أحاديث متفرقة - الدرس : 052 - الترهيب من أن يحقر المسلم أخاه وترهيب ذي الوجهين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 052 - الترهيب من أن يحقر المسلم أخاه وترهيب ذي الوجهين.


1992-08-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، ونفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً، و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، من المنزلقات التي ينزلق فيها الإنسان في عصرٍ كثرت فيه الاضطرابات والفتن والضغوط، من المنزلقات أن يكون ذا وجهين وذا لسانين، سلوك مريح، قال تعالى:

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾

  أنتم الحق معكم،

 

﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)﴾

 

(البقرة)

  أيْ: إنما نحن مستهزؤون بهؤلاء، قال تعالى:

 

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)﴾

 

(البقرة)

  أيضا لاحظت أن سلوك الوجهين، وذي اللسانين، ذي الموقفين، ذي الاتجاهين، ذي التصورين، سلوك هذا الإنسان لا يتناسب مع الإيمان إطلاقا، المؤمن له خط واضح، سريرته كعلانيته، معتقده على لسانه، لسانه يترجم معتقداته، فلاحظت في حالات كثيرة أن هناك انزلاقا نحو هذا السلوك، وطالعت كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري - رحمه الله تعالى - وهو من أثمن كتب الحديث، هذا الكتاب بني على الترغيب والترهيب، أنا قبل شهر تقريبا أدرّسه بعد صلاة فجر كل يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء، نأخذ كل يوم فصلا، فصلا في الترغيب، وفصلا في الترهيب، هو أربعة أجزاء، له مختصر اختصاره مخلّ، فرق كبير جدا بين اختصاره وأصله، لذلك ربما لا تجد في الاختصار شيئا يشدك إليه، لأن اختصاره كما قال بعض العلماء اختصار مخلّ، فأنا عدت إلى أصل الكتاب، ووجدت في الترغيب والترهيب أيها الإخوة بابا عنوانه: ترهيب ذي الوجهين وذي اللسانين.
 أحيانا الإنسان بدافع من ذكاء، أو دافع من مصلحة، أو لينعش عمله، أو يريد يسلّم نفسه، أو يرغب ألا يكون عنده أعداء إطلاقا، فيرضي هؤلاء، ويرضي هؤلاء، يجامل هؤلاء، ويجامل هؤلاء، وهو في الحقيقة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، هذا الإنسان ذو الوجهين، وذو اللسانين، يا ترى هو مؤمن ؟ واللهِ ما هذا هو الإيمان، هل هو كافر ؟ لا والله، عنده عواطف دينية، حينما أخذ هاذين الاتجاهين المتناقضين، وجامل هؤلاء، وجامل هؤلاء ضيع نفسه، وفقد هويته، لا هؤلاء قبلوه، ولا هؤلاء قبلوه، لذلك هناك أحاديث صحيحة وعديدة تحذر، وترهب من أن يكون الإنسان ذا وجهين.
طبعا أحيانا يكون في الحديث فقرة واحدة تعني موضوعنا، وفقرات كثيرة عولجت في مواطن أخرى، وفي أوقات أخرى.
 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ))، يعني أصنافا مختلفة، ومن باب الطرفة أقول: فلان ذهب من عيار أربعة وعشرين، وفلان ذهب ولكن عيار ثمانية عشر، وفلان ذهب ولكن عيار ستة عشر، فلان ذهب عيار أحد عشر، وفلان نحاس مطلي بالذهب، وفلان نحاس ملمّع، وفلان حديد، الناس معادن، هناك معادن ثمينة، ومعادن خسيسة، هناك إنسان بالمعاملة يزداد تألقا، وبالاحتكاك يزداد ورعا، وبالسفر يزداد كمالا، وبتعاملك معه بالدرهم والدينار يزداد عفة، وكرما، وهناك إنسان عند بعدٍ يرضيك، أما إذا عاملته بالدرهم والدينار لا يرضيك، أما إذا سافرت معه لا يرضيك، أما إذا جاورته لا يرضيك، فالبطولة لا أن يرضى الناس عنك عن بعدٍ، أخي نحن لما نتشارك نغضب، ما هذا الدين إذًا ؟ ديننا لا يظهر إلا بالشراكة، إذا كنت جيدا من دون شراكة، ومن دون جوار، ومن دون سفر، ومن دون تعامل بالمادة، فأنت لست جيدا، لكن أنت جيد إذا صمدت على المحاككة بالدرهم والدينار، أنت جيد إذا أثنى الناس عنك في السفر، أنت جيد إذا جاورت الناس فأثنوا على جوارك، فلذلك أيها الإخوة عن بعدٍ لا يُعرف الإنسان، لا يعرف إلا بالمحاككة، وهذا ما فعله سيدنا عمر، قال لأحدهم: أتعرفه ؟ قال: نعم أعرفه، قال: هل جاورته ؟ قال: لا، قال: هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ قال: لا، قال: هل سافرت معه ؟ قال له: لا، قال: أنت لا تعرفه.

