أحاديث متفرقة - الدرس : 042 - توجيهات نبوية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 042 - توجيهات نبوية .


1991-11-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((إن الله تعالى يعجب من سائل يسأل غير الجنة، ومن معط يعطي لغير الله، ومن متعوذ يتعوذ من غير النار ))

[ورد في الأثر]

  أولاً: الإنسان مخير، فحينما يكون مخيراً، وحينما يهبه الله عقلاً، وحينما يتفضل عليه بشرع حنيف فيه توضيح لكل شيء، عقل سليم، واختيار في نفسه، وشرع بين يديه، ومع ذلك يسأل الله غير الجنة، ومع ذلك يتعوذ بالله من غير النار، ومع ذلك يعطي لغير الله، الله سبحانه وتعالى يعجب من هذا الإنسان،

((إن الله تعالى يعجب من سائل يسأل غير الجنة، ومن معط يعطي لغير الله، ومن متعوذ يتعوذ من غير النار ))

[ورد في الأثر]

  قال تعالى:

 

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾

 

[ سورة الإسراء: 20]

  أنت مخلوق سخر الله لك الكون كله، منحك حرية الاختيار، قال لك: اختر يا عبدي، تمنّ علي، واطلب، فهذا طلب الدنيا، هذا طلب مالاً، هذا طلب جاهاً، هذا طلب صحة، ولم يطلب شيئاً متعلقاً بالآخرة، فالله سبحانه وتعالى يعجب، لو أن ملكًا طَلب من إنسان أن يطلب منه ما يشاء، ثم قال له: قلم رصاص، فقط، يشك بعقله، يشك بسمعه، يشك بإدراكه، يشك بملكاته، ملك يطلب منك أن تسأله أي شيء، ثم تكتفي بهذا القلم.

 

((إن الله تعالى يعجب من سائل يسأل غير الجنة، ومن معط يعطي لغير الله، ومن متعوذ يتعوذ من غير النار ))

 

[ورد في الأثر]

  كلكم يعلم أن احد الخلفاء كان في بيت الله الحرام، والتقى بعالم جليل، قال له: سلني ما شئت، قال: والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، فلما لقيه خارج المسجد قال له: سلني حاجتك، قال: والله ما سألتها من يملكها، أفأسألها من لا يملكها ؟.
 أخ كريم قال لي البارحة: والله إني أستحي من الله أن أسأله الدنيا، قلت: بارك الله بك، والله هذه مرتبة عالية في الإنسان، اطلب من الله الجنة، اطلب من الله المعرفة، اطلب من الله عملاً صالحاً يمتد بعد الموت، الكريم لا يقبل أن يعطي عطاءً محدوداً، امرأة سألت رجلاً كريماً، فأعطاها الجزيل، فلامه أصحابه، فقالوا له: إنه كان يرضيها القليل، وإنها لا تعرفك أنك بهذا الكرم، فأجاب إجابةً مفحمةً، قال: إذا كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
 هذه الدنيا، دعك من المعاصي والآثام، دعك من الفجار والمنافقين والمنحرفين، نحن نتحدث عن المؤمنين، المؤمن الذي طلب من الله الدنيا، دخل، وبيت، وزوجة، وراحة بال وشأن، فقط، هذا الذي قنع بالدنيا أفقه ضيق جداً، هذا الذي اقتصر هدفه على الدنيا تفكيره محدود جداً، لأن الدنيا تنتهي بالموت، بل إن الغني والفقير يستويان عند الموت، والقوي والضعيف يستويان عند الموت، والصحيح والسقيم يستويان عند الموت، والذكي والغبي يستويان عند الموت، والوسيم والدميم يستويان عند الموت، الموت ينهي كل شيء، فكل حركتك ونشاطك في الدنيا إذا كانت متعلقةً بالدنيا، وأقول: المسموح به، المباح، الحلال، دعونا من العصاة، نتحدث عن المستقيمين، إذا كان كل طموحك ينتهي عند الدنيا فقد أسأت الاختيار،

((إن الله تعالى يعجب من سائل يسأل غير الجنة، ومن معط يعطي لغير الله، ومن متعوذ يتعوذ من غير النار ))

[ورد في الأثر]

  فلذلك إذا دعا الإنسان الله عز وجل فليكن دعاؤه من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

((اللهم إنا نسألك الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل))

  اللهم إنا نسألك مما سألك به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ونستعيذك مما استعاذك به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كن طموحاً، اسأل الله ما سأله النبي عليه الصلاة والسلام، واستعذ بالله مما استعاذ منه النبي عليه الصلاة والسلام، واسأل الله الخير كله، عاجله وآجله، وظاهره وباطنه، في الدنيا والآخرة، اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
 إذاً لا تكن في السؤال قنوعاً، كن طموحاً، لأنك تسأل كريماً، تسال أكرم الكرماء،

(( ومن معط يعطي لغير الله، ومن متعوذ يتعوذ من غير النار ))

[ورد في الأثر]

