أحاديث متفرقة - الدرس : 046 - طوبى لمن تواضع في غير منقصة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 046 - طوبى لمن تواضع في غير منقصة.


1991-12-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، من الأحاديث الشريفة ما تبدأ بكلمة طوبى، ومن الأحاديث الشريفة ما تبدأ بكلمة ويل، ومن الأحاديث الشريفة ما تبدأ بكلمة عليك، و من الأحاديث الشريفة ما تبدأ بكلمة إياك.
 فإياك تفيد التحذير، وعليك تفيد الإغراء، وطوبى تفيد معنى هنيئاً لمن كان كذا، والويل تعني الهلاك لمن يفعل كذا.
 أربع زمر، عليك، و إياك، و ويل، و طوبى، وإذا لم يستجب الرجل لكلام النبي e، لأمره أو لتحذيره، لإغرائه أو لتحذيره، أو لمباركته أو لوعده فمن هو الذي يمكن أن نستجيب له ؟
 حديث اليوم رواه الإمام البخاري في كتابه التاريخ الكبير، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( طوبى لمن تواضع في غير منقصة ))

[البخاري في التاريخ الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان عن ركب المصري]

  طوبى أي هنيئاً، هناك خط دقيق بين التواضع والذل، هناك مواقف إذا فعلتها تذل نفسك.
 وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ ؟ قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ ))

[الترمذي، ابن ماجه، أحمد]

  وفي الحديث:

(( ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير ))

[الجامع الصغير عن عبد الله بن بسر]

  فعل ( تواضع ) على وزن تفاعل، وزن تفاعل من معانيه تصنّع الشيء، تقول: تمارض، تعاظم، تمارض ليس مريضاً، ولكنه تصنع المرض، تعاظم ليس عظيماً، ولكنه تصنع العظمة، تعالم ليس عالماً، و لكنه تزيّ بزي أهل العلم، فوزن تفاعل يفيد التصنع، فكل الأفعال التي على وزن تفاعل تقريباً مذمومة إلا تواضع، هو ليس وضيعاً، ليس ذليلاً، ليس منحرفاً، ليس مذنباً، في أعلى درجات النجاح، في أعلى درجات الطهر، في أعلى درجات العفة، و مع ذلك تواضع، أي تصنع أن يكون مع عامة الناس.
 التواضع إذاً أن تكون قريباً ممن هو دونك، لذلك من صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما صاحبه أحد إلا ظن أنه أقرب الناس إليه، و دخل سيدنا عمر على سيدنا رسول الله فرآه مضجعاً على حصير، و قد أثر في خده الشريف، فبكى، قال: يا عمر ما يبكيك ؟ قال: رسول الله ينام على الحصير، و كسرى ملك الفرس ينام على الحرير، قال: يا عمر إنما هي نبوة، و ليست ملكاً، هكذا النبوة.
 إذاً:

((طوبى لمن تواضع في غير منقصة ))

[البخاري في التاريخ الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان عن ركب المصري]

  أي كان تواضعه في المكان الصحيح، تواضع، وهو عزيز، تواضع، وهو عفيف، تواضع، وهو نظيف، تواضع، وهو مستقيم، أما كل إنسان حينما يقع يتضع قهراً عنه، انظر إلى صورة المجرم، وقد ألقي القبض عليه في أدنى درجات الذلة و المسكنة، أسقط في يده، خافض الرأس، خافض الطرف، إذاً هذا ليس تواضعاً، المجرم يتضع، و المنحرف يتضع، و الخائن يتضع، و السارق يتضع، و الزاني يتضع، إذا زلت قدم الإنسان يتضع، و لكن التواضع الذي أمر النبي به أو أثنى على صاحبه هو أن تكون في أعلى درجات القوة، و مع ذلك أنت قريب لمن حولك:

(( طوبى لمن تواضع في غير منقصة ))

[البخاري في التاريخ الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان عن ركب المصري]

  إذاً حينما لا يحسن الإنسان التصرف، أو حينما يضع نفسه في الموضع الذي لا يليق به فقد ذل، لا نقول هذا تواضع هذا ذل، و لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.
 الآن:

(( طوبى لمن ذل في نفسه من غير مسكنة ))

[البخاري في التاريخ الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان عن ركب المصري]