 

((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ))

  ملاحظة مهمة، حتى الذي قبل أن يصلي، قبل أن يصطلح مع الله عنده مكارم أخلاق، عنده شهامة، عنده مروءة، عنده رحمة،

 

((خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا))

 هذا المعدن الطيب إذا جاءه العلم فهو شيء رائع جدا، معدن طيب من دون علم، يفعل عملا صالحا وآخر سيئا، جيد، هو شهم، كريم، لكنه مرتكب ليعض المعاصي، وهو يجهلها أنها معاص، فما أروع ذا الطوية الطيبة إذا تعلم أمر دينه، ما أروع النفس الطاهرة إذا عرفت ربها، ما أروع النفس البريئة النظيفة إذا أقبلت على الله عزوجل،

((وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ))

 إذا اقترب من الكفار الفجار من أهل الدنيا وأثنى عليهم فقد أغضب الله عزوجل، أحيانا الفاسق عنده وحشة، فإذا حاءه مؤمن أثنى عليه يطمئن، أنت طمعته، أنت جعلته يرضى عن نفسه، المؤمن إذا أثنى على الفاسق يقول النبي الكريم:

((إن الله ليغضب إذا مُدح الفاسق ))

 إذا أثنيت على الفاسق أقررته على فسقه، وأعطيته إشارة، قال لك: نحن مضطرون، الفاسق دائما عنده حالة قلق، حالة عدم توازن، فطرته تعذبه دائما، فإذا لقي مؤمنا، وطمأنه وأثنى على عمله، وأقره على انحرافه أو على تقصيره هذا المؤمن يكون قد غشّه، وورطه ودفعه إلى مزيد من هذا العمل، فلذلك ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها، وذو اللسانين لا يكون عند الله وجيها.
 لا تنسوا هذا، وإذا مدحت الفاسق وهناك مؤمن موجود معك، وهذا المؤمن يثق بك، فلما مدحت الفاسق اختل توازن هذا المؤمن، إن صدقك ضيعته، وإن لم يصدقك خسرته، يقول لك: ما هذا الدجل ؟ إن صدقك ضيعته، إنسان لا يصلي، إنسان شارب للخمر، إنسان مقصر، إنسان عقيدته فيها زيغ، إنسان مبتدع، تثني عليه، فإن صدقك أضللته، وإذا كذبك خسرته.
 فلذلك أيها الإخوة أنا أعاني أحيانا في عقود القران، تجد الخطباء في عقود القران دون تحقق، ودون معرفة يلقون بالمدائح جزافا، و بالثناء غير المتحفظ على الشاب والشابة، العروسين، أنت لست متأكدا، وهناك من يعرفهم، فإذا وضعت علمك ومكانتك الدينية موضع شك هُزّتْ مكانتك، و هُزّتْ صورتك عند هؤلاء،

((إن الله ليغضب إذا مُدح الفاسق ))

 إذا مدحت الفاسق أوهمت الناس أنه على حق، أوهمت السذج أنه على حق، و خسرت الأذكياء، الأذكياء لا ينطلي عليهم هذا المديح، حينما يرونك تمدح فاسقا تسقط من أعينهم، خسرت هؤلاء.
 أنا أقول كلمة: إذا تكلم الإنسان شيئا غير صحيح، أمامه نموذجان ؛ أمامه إنسان بسيط يسلِّم له، ليس له هذه القدرة ليكتشف خطأه، عنده ثقة، وأمامه إنسان ذكي دقيق، البسيط غششته، والذكي خسرته، فأنت خسرت على جبهتين، الأول البسيط الذي صدقك ووثق بك غششته، والذكي الحصيف خسرته، أما إذا تكلمت الحق، وحرصت على أن تقول الحق، ولو كان الثمن باهظا، إنك ترقى عند الناس.
 إذًا:

((وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ))

  بالتعبير العامي: أعطِه جمله ، مَن أخذ أمي عمي، هذه لا آية ولا حديث، كلام الجهلة.
 أحيانا مصيبة المصائب أن ثمة أقوالا لا هي آيات، ولا أحاديث ولا حِكم ولا أقوال الصحابة، ولا أقوال التابعين، ولا أقوال علماء، هي أقوال أناس منافقين، أقوال أناس ضعفاء النفوس، يقول لك مثلا: " امش في جنازة، ولا تمش في زواجة "، ما هذا ؟ هذا توجيه من ؟ النبي الكريم يقول:

(( أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح ))

 إذا سعيت في زواج شاب مؤمن من شابة مؤمنة فهذا أعظم عمل عند رسول الله، فأنا أدع قول النبي e والتفت إلى قول العامة الساذجة البسطاء دهماء الناس وسوقتهم ؟!
 خطورة ذو الوجهين أنه حينما يلتقي بالمؤمنين، و يثني عليهم، يظنونه مؤمنا، فيعطونه بعض أسرارهم، وحينما يلتقي مع الكفار قد ينقل لهم أسرار المؤمنين، نقاط ضعفهم، مشكلات فيما بينهم، وإذا لقي الكفار أعطاهم أسرار المؤمنين، هذا اخطر عملا من النمام، النمام ينقل كلام شخص إلى شخص، أما هذا فنمام مزدوج، ينقل كلام هؤلاء لهؤلاء، وكلام هؤلاء لهؤلاء.
 لولا أني لاحظت أناسا كثيرين يقفون مواقف متناقضة، يجلس مع المؤمنين، فيقول: ما شاء الله، هذا هو الدين، يثني، وتلاحظه مع أهل الدنيا الشيء نفسه، يثني عليهم، وعلى ذكائهم، وعلى حصافتهم، وهم لا يصلُّون، تركوا الدين، وأموالهم كلها بالربا، نساؤهم كاسيات عاريات، يجلس معهم فينسجم.
أنا أقول كلمة: إذا وجدت نفسك منسجما انسجاما تاما مع إنسان تارك للصلاة أو دينه رقيق أو دخله حرام، واللهِ هذه علامة خطيرة جدا، معنى ذلك أنه ليس عندك هذه الطهارة النفسية، لا هذا السمو الذي يجعلك تأبى أن تكون معهم، العلاقات الحميمة التي يقيمها المؤمنون مع أهل الدنيا هذه مؤشر ليس في صالحهم، أنت لا بد أن تكره تارك الصلاة، يجب أن تشعر أن هذا الذي لا يطيع الله عزوجل لا شأن له، سبحان الله ! في بعض الأحاديث أن الله عزوجل أرسل ملائكة لإهلاك بلد، قالوا: يا رب، إن فيا رجلا صالحا، قال: به فابدؤوا، يا رب لماذا ؟ قال: لأن وجهه لا يتمعر إذا رأى المنكر، أنت أليس لك هذه الغيرة على الدين ؟ شخص نساؤه سافرات، تارك للصلاة، تحبه، و تودّه، و تزوره، ولا تنصحه إطلاقا، تريد أن تمرر مصلحتك معه، هذه الحالة حالة مرضية.
 فلذلك أيها حتى يزداد المؤمنون ترابطا، حتى يشعر المؤمن بقيمته، لا بد أن يكون ذا وجه واحد، ولسان واحد، قال رجل لسيدنا عمر t: أتحبني ؟ فقال له: واللهِ لا أحبك، صريح، الصحابة الكرام كانوا على أعلى درجة من الوضوح والجرأة.
حديث آخر، ولكن عندنا هنا ملاحظة قبل أن ننتقل إلى حديث آخر، لو فرضنا أنك تعرف أن بين هاتين الأسرتين خصاما، وذهبت إلى أول أسرة، وقلت لهم: واللهِ الأسرة الفلانية يحبونكم، وهم حريصون على رضاكم، ولم يتكلموا عنكم ولا كلمة، وتكلمت كلاما معاكسا عند الأسرة الثانية، والله الجماعة أيضا دعوكم ويحبونكم، هذا الوضع الإصلاحي لا ينطبق عليه حديث رسول الله e، أنت من أجل الإصلاح يمكن أن تخفي بعض الحقائق، يمكن ألا تنقل بعض الكلمات، هنا في هذا الموضع والموطن لا ينبغي أن تكون موضوعيا، لو كنت موضوعيا لبعدت الشُّقة بين الأسرتين، فأغفل كل شيء سيئ، وأبرز كل شيء حسن، والحسن زيِّنه، وبادر به قليلا حتى يلين القلب.
 أنا أشعر أحيانا لو فرضنا أن ثمة خصاما زوجيا، تسمع من والد الزوجة أنها لا تريد زوجها إطلاقا، وتسمع من الزوج أنه لا يريدها، لو قلت للزوج: واللهِ إنها لتحبك، وحريصة أن ترجع إليك، وتتمنى أن تكون معك، وذكرت كلاما آخر للزوج مشابها، أو للزوجة مشابها، كذلك هو حريص عليكِ، فمال قلبها إليه، ومال قلبه إليها، ففي موضوع الإصلاح لو كنت موضوعيا، لو نقلت نقلا أمينا ما قاله الزوج في حق صاحبه لازدادت الهوة، هذه حالات نادرة، لن تصلح بين الناس إلا إذ أغفلت السلبيات، وأدرجت الإيجابيات.
 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أُنَاسٌ لِابْنِ عُمَرَ:

((إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلَافَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا))

(البخاري)

  إذا دخلنا عليه نقول له كلاما بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عنده.
 مثلا، دخل أحدهم على موظف بأدب بالغ، واحترمه احتراما شديدا، أطال الله عمركم، ما شاء الله، كل أعمالك حكيمة، خرج من عنده وهو يلعنه، هذا ليس سلوك المؤمن، إن رأيت من الحكمة أن تمدحه، أو تحترمه فلا مانع، لكن لا تسبه بعد ذلك، أما وأنت في حضرته تثني عليه، وإذا خرجت من عنده عملت عملا، أو أما وأنت في حضرته تثني عليه، وإذا خرجت من عنده عملت عملا، أو حركت أصابعك حركة، أو تكلمت بكلمات توحي بأنك لا تحترمه، هذا ليس من أخلاق المؤمن أبدا.
 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ – وهو عبد اله بن عمر -قَالَ أُنَاسٌ لِابْنِ عُمَرَ:

((إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلَافَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا))

(البخاري)

  وفي رواية ابن ماجه عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ:

((إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى أُمَرَائِنَا فَنَقُولُ الْقَوْلَ فَإِذَا خَرَجْنَا قُلْنَا غَيْرَهُ قَالَ كُنَّا نَعُدُّ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّفَاقَ))

 

(ابن ماجه)

  إذا تكلمت بكلام، و خرجت وتكلمت بكلام آخر، فهذا كما قال عنه سيدنا ابن عمر:

 

((كُنَّا نَعُدُّ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّفَاقَ))

  وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله e يقول:

((ذُو الْوَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ وَجْهَانِ مِنْ نَارٍ ))

  رجلان متخاصمان وقفا أمام قاض، تكلم الأول فقال له: معك الحق، تمام، تكلم الثاني فقال له: معك الحق، سمعته زوجته من وراء الستار تقول له: يا فلان، ما هذا الحكم ؟ فقال: واللهِ معكِ حق أنت أيضا، لك وجهان أو ثلاثة أو أربعة، ليس هذا من أخلاق المؤمن.
 عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله e يقول:

((ذُو الْوَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ وَجْهَانِ مِنْ نَارٍ ))

(رواه الطبراني في الأوسط)
 إذًا دائما عوّد نفسك أن يكون لك موقف واحد، لسان واحد، عقيدة واحدة، لكن أقول لك: يمكن أن ترى إنسانا قويا، ليس في إمكانك أن تنصحه، ولا أن تذمه، فلا مانع، اصمت، أما إذا مدحته فهذا نفاق، إن كنت أضعف من أن تنصح قويا، أو أن تذمه فعليك أن تسكت، وإذا سكت فلا يلومك أحد، أما إذا تكلمت بخلاف قناعتك عندئذ تظهر منافقا.
 عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ))

(أبو داود)

 الآية الكريمة:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)﴾

(البقرة: 8 – 10)

  وروي عن أس رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

((مَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ))

  لذلك أيها الإخوة، لا شيء يسقطك عند الله، و عند الناس كان تكون ذا وجهين، وذا لسانين.
 دائما أقول لكم: كلمة الحق لا تقطع رزقا و لا تقرب أجلا، و ربما إذا قلت الحق – دائما الشخص الذي ترهبه لو نصحته لأحبك، ولو نافقته لأحتقرك، على خلاف ما تظن، إذا نصحته بأدب، لست مكلفا أن تكون وقحا، قال أحدهم لخليفة: إني سأنصحك وأغلظ عليك، قال له: ولمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، ومع ذلك قال له:

 

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾

 

(طه)