  أنت في فترة حياة محدودة، وكل حركاتك وسكناتك مسجلة عليك، وكل عطاءاتك مسجلة لأهدافها، ونواياها، فمن الغريب أن تعطي من وقتك، أو من جهدك، أو من مالك، أو من خبرتك، تعطي لغير الله، هذا الذي أعطيته لذاته بماذا يكافئك ؟ هو فقير، عاجز، هو محدود، هو ضعيف، هو يقصر عن أن يرد لك هذا الجميل، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً ذكر أن الله سبحانه وتعالى

((يعجب من متعوذ يتعوذ من غير النار ))

  إنسان يخشى مرضاً عضالاً، يخشى أن يزاح من مكانه، يخشى أن يخرج من بيته، يخشى أن يفقد زوجته، يخشى أن يفقد وظيفته، يخشى أن يفقد ماله، يخشى على بعض أعضائه، ولا تخشى هذه النار التي وقودها الناس والحجارة، عجيب، إذا لم يخش الإنسان النار، حديث على إيجازه، لكنه عميق، تسأل غير الجنة، تعطي لغير الله، تخشى غير النار، فهناك خلل في التفكير، هناك ضعف في الرؤية، هناك ضيق في الأفق، بل امتحن ذكاءك، وعقلك، وتوفيقك، وأفقك الواسع، من نوع اختيارك، واستعاذتك، وإعطائك.

 

((إن الله تعالى يعجب من سائل يسأل غير الجنة، ومن معط يعطي لغير الله، ومن متعوذ يتعوذ من غير النار ))

 

[ورد في الأثر]

  سيدنا علي كرم الله وجه يقول: " يا بني، ما خير بعده النار بخير "، يعني لو أن الدنيا كلها بيديك، لو أنك حصلت كل أمجادها، أمجاد المال، أمجاد القوة، أمجاد الشأن، أمجاد الجمال، أمجاد الوسامة، الذكاء، لو أنك حصلت الدنيا من كل أطرافها، وانتهت بالنار فليست خيراً، ما خير بعده النار بخير، ولو أن مصائب الدنيا كلها اجتمعت عليك، وانتهى الأمر إلى الجنة فهذه ليست مصائب، ما خير بعده النار بخير، وما شرّ بعده الجنة بشرّ.
 فلذلك ليتم نعمته عليك، قال العلماء: تمام النعمة الهدى، وقال بعض العلماء: تمام النعمة أن تهتدي إلى الله، وأن تفعل وفق ما يقتضيه هذا الاهتداء، أن تعرف الحق نعمة، وأن تطبقه نعمة كبرى، معرفة الحق نعمة، وتطبيقه نعمة كبرى، اللهم أرني الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
 ولو ألغي الاختيار لألغي الدين، لألغيت العبادة، لألغي الثواب، لألغي العقاب، ألغي التكليف، ألغي حمل الأمانة، ألغي كل شيء، أنت مخير، قال تعالى:

 

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾

 

[ سورة الإسراء: 20]

  ولما قال أحد شاربي الخمر في حضرة سيدنا عمر: يا أمير المؤمنين، إن الله قدر علي ذلك، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، الله عز وجل حملك الأمانة، وكلفك بأوامر ونواه، أعطاك المقومات، أعطاك الكون، سخره لك تسخير تعريف وتكريم، منحك حرية الاختيار ليثمن عملك، وليكون هذا العمل الذي فعلته باختيارك ثمن للجنة، منحك العقل، أودع فيك الشهوات لترقى بها صابراً إلى رب الأرض والسماوات، ولترقى بها شاكراً إلى رب الأرض والسماوات، فطرك فطرةً نقية خالصة لتكون مقياساً لك، أو ميزاناً لأعمالك، عندك ميزان العقل، وميزان الفطرة، وميزان الشرع، وعندك الكون، وعندك الشهوات، وعندك الاختيار، وأودع فيك فيما يبدو قوةً، فالعقل والقوة والاختيار والشهوة والكون والشرع والفطرة هذه المقومات، وبعد ذلك تسأل الله غير الجنة ؟ وتستعيذ به من غير النار، وتعطي لغير الله فقد حبط العمل، وأن يحبط العمل له معنيان، إما أن يصبح العمل دنيئاً، فيه قسوة، فيه خلل، فيه اضطراب، فيه انحراف، فيه بغي، فيه عدوان، فيه إثم، هذا إحباط العمل، أو أن يكون العمل في ظاهره جيداً، لكن النوايا ليست كما يرضي الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى كما تعلمون لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وصواباً.
 إذاً الله عز وجل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام علو الهمة من الإيمان، وعلو الهمة يعني يجب أن تطمح إلى مرتبة عالية، لماذا تحب الكمال في الدنيا، وترضى باليسير من الآخرة ؟ هذا ليس من صفات المؤمنين، ولو قرأتم تاريخ أصحاب رسول الله لقلتم هذه المقولة: إذا كانوا بشراً، فنحن لسنا ببشر، وإن كنا بشراً فهم فوق البشر، وهؤلاء من جلدتنا، ومن طبيعتنا، ومن جبلتنا، هم بشر، ونحن بشر، فالإنسان عليه أن يتجاوز معطيات حياته الدنيا، الإنسان له واقع، له مشكلات، له معطيات، له هموم، هذه إما أن تستهلكه، وإما أن يكون فيها، وإما أن تلتهمه إلى أن يأتيه الأجل، قال تعالى:

 

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾

 

[ سورة التكاثر: 1-2]

  وإما أن ينتصر عليها ويعلوا فوقها، ليس هناك إنسان ليس عنده مشكلات، لكن إما أن تستهلك من قبل هذه المشكلات، وإما أن تستهلك هذه المشكلات، وإما أن تنتصر عليها، إما أن تتخاذل أمامها، تتهاوى أمام ضغوطها، إما أن تجتر آلامك طوال الحياة، وإما أن تدع هذه الآلام وتلك الضغوط وهذه المعوقات وتلك الظروف السيئة، وتعلو عليها، لتعرف لماذا أنت في الدنيا، لماذا خلقت، فو الله الذي لا إله إلا هو حينما ينتصر الإنسان على نفسه فقد حقق وجوده الإنساني، وإن لم ينتصر هبط من وجود إنساني إلى وجود حيواني، إذا كانت الحياة طعاماً وشراباً وكسباً للمال واستمتاعاً ليس غير هبط من مستواه الإنساني إلى مستواه الحيواني، لذلك من هم الأنبياء بتعريف دقيق دَقيق ؟ هم أناس انتصروا على بشريتهم، لولا أن النبي عليه الصلاة والسلام يشعر بما نشعر، ويحس بما نحس، ويغضبه ما يغضبنا، ويؤلمه ما يؤلمنا، ويفرحه ما يفرحنا، يرضى، ويغضب، ويخاف، ويجوع، ويعطش، ويذوق طعم الحر، وطعم البرد، لولا أن كل خصائص البشر تجري عليه لما كان النبي بطلاً، لولا أن كل خصائص البشر تجري على سيد البشر لما كان سيد البشر، أخي، نحن من غير طبيعة، لا، أنت من جنس البشر، بإمكانك أن تنتصر على بشريتك، وعلى أوضاعك الخاصة، وعلى الأزمات، وعلى الظروف، وأن تعلو عليها، وأن تفكر في ساعة صفاء لماذا أنا في الدنيا، فلذلك هذا الحديث على إيجازه يثير تسائلاً، ويدفع الإنسان نحو مزيد من مراتب الكمال.

 

((إن الله تعالى يعجب من سائل يسأل غير الجنة، ومن معط يعطي لغير الله، ومن متعوذ يتعوذ من غير النار ))

 

[ورد في الأثر]

  جبريل الأمين، جاء النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا محمد، أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبي عبداً ؟ قال: بل نبي عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره.
 أحياناً الأزمات والضائقات كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الصالحين يشدد عليهم، ما دمت صالحاً، ما دمت طائعاً فأنت في العناية المشددة، تحاسب حساباً دقيقاً، تحاسب على النظرات، وعلى الخطرات، وعلى الكلمات، وعلى الإشارات، وعلى التصرفات، إن الصالحين يشدد عليهم، قال تعالى في الأثر القدسي: وأوحى ربك إلى الدنيا أن تشدد، وتمرري، وتكدري، وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي، أنت حينما ترى أن الله يتابعك، ويحاسبك حساباً دقيقاً وسريعاً يجب أن تفرح، لأنك أصبحت مراداً، أنت مطلوب، وأنت مراد، وأنت مرشح لتكون في مرتبة في الجنة علية، هذا شيء يثلج الصدر، هذا شيء يبعث على الشكر، هذا شيء يجبر الخاطر، والله الذي لا إله إلا هو المؤمن الصادق إذا رأى نفسه مقصراً، وأن الله سبحانه وتعالى يمده، ويعطيه على تقصيره يجب أن يخاف، يجب أن يشعر كأنه من العناية المشددة، كأنه خرج من الرعاية، كأنه أصبح على هامش النسيان، أما إذا رأى الله عز وجل يتابعه، ويحاسبه، ويشدد عليه، وكل مشكلة لقضية، هذه لتلك، وهذه لتلك، هذا الإنسان مرغوب فيه، ومراد، ومرشح ليكون في مرتبة علية، فلذلك إذا أحب الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه، إذا أحب الله عبده عجل له بالعقوبة، إذا أحب الله عبده جعل له واعظاً من نفسه، يأمره، وينهاه، إذا أحب الله عبده عاتبه في منامه، المعاتبة في المنام، وتعجيل العقوبة، والصراع الداخلي، دائماً نفس لوامة، هذا كله من علامات محبة الله للإنسان.
 وقد يمنعه من الدنيا، إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة.
 إذاً هذا الحديث يجب أن تعلم علم اليقين أن الدنيا تنتهي بالموت، وأن بعد الموت أبد لا ينتهي، الدنيا مهما طالت ما دام لها نهاية فهي قصيرة، يا دنيا غري غيري، قال سيدنا علي، شأنك حقير، وأمدك قصير، يا دنيا طلقتك بالثلاث، طلقة لا رجعة بعدها، هذه الدنيا، أما الأبد فحياة لا تنتهي، ولك أن تتحدث عن الأبد حديثاً لا ينتهي، يا ترى مئة ألف، مليون عام، أكثر من هذا الرقم.
 مرة ضربت مثلا، رجل بدمشق، وبين كل صفرين ميلمتر، والأصفار باتجاه، ونمشي باتجاه طريق حمص باتجاه دوما، إلى القطيفة، إلى النبك، حمص، حماه، حلب، أنقرة، موسكو القطب الشمالي، المحيط الهادي، القطب الجنوبي، إلى إفريقيا، إلى مكة، إلى تبوك، إلى عمان، إلى دمشق، هذا الرقم كم هو ؟ رقم واحد، وأمامه أربعون ألف كيلو متر أصفار، أربعون ألف كيلو متر أصفار، هذا الرقم إذا قيس إلى اللانهاية فهو صفر، هذا معنى الأبد، فلذلك الدنيا محدودة، والأبد غير محدود، الآن في الدنيا أي عمل، أي نشاط، أي حركة، أي زيارة، أي إعطاء، أي منع، أي غضب، أي رضى، النشاط الإنساني حركة، الإنسان في الحياة حركة نفسية، حركة فكرية، حركة جسمية، كسب مال، إنفاق مال، علاقات، أيّ حركة لا علاقة لها بالآخرة خسارة، أيّ حركة لها علاقة لما بعد الموت ربح، هذا معنى قول الله عز وجل:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾

 

[ سورة العصر: 1-2]

  العصر هو الزمن، وأنت زمن أيها الإنسان، أنت زمن، أنت كائن تتحرك، والحركة هي البعد الرابع للأشياء، مادامت الحركة تنتهي بالتوقف فأنت زمن، وكلما مضى وقت انقضى بضع منك، فإن الإنسان أيّ إنسان ما دام يحيى على هذه الأرض، والأرض تدور حول نفسها، وحول الشمس كل سنة، وسنوات تلو السنوات، أنت إذاً زمن، أنت في خسارة محققة، لا تتلافى هذه الخسارة إلا بحالة واحدة، إذا فعلت في هذا الزمن المحدود ما له علاقة باللامحدود، قال تعالى:

 

﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

 

[ سورة العصر: 2]

  عندئذ تنجو من هذه الخسارة.

 

((إن الله تعالى يعجب من سائل يسأل غير الجنة، ومن معط يعطي لغير الله، ومن متعوذ يتعوذ من غير النار ))

 

[ورد في الأثر]

  حديث خر وأخير، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ))

[ ابن ماجه ]

  رزق مادي، أو رزق معنوي، وأنا أرجح ما دام هناك علاقة بين حرمان الرزق والذنب أرجح وأفضل المعنى الآخر، الإنسان إقباله على الله رزق، تلاوته للقرآن من انشراح صدر رزق، خشوعه في الصلاة رزق، فهمه الدقيق لكلام الله تعالى رزق، فهمه الدقيق لحديث رسول الله رزق، تخلقه بأخلاق الله، الحلم رزق، العفو رزق، انشراح صدره رزق، طمأنينته رزق، هذا الرزق مشكلته أنه حساس جداً، سريعاً ما يتفلت منك، لمجرد ما تقع بذنب أو بمعصية أو بمخالفة أو بتقصير أو بتجاوز أو بتساهل أو باسترخاء، حينما تعزف نفسك عن المجاهدة في سبيل الله فإن هذا الرزق يتفلت منك، فلذلك الإنسان إذا صار له حال مع الله عز وجل، حال قرب ليحرص عليه حرصاً بالغاً، ليحرص عليه بمزيد من الطاعة، بمزيد من العبادة، بمزيد من الذكر، بمزيد من الدعاء، ليحرص عليه، وإلا

(( وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ))

 يعني إذا أنكرت قلبك، أنكرت صلاتك، ضاقت نفسك ربنا عز وجل وصف الذين تخلفوا عن الجهاد وصفاً دقيقاً، قال تعالى:

 

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾

 

[ سورة التوبة: 118]

  أحيانا الإنسان تضيق نفسه، تغلب عليه السوداوية، يصيبه السأم، والضجر، والملل، والضيق يقول لك: أنا متضايق، هذه علامة أن هناك ذنباً ارتكبته، لأن

((الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ))

