أحاديث متفرقة - الدرس : 051 - أحاديث شريفة تبدأ بـ إنما..... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 051 - أحاديث شريفة تبدأ بـ إنما.....


1992-07-05

 

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يجعلون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون: النفس الإنسانية تحب التنويع أحياناً، وكتاب الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير مرتب أحاديثه وفق حروف المعجم، لذلك تقرأ الحديث تلو الحديث، يجمع بين الأحاديث أنها تبدو بحرف واحد، لكن موضوعاتها متفاوتة، فالإنسان من حين لآخر يحب أن ينتقل من موضوع إلى موضوع، ففي هذا متعة، ودفع للسأم والضجر، وقد اخترت لكم اليوم طائفة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تبدأ كلها بقوله صلى الله عليه وسلم

((إنما))

  وقبل أن نمضي في قراءة الأحاديث والتعليق عليها وتحليلها، وبيان مقاصد النبي عليه الصلاة والسلام أحب أن أنوه إلى أن الأداة إنما أداة قصر في اللغة، ومعنى القصر قصرُ شيء على شيء، أي حبس شيء على شيء، أي وقف شيء على شيء، في كتب البلاغة يضربون المثل المألوف، إذا قلنا: إنما شوقي شاعر، يعني شوقي شاعر فقط، لا كاتب، ولا ناثر، ولا كاتب قصة، ولا حقوقي، ولا أي شيء آخر، وإذا قلنا: شوقي شاعر، فلا يمنع أن يكون كاتباً، ولا يمنع أن يكون قاضياً، ولا يمنع أن يكون تاجراً، إذا قلنا: شوقي شاعر، فلان مدرس، قد يكون تاجرًا مع التدريس، فلان خطيب، وقد يكون تاجرًا مع الخطابة، فلان تاجر، وقد يكون عالمًا مع التجارة، فلان أب، وقد يكون أخًا، أما إذا قلنا: إنما شوقي شاعر، يعني أن شوقي شاعر فقط، وليس له صفة أخرى، لأننا حبسنا شوقي على الشعر، وكأن الشعر حلقة، وهو فيها محبوس، هذا إنما شوقي شاعر، لو عكسنا العبارة، و قلنا: إنما الشاعر شوقي، يعني الشاعر هو شوقي فقط، وما سواه ليسوا بشعراء، المعنى اختلف، أول مثل قصرنا شوقي على الشعر، وفي المثل الثاني قصرنا الشعر على شوقي، أن تقصر شيئاً على شيء، أو أن تقصر هذا الشيء على هذا الشيء، هذا بحسب الترتيب، إذا قلت: إنما شوقي شاعر قصرت شوقي على الشعر، فشوقي شاعر فقط، ليس له صفة أخرى، أما إذا قلت: إنما الشاعر شوقي فقد جعلت الشعر كله محصوراً بشوقي، ولا شاعر آخر سواه، هذه الأداة إن استخدمناها في كلامنا فتعني القصر، وقد يستخدمها الإنسان دون أن يعي معناها، الإنسان إذا تكلم أو كتب أو ألقى كلمة يستخدم كلمات، لكن أغلب الظن أنه لا يستخدمها استخداماً دقيقاً، ولا ينتج من استخدامها معان صارمة دقيقة، لكنك إذا رأيت إنما في القرآن، والقرآن كلام خالق الأكوان، والقرآن معجز، وكمال الله مطلق، وحتى في كلامه يجب أن تأخذ إنما في القرآن مأخذًا آخر، إذا قال الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 

[ سورة فاطر: الآية 28 ]

  قصرنا الخشية على العلماء وحدهم، لذلك قيل: الطريق الوحيدة إلى الله السالكة هي العلم، فإذا أردت الله عز وجل فعليك بالعلم، لا يوجد طريق أخرى، أي طريق آخر أولاً طريق خطر، أو إنسان في ساعة صفاء اضطربت نفسه، وجاشت عواطفه، وأراد أن يستقيم على أمر الله، ولم يسلك طريق العلم، هذه نسميها فورة، تلك الفورة سريعاً ما تنطفئ، وسريعاً ما ينتكس صاحبها بأتفه الأسباب، لذلك عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ))

[ الترمذي ]

  الشيء المؤلم أحياناً أنك ترى شاباً أو رجلاً لزم مجلس علم، وأقبل إقبالاً شديداً، وتفاءلت نفسه، واضطربت عواطفه، وأحب الله ورسوله، وبذل الغالي والرخيص، فجأة يختفي، تسأل عنه يقدم لك أعذارًا واهية، ثم ينمى إليك أنه خرق الاستقامة، وأنه ترك الصلاة، لو سألتني: ما السبب ؟ أقول لك: لأنه لم يسلك طريق العلم، سلك طريق العاطفة، وطريق الحال، وطريق العدوى، طريق الحال والعاطفة والعدوى لها أثر مسعد جداً، لكن أثرها لا يدوم، ولا يستمر، شيء يفور، ثم يهمد، بركان يثور ثم ينطفئ، اندفاع شديد، ثم نكسة شديدة، لذلك من قوله تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 

[ سورة فاطر: الآية 28 ]

  الله جل جلاله قصر الخشية على العلم، إذاً العلم أولاً، وثانياً العلم، وثالثاً العلم، يعني العلم وحده هو الطريق إلى الله، كل هذا مستفاد من كلمة " إنما"، إله يتكلم يقول لك:

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 

[ سورة فاطر: الآية 28 ]

  إذا قال لك رجل: أتعلم بالحال أنا أقبل على الله عز وجل، فالله يقذف بقلب العلم، والله شيء جميل، ماذا قال النبي ؟ هذا الكلام كلام بعض الناس، لكن ماذا قال النبي قال عليه الصلاة والسلام:

((وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ))

[ البخاري ]

  معنى " إنما " هذا كلام النبي e، والنبي سيد البلغاء، وسيد الفصحاء،

((وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ))

 يعني قصرنا العلم على سبب واحد، ألا وهو التعلم، يجب أن تجلس في مجلس علم، يجب أن تستمع إلى كلام الله عز وجل، وإلى تفسيره، وإلى حديث رسول الله، وإلى تفسيره، وإلى سيرة النبي e، وإلى أبعادها، طريق التعلم، وطريق المدارة وحده،

((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم))

  أنا أتمنى على إخواننا الكرام أن يفهموا نصوص القرآن، ونصوص النبي العدنان فهماً دقيقاً دقيقا، إذا فهمنا معنى إنما أنها أداة قصر تقصر شيئاً على شيء، الآن أسألكم أنا: هل عندكم نصوص قرآنية أخرى أو نبوية فيها إنما:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

[ سورة الحجرات: الآية 10 ]

  الحديث خطير جداً، إن لم تشعر بالأخوّة مع مجموع المؤمنين فلست مؤمناً، الله جل جلاله قصر المؤمنين، وقصر الإيمان على ذلك الشعور بالانتماء إلى مجموع المؤمنين، فإذا انتسب فقط إلى مجموعته لا يوجد غيرنا على حق، الباقي كله على باطل، نقول لك: هذا تعصب، وهذا ضيق أفق، وهذا مخالف لنص الآية، المؤمن الصادق لو رأى مؤمناً في أقصى الدنيا الإيمان واضح، معرفة في القلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، ما وقر في القلب، وصدقه العمل، فإذا رأيت مؤمناً أول مرة من بلاد بعيدة إن لم تشعر بحب له وانتماء له وأخوة له بينك وبينه صادقة فالجواب: لست مؤمناً من كلمة إنما، قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 55 ]

  أي قصر الولاية على الله ورسوله، قصر العبادة على الله عز وجل، قصر صفته على أنه بشر:
 عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ...))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]

  الآن كلما قرأنا إنما في القرآن والسنة يجب أن تفهم أن ثمة معنى خطيرًا، يوجد لدينا استخدام لغوي آخر للقصر غير إنما، لدينا طريقة أخرى لإحداث معنى القصر غير إنما، النفي والاستثناء، قال تعالى:

 

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

 

[ سورة النجم: الآية 39 ]

  لو أن الله قال: للإنسان ما سعى، شيء جميل، معنى طيب، لكن وله ما يسعى، أنا أقول لك: لي هذا البيت، هل معنى هذا الكلام ليس لي شيء غير البيت ؟ لا، لي هذا البيت، ولكن ليس لي إلا هذا البيت، اختلف المعنى، إذا أول طريقة إنما، والطريقة الثانية النفي والاستثناء، كقوله تعالى:

 

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

 

[ سورة الصافات: الآية 35 ]

  نفي واستثناء، كما في قوله:

 

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾

 

[ سورة هود: الآية 6 ]

  وقوله:

 

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 144 ]

  ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر، يوجد طريقة ثالثة للقصر في القرآن، ما هذه الطريقة ؟ هي قوله:

 

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾

 

[ سورة الفاتحة: الآية 5 ]

  لو أن الآية: نعبد إياك، هل يمنع أن تعبد غيره ؟ لا يمنع، أما إذا قال: إياك نعبد، أصبح هناك قصر بطريق تقديم ما حقه التأخير، وفي آية قرآنية قال الله عز وجل:

 

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 59 ]

  لو قال: مفاتيح الغيب عنده وعند غيره، أما عندما عكسها الله عز وجل: وعنده مفاتيح الغيب، إذا نحن فهمنا إنما أولاً، والنفي والاستثناء ثانيًا، والتقديم ما حقه التأخير ثالثاً ويوجد، ضمير الفصل " هو "، من يذكر آية فيها هو ؟

 

﴿اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾

 

[ سورة الممتحنة: الآية 6 ]

  لو قال: الله الغني الحميد لم يكن فيها، ولكن الله هو وحده الغني الحميد، ضمير الفصل أيضاً فيه معنى القصر، وهذا يذكرني بقول سيدنا سعد: ( وما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى )، الآن إذا قرأت الحديث يجب أن تفهمه فهماً دقيقاً، ويجب أن تعلم أن النبي e لا ينطق عن الهوى، أنا في يوم الجمعة ذكرت موضوعاً أحب أن أذكركم به مرة ثانية، في حديث قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ))

[ الترمذي، أبو داود ]