 حالة المؤمن مع الله حالة التذلل، لكن المؤمن عزيز إلى أعلى درجة، و ذليل مع الله إلى أدنى درجة، لأنه عرف ضعفه، وعرف جهله، وعرف نقصه، وعرف أنه طارئ، وأنه حادث، وأنه ميت، ورأى عظمة الله عز وجل، فصغرت نفسه أمام ربه، لذلك هو في عين نفسه صغير، لكنه في عين الناس كبير، بعكس الفاسق والفاجر، هو في عين نفسه كبير، وفي عين الناس صغير.
 الإنسان أحياناً يصاب بمرض عضال، يفتقر فقراً شديداً، يشعر بضعفه، لا حيلة له، ليس شيء في يده، فيتمسكن، هذا الذل الناتج عن المسكنة ليس فضيلة، ولكن التذلل في النفس، فالمؤمن أمام ربه ذليل، فكلما تذلل أمام ربه رفعه الله بين الناس، وكلما استنكف عن طاعة ربه أذله الله بين الناس، القضية علاقة عكسية، كلما تذللت أمام الله عز وجل، كلما مرغت وجهك في أعتاب الله عز وجل رفع الله لك ذكرك، ورفع شأنك، وأسبغ عليك هيبة ووقاراً، وإذا استنكفت عن طاعة الله، واستكبرت عن عبادته، ورفضت الحق أذلك الله بين خلقه، فلذلك إما أن تتواضع، وإما أن يضعك الله عز وجل، إما أن تتذلل في نفسك لله عز وجل، وإما أن يذلك الله أمام خلقه، إما أن تكون عبداً لله، وإما أن تكون عبداً لعبد لئيم، كن عبداً لله، فعبد الله حر، ولا تكن عبداً لعبد لئيم، فهو الهوان والذل.
 كأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: هنيئاً لمن تواضع في مكان التواضع، تواضع، وعرف قدر نفسه، تواضع، ولم يذل نفسه، تواضع في موطن التواضع، وأعز نفسه في موطن العز.
 كلكم يعلم أن أحد أصحاب رسول الله ركب فرسه في بعض المعارك متبختراً به، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن، وقد قيل: التكبر على المتكبر صدقة.

 

((وذل في نفسه من غير مسكنة ))

 أيْ كلمة أنا، و كلمة فعلت، و تركت، و بإمكاني أن أفعل، و أنا أعطيتك، و لي فضل عليك، و أنت لولاي ما كنت شيئاً، هذه كلمات فيها اعتزاز بالنفس، فيها كبر، فيها شرك، لذلك لما جمع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه الذين وجدوا عليه في أنفسهم قال:

 

(( لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ، وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ))

[ أحمد، الدارمي ]

  ثم قال:

((ألم تكونوا ضلالاً - لم يقل: فهديتكم، قال - فهداكم الله بي ))

 الحقيقة ليس موضوع التواضع موضوع واقع، إذا أجرى الله الخير على يديك لا ينبغي أن تنسبه إليك، الله وقفني، و فعلت كذا، الله يسر لي هذا الأمر، أكرمني بهذا البيت، أنعم عليّ بهذه الصنعة، تفضل عليّ بهذا العلم، دائماً كلمة أنعم عليّ، وتفضل عليّ، وأكرمني، وأجرى على يدي الخير، وجعلني سبباً، وسمح لي أن أتحدث عنه، وسمح لي أن أزور بيته، هذه كلمات المؤمن، لا يرى أنه فعل شيئاً يقتضي أن يتيه به على خلق الله، دائماً يقول: أكرمني الله، أجرى على يدي الخير، وهكذا.
 إذاً:

(( طوبى لمن تواضع في غير منقصة، و ذل في نفسه من غير مسكنة، و أنفق من مال جمعه في غير معصية ))

[البخاري في التاريخ الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان عن ركب المصري]

 الحقيقة لماذا الذي ينفق ماله يشعر بالقرب من الله عز وجل ؟ لأن الإيمان دعوى في الأصل، هو يدعي أنه مؤمن، ولكن حينما أنفق ماله أكد لنفسه قبل غيره أن الله ورضوان الله أغلى عليه من ماله، والمال شقيق الروح.
 يوجد باخرة غرقت في البحر الأحمر قبل أسبوع، طبعاً باخرة ضخمة تحمل ستمئة راكب، وغرق منها ما يقرب من خمسمئة راكب، ونجا مئة وثمانون، و قصص غريبة جداً ذكرت حول غرق هذه الباخرة، لكن الشيء الذي يلفت النظر أن أحد الذين نجوا نجا بماله، أي عارك الأمواج ستاً وثلاثين ساعة، ومعه محفظة فيها كل الأموال التي جاء بها من الحجاز، فقلت: و الله هذه القصة تؤكد أن المال شقيق الروح، هو يعارك الأمواج، و بين الموت والحياة، و محتفظ بمحفظة فيها كل ما جاء به من بلاد الحجاز، قالوا في الصحيفة: تحويشة العمر حافظ عليها كما حافظ على حياته، إذاً المال شقيق الروح، فإذا أنفقت المال فهذا مما يؤكد أن الله أغلى عليك و رضوانه أغلى عليك من مالك الذي جعله الله شقيق الروح.
 وإذا صمت رمضان معنى ذلك أن رضوان الله عز وجل و طاعته أغلى عليك من الطعام والشراب، وإذا ذهبت إلى بيت الله الحرام معنى ذلك أن الله عز وجل و القربى منه، وزيارة بيته، وأداء فريضته أغلى عليك من أهلك ومالك ومحلك التجاري ومكانك، وكل أنواع النعيم التي في بلدك.
 إذاً الإنسان لا يرقى إلا بالبذل، إلا بالطاعات، لا يرقى بالاعتقاد فقط، الاعتقاد لابد منه، لكنه شرط لازم غير كاف، بالاعتقاد لا ترقى، و لكن ترقى بالبذل، لذلك:

(( طوبى لمن تواضع في غير منقصة، و ذل في نفسه من غير مسكنة، و أنفق من مال جمعه في غير معصية ))

[البخاري في التاريخ الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان عن ركب المصري]

  لأن الله طيب، و لا يقبل إلا طيباً، هذا المال الذي جمعته بكدك وعرق جبينك، الذي تحريت به الحلال، الذي كما قال عليه الصلاة و السلام:

(( من بات كالاً في طلب الكسب الحلال بات مغفوراً له ))

[الجامع الصغير عن أنس]

  لحكمة بليغة أرادها الله عز وجل جعل كسب المال الحلال صعباً، و جعل كسب المال الحرام سهلاً، فإذا شعرت بضيق وحرج وهموم من أجل كسب المال الحلال، والحرام مبذول أمامك فهذه طاعة لله عز وجل.
 هنا مفارقات دقيقة، مثلاً من طبيعتك أنك تحب العاجلة، وتكره الآجلة، قال تعالى:

 

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 11]

  أنت متعلق دائماً بالشيء السريع، والآخرة بعيدة، بعد الموت، والدنيا بين يديك خضرة نضرة، فإذا تركت الدنيا، وطلبت الآخرة فقد ارتقيت إلى الله عز وجل، أنت ضعيف، وقد تسبب لك طاعة الله ضعفاً ومؤاخذة ومسؤولية وحرجاً وضيقاً، ومع ذلك آثرت طاعة الله على كل ما حولك من ضغوط، إذاً ترقى بهذه الطاعة:

((و أنفق من مال جمعه في غير معصية، و خالط أهل الفقه و الحكمة ))

[البخاري في التاريخ الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان عن ركب المصري]

  أي دائماً وأبداً انظر في الدنيا لمن هو أدنى منك، و انظر في الآخرة لمن هو أرقى منك، تسعد في دنياك وأخراك.
 إذا نظرت في دنياك لمن هو أدنى منك رأيت نعم الله عليك لا تحصى، أما إذا دخلت على الأغنياء البعيدين عن الله عز وجل خرجت من عندهم، وأنت على الله ساخط.
 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنْ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ، وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))

[ الترمذي ]

  الدخول على الأغنياء الإنسان في ساعات غفلته، وساعات ضعفه، وساعات فتور همته يجد أنه لا يملك شيئاً، يستصغر بيته، وأثاث بيته، وما عنده، إلا إذا كان مؤمناً، فهذا المؤمن له حالة خاصة:

((إِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))

((وخالط أهل الفقه والحكمة ))

 الإنسان إذا خالط أهل الفقه والحكمة يستعير كل خبراتهم، ويأخذ بعضاً من أحوالهم، ويأخذ من علمهم، ويأخذ من حكمتهم، ويأخذ من مواقفهم، يتعلم من أخلاقهم ومن أفعالهم ومن أفكارهم، لذلك حينما يخالط الإنسان أهل الفقه والحكمة يرقى عند الله عز وجل، والصاحب ساحب، قل لي من تجالس أقل لك من أنت، من جالس جانس، ومن جانس جالس.
 من جانس جالس، أي إذا لم يكن بينك وبين هذا الإنسان لغة مشتركة، هو يحب الحق، وأنت تحب الحق، هو يحب الفضيلة، و أنت تحب الفضيلة، هو يؤثر الورع، و أنت كذلك، هو يحب جهاد النفس و الهوى، و أنت كذلك، مادام بينك و بين هذا الذي تتعلم منه قواسم مشتركة أو لغة مشتركة فمن جانس  جالس، لا تستطيع أن تجالس إلا إذا جانست.
 ومن جالس جانس، من جالس اشتق من علم هؤلاء، ومن أخلاقهم، ومن فضلهم فلذلك:

((... طوبى لمن أنفق من مال جمعه في غير معصية، و خالط أهل الفقه و الحكمة، و رحم أهل الذل و المسكنة ))

[البخاري في التاريخ الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان عن ركب المصري]

  عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ ))

[ أحمد ]

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ ))

[ الترمذي ]

  من صفات المؤمن العطف على الضعفاء، وتوقير للكبار، أكبر منك سناً أي أكثر منك علماً، أقدم منك في طريق الإيمان فيجب أن توقره، الحياة كلها أدب، حينما دخل سيدنا الصديق عليه الصلاة و السلام كان إلى جانبه سيدنا علي كرم الله وجهه، فقام علي كرم الله وجهه ليجلس محله سيدنا الصديق، النبي تأثر لهذا الموقف الأخلاقي، فقال عليه الصلاة و السلام: لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل.
 أحياناً يدخل المسجدَ رجل وقورٌ كبيرٌ في السن، يتمنى أن يجلس في مكان يستريح فيه، يجد شاب صغير حديث السن، أخذ أفضل مكان، طبعاً نتمنى على الصغير أن يوقر الكبير.
 إذاً:

((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ ))

[ الترمذي ]

