أحاديث متفرقة - الدرس : 040 - خطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 040 - خطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم


1991-10-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، الحديث اليوم خطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم موجزة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته:

((أيها الناس ؛ إنه لا خير في العيش إلا لعالم ناطق أو مستمع واع، أيها الناس ؛ إنكم في زمن هدنة، وإن السير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فقال له المقداد: يا رسول الله ؛ وما الهدنة ؟ قال: دار بلاء وانقطاع، فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وشاهد مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل))

  في هذه الخطبة معانٍ جليلة وكثيرة ودقيقة، وقد يسأل سائل: ما بال النبي عليه الصلاة والسلام يخطب خطبةً لا تزيد عن دقيقتين، وقد ربى صحابة فتحوا المشرقين، وسيطروا على الأرض إلى حد ما، ومكن الله لهم دينهم، وأبدلهم من بعد خوفهم أمناً ؟ وما بال المسلمين في عصور متأخرة يزيدون على مليار ومئتي ألف، وخطباؤهم يتحدثون الساعات الطوال، والكتب بين أيديهم كثيرة، والمقالات والصحف والمجلات والأشرطة، والعلم مبذول بشكل مذهل الآن، ومع ذلك لا تجد واحداً من بين المسلمين في بطولته، وفي إخلاصه، وفي حبه يقترب قليلاً من أي صحابي من صحابة رسول الله e.
 هناك سرّ خطر في بالي، أن هذه الكهرباء إذا سرت في الأجهزة تحركت المروحة، وعمِل البراد، والمكيف، والمدفأة قدمت الحرارة، هذه الأجهزة المتنوعة إذا قطعت عنها الكهرباء أصبحت كتلاً من الحديد لا معنى لها، فإذا سرت فيها الكهرباء قدمت نفعاً كبيراً، ما هي هذه القوة التي كانت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وافتقدناها نحن ؟ مثلاً درس الجمعة كان عن غزوة الخندق، والغزوة طويلة، وقرأت لكم من بعض كتب السيرة مشاهد مؤثرة من غزوة الخندق، وفي مشهد قرأته سريعاً، ولم أقف عنده طويلاً هو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحفر مع أصحابه الخندق، وكان كواحد منهم، ولم يميز نفسه عنهم قيد أنملة، لا في الحفر، ولا في الحمل، ولا يفي الجوع، ولا في البرد، ولا في الخوف، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام آلمه الجوع إيلاماً شديداً، فذهب إلى البيت، وسأل زوجته: ماذا عندك يا فلانة ؟ قالت: عندي شاة، وصاع من شعير، فقال: اجعليه طعاماً، ذبحت الشاة، وطبخت، وطحنت الشعير، وصنعت طعاماً يكفي لعدة أشخاص، ماذا فعل هذا الصحابي ؟ أكل هو وامرأته، وشبعا، وقالا: الحمد لله، وانتهى الأمر، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق يتضورون جوعاً ؟ حمل هذا القدر، وجاء به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، آثر النبي e على نفسه، آثر النبي e على حاجته، وعلى أهله، هكذا خطط الصحابي، أن يا رسول الله كُلْ أنت ومن حولك، أنت واثنين، سيدنا الصديق، سيدنا عمر، كلوا، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام تناول هذا الطعام سراً هو وأصحابه المقربون، وبقي أصحاب رسول اله جائعين، أكان هذا نبيًّا ؟ ماذا فعل أب إمكانه أن يأكل وحده مع صاحبيه، وأصحابه الألف يجوعون، ويبردون، ويخافون ؟ لا يستطيع النبي e إلا أن يفعل ما فعل، قال: أخوكم فلان دعاكم إلى طعام، ثقته بالله عز وجل أن هذا الطعام الذي يكفي لأشخاص لا يزيد عددهم على أصابع اليد، لعل الله عز وجل يطرح البركة، أو لعلهم يأكلون قليلاً فيشبعون، على كلّ قدم الطعام لكل أصحاب رسول الله، هذا الصحابي الذي صنع الطعام ذهب كالشمعة، وخجل من هذا قلة الطعام، أنا دعوت النبي e وحده ومن حوله، فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو كل الناس، كل أصحابه لهذا الطعام، وقد دخل أصحاب رسول الله على هذا الطعام عشرة وراء عشرة، وأكلوا جميعاً، وهذه من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام.
 لكن لما يكون النبي e لا يؤثر نفسه بلقمة واحدة، ولا يوفر جهده بساعة واحدة، يحفر مع أصحابه، وينقل التراب مع أصحابه، ويجوع مع أصحابه، ويشبع مع أصحابه، لو أن المؤمنين بهذه المحبة، وبهذا التعاطف، وبهذا التسامح، وبهذا الود، وبهذا الإخلاص، وبهذا التعاون لكنا في حالة غير هذه الحالة، عندئذ يتحقق قول الله عز وجل فينا:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