 أبن القدح عن فيك في أثناء الشرب، ونهى عن التنفس في الإناء، ونهى أن يتمسح الرجل بيمينه، يعني إذا قضى حاجة لا يستخدم يده اليمنى، ونهى أن يبال في الماء الراكد، أو على قارعة الطريق، لدينا مجموعة أحاديث تتشدد في الطهارة، أمرنا بغسل رؤوس الأصابع من الظاهر، أي قد يعلق بين الجلد والظفر بعض النجاسة، الإنسان يأكل، فلذلك من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه، هناك أحاديث كثيرة في هذه المعنى فوجئت في هذا الأسبوع وأنا أطالع في كتاب عن الصحة، رأيت تقرير منظمة عالمية تعنى بشؤون الصحة فوجئت بعنوان أمراض القذارة، فذكر مرض التيفويد الإنتاني، 350 مليون إصابة في العالم، مرض التهاب الكبد الإنتاني 250 مليون إصابة في العالم، يعني 250، 350، 150 في مرضين 7، 5، فالمجموع أكثر من ألف مليون، يعني خمس سكان الأرض مصابون بأمراض القذارة، ما معنى أمراض القذارة، أي الأمراض التي سببها القذارة، أما الأغرب من ذلك في تحليل هذا التقرير، وأنا أعتقد أن كاتب هذا التقرير لا يعرف عن دين الإسلام شيئاً إطلاقاً يقول: إن هذه الأمراض أكثرها بسبب عدم غسل اليدين قبل الطعام، وبعده، وعدم الاستنجاء، وتلوث الماء والهواء والطعام، ثم يذكر أن المعطيات العلمية في عصره لا تكفي لمعرفة هذه الحقائق موضوع الجراثيم والعدوى والأمراض الإنتانية والأمراض السارية، وهذه الأمراض حوالي ألف مليون يصاب في العالم، خمس سكان العالم ضحية هذه الأمراض، وثلاثة ملايين حادثة وفاة في العالم، نحن يقولون لنا: حروب أهلية، وزلزال، وفيضانات، مذبحة، طائرة سقطت فيها 350 راكبًا، لكن أخبار موت الناس من أمراض القذارة ربما لا تعنينا، أو ربما لا تصلنا، قضية مفرقة بين الشعوب والأمم، ثلاثة ملايين حادث وفاة في كل عام، نصفها من الأطفال، إذًا ما هذا الدين العظيم الذي أمرك أن تغسل يديك وفمك قبل الطعام، وبعده، ونهاك على أن تستخدم يدك اليمنى في الاستنجاء، ونهاك عن أن تتنفس في الإناء، ونهاك على أن تأكل فاكهة قبل أن تغسلها، ونهاك على أن تبول في الماء، ما هذا الدين ؟ تشعر أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام ليس من عنده.
 ذات مرة تحدثت عن نقطة أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذبح الأنعام من أوداجها فقط، يجب أن تقطع أوداج الدابة، الأوداج أي الشريان الأبهر فقط، فلو أن الجزار قطع رأس الدابة كله لكان مخالفاً للسنة، ما حكمة ذلك ؟ سألت طبيباً قلت له: ما حكمة أن النبي عليه الصلاة والسلام نهانا على أن نقطع رأس الدابة كله ؟ جاء الجواب الذي لا يصدق قال: لأن القلب يأتمر بمركز كهربائي ذاتي، هذا المركز الكهربائي الذاتي يعطيه الضربات النظامية، أي إنسان يكون عنده عدم انتظام ضربات القلب لضعف هذه المراكز، يحتاج إلى بطارية، أعرف شخصاً وضع بطارية للقلب، وربنا جل وعلا جهز القلب بمركز توليد كهربائي، ومركز توليد ثان، ومركز توليد ثالث، الدول المتقدمة جداً لديها مركز توليد كهرباء احتياطي، لا تعمل إلا في حالة الحروب، لو حدثت حرب أو قصف أو عمل تخريبي فوراً تعمل مراكز التوليد الاحتياطية، هذا أعلى درجة من الاحتياط، وربنا عز وجل أودع ثلاثة مركز توليد كهربائية، الثاني لا يعمل إلا إذا تعطل الأول، وهكذا، ولكن هذا المركز يعطي الضربات النظامية ثمانين ضربة، أحيانا الإنسان يمشي على الدرج، لو صعد أربعة طوابق، ووضع يده على معصمه، وأحب أن يعرف نبضات قلبه، 120 نبضة، إذا فرح فرحاً شديداً، أو تألم ألماً شديداً، أو سمع خبراً مؤلماً، يضع يده يجد 180 نبضة، مادام مركز القلب لا يعطي إلا الضربات النظامية فكيف يصبح القلب يخفق 180 خفقة في الدقيقة ؟ يتلقى القلب عندئذ أمراً استثنائياً من الدماغ، يوجد في الدماغ مركز يعطي القلب أمراً استثنائياً برفع ضربات القلب، فنحن لو قطعنا رأس الدابة نهائياً فقلب الدابة ينبض 80 نبضة في الدقيقة، و80 نبضة في الدقيقة هذه السرعة البطيئة لا تكفي لإخراج الدم من كل الأوعية الدموية، لأن مهمة القلب بعد الذبح أن يخرج الدم إلى خارج الدابة، عملية الضخ بدائرة مغلقة، فلما فتحنا الشريانين فقد فتحنا الدائرة، وأصبح الشريان بدل أن يرجع انطلق خارج الجسم، لذلك هل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بحوث أو جامعات أو مراكز بحث، أو طب نفسي متطور ؟ ما السر إذاً ؟ من أين جاء النبي بهذا ؟ من عند الله، إنه e لا ينطق عن الهوى، قال تعالى:

 

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

 

[ سورة النجم: الآية 4 ]

  فإذا أمسكت بكتاب الحديث، واعتقدت أن هذا ليس من عند النبي e، بل من عند الله عز وجل، هو المبلغ، لذلك العلماء قالوا: هناك وحيٌ متلو وهو قرآن، وهناك وحيٌ غير متلو، وهو السنة، ولدينا دليل قطعي:

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

 

[ سورة النجم ]

  حتى كلامه اللهم صل عليه، وبعد ذلك:

((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم))

 عليها بحوث، وألقي فيها محاضرات، وأقيمت مؤتمرات علمية، وكلمة:

((إذا وقعت الذبابة فليغمس جناحها))