((طوبى لمن أنفق من مال جمعه في غير معصية، و خالط أهل الفقه و الحكمة، و رحم أهل الذل و المسكنة ))

((طوبى لمن ذلت نفسه، وطاب كسبه، و حسنت سيرته، و حسنت سريرته، و كرمت علانيته، و عزل عن الناس شره ))

[البيهقي، والطبراني في الأوسط عن ركب المصري]

((طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله ))

[البيهقي، والطبراني في الأوسط عن ركب المصري]

  سنشرح هذا:
 طوبى لمن ذلت نفسه لله طبعاً، لله العزة و لرسوله و للمؤمنين، طوبى لمن ذلت نفسه، وطاب كسبه، أي كسبه حلالاً: اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً.
 رزقه طيب: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، رزقك طيب، وعملك صالح، ((طوبى لمن ذلت نفسه، و طاب كسبه ))، إتقان العمل يجعل كسبك حلالاً، أن تأخذ السعر المناسب يجعل كسبك حلالاً، ألا تغش الناس في البيع و الشراء يجعل كسبك حلالاً، ألا تنتقص من أمواله، لاحظ هذا المثل الذي أضربه دائماً، يوضح فكرة أعجبتك، غرفة نوم، تقول للنجار: أنا أريد سريرًا واحدً، لا سريرين، يقول لك: سنخفض السعر ألفي ليرة، فقط ألفي ليرة ؟ تذهب إليه بعد عام، عنده غرفة بسرير واحد، أريد سريرين، فيقول: أريد ثمانية آلاف، لماذا عندما تريد أن تحذف السرير خفضت ألفي ليرة، وإضافة سرير ثمانية آلاف، ما أنصفته، الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾

 

[ سورة الأعراف: الآية 85]

  أحياناً يريد إنسان أن يبيع شيئاً، شعرت أنه مضطر، بأقل سعر، تريد أن تأخذها بلا ثمن لاضطراره، هذا حرام، فلذلك طاب كسبك إذا صدقت مع الناس، طاب كسبك إذا أنصفتهم، طاب كسبك إن لم تبتز أموالهم، طاب كسبك إن لم تنتقص ما عندهم، طاب كسبك إن لم تغشهم، طاب كسبك إن أعطيتهم شيئاً فوق ما يستحق،

(( و طاب كسبه و حسنت سريرته ))

 أي لا يوجد أحقاد في داخله، الإنسان قد يكون بظاهره مقبولا، بالعكس رائع:

 

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾

 

[ سورة المنافقون: الآية 4]

  أما المؤمن فمن داخله نظيف، لا يوجد عنده حقد، ليس عنده أسلوب احتيال، مكر، خداع، ختل، خيانة، مؤامرة، تدبير، موقف معلن، موقف مبطن، سر، علانية، يعتقد ما لا يقول، يقول ما لا يعتقد، هذه أخلاق المنافقين، المؤمن كما قال عليه الصلاة و السلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ ))

[ الترمذي، أبو داود ]

((طوبى لمن ذلت نفسه، و طاب كسبه، و حسنت سيرته، و حسنت سريرته، و كرمت علانيته))

[البيهقي، والطبراني في الأوسط عن ركب المصري]

  أي أنا لا أقبل أن مؤمناً مظهره فيه إهمال، غير مقبول، أنت مؤمن تمثل دين الله عز وجل، حتى المظهر الخارجي يجب أن يكون مقبولاً من دون فخامة، لكن من دون ضعة، فلو أن إنسانًا ثيابه نظيفة، محله التجاري مرتب، بيته مرتب، لأنك تمثل هذا الدين، فلا يوجد داع أن يكون مظهر الإنسان الزاهد غير مقبول، مظهره منفر، بيته منفر، محله التجاري منفر، علاقاته فوضى، غُبار في دكانه، حساباته غير مضبوطة، ليس هذا هو الإيمان.

 

((...و حسنت سريرته، و كرمت علانيته، و عزل عن الناس شره ))

 

((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، و من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، طوبى لمن عمل بعلمه، و أنفق الفضل من ماله، و أمسك الفضل من قوله ))

[البيهقي في شعب الإيمان]

  فضل القول أمسكه، و فضل المال أنفقه، وعمل بعلمه، هذا الحديث من الأحاديث الجامعة المانعة، كأن أكثر مكارم الأخلاق مجموعة في هذا الحديث، أعيد عليكم نص الحديث، روى الإمام البخاري التاريخ الكبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( طوبى لمن تواضع في غير منقصة، و ذل في نفسه من غير مسكنة، و أنفق من مال جمعه في غير معصية، و خالط أهل الفقه و الحكمة، و رحم أهل الذل و المسكنة، طوبى لمن ذلت نفسه و طاب كسبه و حسنت سيرته و حسنت سريرته و كرمت علانيته و عزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه، و أنفق الفضل من ماله، و أمسك الفضل من قوله ))

[البخاري في التاريخ الكبير، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان عن ركب المصري]