[ سورة النور: الآية 55]

  أقول لكم كلمات بإخلاص: التألق في الدين لا يكون لا بالقراءة، ولا بالاستماع، ولا بالحديث، ولا بالمناقشة، ولا بالحفظ، ولا بالتذكر، ولا بالتأليف، تألق المؤمن يكون حينما يجعل هذا الإسلام مطبقاً في حياته، إسلامك في دكانك، في صدقك، في أمانتك، في ورعك، في عفافك، الإسلام ليس في المسجد، في المسجد تقبض الجائزة، إذا أتيت إلى بيت من بيوت الله لتصلي، ففي هذا المكان تأخذ الجائزة، أما موجبات الجائزة تكون في بيتك، في محلك التجاري، في صنعتك، في معملك، في وظيفتك، فإذا أتقنت عملك، وكنت صادقاً، ونصحت المسلمين، وجعلت الإسلام مطبقاً في حياتك اليومية، جعلت هذه السنة المطهرة يلمسها الناس صارخةً في سلوكك، عندئذ تتألق، عندئذ يصبغ الله على كلامك قوة تأثير عجيبة، عندئذ تهفو القلوب إليك، عندئذ يكون كلامك كالسحر الحلال، إله هو هوَ، ما تغير، وما تبدل، إله الصحابة إلهنا، ورب الصحابة ربنا، والذي حصل مع الصحابة يمكن أن يحصل في كل زمان، لكن كما يقولون: هات لي أخ صادق مخلص يحب أخاه حباً حقيقياً، ولا يميز نفسه عليه قيد أنملة، وخذ تأييداً من الله عز وجل، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل هذا الطعام، وهو في أشد حالات الجوع، أكله مع كبار الصحابة، مع ثلاثة، وبقي أصحاب رسول الله يتضورون جوعاً، وقد رأوا أن النبي e دخل، وأكل، وخرج، وقد شبع، وبدأ ينصحهم بالصبر، اصبروا، ولو أنه نبي، ولو أنه يوحى إليه، ولو أنه معصوم، لنفرت النفوس، ولابتعدت عنه، ولانتقدوه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال تعالى عنه:

 

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 128]