 الآخر ألقيت محاضرات، وكلما تقدم العلم اكتشف جانباً من أن كلام النبي e ليس من عنده، مثلاً أحضروا عالم آثار مختص بمنطقة الشرق الأوسط، وسألوه: هذه جزيرة عربية، كيف كانت قبل آلاف الأعوام ؟ قال: كانت جنات خضراء، وما الدليل ؟ في الربع الخالي آثار لحضارات عريقة أساسها وفرة الماء والبساتين، أين في الربع الخالي ؟ كيف يقول النبي e: ((ستعود بلاد العرب مروج وأنهار)) هذه قضية متعلقة بآلاف السنين سابقاً، والحديث في صحيح مسلم، حتى في علم الأجنة فيه أحاديث تشير إلى أن أول حركة يتحركها الجنين في الليلة الثانية والأربعين، وهذا يتفق مع أحدث ما في علم الأجنة، إذاً قضية كلام النبي e ليس من عنده، من خالق الكون، فإذا قرأت الحديث بهذه النفسية عندئذ تفهمه فهماً عميقاً، وتعظم كلام النبي e، وتأخذ به، هذا الذي قاله سيدنا سعد: (وما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى )، الآن إلى الأحاديث المتعلقة بكلمة إنما.
 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ))

[ابن ماجه ]

  الآن يقول لك التاجر: يا أخي رضي، ولكنه غشيم، لو كشف له حقيقة هذه السلعة أنها ليست مستوردة، وبضاعة غنية، لأن لها غلافاً فخماً جداً، ومواد أولية من الصنف العاشر، والمشتري ليس متمرساً في هذه البضاعة، إذا كشفت له هذه الحقائق هل يرضى عن هذه الصفقة ؟ لا يرضى، أصبح فيها غشٌّ، فإذا أخذ الإنسان بقول النبي:

((إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ))

 لأن النبي أخذها من قوله تعالى:

 

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 29 ]

  فلما يكتشف الإنسان أنه كان مغرراً به، وكان مغبوناً غبناً فاحشاً، والبضاعة ليست كما قال صاحبها، وليست مفقودة، بل هي موجودة، وليست من النوع الأول، بل هي من النوع الخامس، عندئذ لا يرضى، وإن لم يرض المشتري فالبيع فاسد، والبائع ربما يعاقب، ربما يعاقب بعقابات ربما لا تجد لها علاقة بينها وبين الذنب، ولكن الله عز وجل يحاسب الإنسان على مجمل أعماله، هذه نقطة مهمة جداً.
 مثلاً يكون الإنسان في محله التجاري نظاميًا مئة في المئة، يأتيه موظف فرضاً يتلبسه في مخالفة، هو بريء منها براءة الذئب من دم يوسف، يا أخي ظلموني، الجواب التوحيدي: أن الله جل وعلا لا يحاسبك على مخالفة واحدة، يحاسبك عليها إجمالاً بالتعبير التجاري، حساب ربنا مع العبد ليس حساب سندات، الحساب جارٍ، فإذا كان الإنسان ظالماً في بيته، وذهب إلى محله التجاري، وظلم يمكن أن تربط هذه بهذه، هنا مظلوم، ولكن هنا ظالم، هذا معنى دقيق جداً،

((ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ))

 مرة تحدث معي واحد بالحريقة، قال لي: أنا كنت أخطب في جامع النابلسي، قال جاءني موظف، الآن أصبحت القصة قديمة، قلت: جاءني موظف تموين، وألبسني مخالفة، أنا منها بريء، وألبسني ضبطًا، وفيه سجن شهرين، أنا ماذا فعلت ؟ قال لي: والله لم أفعل شيئاً، وأنا في عملي لم يكن لدي أي خطأ، ولا مخالفة، قلت له: والبيت، فسكت، الحساب جاري، الحساب جارٍ عند الله عز وجل، يحاسبك بالمحل عن البيت، وبالبيت عن المحل، إذا أسأتَ إلى المشتري إساءة بالغة ترى في البيت مشاكل، هذا ما قاله الإمام الشعراوي، قال: أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، وفي قول آخر،ولكن أبعدوه قليلاً: وأعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، تحرن معه الدابة أحياناً، معناه أن العلاقة مع الله ليست سليمة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ))

 فيا أيها الإخوة الباعة: الله هو الرزاق، يجب أن تبيع هذا الإنسان بيعاً لو كشفت له كل الحقائق يرضى قليلاً، تؤدي شكره قليلاً، من رزقٍ حلال خير من كثير رزق حرام، هذا حديث هنا إنما.
 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ))

  قصر النبي عليه الصلاة والسلام البيع الصحيح المشروع الذي يرضى الله عنه قصره على الرضى بين البائع والمشتري، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ))

[ ابن ماجه ]

 ما معنى الحنث ؟ فلان حنث بيمينه، أي أخلف بيمينه، حلف ألا يخاطب فلاناً، ثم خاطبه، حينما خاطبه فقد حنث، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ))

  إن لم تحنث تندم، هذه الأيام الإنسان ينزعج من جاره فيحلف يميناً أمامه أنه لن يقف عليك، إن وقف عليه مرة يقول له: أنت حالف، ما تقف علي، يشمت به، وبعدها تريد الكفارة، وإن أحب أن ينفذ يمينه لزمته الكفارة، ولا سيما بالطلاق، الذي يحلف بالطلاق ذليل، من شيخ إلى شيخ، طلقت زوجتي، والله لا يوجد غيرها، موقفه ذليل، وتحت رحمة المشايخ، وشيخ يخوفه، وشيخ طلقت، وشيخ الأحناف طلقوها، والشافعية بشروط، وبعض المذاهب لم يطلقوها، وأخذ رخصة من أحدهم، يشد بها، وإن أخذها من متشدد خرب بيته، ماذا تريد من هذه المتاهة ؟ كل إنسان يحلف بالطلاق على زوجته أصبح هو تحت رحمتها، إذا أحبت أن تذهب إلى أهلها حلف بالطلاق ألا تذهب إلى بيت أهلها، صار هو تحت رحمتها، ويعتقد بأنه هو السيد القوي، هو يحلف بالطلاق، وأنا لم أسمع إنساناً حلف بالطلاق على زوجته يكاد يكون الإحصاء تسعين بالمئة إلا حنثت، وخرجت كيداً له، إن قاربها كأنه زان، وإن أخذ رخصة من شيخ، والثاني خوفه أدخلوه في الشك، وإن أخذ المتشدد حرمه منها، والأولاد تشردوا، وإن أخذ بالمتساهل ليس له ثقة بهذه الفتوى، يدخل في متاهة، هكذا النبي قال، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ))