  نحن من حين لآخر نتحدث عن أصحاب رسول الله، المقطع الثاني من درس الأحد دائماً في السيرة، والسيرة منوعة، إما فقرات وضيئة من حياة رسول الله، أو قصص عن أصحابه الكرام، أو عن التابعين، أو عن العلماء المشاهير العاملين، كأبي حنيفة النعمان، و من كان على شاكلته.
درسنا اليوم مالك بن دينار:
 مالك بن دينار كان من كبار العلماء، و من كبار الزهاد، و من كبار المحبين لله عز وجل.
 له قصص كنت أرويها لكم سابقاً، حينما مر بطريق رأى إنسانًا مخمورًا، و زبد الخمر على شفتيه، ويقول: الله، الله، و هو سكران، فكبُر عليه أن يخرج هذا الاسم العظيم من فم نجس، فغسل فمه، و أكرمه، و كانت توبة هذا السكير على يديه، وقد رأى رجلاً في المسجد يصلي، ويبكي، قال له: من أنت ؟ قال: إن الذي هداني أخبرك بحالي، وكان قد رأى في المنام أن صوتاً يقول: يا مالك، طهرت فماً من أجلنا فطهرنا قلبه من أجلك.
 والإمام مالك بن دينار دخل إلى المسجد، وحدث الناس عن قصته، كان منحرفاً، وكان مقصراً، وكان بعيداً عن الدين، وكانت له بنت يحبها كثيراً، رآها في المنام، و رأى ثعباناً يتبعه، قصة معروفة عندكم، وهو يهرب منه، والثعبان يتبعه إلى أن رأى ابنته أشارت إلى الثعبان، فابتعد عنه، قال: ما هذا يا بنيتي ؟ قالت: هو عملك يا أبت، قال: و من أنت ؟ قالت: أنا عملك الصالح، هاتان القصتان ترويان عن الإمام مالك بن دينار.
 على كل هذا الإمام له أقوال، قال مالك بن دينار: منذ عرفت الناس لم أفرح بمدحهم، و لم أكره مذمتهم، قيل: و لمَ ذلك ؟ قال: لأن حامدهم مفرط، و ذامهم مفرط، يبالغ الناس، إذا مدحوا بالغوا، و إذا ذموا بالغوا، إنصافهم قليل، والحقيقة أن الناس لو أنهم جميعاً أثنوا عليك، ولم تكن عند الله مرضياً فلا قيمة لثنائهم، ولو أنهم جميعاً غضبوا عليك، وكنت عند الله مرضياً فلا قيمة لغضبهم، لذلك:

 

إذا صح منك الوصل فالكل هين               و كل الذي فوق التراب تراب

  يروى أن مالك بن دينار مرّ والي البصرة يرفل فصاح به مالك: أقلّ من مشيتك هذه.
 عن عون بن حكم عن أبيه عن مالك بن دينار قال: قدمت من سفر لي، فلما صرت بالجسر قال العشار، أي الذي يأخذ الضرائب: لا يخرجن من السفينة أحد حتى يدفع ما عليه، ولا يقوم أحد من مكانه، قال الإمام مالك: فأخذت ثوبي فوضعته على عنقي، ثم وثبت، فإذا أنا على الأرض، فقال لي العشار: ما أخرجك ؟ قلت: ليس معي شيء، قال: اذهب،، فقلت في نفسي: هكذا أمر الآخرة، وقفة عظيمة، و حساب صعب، و يوم عسير، و هول عظيم، أما المستقيم فلا علاقة له بكل هذا:

﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾

[ سورة الأنبياء ]