 إذاً معنى الرزق بهذا الحديث بحسب السياق العام هذه الحالات الطيبة، الحالات التي تغمر القلب، هذه قد يحرمها الإنسان بذنب ارتكبه.
 والآن إلى شيء من سيرة أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم، من أصحاب رسول الله السابقين عبد الله بن حذافة السهمي، بطل من أبطال الإسلام، عبد الله بن حذافة بن قيس من كعب بن لؤي قرشي سهمي، يكنى أبا حذافة، طبعاً كلمة أبو فلان، أو أبي فلان، أو أبا فلان، أم فلان، أو بنت فلانة، أو ابن فلان هذه كلها كُنًى، الإنسان له اسم، وله لقب، وله كنية، وله نسب، وله شهرة، هذا مشهور بالسمان، هذه شهرة، القرشي هذا نسب، الفاروق هذا لقب عمر، أبو حفص هذه كنية، القرشي نسب.
 سيدنا أبو عبيدة كان قصاباً، القصاب هذه شهرة، عرف بين الناس بهذه الحرفة مثلاً، عبد الله بن حذافة بن قيس من كعب بن لؤي قرشي سهمي، يكنى أبا حذافة، أسلم، وصحب النبي عليه الصلاة والسلام، وكان معه في هذه الهجرة أخوه قيس بن حذافة، في السنة السادسة بعثه النبي عليه الصلاة والسلام إلى كسرى ملك الفرس، بعثه رسولاً، ومعه كتاب هذا نصه: من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى عظيم فارس، هنا في استنباط، أنت مثلاً جالس مع إنسان لقبه دكتور، جالس مع إنسان لقبه عميد، فإذا وصفت الإنسان بلقبه المتعارف عليه فليس في هذا شر:ٌ لله عز وجل، فهل كسرى عظيم ؟ ليس عظيماً، العظيم هو المؤمن، ومع ذلك هو عند قومه عظيم، فإذا كنت مؤمنًا، ولإنسان لقب بين الناس، وخاطبته بهذا اللقب فلست آثماً، كنت بشكل طبيعي تخاطبه باللقب المتعارف عليه.
 من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، هذه العبارة دقيقة جداً، قد يكون الإنسان غير متبع للهدى، قد يكون الإنسان فاجرًا، ينكر وجود الله عز وجل، تقول له: السلام عليك ؟ لا، السلام على من اتبع الهدى، هذه العبارة دقيقة جدا، إذا أردت ألا تمنحه هذا الشرف العظيم فسلم على من اتبع الهدى، وكفى.
 قال: السلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، أدعوك بدعاية الله عز وجل، يعني بدعوة الله عز وجل، فإني أنا رسول الله على الناس كافة لأنذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن توليت فإنما عليك إثم المجوس، إذا لم يستجب كبير القوم للحق فكل من تبعه في الدنيا في صحيفته، وفي رقبته، وفي ذمته، أنت مثلاً أب، فإذا دعيت إلى الله ورسوله، ولم تستجب، ولم تصل فأولادك لا يصلون، طبعاً إذا فعلت المنكر فعلوه معك، فكل إنسان لم يستجب للحق في رقبته إثمه، وإثم من تبعه.
 قال: أسلم تسلم، فإن توليت فإنما عليك إثم المجوس، في رواية الأريسيين، يعني إثم أتباعك.
 ماذا فعل كسرى ؟ مزق كتاب رسول الله، وقال: يكتب إلي هذا، وهو عبدي ؟ وصف النبي عليه الصلاة والسلام كأنه عبد له، يقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: اللهم مزق ملكه، وهناك من يقول: إن كل من أراد أن يعيد مجد كسرى يمزق ملكه دعوة مستمرة، وحينما ألغيت حضارة الإسلام في بلاد آسيا، وأراد طاغيتهم أن يعود إلى أمجاد كسرى مزق الله ملكه، فقال: هذه دعوة مستمرة، أي إنسان أراد أن يعيد مجد كسرى يمزق ملكه.
 فدعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام أن يمزق ملكه، وبعث كسرى إلى باذان واليه على اليمن بأن يبعث إلى الحجاز رجلين يأتيانه بمحمد، لأنه عبده فبعث، باذان رجلين إلى المدينة، شيء مضحك جداً، انظر إلى الكافر، كم أفقه ضيق، هذا رسول الله، لو اجتمعت الأمة كلها، لو اجتمع أهل الأرض على أن يمسوه بسوء لا يستطيعون، قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾

 

[ سورة المائدة: 67]