  يمكن أن تنصح إنسانا بأدب جم، وفي التاريخ الإسلامي عندنا مواقف مشرفة جدا، من علماء حينما نصحوا الخلفاء، رجعوا إلى رشدهم، واستفادوا من هذه النصيحة، أحيانا يلتقي إنسان مع مدير ناحية، خوِّفه بالله عزوجل، قل له: كل موقف تقفه سوف تُسأل عنه، الإنسان حينما يكون قويا قوته تجعله يتمادى، أما إذا بينت له أن ثمة مسؤولية، وحسابا دقيقا، هذا الذي أكلت حقه لن يسامحك عند الله عزوجل، إلهٌ عظيم، فأنت بدل أن تثني انصح، لذلك من أعان ظالما سلّطه الله عليه، من أعان ظالما ليظهر الله آياته يجعل هذا الذي أعان الظالم أول ضحاياه، من أعان ظالما ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا على جبينه: آيس من رحمة الله.
 إذًا أحاديث الترهيب من ذي الوجهين ومن ذي اللسانين أعيدها على أسماعكم سريعا:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ))

 والحديث الثاني: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أُنَاسٌ لِابْنِ عُمَرَ:

((إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلَافَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا))

  وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ e يَقُولُ:

((ذُو الْوَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ وَجْهَانِ مِنْ نَارٍ ))

  وعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ))

 وروي عن أس رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

((مَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ))

  هذه خمسة أحاديث شريفة وصحيحة السند والمتن ترهب وتخوف من أن يقف الإنسان موقفين متناقضين، له موقف معلن، وموقف باطن، له مظهر وله مخبَر، له سريرة وله علانية، مع هؤلاء، مع هؤلاء، يمدح هؤلاء، ويتهم خصومهم، ويأتي خصومهم فيمدحهم ويتهم الآخرين، هذا السلوك سلوك لا يتوافق مع الإيمان إطلاقا.
 استثنينا من هذا الإصلاح بين أسرتين، بيم أخوين، بين شريكين، بإمكانكم أن تسكت عن الكلمات القاسية التي قالها الأول في حق الثاني، وأن تأخذ من بعض كلامهم، وأن تبالغ فلا مانع، فلعل قلب الأول يلين للثاني، وهكذا.
 هذا الباب الأول الترهيب من أن يكون الإنسان ذا وجهين وذا لسانين.
 والباب الثاني الترهيب من احتقار المسلم لأخيه المسلم، وهذا أيضا مرض شائع بين بعض المؤمنين، هو مقتنع أنه على حق، وما سواه على باطل.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))

(مسلم)

  الإنسان قد يكون مؤمنا غنيا، فإذا احتقر مؤمنا فقيرا ما الذي يحصل ؟ قد يكون هذا الفقير أقرب إلى الله من هذا الغني، قد يكون هذا الفقير أشد إخلاصا، قد يكون هذا الفقير أشد ورعا، قد يكون هذا الفقير أقرب إلى الله عزوجل، فإذا احتقرته وهو أرقى منك إلى الله عزوجل عندئذ تصاب بخيبة أمل كبيرة جدا، أحيانا الإنسان على مستوى الدراسة يكون الطالب هادئا لا يحب الضجيج ولا ( البهورة ) – باللغة العامية – تحتقره، فتفاجأ في الامتحان أنه الأول، حينما تفاجأ أن هذا الذي تحتقره قد سبقك هذا حالة اسمها خيبة أمل مُرة، فالمؤمن حتى لا يتفاجأ لا يحتقر أخاه المسلم،

((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))

(رواه مسلم)

 الآية الكريمة:

 

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)﴾

 

(الواقعة: 1 – 3)

  عندنا مقاييس في الدنيا، والناس تعارفوا على هذه المقاييس، مقياس المال، مقياس الوجاهة، مقياس الذكاء، مقياس الجمال، مقياس الصحة، مقياس النسب، مقياس القوة، هذه كلها مقاييس، لكن من أدراكم أن الله عزوجل لا يعترف على كل هذه المقاييس، و ليس عنده إلا مقياس واحد، وهو التقوى والطاعة، وسوف نأتي على بعض الأحاديث في هذا المعنى.
 هذا الحديث الأول رواه مسلم،

((بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))

 ومعنى عرضه سمعته، إذا سئلت عن أخيك المسلم وقلت: ذمته ليس تامة، أين أنت ؟ مؤمن قليل ذمة ؟ أنت اتهمته بأقدس ما عنده، أنت اتهمته في دينه، تقول: ليس لي به ثقة، حينما تتهم مؤمنا صادقا فقد وقعت في إثم كبير، من أساء الظن بأخيه فقد أساء الظن بربه.
الحديث الثاني، وهذا الحديث دقيق جدا، رواه مسلم أيضا والترمذي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ))

(رواه مسلم والترمذي)


 لأن الكبر يتناقض مع العبودية لله عزوجل،

((قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ))