  فأنت قبل أن تتكلم، وقبل أن تنطلق بخطاب رائع، وقبل أن تلقي موعظة مؤثرة، وقبل أن تحفظ الأحاديث، وقبل أن تتفنن في شرحها، وفي تحليلها، وفي إيراد أسبابها، وقبل أن تفعل كل ذلك سوِّ نفسك مع إخوانك، كن متواضعاً لهم، كن محباً لهم، ليمتلئ قلبك رحمة بهم، سوِّ نفسك معهم، وانظر كيف تتألق، وانظر كيف أن قلبك يصبح مهبطاً لتجلي الله عز وجل، وانظر كيف تسعد وتسعد، وانظر كيف أنك تشعر بسعادة لا توصف، تحس أن مجتمع الصحابة شيء لا يوصف، كانوا في أشد حالات الضيق والفقر والخوف والجهاد والقلق، من غزوة إلى غزوة، من حرب على حرب، من جائحة إلى جائحة، مع ذلك كانوا في سعادة لا توصف، وقد تجد المسلمين وهم في بحبوحة، وفي أمان، وفي استقرار، والحاجات ميسرة، والتناحر، والتباغض، والتشاتم، والتدابر، وكل يكيل للآخر تهما، وكل يسفه الآخر، أهذا هو الإسلام الذي يرجوه النبي عليه الصلاة والسلام ؟ أهكذا ربى أصحابه، ربى أصحابه على المودة، على الحب، كان في غزوة، والنبي عليه الصلاة والسلام من عادته أن يتفقد أصحابه، فإذا غاب أخ من الإخوة عن درس أو درسين، وسألت عنه، لا يعدها أنه تفقد، يا ترى مريض ؟ يا ترى سافر ؟ يا ترى له مشكلة ؟ يا ترى له حاجة ؟ فتفقد الإخوان الكرام هذا من السنة، فالنبي تفقد أصحابه، فقال: أين فلان، وفلان، وفلان.
 مرة أحدهم غمز، ولمز، قال أحدهم: لا، والله يا رسول الله، ما علمنا عليهم إلا خيراً، والله يا رسول الله لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علما أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، هكذا كان الصحابة قلبًا واحدًا، ويدًا واحدة، وهدفًا واحدًا، وطريق واحدة، فنحن إذا أردنا أن نتألق، أن نشعر بعظمة هذا الدين، أن نشعر بطعم الإيمان، هذا ذاق طعم الإيمان، أن تذوق ما الإيمان، من رضي بالله رباً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وأن يكره أن يعود بالكفر كما يكره أن يلقى في النار، إذا فعلنا ما فعل أصحاب رسول الله تألقنا، وسعدنا، وقطفنا ثمار هذا الدين.
 فيا أيها الإخوة الأكارم، الوقت ثمين، هذه خطبة التي خطبها النبي عليه الصلاة والسلام على إيجازها فيها معان عميقة جداً قال:

((أيها الناس إنه لا خير في العيش))

 يعني تعيش لتأكل تعيش لتجمع الأموال تعيش لتتاجر ربنا عز وجل قال:

 

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾

 

[ سورة التكاثر: الآية 1]

  ما هو اللهو ؟ أن تشتغل بالخسيس عن النفيس، إنسان غاص إلى أعماق البحر وتحمل مشقة الغوص وأخطار الغوص واحتمال أن يلتهمه قرش البحر واحتمل أن يختنق واحتمال... وترك اللآلئ وأخذ الأصداف وصعد إلى سطح البحر أليس هذا خاسر خسارة شديدة، نقول:

 

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾

 

[ سورة التكاثر ]

  عندنا علم اليقين، وعندنا عين اليقين، وعندنا حق اليقين، علم اليقين إذا رأى إنسان دخاناً من وراء جدار يحكم بعقله قطعاً أن هناك وراء الجدار ناراً، لأن العقل يقول: لا دخان بلا نار، هذا علم اليقين مئة بالمئة، فإذا سار إلى خلف الجدار، ورأى النار بعينها، فهذا عين اليقين، فإذا أصابته النار بحرارتها، ولسعت يده فهذا حق اليقين، علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فالإنسان يجب أن يكون إيمانه من مستوى اليقين، إما علم اليقين في البداية، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين، أحد أصحاب النبي قال: كيف أصبحت يا فلان ؟ قال: أصبحت بعرش ربي بارزا، وكأني بأهل الجنة يتنعمون، وبأهل النار يتصايحون، قال: عرفت فالزم، إني لك ناصح أمين، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((أيها الناس، إنه لا خير في العيش إلا لعالم ناطق أو مستمع واع))

 الناس رجلان، عالم ومتعلم، ولا خير فيما سواهما، يعمل ليأكل، يأكل ليعيش، يعيش ليأكل، أهداف كلها أرضية، أهداف صغيرة، أهداف دنيئة.

((أيها الناس، إنه لا خير في العيش إلا لعالم ناطق أو مستمع واع، أيها الناس، إنكم في زمن هدنة))

  أدق ما في الحديث، أو ما في الخطبة هذه الكلمة:

((إنكم في زمن هدنة))