  نصيحة لوجه الله، تكلم بما شئت، قل للشخص: أنا أحزن منك، لا يوجد فيها شيء، أن أعتب عليك بعدئذ، وبعد ذلك سوف آخذ منك موقفاً، خذ موقفاً منه، ولكن لا تدخل اليمين، آخذ منك موقفاً، أحزن منك، أما إذا دخلت اليمين أصبح هناك حنث، أو ندم، هذه اليمين العادية قضية سهلة، موضوع يحل بإطعام عشرة مساكين، أما يمين الطلاق فمشكلة كبيرة جداً، أيضاً إنما يعني اليمين حتماً حنث أو ندم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، مالك ]

  في الإسلام لا يوجد شؤم، تشاؤم لا يوجد، كهانة لا يوجد، سحر لا يوجد، فكيف يقول النبي الكريم:

((إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ))

 قال: في الفرس، والمرأة، والدار، يعني من الممكن أن يكون الشاب مؤمناً مستقيماً له مجلس علم، له مرشد، يمشي بطريق صحيح، يحب الله ورسوله، وجد له أهله فتاة أعجبتهم، ممتازة، ولكنها عند الله ليست ممتازة، دينها رقيق كثيراً، شكلها جيد، لكن دينها رقيق، فهذا الرجل تزوجها، تعلق بها، حملته على ترك مجالس العلم، أولا النبي ماذا قال:

((إن القلوب لتصدأ، قيل: ما جلاؤها ؟ قال: ذكر الله))

  الإنسان أحياناً كما قال أحد الصحابة: نكون مع رسول الله نحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى.
 لو أن رجلاً ما يأتي يوم الجمعة، يأتي يوم الأحد، يأتي الاثنين إلى عمله، يوم الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء، بيع وشراء، أحدهم دفع، والآخر لم يدفع، وهذا له مشكلة، وفي البيت يوجد مشكلتان، يقول لك صدئ قلبي، قلبي انقبض، يريد شحناً، فلما تأتي هذه الزوجة لتحرمه مجلس علم يصدأ قلبه، بالتعبير العامي انحجب عن الله عز وجل، تطلب منه طلباً غير معقول، يأخذها إلى نزهة ليست كما يرضي الله عز وجل، تجد أن دين هذا الإنسان قد تضاءل شيئاً بعد شيء بعد شيء، إلى أن ترك الصلاة بسبب هذه الزوجة، فهل هذه الزوجة شؤم عليه ؟ نعم، لذلك يوم القيامة يقول: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل زوجتي قبلي، أو بالعكس، لأنها هي السبب، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾

 

[ سورة التغابن: الآية 14 ]

  فيمكن لزوجة أن تدمر الزوج، تدمره وهو راض، أمّا إذا تزوج صالحة من بيئة صالحة مؤمنة أعانته على ذكر الله، أعانته على حضور مجالس العلم، أعانته على الصلاة، هكذا كانت الصحابية، تقول للصحابي الجليل: اتق الله فينا، نصبر على الجوع، ولا نصبر على النار.
 توجد قصة كنت أرويها سابقاً، أن امرأة سألت عالمًا أزهريًّا، قالت: يا سيدي هل يجوز أن يقول النبي e:

(( النساء ناقصات عقل ودين))

 النبي معقول ؟ النبي يتكلم مثل هذا الكلام ؟ يتهمنا بالنقص النبي نحن ماذا فعلنا ؟ قال: والله ليس معه حق، ولكن هذا الحديث ليس لكم، هذا للصحابيات، أنتم لا عقل لكنّ ولا دين، فلذلك الإنسان يجب ألا يتزوج امرأة فاسقة، أو دينها رقيق، تدمره، هذا معنى:

((الشؤم في ثلاث في الفرس والمرأة والدار))

 جاء رجل في حي راق، وأمامه يسكن أجانب، وأحبوا أن يقيموا حمّامًا شمسيًّا، ولديه شباب في البيت، أين بقوا شبابه ؟ إذا البيئة منحطة، بالتعبير المهذب ( سبور )، مثلاً لا يوجد لها لا حرام ولا حلال، ويجلسون في الشرفات، وفي الحدائق، وبألبسة فاضحة، وسهرات مختلطة، وتناول منكر، وأنت لديك شباب، بيت مناسب، سعره مناسب، أحدهم اشترى عبدا، فوجده رخيصاً كثيراً، وذكياً جداً، لماذا هو رخيص ؟ اشتراه، وأتى به إلى البيت، وطلب منه كأسًا من الماء، قال له: أحضر لك كأساً، هذا ذهاب، ثم أرجع، وأرجع ثالثة لأضع الكأس، ثلاث مرات، اذهب واشرب، وتعال، هما ذهابان، هذه الذكاء عنده، قصدت من ذلك إن تجد بيتاً مناسباً رخيصاً، ولكن هذا البيت في هذا الحي لا يناسبك تريد حيًّا محافظًا، تريد حياً مسلماً، إذا كان حياً متفلتاً لا يوجد فيه أي قيمة، لديك شباب، لديك بنات، يمكن لموقع البيت فقط أن يدمر لك دينك، يمكن أن تضع ابنك أمام مدرسة بنات، الابن يذهب دينه، تختار محلاً في مكان مناسب، وبيتًا في مكان مناسب، الزوجة مناسبة، حتى في بعض الأحيان إذا لم يوجد في المركبة تقوى لله سوف تكون سبباً للفساد، إذا أعطى الأب ابنه مركبة، وهو ليس منضبطاً، واستخدمها لحظوظ الدنيا، ولانحرافات أخلاقية ففي رقبة الأب، يمكن للمركبة أن تكون سببًا في دمار الدين، أو البيت، أو المرأة، هذا معنى الحديث الشريف:

((إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ)).

 عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ...))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، أحمد ]

 هذه طاعة الأم والأب العمياء قَالَ الأم طاعتها على العين والرأس قَالَ طاعتها فيما تريد في المعروف، قالت لك: بردت، ركِّب لي المدفأة، على عيني، أصبح رأسها يؤلمها، على عيني، هذه الأكلة أشتهيها، على عيني، كلها طلبات معقولة، أكلة معينة، دواء معين، غرفة معينة، ترغب في الغرفة القبلية، أعطها إياها، أنت اجلس في الشمالية لا مانع، هذا حقها، لكن لا تقل لك: يا بني برضائي عليك طلق زوجتك، هذه ليست معروفة، ليس لها ذنب هذه الزوجة، ولكن هناك بعض الحساسية، لا أرضى عنك إلا إذا طلقتها، هذه ليست طاعة للأم:

 

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾

 

[ سورة لقمان: الآية 15 ]

  إنما الطاعة في المعروف، يكون الأمر مغطى بأمر الله، مغطى بحديث رسول الله، مغطى بالسيرة، أحياناً يكون الإنسان يعمل في محل، يأتي توجيه من صاحب المحل، اللعب بالوزن مثلاً، أنا لا أطيعه، أنا أعمل لديه، ليس لأمرك طاعة، لا تطع مخلوقاً في معصية الله:

((لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ))

[ الترمذي ]

  أعرف أخاً من إخواننا الكرام عمل في شركة، وله سيارته، فالخبير يحمل كيساً في بداخله مشروب، فقال له: أنا لا أسمح، المبلغ ضخم جداً، معاش مجزي، وكبير جداً، قال له: أنا لا أسمح أن يكون في مكتبي مشروب، إن أعجبكم أهلاً وسهلاً، وإلا فالعقد ملغى بيننا، الشيء الغريب أن هذا الموقف الورع كان سببًا لتعلقهم به، وارتقى من مرتبة إلى مرتبة، وقد انتفع منهم كثيراً بسبب هذا الموقف الورع:

((لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ))

  عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوف))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، أحمد ]

 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَالَ يَغْتَسِلُ وَعَنْ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ:

((لَا غُسْلَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ قَالَ نَعَمْ إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ))

[ أبو داود، الدرامي ]

  أحياناً يحدث زواج بين شاب وشابة، ليسا منسجمين، مثلاً تزوج امرأة طالبة علم شرعي من مستوى عال جدا، والرجل جاهل، هي معتزة بدينها، معتزة بثقافتها الإسلامية، معتزة بحفظها لكتاب الله، معتزة بدعوتها إلى الله، وهو بعيد عن مجالها، كل يوم مشكلة، أحدهما متعلق بالعلم، والآخر يكره العلم، مثلاً، فتاة بنت رجل دخله غير محدود، تزوجت من شاب دخله محدود جداً، ترى هناك فرقًا كبيرًا بين والدها وزوجها، هذا بحث الكفاءة في الزواج، إذا أراد الإنسان أن يزوج فيجب أن يلاحظ:

((إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ))

 يكون هناك تشابه وتناسب في المستوى الاجتماعي، في المستوى الثقافي، في المستوى الديني، في المستوى الأخلاقي، في مستوى البيئة، إذا كان هناك تناسب تنجح العلاقة، وعدم التناسب يسبب كل يوم مشكلة، إما أن تحتقره، وإما أن يحتقرها، لا تصفو الحياة إلا بالانسجام، والانسجام يقتضي التناسب، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَالَ:

((يَغْتَسِلُ، وَعَنْ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ قَالَ نَعَمْ إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ))

  لذلك حتى في موضوع الشكل، لماذا النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نستأذن بناتنا في التزويج ؟ لأنه زوجها سوف يكون شريك حياتها، الأب موافق لأنه أعلم بالرجال، والبنت موافقة لأن هذا سوف يكون زوجها، فإن كرهته ينبغي ألا تجبرها على ذلك، عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ))

[ الترمذي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدرامي ]

  يعني أعداء الدين لا يخيفون، لا نخاف منهم لأنهم مكشوفون، الرجل الكافر رجل يقول لك: الإله غير موجود، أنت لا تخاف منه، لا يؤذيك، لأنك تأخذ حذرك منه حذراً كاملاً، ولك خطوط دفاع كبيرة جداً، لما ترى الشخص كافرًا وملحدا أو زنديقًا أو فاجرًا أو مشركًا، وهو يتحدث أنت داخل حصن، أخذت حذرك، لك خطوط دفاع، كل شيء منتهٍ، لكن من هذا الذي يمكن أن يضل الناس ؟ هو الذي يدعي الدين، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ))