 نظيفا، يحب الأناقة، يحب الانسجام في الألوان، يحب أن يكون مظهره أنيقا، ولكنه ليس متكبرا، لا يحب المظهر السيئ،

((قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))

 يحبك نظيفا، أنيقا، صاحب ذوق، تلبس سروالا من دون جوارب، ونعل من غير شسع ولا خيوط، وله لحية، ويدعي أنه صاحب دين، هذا لا يجوز، أنت مظنة صلاح، هذا مظهر لا يليق بمؤمن، أنت تمثل الدين، ليس شرطا أن يكون لباسك غاليا، البس أرخص الثياب، لكن تكون فيها نظافة، وشيء مما تعارف الناس أنه مقبول،

((قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))

 إذا التقيت بإنسان لأول مرة في حياتك، كنت عند صديق، ودخل شخص فجلس، والصديق مشغول، نظرت إليه، كيف تأخذ عنه فكرة ؟ من ثيابه أوّلاً، من هندامه، من شَعره، هل يعتني به ؟ وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ))

(أبو داود)
 أحيانا مِن حذائه، من جواربه أحيانا أخرى، فإذا تكلم نسيت مظهره، والتفت إلى كلامه، فإذا عاملك نسيت كلامه، قبل أن يتكلم تأخذ عنه فكرة من مظهره، ومن هندامه وأناقته و ثيابه، وشعره، فإذا تكلم نسيت هندامه، الكلام مثل العسل، فهيم، مثقف ثقافة عالية، متفلسف، لكن حينما عاملك و لم يكن منصفا، ولم يكن متواضعا، كان متعجرفا سلطا، عندئذ تنسى كلامه، وتتأثر بمعاملته، والأكمل أن يجمع المؤمن بين المظهر الحسن و المنطق الحسن، والمعاملة الحسنى، فالنبي e قال: لا، ليس هذا كبرا،

((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ))

 بطر الحق أي ردّ الحق، رفضت الحق، رفضت أن تقبله، رفضت النصيحة، رفضت الانصياع لها

((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ))

 وغمطُ الناس احتقارُهم، تعريف جامع مانع للكبر من قِبَل النبيe.
 هناك أشخاص متكبرون، لا يتحمل رجلا قريبا من مكانته، يصفه أنه لا يفهم، وهو الذي يفهم فقط، فلان تجارته رائجة، فيقول: كذاب، فقط أنت الذي يفهم، وأنت تجارتك رائجة، لا يتحمل مديحا لإنسان آخر، هذا متكبر، هذا الذي لا ينصف الناس هذا متكبر، النبي e عرّف الكبر بأنه

((بَطَرُ الْحَقِّ – أي ردّ الحق - وَغَمْطُ النَّاسِ – أي عدم إنصافهم - ))

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِذَا سَمِعْتُمْ رَجُلًا يَقُولُ: قَدْ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))

(مسلم، وأبو داود، واللفظ له)

  يقال: ليس هناك أحد فيه دين، وأحيانا يقول لك أخ: كل الذين عندك لا يطبّقون حديثا، يأتون تضييعا للأوقات، ليس فيهم أحد يطبّق ؟! ما هذا الكلام ؟ كلام فيه مبالغة، تجد واحد واثنين مقصِّرين، ولكن كل الحاضرون لا مصلحة في مجيئهم ؟! ليس هناك علاقات مادية، ولا مكاسب شخصية، ولا دنيا، يأتي بيت الله ليتعلم، أنت اطلعت على أعمالهم، تعرف أحوالهم الخاصة، أزعج بعضُهم فقلت: كل هؤلاء سيئون، كلما قلت: كلّ، معنى ذلك أنك جاهل، لأن التعميم من العمى، لا يعمِّم إلا جاهل.
 ذهب أحدهم إلى بلد، لتكن مدينة حلب مثلا، أساء إليه سائق، فيقول: كل أهل حلب سيئون ! ما هذا الكلام ؟! فيها صالحون، فيها طيبون، دينون، مستقيمون، ورعون، فيها من هذا الجنس، وفيها من الجنس السيئ، حينما تتجه إلى التعميم فأنت لست مثقفا، و لست عالما، ولست منصفا، وأنت متكبر، هذا حديث خطير جدا، إذا

((إِذَا سَمِعْتُمْ رَجُلًا يَقُولُ: قَدْ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))