  كسرى بعث إلى واليه باذان في اليمن أن يبعث إلى الحجاز رجلين يأتيانه بمحمد، فبعث باذان رجلين إلى المدينة التقيا النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام لهذين الرجلين: إن الله سلط على كسرى ابنه فقتله، وتحققوا من ذلك، فلما تقصوا الأخبار عرفوا أنه رسول الله، ما كلفه الله ذلك إلا أن ينقل لهم خبراً لا يعرفونه، جاءه الوحي، وأخبره أن هذا الذين بعث لك رجلين ليلقيا القبض عليك قتله ابنه، فقال عليه الصلاة والسلام لهذين الرجلين الذين جاءا ليعتقلاه كما يدعيان: إن الله سلط على كسرى ابنه فقتله.
 سيدنا عبد الله بن حذافة له تاريخ في البطولات طويل، على كل من أبرز بطولاته أنه كان يقود جيشاً، أو يقود حملة محدودة على تخوم بلاد الروم، فوقع هو وأصحابه الثمانون في أسر جيش هرقل، وفرح قيصر بأسر هذا الصحابي، وهذا القائد البطل هو وأصحابه، ودعاه إلى مجلسه، وقال له: تنصر، وإلا ألقيتك في هذه البقرة، بقرة من نحاس فيها زيت يغلي، فأجاب عبد الله في إباء وشمم: لا أفعل، فألقى قيصر برجل من خصومه في البقرة، ومات من توه، ودعاه ثانية إلى أن يتنصر، وإلا ألقاه في هذه البقرة، وفي المرة الثانية قال: لا أفعل، فلما أمر قيصر أن يلقى في البقرة بكى هذا الصحابي، وحينما بكى شعر قيصر أنه انتصر عليه، انهار، تهاوت نفسه، ضعف أمام الموت، فقال أصحاب قيصر: لقد جزع، لقد بكى، فقال: ردوه علي، عرض عليه مرة ثانية قال: تنصر، فقال له عبد الله: لا تظن أيها القيصر أنني بكيت جزعاً مما تريد أن تصنع بي، ولكني والله بكيت حيث ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله، وكنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة في بدني، ثم تسلط علي فتفعل بي ما تشاء، يا ليت لي مئات ألوف الأنفس، وأنت مسلط علي، وافعل بي ما تشاء، لأن كل نفس أرتقي بها عند الله، هذه الكلمات ملأت نفس القيصر عجباً وذهولاً مما يرى، ومما يسمع.
في هذه اللحظة دخل الحجاب، ومعهم كتاب من خليفة رسول الله، من أمير المؤمنين سيدنا عمر، يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله، من عبد الله عمر بن الخطاب إلى هرقل ملك الروم، أطلقوا الأسير المسلم عبد الله بن حذافة حين وصول كتابي هذا إليكم، فإن فعلتم رجوت الله أن يهديكم الصراط المستقيم، وإن لم تفعلوا فإني أبعث لكم رجالاً لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن الجهاد في سبيل الله.
 رسالة قصيرة، ارتعد لها قلب القيصر، دعا برسول الخليفة، فدخل عبادة بن الصامت وهو الرسول، ومعه آخرون.
 قيصر دعا سيدنا عبادة، وقال له: تنصر، وأزوجك ابنتي، وأقاسمك ملكي، وأرد عبد الله، والله ما أفعل، إلى أن قال قيصر لعبد الله بن حذافة: قبّل رأسي، طبعاً الرسالة فيها تهديد، فلا بد من إطلاق سراحه، لكن كآخر محاولة، أولاً: هدده بأن يلقى في البقرة فلم ير فيه أي استعداد، أو أي قبول، أو أي لين، الآن أغراه أن يتزوج ابنته، وأن يقاسمه ملكه، ومع ذلك قال: ما أفعل، قال: قبّل رأسي، وأطلق سراحك، قال: لا أفعل، قال: قبّل رأسي، وأطلق معك ثمانين من أسرى المسلمين، فقال عبد الله: أما هذه فنعم، هذه ممكن.
 عرض عليه ملكاً، أن يزوجه، هدده بالقتل، قوة في دينه، أطلق قيصر سراحه، أما هذه فنعم، وقبّل رأسه، وأطلق سراحه، وأعطاه هدايا ثمينة إلى عمر بن الخطاب، وخرج عبد الله بن حذافة والثمانون أسيراً، وبعد قليل لقيهم رسول سيدنا عمر، ومن معه، وتصافحوا، وتعانقوا، وكان هذا اللقاء كأنه عيد من أعيادهم، ولما وصل عبد الله بن حذافة إلى عمر بن الخطاب، وعلم بالقصة، قام عمر، وقبّل رأسه بنفسه، انظر إلى قيمة المسلم من أجل إخوانه، من أجل هؤلاء الأسرى، وأخذ أصحاب رسول الله يمازحون عبد الله بن حذافة، ويقولون: قبّلت رأس القيصر، قبّلت العلج، قبّلت رأس الطاغية، فيقول لهم: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من أسرى المسلمين، فكان جوابه أن هذه القبلة أطلق الله بها ثمانين من أسرى المسلمين.
 الحقيقة هذه قصة ماذا نستنبط منها ؟ نستنبط منها أن المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، والنبي نهانا عن أي عمل يوقع الإضرار بالمسلم، الآية الكريمة قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

 

[ سورة الحجرات: 10]

 هذه الآية أصل، وفيها توجيهات، هناك مؤمنون كثيرون فيهم ضعف، يخالفون نص هذه الآية، لما ربنا عز وجل قال:

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

 

[ سورة الحجرات: 10]