  وقد قيل: الخطر على الدين لا من أعدائه، بل من أدعيائه، رجل مثلاً ثقافته الإسلامية ضعيفة جداً، رأى شخصاً له زي ديني، يكذب، أو يبتز أموال الناس، أو له انحرافات أخلاقية، وله مظهر ديني، هذا الجاهل مشكلته لا يكفر بهذا الإنسان، يكفر بذلك الدين، لأن كل إنسان داعية، وهناك إنسان له مهمة معاكسة، ماذا يسمى ؟ يصد عن سبيل الله، فإذا تزيّن الإنسان بزي ديني، وأساء للناس أخذ دورًا معاكسًا للداعية، فإما أن تكون مقرباً، أو إما أن تكون مبعداً، وإما أن تكون محبباً، وإما أن تكون منفراً، إما أن تكون أداة وصل، أو أداة فصل.
 هناك رجل اسمه روجيه غارودي، هذا رجل كان رئيس حزب أساس مبادئه الإلحاد في فرنسا، ثم أسلم، وسمعت أنه قد حسن إسلامه، وزار هذه البلدة رئيس حزب أساس حزبه أنه لا إله، سابقاً، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وفيما سمعت يروي قصته في الحرب العالمية الثانية وقع أسيراً، وقد جاء أمر بجندي مغربي أن يقتله، فامتنع هذه الجندي المغربي عن قتله، وقال: أنا لا أقتل الأسير، ديني يأمرني ألا أقتل الأسير، بقيت هذه الكلمة ثلاثين عاماً تتفاعل مع وجدانه، هذا الإسلام، الإسلام يمنع أن يقتل فيه الأسير، إلى أن حمله هذا الموقف الأخلاقي العقيدي الورع على أن يسلم، ولا تستغربوا هناك أشخاص كثيرون سبب إسلامهم موقف أخلاقي، يقول لي مرة أحد إخواننا:عندما كان صغيراً دخل إلى المسجد فسرق حذاؤه، فأقسم بالله لن يدخل بيت الله في حياته، كان طفلاً صغيراً، سمعه رجل مصلٍّ محسن، قال له: تعال، اشترى له حذاء جديداً، هذا الإنسان المحسن الذي اشترى حذاء جديدًا لمن سرق حذاؤه كان له أثر بتحديد الدين إلى أبعد ما يكون، موقف أخلاقي واحد ممكن أن يفعل بك فعل السحر، فأنت وطد نفسك، فإما أن تكون منفراً، أو مقرباً، أو مبعدًا محددًا أو منفرًّا، أداة وصل، أو أداة قطع بعملك، فالكلام ليس له قيمة أبداً، لهذا قال النبي الكريم:

((بعثت لمداراة الناس))

  الاستعانة باللغة العربية تعني أن أستعين على هدايتهم بمداراتهم، قال أحدهم: عجبت من النبي الكريم، عجبت لمن يشتري العبيد بماله ليعتقهم لما لا يشتري الأحرار بمعروفه، المعروف له أثر، إذا كنت داعية أنا أدلك على الطريق، سر المهنة إذا كان حولك جيران أقرباء أصدقاء زملاء، أخوك مثلاً، ابنك، أحسن له.
 أعرف أحد إخواننا الكرام زار أخته مرة، فوجد أنه يوجد في البيت ضجيج، وهناك سوء تفاهم بين أخته وزوجها من أجل 300 ليرة في الشهر، هي تطلب منه 300 من أجل المصروف، وكسوة، وهو دخله محدود، لا يوجد معه، لم يقبل أن يعطيها، فأحبَّ الأخ أن يعمل عملاً صالحاً، قال لأخته: 300 أنا أدفعها لك، وبقي شيء، فسكتا، جاء أول شهر دفع 300، أول يوم بالشهر، الله يرضى عليك، الله يحفظك، ثاني شهر، دفع، يقول لي بالحرف الواحد: سادس شهر قالت له: يا أخي اعمل لنا درساً ؟ قال: كما تريدين، جمعت له بناتها، وبنات أختها الثانية، وسبعة آخرين، أعطاهم كل جمعة درس قرآن، ودرس حديث، وحفظ قرآن، الدرس أصبح الآن في حدود سنتين أو ثلاث، أصبحوا يحفظون القرآن، أصبحوا يتحجبون، أتاهم أزواج مؤمنون، هذه 300 ليرة في الشهر، وبعد ستة أشهر مِن دفعهم أصبح هناك طلب للحق، وإذا أردت أن تخدم الناس فقط فاخدمهم، كن أخلاقياً، كن مهذباً، كن محسناً، كن موصلاً، ابن حياتك على البذل تر أن الإنسان أصبح يحبك، بالبر يستعبد الحر، وبعد ذلك يحب دينك، وبعد ذلك يحب جامعك، بالتسلسل، أول شيء يحبك، وبعد ذلك يقول: والله هذا الإسلام، وبعد ذلك يحب جامعك، وبعد ذلك يقول لك: هل عندك شريط، وبعد ذلك أتصحبني معك إلى الجامع ؟ وبعد ذلك ترى أنه أصبح من إخوانك، لم يذهب أولاً إلى الجامع، بعد محاولات طويلة بعد بالإحسان، والإقناع، والإكرام، حتى شعر أنه مجتمع مثالي، المؤمنون مجتمعهم مثالي، فإذا أردت أن تكون داعية يجب أن تكون محسناً، النبي عليه الصلاة والسلام يوحى إليه، وهو معصوم، أنزل عليه الكتاب، والذي أنزل عليه الكتاب، والمعصوم، والذي يوحى إليه الله خاطبه فقال:

 

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 159 ]

  يعني أنت يا محمد على عظمتك، وعلى عصمتك، وعلى نبوتك، وعلى أنه يوحى إليك، أنت بالذات لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فنحن من نحن ؟ ليس لدينا لا عصمة، ولا كتاب، ولا وحي، فيجب أن نكون في أعلى درجات التهذيب والإحسان واللطف، بالبر يُستعبَد الحر، إذاً:

((إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ))