 ترى طلاب المدارس في أثناء العام الدراسي كلهم في ثياب موحدة، والدوام موحد، كلهم ينطلق إلى المدرسة الساعة الثامنة، ويجلس والأستاذ يتكلم، فهذا الوقت في بحبوحة، هناك مجتهد، وهناك كسول، ومتفوق، ومقصر، ومطرود، وراسب، وناجح، أما حينما يأتي الامتحان، وتوزع الأسئلة تتلون وجوه الطلاب بين طالب مشرق، وطالب كامد، وطالب متألم، طالب يضجر، فإذا أعلنت النتائج فرز الطلاب، العام الدراسي زمن هدنة، الأمور مستورة، ونحن الآن في الدنيا في زمن هدنة، يمكن أن تلبس ثيابًا أنيقة، تتعطر، وتحضر حفلة، وتدعي أنك مؤمن، يمكن أن يظن الناس بك التقى والصلاح، وأنت لست كذلك، الأمور مستورة الآن، كله مخبأ، لكن حينما يأتي يوم القيامة، ويفضح الناس على رؤوس الأشهاد النبي عليه الصلاة والسلام قبيل وفاته قال:

((من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي، ولا يخشى الشحناء، فإنها ليست من شأني، ولا من طبيعتي، فقام رجل، وقال: يا رسول الله إنني منافق، غضب عمر، قال: ويحك، فضحت نفسك، قال: يا عمر دعه، فضوح الدنيا خير من فضوح الآخرة))

[الطبراني في الأوسط عن الفضل بن عباس]

  فالإنسان الآن في زمن هدنة، يمكن أن يموت الإنسان، وتلقى كلمات من أروع الكلمات، والخطباء يقولون: هذا من أهل الجنة، وهذا رجل مؤمن وصالح وتقي ونقي، ممكن أن تكون أجمل جنازة، وممكن تكون الترتيبات رائعة جداً، لكن العبرة بمقام الإنسان عند الله، بحقيقته عند الله، بالمرتبة التي احتلها عند الله،

((أيها الناس إنكم في زمن هدنة))

 عند الموت ينكشف الإنسان، البرزخ امتداد يوم القيامة، يفضح الإنسان على رؤوس الأشهاد، والنبي عليه الصلاة والسلام مرة سألته السيدة عائشة قالت: يا رسول الله أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ قال:

((يا أم المؤمنين، نعم، إلا في ثلاثة مواضع، عند الصراط، وعند الميزان، وإذا الصحف نشرت))

  في هذه المواطن الثلاثة لو وقعت عين الابن على أمه لا يعرفها، ولو وقعت عين الأم على ابنها لا تعرفه، وفيما سوى ذلك قد تقع عين الأم على ابنها، تقول: يا ولدي، لقد جعلت لك بطني وعاءً، وصدري سقاءً، وحجري وطاءً، فهل من حسنة يعود علي خيرها اليوم ؟ يقول لها: آه يا أماه، ليتني أستطيع ذلك، إنني أشكو مما أنت منه تشكين، فنحن في زمن هدنة، الآن الأمور مستورة، كل واحد مخبأ، هذا يصلي قيام الليل، هذا لا يصلي، هذا يدعي أنه ورع، وهو ليس كذلك، هذا يتصنّع في الصلاة الخشوع أمام الناس، وقد لا يصلي وحده، هذا يبيع ويشتري بطريقة لا ترضي الهً، وهو يصلي خلف الإمام في أول صف، مع الأذان، دائماً في زمن هدنة الأمور مخبأة، معه فرصة، الإنسان يذهب في بعثة أربع سنين، كيف فلان ؟ جيد، مستورة، لكن بعد خمس أو ست سنوات سيعود، إما معه دكتوراه، أو كذاب، أما في هذه الأربع سنوات فمستورة، القضية أنكم في زمن هدنة، ونحن الآن في زمن هدنة، تحب أن تؤمن أنت حر، تحب ألاّ تؤمن حر، تحب أن تكون ورعاً بيدك الأمر، تحب أن تكون ورعاً أمام الناس، ووحدك لست بورع ممكن، من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله، ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، ممكن أن تنفق مالك، ممكن أن تبخل، إنكم في زمن هدنة، لكن كل شيء بحسابه، بأدق حساب.

 

((أيها الناس، إنكم في زمن هدنة، وإن السير بكم سريع))

  قصة عابرة، كنا يوم الجمعة في مولد، وواحد استقبلني، واستقبل غيري طبعاً، ودخلت إلى المسجد، واستمعت إلى كلمة من كلمات الإخوة العلماء، رأيت حركة غير طبيعية، خمسة تحركوا، بعد هذا ألقيت كلمة في ثلث ساعة، واحد قال لي: الذي استقبلك، وصافحك توفي فوراً، شيء سريع، لباسه مرتب، متألق الوجه، هو دعا الناس للعيد، ما به شيء إطلاقاً، في دقائق كان من أهل القبور.