  المؤمنون، ماذا معنى أنهم إخوة ؟ هذا تركيب اسمي، أيهما أقوى، أن نقول: تآخى المؤمنون، أو المؤمنون إخوة ؟ إذا قلنا: تآخى المؤمنون هذا تركيب فعلي، التركيب جملة فعلية، ودائماً التركيب الاسمي أقوى وأثبت، بل إن التركيب الفعلي يدل على الحدوث، بينما لتركيب الاسمي يدل على الثبوت، عندنا تركيب يدل على الحدوث، وتركيب يدل على الثبوت.
 مثل أوضح، اسم الفاعل يدل على الحدوث، أما الصفة المشبهة باسم الفاعل فتدل على الثبوت، فكلمة طويل هذه صفة مشبهة باسم الفاعل، تدل على ثبات هذه الصفة، أما كلمة داخل، فالدخول يتم مرة واحدة، الداخل اسم فاعل، أما طويل على وزن فعيل صفة مشبهة باسم الفاعل، فهناك أسماء تدل على الثبوت، وأسماء تدل على الحدوث، هناك تركيب يدل على الثبوت، وتركيب يدل على الحدوث، فالتركيب الفعلي يدل على الحدوث، مثلاً: اجتهد زيد، قد يكون اجتهد مرة واحدة، فحص واحد، مذاكرة واحدة، سنة واحدة، فصل واحد، مادة واحدة، اجتهد زيد، إذا قلت: زيد مجتهد، يعني دائماً مجتهد، في كل سنوات دراسته، في كل المواد، في كل أجزاء العام.
 فلاحظ الفرق بين تآخى المؤمنون، تآخوا عقب معركة، أو في العيد، أما إنما المؤمنون، من إنما المؤمنون إخوة، هذا تركيب اسمي يدل على الثبوت، لا على لحدوث، هذه واحدة، إذا قلنا: إنما المؤمنين إخوة ماذا أضفنا، ماذا تعني إنّ ؟ تفيد التوكيد، إذاً أنا أؤكد فضلاً عن أن التركيب في الأصل تركيب اسمي، وهو يدل على الثبوت، وفوق هذا الثبوت إن المؤمنين إخوة، إذا قلت: إنما المؤمنون إخوة، ماذا أضافت ؟ القصر والحصر، يعني قصرنا الإيمان على الإخوة، ما لم تكن أخاً لمؤمن فلست مؤمناً، دقق في هذه الكلمة: ما لم تكن أخاً لأي مؤمن فلست مؤمناً، هذا معنى إنما، التركيب الاسمي يفيد الثبوت، إن تفيد التوكيد، إنما تفيد القصر، الأخ مع الأخ النسبي يجمع على إخوة، والأخ مع الأخ غير النسبي يجمع على إخوان، عندنا إخوة، وإخوان، بحسب الطبيعة البشرية، أيّ العلاقات أوصل وأمتن ؟ أخ من أم وأب في بيت واحد لهم، أمّ واحدة، وأب واحد، من بيئة واحدة، من وضعية واحدة، قد يكون لك صديق من بلد آخر، فعلاقة النسب أقوى علاقة، فالله سبحانه وتعالى رفع علاقة المؤمنين إلى أمتن علاقة، وهي علاقة النسب، قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

 

[ سورة الحجرات: 10]

  فهذا الكلام خطير، لما أنتمي على جماعة معينة، وأحتقر غيرها من الجماعات، لما لا أعاون واحد من جماعتي، لما أجعل أفقي كله ينتهي عند جماعة صغيرة، أنا أكون قد خالفت نص هذه الآية، ما لم أكن أخاً لأي مؤمن فلست مؤمناً، يجب أن يكون انتمائي لكل المؤمنين، لمجموع المؤمنين على وجه الأرض، في أي بلد، في أي عصر، فأي شرذمة، وأي تفريق، وأي تقطيع أوصال بين المؤمنين فهذا مما يخالف نص هذه الآية، أتمنى على الله عز وجل أن أكون وضحت لكم حقيقة هذه الآية:

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

 

[ سورة الحجرات: 10]

  فسيدنا عبد الله هو لما عرض عليه أن يتنصر، وإلا ألقاه في هذا الزيت المغلي شيء لا يحتمل، رفض، عرض عليه أن يأخذ ابنته، وأن يجعله شريكاً في الملك، فرفض، قبّل رأسي، وأطلق سراحك، فرفض، قال له: قبّل رأسي، وأطلق معك سراح إخوانك، قال: فأما هذه فنعم، وقبّل رأسه، بماذا تفهمون ذلك ؟ قال عليه الصلاة والسلام: والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
 الحقيقة علامة إيمانك خدمتك لإخوانك، والله سبحانه وتعالى لا يرضيه إلا أن يرى المؤمنين متحابين، وفي الحديث القدسي عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِي، والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبيون يوم القيامة))

[أحمد]

  فهذه الآية أتمنى على الله عز وجل أن تكون عندكم واضحة تماماً، أنت أخ لكل مؤمن في أي مكان، وفي أي زمان، ولا تكون مؤمناً إلا إذا شعرت بهذا الانتماء إلى مجموع المؤمنين، وأي نظرة ضيقة، وأي نظرة محدودة، وأي نظرة قاصرة على جماعة صغيرة، وأي تفريق بين الجماعات، وأي إثارة للعداوات، وأي تأجيج للخصومات، فإن هذا لا يرضي الواحد الديان، إذا كنت ترضي الله عز وجل، إذا كان الله مقصودك، ورضاه مطلوبك ففعل هذا، قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

 

[ سورة الحجرات: 10]