  كما أن العشار أوقف السفينة، جميعاً ابقوا في مكانكم، لا أحد يغادر، هو وقف، و حمل ثوبه على عاتقه، و قفز على الأرض، قال له: أين أنت ؟ قال له: ليس معي شيء، فتركه، لذلك من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، من كان صراطه في الدنيا ضيقاً كان صراطه في الآخرة عريضاً، أي لا تدقق، وهذه ليست مشكلة، وهذه فيها فتوى، وهذه الله يسامحنا، وهذه الله لا يؤاخذنا، ليس إلا أنه يوسع الصراط، أنت تغش، أنا عندي أولاد، ماذا أفعل، و الوقت صعب، هذه لا تجوز، في مذهب لها فتوى، كلما وسعت الصراط في الدنيا يضيق في الآخرة، و كلما ضيقته عليك في الدنيا يتسع في الآخرة.
 قضية معكوسة، أو بالأصح من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، و من حاسبها في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
 كان الإمام مالك يطوف بالبصرة في الأسواق، فينظر إلى أشياء يشتهيها، فيرجع، و يقول لنفسه: أبشري، فوالله ما حرمتك ما رأيت إلا لكرامتك علي، هذه نقطة مهمة، كلما اشتهت نفسك شيئاً أعطياها، معنى ذلك أن هذه النفس ليست كريمة عليك، أما إذا حملتها على طاعة الله، و حرمتها ما يلهيها عن طاعة الله كرمت عليك، فقال الإمام مالك لنفسه: أبشري فوالله ما حرمتك ما رأيت إلا لكرامتك علي.
 وله قول رائع يقول: إن البدن إذا أصابه السقم لا ينجع فيه طعام ولا شراب ولا نوم ولا راحة، المريض لا يهنأ لا بطعام ولا بشراب ولا بنوم ولا براحة، قال: وكذلك القلب إذا علق حب الدنيا لم تنجح فيه المواعظ.
 وله قول آخر، قال: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك، و بقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك، يوجد همين هم الدنيا، وهم الآخرة، فإذا حزنت للآخرة خرج من قلبك هم الدنيا، وإذا حزنت للدنيا خرج من قلبك هم الآخرة.
 كان مالك بن دينار في المقبرة، فإذا رجل يدفن، فجاء حتى وقف على القبر، فجعل ينظر إلى الرجل، وهو يدفن، فجعل يقول: مالك غداً هكذا يصير، و ليس له شيء يتوسده في قبره، فلم يزل يقول غداً مالك هكذا يصير، والله هذه كلمة بليغة، هل يوجد شخص منا إلا وسوف يكون غداً كهذا الذي وسد في قبره.
 يقال: إن مالك بن دينار رأى إنساناً يضحك، فقال: ما أحب أن قلبي فرغ لمثل هذا، وأن لي ما حوت البصرة من الأموال والعقد، الإنسان يضحك، وسوف يموت، يضحك، ولا يدري أساخط عنه الله أو راض ؟ يضحك ولا يعلم مصيره في الآخرة، يضحك، ولم يقف على أحكام كتاب الله عز وجل، يضحك، و ليس له عمل يلقى الله به، هذا الضحك يتنافى مع عظم المهمة التي أنت عليها في الدنيا.
 يقول الإمام مالك بن دينار: إن في بعض الكتب أن الله عز وجل يقول: إن أهون ما أنا صانع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة ذكري من قلبه، أي أقلّ عقاب يعاقب الله به من له زي علمي، من له دعوة، إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة ذكري من قلبه، أي يصبح ذكر الله كالصلاة والذكر والدعاء لا معنى له، كلمات يرددها، و حركات يقوم بها، و أقوال يتفوه بها.
 وكان يقول هذا الإمام: إن الله عز وجل إذا أحب عبداً انتقصه من دنياه، وكف عنه ضيعته، أي الدنيا تنقص قليلاً، و يجمع الله له شمله.
 عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِنِصْفِ النَّهَارِ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا خَرَجَ هَذِهِ السَّاعَةَ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

((مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا نِيَّتَهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ))

[ أحمد، الدارمي]

  مرّ تاجر بعشار، فحبسوا عليه سفينته، العشار أي آخذ الضرائب، فجاء إلى مالك بن دينار فذكر ذلك له، فقال: قام مالك فمشى معي إلى العشاء، أي استجار بالإمام مالك لمكانته، ووجاهته، فذهب الإمام مالك معه إلى العشار، فلما رأوه، قالوا: يا أبا يحيى ألا تبعث إلينا حاجتك نحن نأتيك، له مكانة كبيرة، قال: حاجتي أن تخلوا سفينة هذا الرجل، هذه حاجتي، دعوا هذه السفينة، قال: حباً، وكرامة، قد فعلنا، قال: وكان عندهم كوز يجعلون فيه ما يأخذ ون من الناس من الدراهم، فقال العشار: ادع الله لنا يا أبا يحيى، قال: قولوا للكوز أن يدعو لكم، كيف أدعو لكم، وألف يدعون عليكم ؟ أترى يستجاب لواحد، و لا يستجاب لألف، هذه إشارة إلى أن الإنسان لا يبني حياته على إيذاء الناس، أو على انتقاص حقوقهم، أو على دس الخوف فيهم.
 ويقول الإمام مالك بن دينار: كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة، و كفى بالمرء شراً ألا يكون صالحاً، ويقع في الصالحين، أي هو سيئ، و يتهجم على الصالحين، هو مقصر و يتهجم على هؤلاء المتفوقين، هو مذنب، و يتهجم أو يتطاول على المستقيمين، كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة، أي شر الناس من باع آخرته بدنيا غيره.
 يقول الإمام مالك بن دينار: خرج أهل الدنيا من الدنيا، و لم يذوقوا أطيب شيء فيها، قالوا: و ما هو ؟ قال: معرفة الله عز وجل.
 ويقول الإمام مالك بن دينار: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن خرب، إذا لم يكن فيه حزن ليس فيه إقبال، هذا البيت يصبح خرباً، ويقول الله عز وجل:

((عبدي حسنت منظر الخلق سنين أفلا حسنت منظري ساعة ))

[ورد في الأثر]