  هذا الحديث إجابة من النبي الكريم لأحد الصحابة، النبي الكريم من أصحابه ؟ مرت جنازة أحد الصحابة، قال: لقد استراح الميت، النبي e إذا سكت ماذا يعني سكوت النبي e ؟ يا إخوان يعني أن كلامه صحيح، فما سكت النبي e فقال عليه الصلاة والسلام: إنما استراح إن غفر له، هذه قاعدة فخذوها: ما بعد الموت أخف من الموت للمؤمن، وما بعد الموت أشقى من الموت للكافر، رجل يدرس فرضاً، وتنتهي الدراسة، ويأخذ الشهادة، ويتعين، ويتزوج، بعد ما درس، وتعب، وأخذ الشهادة سابقاً، وليس الآن طبعاً يرقى، أما إذا ارتكب جريمة يحاكم محاكمة، فعلت أم لم تفعل، وبعد ذلك في الزنزانة، وبعد ذلك يوجد شنق، وبعد ذلك يوجد جهنم، فالمؤمن دائماً في صعود، والكافر في تدهور، فالنبي ماذا قال ؟ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))

[ الترمذي،ابن ماجه ]

  قصر الاستراحة على المغفرة فقط، الإله غفر لك، أما إذا لم يغفر لك فلو أن الناس جميعاً كانوا يحبونك، واللهُ لا يحبك فأنت أخسر الخاسرين،

 

﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 110 ]

  يوجد أناس يفهمون هذه الآية فهماً آخر، ماذا يعني أن النبي بشر ؟ طبعاً هو بشر، يتوصل منه إلى أنه يخطئ، معنى الحديث السابق أن النبي عليه الصلاة والسلام تجري عليه كل خصائص البشر، لو فرضنا أنه لا يخاف، هل يسمى شجاعاً ؟ لو أنه لا يغضب هل يسمى حليماً ؟ لو أنه لا يجوع هل يسمى صابراً ؟ لو أنه لا يحب وطنه هل يسمى مهاجراً ؟ معنى أنه بشر، أي تجري عليه كل خصائص البشر، ولولا لم تجري عليه كل خصائص البشر لما كان عظيماً، ولما كان بطلاً، لأنه يخاف قال:

((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))

 لأنه يخاف، ويجوع، ويؤذى، هل يشعر بالحر ؟ طبعاً، اذهب إلى المدينة، وشاهد حرها، أربعون، خمسون، وستون، يحس بالحرارة، ويحس بالجوع، ويغضب، ويحب وطنه، أحدهما وصف له مكة أيام الربيع فانهمرت دمعة على خده الشريف، قال له: يا أصيل، لا تشوقنا، إذا كان يحب مكة فقد تركها متألمًا، ولما خرج منها قال: والله إنك لأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت، إذاً يحب وطنه مثل أي إنسان آخر، ويحب أولاده، سيدنا إبراهيم لما مات دمعت عينه e، هذا معنى:

 

﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾

 وليس معناه أنه يخطئ، لا، إنه معصوم، لكن لولا أن خصائص البشر تجري عليه، لا يحب أن تكون زوجته فتية مثلاً ؟ طبعاً، لماذا أخذ نساء أرامل كبار السن، ولديها أولاد ؟ رحمة بها، أكثر زوجاته كن أرامل، وبعضهن كن دميمات، وبعضهن كان لهن أولاد، إذا هو إنسان، أليس بشراً ؟ ألا يتمنى زوجة فتية نضرة ؟ بلي، طبيعي، ولكن أظهر بطولته، الحياة ليست متعة، الحياة أعمال صالحة.
 أيها الإخوة الأكارم: إذا سمعتم أن الله جل وعلا يقول:

 

 

﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾

  ليس معناها أني أغلط ؟ لا، معناها لولا أن خصائص البشر كلها بتفاصيلها تجري عليه لما كنت عند الله بهذا المقام العلي، ولما كنت ذا خلق عظيم، يعني أنت تغضب إذا كان الأكل غير جاهز، لو دخل النبي إلى بيته اللهم صل عليه، ولم يجد الأكل، فأنت عندما تغضب هو يغضب، ولكن هو ذو خلق عظيم، هل عندكم شيء ؟ قالت: لا، قال: أنا صائم، هل تفعل أنت هذا ؟ تقيم القيامة إذا لم يجهز الطعام، هو بشر تجري عليه كل خصائص البشر، هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم، عن أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ:

 

((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، مالك ]

 أنا أعد هذه الحديث أصلاً من أصول الدين، حتى النبي عليه الصلاة والسلام إن حكم لك، وتكلم بفمه الشريف كلمة تبرّئك من حق أخيك المسلم، وأنت لم تكن كذلك فلا تنجو من عذاب الله، إذا لم يخلصك النبي فهل الشيخ سوف يخلصك ؟ كلام منطقي، إذا كان النبي لا يستطيع أن يخلصك فهل سوف يخلصك شيخ ؟ أحدهم قال لإخوانه هكذا سمعت القصة، توفى أحد مرديه، فجاء الملَك من أجل أن يحاسبه، فوجد رجلاً ضربه فخرج من القبر، قال: أمثل هذا يسأل ؟ هذا تلميذي، ما هذه السحبة، إذا كان النبي لا يستطيع أن يخلصك، أفيخلصك شيخ، لا والله، والله لا ينجيك إلا عملك الصالح، وإلا طاعتك لله، وإلا استقامتك، ابقوا واقعيين، وعلميين موضوعيين، الشيخ يقدم لك الحق الصافي النقي، ويقدم لك إنساً روحياً، وتنتهي مهمته، يبين لك، وإذا كنت أنت أحببته، وأصبح هناك لقاء تشعر بإنس، هذه ثابتة، المرء مع من أحب، نكون مع رسول الله، ونحن والجنة كهاتين، لكن لا يخلصك من ظلامة، لا يخلصك، هذا كلام قطعي.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018