 

 

((أيها الناس، إنكم في زمن هدنة، وإن السير بكم سريع))

 كل واحد منا له عمر، كيف وصل إلى هذا العمر ؟ يقول لك: البارحة كنت صغيرًا، البارحة كنت في الابتدائي، كنت ألبس صدرية من فترة، صار رجلا عنده أولاد، وزوج بناته مثلاً، الأربعون سنة كيف مضت ؟ الخمسون كيف مضت ؟ وثمة سؤال محرج كبير جداً، هذا السؤال: هل بقي بقدر ما مضى ؟ كل إنسان له أن يسأل هذا السؤال: يا ترى هل بقي بقدر ما مضى،

 

((وإن السير بكم سريع))

 يا ترى سنة الستين، الواحد والستين... السبعين، مضت السبعينيات، مضت الثمانينيات، سنة التسعين، بعد هذا سنة الألفين، الألفين وواحد، إذا أمد الله بعمره السنوات تمضي، الأسابيع تمضي، الآن ترى الجمعة السبت الأحد الاثنين ثلاثة أيام جاءت الجمعة، أربعة أسابيع جاء الشهر، جاء الفصل، راح الفصل، توقيت صيفي، توقيت شتوي، جاء رمضان، جاء العيد،

((وإن السير بكم سريع))

 الزمن مثل عقرب الساعة، كأنه واقف، وهو ماشٍ.
  من أروع الخطب:

((أيها الناس، إنه لا خير في العيش إلا لعالم ناطق أو مستمع واع، أيها الناس، إنكم في زمن هدنة، وإن السير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود))

 سيدنا عمر بن عبد العزيز له كلمة من أروع الكلمات، قال:

(( إن الليل والنهار يعملان فيك))

 الذي عنده صور قديمة ينظر إليها، الذي عنده صور، وكان في الابتدائي طفلا بوجه أملس، إذا رأى صوراً قديمة يخبئها، وينظر كيف تطور، كيف كان طفلا صغيرًا له ملامح خاصة، في السابعة عشر، الثمانية عشر، نبت شعر لحيته، بعد هذا تجعد خده، بعد هذا ظهرت فيه ملامح الكبر، ملامح الكهولة، ملامح الشيخوخة، كان شعره أسود صار أبيض، قول سيدنا عمر: " إن الليل والنهار يعملان فيك - ماذا عليك ؟ - فاعمل فيهما ، مادام الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، إذا سافر الشخص سنتين، ورجع ترى شكله قد تغيَّر، أما إذا كان يعيش مع أهله فلا يجدون فرقاً، سوى تطور طفيف، لكن اتركه سنتين ترَ ملامحه قد تغيرت، والصور أوضح دليل، الذي عنده صور قديمة ينظر كيف تطور من طفل إلى شاب إلى شيخ، وهكذا.

 

((وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ))

 أحيانا الإنسان يبني بيتًا، يبدأ بالأساس، يظن أن هذا البيت يحتاج خمس سنوات، تمضي كذا سنة، انتهى البيت بكسائه وفرشه، وسكنه، بعد فترة الأنابيب سربت مياهًا، يحتاج إلى أن يحفر مرة ثانية، الأمور ماشية.
 العبارة دقيقة:

 

((يبليان كل جديد))

 إذا خطب الإنسان فتاة كلمها بالهاتف ساعتين، بعد ذلك ليس له نفس أن يتكلم معها كلمة واحدة،

((يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فقال له المقداد يا رسول الله: وما الهدنة ؟ قال: دار بلاء وانقطاع))

 أنت في دار بلاء، دار امتحان، بعد هذا انقطاع، والذي حصلته في كل حياتك يوماً بيوم، وأسبوعاً بأسبوع، وشهراً بشهر تخسره في ثانية واحدة، وأوضح دليل أن الإنسان في ضعف في أطوار حياته.
 كان شخصاً صار خبراً، ترى الشخص له بيته، له قيمته، يخافون منه أهله، إذا تأخر ابنه يحسب حساب أبيه، بعد أن توقف قلبه بقي كلمة على نعي: المرحوم فلان، كان شخصاً ملء السمع والبصر أصبح خبراً، وربنا عز وجل قال:

 

﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾

 

[ سورة المؤمنون: الآية 44]

 صار قصة.
 بالمناسبة هذا الدعاء الذي قرأته مرة في كتاب معين ترك في نفسي أثراً كبيراً، قال: يا رب لا تجعلني عبرة لأحد من خلقك، لا أكون أنا قصة، لا تكون مشكلتي قصة للناس، الإنسان إذا اتعظ بغيره فأغلب الظن أنه يسعد، قال:

((دار بلاء وانقطاع))

 تعريف الدنيا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها: دار بلاء وانقطاع، قال:

((فإذا التبست عليكم الأمور))

 مذاهب وضعية، وأفكار، واتجاهات، وفلسفات وجودية، وبوذية، وعقائد، ومذاهب وضعية، ومذاهب سماوية محرفة، الدين الإسلامي نفسه فرق وشيع وأحزاب واتجاهات وتطرف نحو اليمين، ونحو اليسار.
 قال:

((فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل والمظلم فعليكم بالقرآن))

 كتاب الله، مع زحمة الأفكار والاتجاهات والمنازعات والصراعات، كل يدعي أنه على حق، وكل حزب بما لديهم فرحون، هؤلاء ينكرون الآخرة، هؤلاء ينكرون البعث بعد الموت، هؤلاء ينكرون رحمة الله، هؤلاء ينكرون عدالته، هؤلاء انصبوا على الدنيا، ولا أعتقد أن عصرًا كثرت فيه الاتجاهات والفرق والملل والنحل والخصومات والصراعات كهذا العصر.
 قال:

((فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل والمظلم فعليكم بالقرآن))

 كلام خالق البشر، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حق صرف، ليس فيه خلل، ولا تناقض، ولا تقصير، ولا خطأ، ولا انحراف، ولا مبالغة، قال:

((فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع، وشاهد مصدق))

  والآن أيها الإخوة الأكارم، الحل أن نستمسك بكتاب الله، فهو حبل الله المتين، القرآن فيه تفسير للحياة، أنت بحاجة إلى فلسفة للحياة، إلى فلسفة للكون، فلسفة لوجودك، في القرآن بيان إلهي لحقيقية الكون، ولحقيقة الحياة، ولحقيقة الدنيا، ومنهج تفصيلي تسير عليه في كل شؤون حياتك، القرآن والسنة، فلذلك أشقى الأشقياء من قال الله عز وجل عنهم:

 

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾

 

[ سورة الكهف ]

  إذا كانت أفكارك، وتصوراتك، وقيمك، وسيرك اليومي منطبقة مع الشرع فأنت من أسعد الناس، وأكبر نعمة ينعم الله بها على عبده أنه يهديه إليه، إذا كانت طريقة كسب مالك، وإنفاق مالك، وعلاقتك بالآخرين، وممارستك للشهوات التي أودعها الله فيك كلها وفق الشرع فأنت من أسعد الناس، أنت من ملوك الدار الآخرة.
 قال:

((فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وشاهد مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة))

  دائماً هناك أذكياء يستخدمون ذكاءهم لتبرير انحرافاتهم، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)﴾

 

[ سورة المدثر ]

  العقل إما أن يقودك إلى الخير، وإما أن تستغله في تبرير الشهوات المنحرفة، فمن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة،

((ومن جعله خلفه))

 ما معنى:

((ومن جعله خلفه))

 بعد ما يمارس شهواته المنحرفة يريد غطاء من القرآن، أخي هذه آية الربا واضحة، الله قال: ﴿لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾، ليس فيها نهي عن النسبة القليلة، بل النهي عن النسبة الكبيرة، يريد من الآيات أن يجرها إلى شهواته، كلما رأى آية أو حديثاً تغطي له انحرافًا يتمسك بها، هذا جعله خلفه، إذا جعلت القرآن أمامك فأنت أولاً خالي الذهن، لست من أهل الرأي لست من أصحاب الشبهات ولا الشهوات، تبحث عن كلام الله ماذا أراد ؟ وبماذا أمر ؟ وعما نهى ؟ هذا جعلته أمامك، فإذا مارست ما تحب، وانحرفت بك الأهواء، وضلت بك الشهوات، وعندئذ تبحث عن تغطية، تغطية دينية، بآية أو حديث فأنت جعلت الدين وراء ظهرك، جعلته في خدمة شهواتك قال:

((فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل))

 أوضح دليل إلى خير سبيل، سبيل الله عز وجل:

((من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل))

((إذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وشاهد مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل))

  هذه خطبة النبي عليه الصلاة والسلام انتهت.

