخ بحاجة إلى صاحب مصلحة هو يتقنها ولكن لا يعرفه، يبحث خارجاً عن شخص يغشوه ويأخذوا منه سعر عالي جداً ويسيئوا له، لا يوجد مانع كل ما التقيت مع أخ تتعرف عليه سؤال بسيط قال تعالى:

 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 2]

  والعجيب أن الطرف الآخر غير المؤمن يتعاونون تعاوناً مذهلاً، تعاوناً غير معقول، وأنت أولاً أن تتعاون مع إخوانك، أخ فتح محل جديد يجب نحن أن نتعامل معه نشتري منه، إلا يوجد منزلق بالمناسبة أيام يتوهم هذا الأخ أن هؤلاء الأخوان كلهم دراويش ويحبونه ويحبوا الله فإذا أنا ربحت زيادة مسموح، هنا صار عندنا مشكلة كبيرة جداً، أما أنه لا يفاصلك يستحي أن يساومك، يستحي أن يقول لك هذه البضاعة غالية تستغل هذه الناحية وترفع السعر معنى هذا أنك أنت جئت لتستغل إخوانك.
 أنا والله أتألم ألماً شديداً إذا أخ فتح مصلحة وما لبيناه كلنا، كلنا نشتري من عنده يشعر أنه منتمي إلى جامع، يوجد ترابط، تعاون، أنا والله شهد الله في كل حياتي لا يمكن أن يكون أخ عنده مصلحة وأبحث عن غيره لأن هذه خيانة، أخ ملتزم إذا ربح منك ويدفع زكاة ماله وينفق ماله على أولاده وزوجته وفقط المنهج تعطي آخر يشرب الخمر بربح منك أو متفلت أو لا يدفع زكاة ماله لا يجوز.
 والحقيقة الذي يشدك إلى الجامع لك أخوان طيبين، أنا مصر على هذا لو أنت عرفنا مصلحتك عندك حرفة، محل الألمنيوم، محل نجارة، وأنت مؤمن مستقيم وستكرم الأخوان، تعارفوا على بعضكم وتعاونوا، ما الذي يمنع أن كل أخ يعرف أخين ثلاثة ؟ النبي قال: تآخيا اثنينِ اثنين.
 الحد الأدنى أخ ما جاء إلى الدرس أخبره هاتفياً، أزوره لعل مريض، لعل عنده مشكلة، لعل عنده مشكلة مع زوجته، يصلح بينهما، كبر عليه أن يطلبها على الهاتف، وهي كبرت عليها أن لا يأتي ويأخذها، هو جالس في قلعته وهي في قلعتها والأمر يتفاقم ويوجد تغذية سيئة جداً، يأتي الأخ الثالث يزور بيت الحمي يبين لهم فضائل صهرهم ويقنعهم أنه يجب أن ترجع وهكذا الأصول.
 قد يكون له مشكلة مالية مع زوجته، اجتماعية، مشكلة مع ابنه، قضية محتار بها، وأنا أتمنى وأنا قلت هذا مئات المرات أن يتآخى الأخوان اثنينِ اثنين، والحد الأدنى واحد، واثنين أفضل، ثلاثة أفضل، أربعة أفضل، فكلما التقيت مع أا أسأله عن اسمه، عمله، اختصاصه، سكنه، هذا سؤال طبيعي إذا التقى المؤمنان يقول الأول ما اسمك ؟ ما اسم أبيك ؟ من أين أنت ؟ هذا شيء أشد بالمودة:

 

(( عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لا أَعْلَمُ رَجُلاً أَبْعَدَ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْهُ وَكَان لا تُخْطِئُهُ صلاةٌ قَالَ: فَقِيلَ لَهُ أَوْ قُلْتُ لَهُ لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ ؟ قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّ))

 

[ مسلم، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي]

  أنت فكر، أنت حينما تتجه إلى بيت الله:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ))

 

[ مسلم، أبو داود، الترمذي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي]

  أنت ارتديت ثيابك و خرجت من منزلك و ركبت سيارة عامة باتجاه جامعك، هل تدري أن هذا طريق الجنة ؟

 

((عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا طَلَبَ))

 

[ الترمذي، النسائي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي]

  يوجد ملاحظة أخيرة لعلكم تأخذونها أنتم على بعض الأحاديث: أي معقول بكل خطوة باتجاه المسجد تمحى خطيئة ؟ بعقلية الإنسان من يعطيك على كل حرف تحكيه، قعدت مع ابنه سجل لك حديثاً مع ابنه، وجهت ابنه ساعة من الزمن فأعطاك على كل حرف مليون ليرة، لا أحد يصنع ذلك، لكن الله غني، الله يصنعها، قد تجد يوم القيامة لقمة وضعتها في فم زوجتك تجدها كجبل أحد يوم القيامة، الله على كل شيء قدير، هذه الفكرة غير مقبولة في عالم البشر، شخص قال له: ضع أموالك عند فلان، هذا صاحب دين و جيد، وضع أمواله، أعطاه عشرة ملايين فربحوا خمسة ملايين، جاء صاحب المحل أعطى خمسة أخرى لمن قال له ضعهم عند هذا، هل هذا معقول ؟ بعالمنا ليست معقولة، أما عند الله معقول، ممكن أن يعطيك عطاءً كبيراً لعمل قليل و لكنه مخلص تبتغي به وجه الله، فصدق حينما تأتي بيت الله بنية طلب العلم، بنية تدعيم الحق أحياناً، مثلاً أنت جعل الله على يدك هداية خمسة و دعوتهم إلى الدرس و قد جاؤوا أين الذي دعانا ؟ فلم يجدوه، يأخذوا عليه يا ترى أليس هو مقتنع بالدرس ؟ لماذا إذاً دعانا للدرس ؟ إذا أنت دعيت أخاً للجامع فمجيئك أصبح فرضاً، لأنك إذا تخلفت زعزعته، فشك بمصداقيتك، لماذا لم نرك ؟ و الله كنت مشغولاً، لو أنت تفقدتهم بأول فترة و قال لك و الله كنت مشغولاً هل تقبلها منه ؟ لا بل توبخه، ماذا مشغول هل يوجد عمل مع طاعة الله عز وجل فأنت عندما تقصر بعد حين زعزعت ثقة الناس فيك، و أضعفت من مصداقيتك، و أحياناً تلتقي بإخوانك هذا شيء رائع، أحياناً تسمع الدرس رائع، أحياناً تدعم الحق، لو فرضنا تُكلِم بأشياء تعرفها جميعها أنت بمجيئك دعمت الحق، فلذلك مثلما قلنا في البداية: خير البلاد مساجدها و شرها أسواقها.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

 

[ سورة المنافقون: الآية 9]

  يقول لك أحدهم أنا قبل الدرس بربع ساعة جاءه ضيف، و الله يوجد أخوة لطفاء جداً يقولوا له: تفضل نحن يوجد عندنا مدعوين لسهرة، يظن أن هناك عشاء، يأتي به إلى الجامع، فيظهر أنه لا يوجد شيء فقط درس علم، أي نوع من الطرفة يأتي به، أما أنا أعمل نظاماً بحياتي هذه أوقات الدروس مقدسة، لا أقترب منها أبداً، أعتذر من أي إنسان يريد أن يبعدني عنها، أو أحاول أن أقنعه أن يأتي إليها.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018