 مرة ثانية: المؤمنون إخوة، تركيب اسمي، هذا التركيب الاسمي أثبت من التركيب الفعلي، وإن إذا أضيفت على التركيب الاسمي أفادت التوكيد، وإنما، و(ما) بعد إن تفيد القصر، ومعنى القصر ما لم تكن أخاً لأي مؤمن فلست مؤمناً، أساس إيمانك هذه الأخوّة، انظر على الأب إذا رأى أولاده متحابين متعاونين، يؤثر بعضهم بعضاً، يشعر بسرور بالغ، وإذا رأى العداوة والخصومة والتنابز بالألقاب والمنافسة الرخيصة والحقد بين أولاده يتألم منهم جميعاً.
 فلذلك هذه الآية يجب أن تكون في كل ذهن منا، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾

[ سورة الحجرات: 10]

  الأصل: إنما المؤمنين إخوة، فإذا رأيت بين أخوين خصومة، جفاء تدابر، عداوة، حسد، بغضاء، عدم سلام، أنت مهمتك ألاّ تعمق هذا الخلاف، والله معك حق، يجب ألاّ تنظر إلى وجهه، هذا موقف لا أخلاقي، إذا رأيت أخاً يجافي أخاً، أخاً يعادي أخاً، يحسد أخاً، في خصومة، في مشكلة، أنت مهمتك: فأصلحوا بين أخويكم، يؤكد ذلك قول الله عز وجل:

 

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

 

[ سورة الأنفال: 1]

  والآية من أدق الآيات، أصلح نفسك، تعاهد قلبك، نقّ نفسك من الأمراض، من أمراض الحسد، من أمراض الغيبة، النميمة، الفحش، سوء الظن بإخوانك، طهر نفسك من الغيظ، من الاستعلاء، من الكبر، هذه كلها أمراض.
 أولاً: أصلحوا ذات بينكم، يعني أصلحوا أنفسكم.
 ثانيا: المعنى أصلح العلاقة التي بينك وبين الناس، علاقتك مع والدتك فيها مشكلة أصلحها، علاقتك مع أبيك علاقتك، مع أخيك، مع جيرانك، مع زملاءك، مع زوجتك، مع أولادك، مع أبيك، أصلحوا ذات بينكم، العلاقة التي بينكم، هذا المعنى رقم اثنين.
 ثالثاً: أصلح العلاقة بين اثنين، إما أن تصلح نفسك، أو أنت طرف مع الثاني، أو أنت ليس لك علاقة، أصلح بين اثنين، والقرآن إعجازه في إيجازه، إعجازه في أنه يحمل وجوهاً كثيرة، فإذا رأيت في نفسك مرضاً، استعلاءً، حسداً، بغضاً، ضغينة، أثرة فهذا مرض، أصلح ذات بينك، كما قال سيدنا عمر:

((تعاهد قلبك))

 وإن رأيت بينك وبين أخيك جفاء، حسدًا، استعلاء، كبرًا، حقدًا، فأصلح هذه العلاقة، أصلحها بكلمة طيبة، باعتذار، بهدية تطيب بها قلبه، كما قال عليه الصلاة والسلام، أنت ما عليك شيء، والعلاقات كلها ناجحة مع الناس، لكن تعرف أن بين أخوين مشكلة، بين زوجين، أختك وزوجها، فلا يكترث، هذا أمر لا يليق، أصلح بينك وبينها، لك أخوان متعاديان، أصلح بينهما، قال لي مرة صهر: أشكو لأخ زوجتي أخته، قال له: أنصحك، طلقها، المؤمن لا يفعل هذا، فأصلحوا بين أخويكم.
 هدده بالقتل في الزيت المغلي، قال له: لا أفعل، قال له: أزوجك ابنتي، وأجعلك شريكاً في الملك، لا أفعل، قبّل رأسي، لا أفعل، قبّل رأسي، وسأطلق إخوانك معك، قال: أما هذه فنعم، سأفعل، افهموا منه، والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا.
بشكل أو بآخر حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وكلما عم خيرك على الناس كلما اقتربت من الله، وكلما ضاق خيرك عن الناس، وتمحورت حول ذاتك كلما ابتعدت عن الله.
 مرة قرأت تقديمًا للنبي الكريم، قال: يا من جئت الحياة فأعطيت، ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، يا من رعيت قضية الإنسان، يا من هيأك تفوقك لتعيش واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة موجتك والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.
 هل شفعت بين زوجين ؟ وفقت بين زوجين، من مشى بتزويج رجل بامرأة كان له بكل كلمة قالها، وبكل خطوة خطاها عبادة سنة، قام ليلها، وصام نهارها.
 الدين معاملة، الدين مؤاثرة، الدين صفح، الدين خدمة، الدين بذل، الدين عطاء.
 هذه القصة ما اخترتها لكم إلا لهذا الغرض، قال له: قبّل رأسي، وأطلق سراح إخوانك، قال: أما هذه فنعم، حباً وكرامة، فلما عاتبه أصحاب رسول الله أنك قبلت رأس العلج، قال: بهذه القبلة أطلقت ثمانين صحابياً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018