 

((... أيها الناس إنه لا خير في العيش إلا لعالم ناطق أو مستمع واع، أيها الناس إنكم في زمن هدنة، وإن السير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فقال له المقداد: يا رسول الله، وما الهدنة ؟ قال: دار بلاء وانقطاع))

 امتحان، ثم نهاية حادة، ما هي الجنة بالمعنى المخالف ؟ دار تشريف وتكريم، وخلود، الدنيا دار بلاء وانقطاع، والجنة دار تشريف وخلود،

 

((فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وشاهد مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل))

  ما دام القرآن منهج الله، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، أليس فهم كلام الله فرض عين ؟ أليس من أعظم الأعمال التي تعملها في الدنيا أن تجلس في مجلس علم تفهم فيه كلام الله عز وجل ؟ أليس أعظم نشاط تفعله وتمارسه في الحياة الدنيا أن تفهم هذا المنهج ؟ ما حدوده ؟ ما أبعاده ؟ ما مراميه ؟ ما أهدافه ؟ ما حلاله ؟ ما حرامه ؟ ما وعده ؟ ما وعيده ؟ و هكذا.
 شيء من السيرة كما وعدتكم دائماً.
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

((بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ، ذَا غَدِيرَتَيْنِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: مُحَمَّدٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَائِلُكَ، وَمُغَلِّظٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ، قَالَ: لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ آللَّهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْمُرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً، الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا، يُنَاشِدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ، كَمَا يُنَاشِدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لَا أَزِيدُ، وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَلَّى: إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَأَتَى إِلَى بَعِيرِهِ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى، قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ، قَالَ: وَيْلَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ، وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا، قَالَ: يَقُولُ: ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ))

[ أحمد، الدارمي ]

  في السيرة عندنا بحث الوفود، جاء النبي عليه الصلاة والسلام وفود عديدة، وكل وفد له موقف مع النبي e، وممكن أن نستنبط من هذا الوفد، ومن لقائه مع رسول الله، ومما جرى بينهما من حديث، ومن آثار هذه الزيارة المواعظ والعبر، قَالَ:

((بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ))

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ:

((أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ))

 أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ ؟ قَالَ:

((اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ))

[الترمذي]

  يعني اربط،

((ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ))

 وهو في المسجد، الآن هناك استنباط خطير جداً، وهو في المسجد جالس مع أصحابه، فقال هذا الوافد:

((أَيُّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ))

 أين كان جالسًا صلى الله عليه وسلم، وما عرفه، فَقَالَ:

((أَيُّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ))

 هذا أول استنباط، النبي عليه الصلاة والسلام كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، وإذا جلس في أصحابه كان كواحد منهم، فإذا جاءه غريب ما عرفه، حتى يقول: أيكم محمد.
 مرة دخل أعرابي قال: من محمد ؟ قال: قد أصبت، أنا، فهذا ضمام بن ثعلبة قَالَ:

((أَيُّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فقال: محمد ؟ ))

 أنت محمد ؟

((فقَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ))

 وما قال له: يا رسول الله، لم يؤمن به بعد،

((إِنِّي سَائِلُكَ، وَمُغَلِّظٌ فِي الْمَسْأَلَةِ))

 أنت أيها المؤمن لا تساوي ذرة غبار في نعل آخر صحابي، إذا أمسكك شخص من يدك تتضايق منه، تقول له: اترك يدي،

((إِنِّي سَائِلُكَ، وَمُغَلِّظٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ، قَالَ: لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ))

 رأيتم تواضع النبي، النبي الكريم قال: تواضعوا لمن تعلمون، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، يجب أن يكون المعلم متواضعًا، ويكون صدره رحبًا، يقبل أيّ سؤال، ولو كان السؤال فيه تجاوز، فيه استفهام، أي استيضاح، ويجب على المتعلم أن يكون أديباً أيضاً.
قَالَ:

((لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ))

 أي بربك،

((إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ))

 أنشد الله، أي بالله عليك، باللغة العامية، خدعتك بالله، يعني أنشدك الله.
 قَالَ:

((أَنْشُدُكَ اللَّهَ - أي بربك - إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ آللَّهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْمُرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ، فَرِيضَةً فرِيضَةً، الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا، يُنَاشِدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ، كَمَا يُنَاشِدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ))

  الرجل أحب أن يتأكد، وبأيمان مغلظة، وواحدة، واحدة، بندًا، بندًا.
 قال:

((وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لَا أَزِيدُ، وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى بَعِيرِهِ))

 فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَلَّى:

((إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ))

  الإسلام بسيط، نحن عقدناه، آمنت بالله خالق الكون، هو الرب، هو المسير، الواحد، الكامل، هذا كتابه، هذا حديث رسوله، الطريق واضحة، هذا حلال، هذا حرام، انتهى الأمر، قال له:

((لَا أَزِيدُ، وَلَا أَنْقُصُ))

  فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَلَّى:

((إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَأَتَى إِلَى بَعِيرِهِ، فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى))

 كلمة كبيرة جداً، هذه أصنام مقدسة جداً عندهم، قَالُوا:

((مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ))،

 اعتبروا أن هذه الكلمة كفر.
 قَالُوا:

((مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ، قَالَ: وَيْلَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ، وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا، قَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ)).

  والقصة وردت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، أنت ماذا تفعل، فقط وحدك أخي أنا مسرور وحدي، ألا يوجد حولك أحد يحتاج إلى هداية، إلى أن تعاونه، تعينه على نفسه، تجعله يستقيم على أمر الله، تشجعه حتى يحضر مجالس العلم، يستقيم، يغض بصره، تصلي فقط وحدك، قبيلته بأكملها، لكن بصدق وبصراحة، هذا أحد رؤساء الوفود الذين وفدوا على النبي عليه الصلاة والسلام، والإنسان يجب أن يغار، أنت بصراحة حجمك بحجم الأشخاص الذين اهتدوا على يديك، بعد أن اهتديت أنت إناء امتلأ، أما آن له أن يفيض على الآخرين ؟ أم أنه إناء بلا قعر، هذه مشكلة، إذا كان بلا قعر، بلا استقامة، أما آن له أن يمتلئ ألما، آن له أن يفيض على الناس، يا ترى أخواتك اهتممت بهن، أقرباؤك، جيرانك، زملاؤك، زوجتك، أولادك، من حولك، من فوقك، من تحتك، هكذا الأصول، يجب على الإنسان أن يغار، هذه السيرة ليست للتسلية، هذه من أجل أن نقتدي بهؤلاء الأصحاب الكرام، أما إذا كنت صادقاً مع الله عز وجل يجعل الله لكلامك قوة السحر، أنت صادق محب، قلبك ممتلئ حبًا لله ورسوله، وإخلاصًا شديدًا، استقامة تامة، ومؤاثرة للآخرين، عندئذ تصير أمة، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾

 

[ سورة النحل: الآية 120]

  كل واحد منكم يجب أن يكون له هذا المسعى، كل واحد منكم يتفقد أهله، جيرانه، أولاده، إخوانه، أولاد أخيه، أولاد أخته، بنات أخته، يقيم لهم درسًا أسبوعيًا حتى يكون له عمل، قال: يا بشر لا جهاد ولا صدقة، فبم تلقى الله إذاً ؟ حجمك عند الله بحجم عملك، والدليل قال تعالى:

 

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 132]

  نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء، والطريق واضح، الله بكل مكان وبكل زمان معنا دائماً، وعند صِدقنا، وعند طلبنا، وعند نوايانا الطيبة، والإنسان لا يقبل أن يعيش على هامش الحياة، لا يقبل أن يعيش وحده، ويموت وحده، كلما كنت محسناً كنت في قلوب المئات، بل الألوف، هذه قصة من قصص السيرة النبوية، كيف أن هذا الصحابي الجليل صدق مع الله عز وجل فأجرى الله على يده الخير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018