  و يقول الإمام مالك: لو أعلم أن قلبي يصلح على كناسة لذهبت حتى أجلس عليها، أين يصلح قلبك ؟ في أي عمل يصلح ؟ ما الذي يملؤه رضى ؟ ما الذي يملؤه قرباً ؟ قال: لو أعلم أن قلبي يصلح على كناسة لذهبت حتى أجلس عليها.
 و يقول الإمام مالك: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما تزل القطرة عن الصفا، إذا كان البلاط أملس صقيلا لماعًا، أي هذا السيراميك إذا ألقيت عليه الماء انحدر سريعاً، حتى لو ألقيت عليه الزيت لا يعلق عليه شيء، الإمام مالك يقول: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما تزل القطرة عن الصفا، أي موعظته لا تؤثر في القلوب، لا يسمح الله له أن يؤثر كلامه في القلوب، مادام هو غير صادق، و غير مخلص فكلامه يفقد الحياة، يفقد قوة التأثير، يفقد هذه الروحانية، إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما تزل القطرة عن الصفا.
 ويقول: إذا طلبت العلم لتعمل به كسرك العلم، و إذا طلبته لغير العمل لم يزدك إلا فخراً، أي يوجد علم يكبرك حتى تصبح من جبابرة العلماء، ومن الطغاة، ومن المتكبرين، ويوجد علم كلما ازددت علماً ازددت به تواضعاً، إنك إن طلبت العلم لتعمل به كسرك العلم، كما قال الإمام الشافعي: كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي، العلم الذي تطلبه للعمل يزيدك تواضعاً، و قرباً من الناس، و حباً لله، و رحمة بالخلق، والعلم الذي تطلبه للافتخار يحجبك عن الناس، و يصبح دركات إلى الهلاك.
 وكان يرى انحراف قومه فيقول لهم: أنتم تستبطئون المطر، و أنا أستبطئ الحجارة، أي كما يقول عليه الصلاة و السلام:

(( لولا شيوخ ركع و أطفال رضع و بهائم رتع لصب عليكم العذاب صباً ))

  أحياناً ترى وضع الناس فيه انحرافات، تقصير، تفلت من أوامر الله عز وجل، لا يستحقون هذه الأمطار التي هطلت، الحمد لله، الأمطار هطلت بكميات كبيرة جداً في أكثر المناطق، أربعة أمثال أو ثلاثة أمثال ما هطل في العام الماضي حتى هذا التاريخ، فيقول الإمام مالك: أنتم تستبطئون المطر، وإنما تستبطئ الحجارة أحياناً.
 يقول الإمام مالك: إن الله جعل الدنيا دار مفر، و جعل الآخرة دار مقر، الدنيا نفر منها، والآخرة نستقر فيها، الناس بالعكس يفر في نفسه من الآخرة، و يستقر في الدنيا، و لكن هذا الاستقرار لا يدوم لابد من الموت.
 سمعت في بعض البلاد أنه لا يمكن أن ترى جنازة أبداً، كأن البلاد لا يوجد فيها موت، من المستشفى إلى المقبرة من دون أي مظهر من مظاهر الجنازة، فالناس غارقون في ملاهيهم، في تجارتهم، في دنياهم، نحن الحمد لله جنائز كثيرة، و إعلام بالمآذن أحياناً يذكر بالموت، إن الله جعل الدنيا دار مفر، و جعل الآخرة دار مقر، فخذوا لمقركم من مفركم، و أخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، و لا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، ففي الدنيا حييتم و لغيرها خلقتم، و إنما مثل الدنيا كالسم أكله من لا يعرفه، واجتنبه من عرفه، ومثل الدنيا مثل الحية مسها لين، و في جوفها سم قاتل، يحذرها ذوو العقول، ويهوي إليها الصبيان بأيديهم.
 طفل عمره سنتان إذا رأى ثعباناً يقترب منه، و يضع يده عليه، أما العاقل فيفر منه، كلام دقيق وبليغ: جعل الدنيا دار مفر، و جعل الآخرة دار مقر، فخذوا لمقركم من مفركم، وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، ففي الدنيا حييتم، و لغيرها خلقتم، وإنما مثل الدنيا كالسم أكله من لا يعرفه، واجتنبه من عرفه، ومثل الدنيا مثل الحية مسها لين، و في جوفها السم الناقع، يحذرها ذوو العقول، و يهوي إليها الصبيان بأيديهم.
 قال: قدمت من مكة، فأهديت إلى مالك بن دينار ركوة، أي إناء يستعمله في وضوئه، وفي حاجاته، فكانت عنده فجئته يوماً فجلست في مجلسه، فلما قضاه قال لي: يا حارث، تعال خذ تلك الركوة، فقد شغلت عليّ قلبي، قلت: يا أبا يحيى، إنما اشتريتها لك تتوضأ فيها وتشرب، فقال: يا حارث، إني إذا دخلت المسجد جاءني الشيطان، و قال لي: يا مالك، إن الركوة قد سرقت، فقد شغلت عليّ قلبي، مثال لطيف، إذا شغلك شيء عن ذكر الله دائماً فقد صار هذا حجاباً بينك وبين الله.
 وكان يتقنع بعباءة أو بكساء، و يقول: يا إلهي قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، فأي الدارين دار مالك ؟ وأي الرجلين أنا ؟ ثم يبكي.
 قال: إن العالم إذا أتيته في بيته فلم تجده قصّ عليك بيته، رأيت حصيره للصلاة ومصحفه و مظهرته في جانب البيت، ترى أثر الآخرة.
 قال: إن الأبرار تغلي قلوبهم بأعمال البر، و إن الفجار تغلي قلوبهم بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم، أي المؤمن إن سمع عن شخص له أعمال طيبة، له صلوات، له أذكار، له خدمات، يفهم كتاب الله، يحفظ كتاب الله، يغلي شوقه، يغلي غيرة، يغلي طمعاً، يغلي تنافساً، والفجار إذا سمعوا عن أهل الشهوات، وكيف يمضون الليالي والأيام عن رحلاتهم، وعن إنفاقهم، وعن مسراتهم، وعن أعراسهم، وعن مساكنهم، وعن مركباتهم، وعن منتجعاتهم كذلك يغلي الفجار، يتأوهون:

 

﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾

 

[ سورة القصص: الآية 79]

  قال: إن الأبرار تغلي قلوبهم بأعمال البر، و إن الفجار تغلي قلوبهم بأعمال الفجور، و الله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم.
 قال: إن الصديقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة، وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، أي أعظم عقوبة أن يكون لك قلب قاس لا يلين، لا يرحم، لا يتأثر بذكر الله.
 من عقوبات الله عز وجل ضنك في المعيشة، ووهن في العبادة، وسخط في الرزق، الإنسان الذي يتسخط رزقه، و هو الذي ضعيف في عبادته، وضنك في معيشته هذه عقوبات من الله عز وجل.
 قال رجل للإمام مالك في الطريق: يا مرائي، قال له: متى عرفت اسمي، ما عرف اسمي غيرك ؟ أي خجل.
 قال: دخل عليه اللصوص في البيت، فلم يجدوا شيئاً، فأرادوا الخروج، فقال: لو صليتم ركعتين، دعاهم للصلاة في بيته.
 قال: دخلنا على الإمام مالك عند الموت، فجعل يقول: لمثل هذا اليوم كان دؤوب أبي يحيى، كل هذا التعب سبعين سنة أو ثمانين سنة، الصلوات، و جهاد النفس و الهوى، و الإنفاق، و تعلم العلم، و الاقتداء برسول الله، و خدمة الخلق، كل هذه الجهود التي بذلها في حياته، وحرم نفسه حظوظها، وشهواتها، قال كلاماً جميلاً: لمثل هذا اليوم كان دؤوب أبي يحيى، إذا كانت ساعة اللقاء في ذهن الإنسان دائما تصدق، جلس بمجالس العلم، طلب رضوان الله عز وجل، أنفق من ماله، و أنفق من وقته، و أنفق من علمه، نصح الأمة، أتقن عمله، كان عضواً نافعاً، كف من شهواته، ضبط جوارحه، ضبط دخله، ضبط مصروفه، أحسن إلى أهله، كل هذه الجهود المتتابعة، و هذه الهموم المتلاحقة، وهذا الانضباط الشديد كل هذا لهذه الساعة، تصور طالبًا مِن واحد أيلول نظم برنامج دراسته، ترك كل الزيارات والعلاقات والنزهات والسهرات والحفلات، عكف على طاولته، قرأ الكتب المقررة، لخصها، بوبها، قرأ المراجع، زار أصدقاءه المتفوقين، ذاكر معهم الدروس، حضر دروساً إضافية، كل هذا التعب لهذه الساعة ساعة الامتحان، كل ما تفعله في الدنيا من أعمال صالحة، من صلوات، من صيام، من حج، من زكاة، من حضور مجالس علم، من اتعاظ، من تلاوة القرآن، من حفظ القرآن، من فهم القرآن، من الأمر بالمعروف، من النهي عن المنكر، من الإحسان للزوجة، للأولاد، للوالدين، للجيران، للأقارب، إتقان العمل، نصح المسلمين كل شيء تفعله لهذه الساعة، فإذا فزت فيها فزت بكل شيء، لذلك الكفار:

 

﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾

 

[ سورة الزخرف: الآية 83]

  أيها الإخوة: من حين لآخر سبحان الله ! أي إنسان تعرف إلى الله عز وجل يوصف بأنه ذو عقل راجح، و يوصف بأنه ذو نفس طيبة، و ذو حكمة بالغة، فهذه قدوة لنا، هذا إنسان عاش حياة، و انتهت حياته، و بقي ذكره العطر، و أهل الدنيا يعيشون، و يموتون، و يبقى ذكرهم القذر، فاختر لنفسك، و أنت في الدنيا إما أن تسعد في الدنيا و الآخرة، و إما أن تخسرهما معاً، فالإمام مالك بن دينار هذا الإنسان له توبة نصوح عند الله عز وجل، وقصته تبث الثقة في النفوس، كان قاطع طريق، و كان بعيداً عن الدين بعد الأرض عن السماء، ومع ذلك تاب توبة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، وأكرمه الله بالعلم، وكان من كبار العلماء والعارفين و الزهاد.
 حينما يذوق الإنسان طعم القرب تصغر الدنيا في عينيه، من عرف الله زهد فيما سواه.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018