 أنا أعاني من هذا، تجد شخصا مقصِّرا جدا، يقول لك: كل هؤلاء الإخوان غير جيدين، كلهم ؟ لا أحد يطبق شيئا، هذا الكلام يدخل من هنا، و يخرج من هناك، بيوتهم سيئة، معاملتهم سيئة، هل عاملت الجميع ؟ عاملتهم واحدا وَاحدا ؟ من قال لك ذلك ؟ إذا أزعجك واحد منهم أو اثنان، وكانوا مقصِّرين حقيقة، تعمِّم الأمر على أناس طيبين طاهرين ورعين مستقيمين، يدهم طولى في الخير، هذا ليس موقفا منصفا، فعوِّد نفسك ألاّ تقول: هلك الناس، من قال كل: هلك الناس ؟ الدنيا ما زالت بخير، لو أن الإنسان معه وقت، ويتتبع الأمر سيجد أُسرا مستقيمة محافظة، وفيها أعمال لله عزوجل، وهاك حفاظ للقرآن، ودعاة صادقون، إذا قلت: هلك الناس قال النبي e:

((فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))،

 لا تعوّد لسانك أن يتهم، لا تكن طعّانا، لا تعوّد نفسك أن ترفعها، وتحط من قيمة الآخرين.
 هذا حديث دقيق جدا، عَنْ جُنْدَبٍ بْنِ جُنَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ:

((وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ - أَوْ كَمَا قَالَ - ))

(مسلم)

  أحدهم قال لرجل: واللهِ لا يغفر الله لفلان، هذا آخرته إلى جهنم، إذا كان عاصيا فقل: هذا عاص، إذا مات على هذه الحال فمصيره صعب، هذا كلام صحيح، إنسان شارب خمر، هل هو وليٌّ ؟! لا والله، هذا ليس بوليّ، هذا شارب خمر، إنسان زان، إنسان سارق، هذا عاص، ولكن ذا لا يمنع أن يتوب وأن يرقى، وأن يسبقك عند الله عزوجل.
 كان مالك بن دينا من قطاع الطرق، كان إذا دخل إلى المسجد التف حوله ألوف مؤلفة، وذات مرة حينما رأى احترام الناس له بكى، وذكّرهم بقصتهم، فيمكن للرجل العاصي، المقصِّر، التارك للصلاة، إذا تاب وصحا قد يسبقك، أمّا أن تحكم على مصيره فهذا لا يعلمه إلا الله، كم من إنسان فاسق فاجر الله عزوجل قبله وتاب عليه، و أكرمه ورحمه، فهذا الرجل في عهد النبي الكريم يقول:

((وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ))

 يتطاول،

((مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ))

 هذا اسمه عند العلماء تالِّيًا على الله،

((مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ))

  كل إنسان يعيّر إنسانا مقصِّرا من حِكم الله عزوجل أن الله يعافيه و يبتليه، يعافي المقصِّر، و يبتلي المعيِّر، لا تعيِّر إنسانا.
 هناك قصة نرددها كثيرا، عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ امْرَأَةٍ... أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَتْ الْأَنْصَارُ سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ، قَالَتْ أُمُّ الْعَلَاءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ، وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللَّهِ الْيَقِينُ وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ قَالَتْ فَنِمْتُ فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ذَاكِ عَمَلُهُ))

(البخاري)

  النبي ما سكت عنها، لو سكت لكان كلامها صحيحا، قال: أرجو الله أن يكرمه، كلام لطيف، أخي فلان من أهل الجنة قطعاً، لا، ليس هناك قطع في هذا، ليس هناك قطع بالجنة إلا لعشرة، الذين بشرهم النبي e، أما الباقي فنرجو الله أن يكون فلان من أهل الجنة، دائما الرجاء هو الذي يتناسب مع العبودية، أم التالّي على الله، والحتم، فلان قطعا من أهل الجنة، هذا تطاول، أنت عبد، العبد عبد والرب رب، هذا ليس من شأنك، هذا من شأن الله عزوجل.
 يقول الله عزوجل في هذا الحديث:

((مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ))

  تروى قصة للموعظة، أحد الأولياء والعارفين بالله له كرامة عند الله، كانت سحابة تظلله، غمامة تظلله، فوقف إلى جانبه رجل، فقال له: ابتعد عني، لئلا يظن الناس بك الولاية، وأنت لست بوليّ مثلي، ابتعد، فقال له: اتركني أقف معك في الظل، فأبى عليه، أنت لست وليا، ابتعد عني، فلما ابتعد عنه تبعته الغمامة، وبقي الولي بلا غمامة.
 هذه لها مغزى كبير جدا، إذا تألّى الإنسان على الله، ونصب نفسه وصيا على الناس، ووزع الألقاب، هذا كافر، وهذا مؤمن، هذا إلى الجنة رأسا، هذا في عذاب جهنم، هذا في البرزخ، من أنت ؟ هذا تألٍّ على الله، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه،

((مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ)).

  إذا وقف أحدهم، ومرت سيارة مسرعة، فلما رأته أبطأت من سرعتها، ففرحتَ و ركضت، فلما ركضت إليها أسرعت، ألا تشعر أن هذا الإنسان أهانك، أعطاك لقمة، جئت لتأخذها فسحبها منك.
 اسمعوا هذا الحديث: عن الحسن رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام:

((إن المستهزئين بالناس يُفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنة، فيقال لهم: هلم، فيجيء هذا الإنسان المستهزئ بكربه وغمه، فإذا جاءه أغلق دونه، ثم يُفتح له باب آخر فيقال له: هلم هلمّ، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاءه أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إن أحدهم ليُفتح له الباب من أبواب الجنة فيقال: هلم، فما يأتيه من اليأس ))

 فالذي يستهزئ بالناس يستهزئ الله بطريقة تكافئ استهزاءه.
 عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((... لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِدِينٍ أَوْ تَقْوَى))

(أحمد)

  وفي خطبة الوداع يقول عليه الصلاة والسلام:

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... قَالَ: لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ))

(أحمد)

 بقي حديثان في هذا الباب:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي: ألا إني جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان ابن فلان خير من فلان ابن فلان، فاليوم أرفع نسبي، وأضع نسبكم)).
 هناك مقياس عند الناس، وهناك مقياس عند الله عزوجل، فإذا أبيتم إلا أن تقيسوا الناس بمقياس أهل الدنيا المشكلة أنه يوم القيامة مقياس أهل الدنيا ساقط، لا قيمة له، والمقياس الذي يقاس به الناس هو مقياس الله عزوجل، لذلك:

((إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي: ألا إني جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان ابن فلان خير من فلان ابن فلان، فاليوم أرفع نسبي، وأضع نسبكم))

 أين المتقون ؟
 قال تعالى:

 

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾

 

(القصص)

  الحديث الأخير: عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ:

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ، بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ))

(الترمذي)

 وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللَّهُ:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾

  العبيّة يعني مفاخر الجاهلية، كل واحد يفتخر إما بنسبه أو بقبيلته، أو بشجاعته، أو بكرمه، أو بشيء من قيم الجاهلية

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ، بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ ))

 هذا هو التصنيف النبوي، مؤمن تقي، فاجر شقي، آمن بالله واستقام، أو كفر بالله وفجر.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ))

(أحمد)

  كل إنسان يفتخر بشخص له منصب رفيع أو مكانة مرموقة، وليس على الحق، إنه يفتخر بفحمة من فحم جهنم،

((أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ ))

 الجعلان حشرة حقيرة في البيت، العلماء قالوا: هي الحرباء، وفي بيوتنا تجد صرصور صغير، هيّن عليك، تقتله فورا، فالإنسان حينما يعصي الله عزوجل يصبح أهون على الله من الجعلان، أما إذا أطاع الله عزوجل رفع الله قدره، ومنزلته.
 إذًا موضوع درسنا اليوم محوران أساسيان، ذو الوجهين وذو اللسانين ليس عند الله وجيهًا، وله وجهان من نار ولسانان من نار، موقف واحد، فكر واحد، لسان واحد، مشاعر واحدة، أما إذا تناقضت سقطت من عين الله، وسقطت من عين الناس.
 والموضوع الثاني: الترهيب من أن يحقر المسلم أخاه، بأي سبب، مقياس المال، مقياس القوة، مقياس الجمال ن مقياس الذكاء، مقياس الصحة، مقياس الوجاهة، مقياس النسب، هذه كلها مقاييس باطلة، الله عزوجل أسقطها يوم القيامة، وبقي مقياس واحد هو التقوى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

(الحجرات: 13)

  طبعا هذا الدرس له مضاعفات، له منعكسات، منعكساته أن يبدو التواضع على كل مؤمن، ألاّ يحتقر مؤمن مؤمنا، ألاّ يحتقر مسلم مسلما.
 أحيانا يكون بيتك واسعا، فتقول: بيت فلان صغير، إياك أن تقيس هذا المؤمن بحجم بيته، قسه بصدقه، بإخلاصه، بعمله الصالح، بعلمه، مقياس العلم والعمل هو المقياس الذي يجب أن نتسابق فيه، واللهُ عزوجل قال:

 

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

 

(المطففين)

 وقال:

 

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

 

(الصافات)

  وقال:

 

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾

 

(يونس)

  يكون التنافس والتسابق في مضمار الآخرة، في العلم والعمل، أما التسابق في الدنيا فكلا المتسابقين خاسر.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018