الخطبة : 0273 - الصبر1- أهمية الصبر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0273 - الصبر1- أهمية الصبر .


1989-09-29

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، و ما توفيقي و لا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدناً محمداً صلَّى الله عليه وسلم رسولُ الله سِّيدُ الخلق والبشر ، ما اتَّصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تعريف الصّبر :

 في القرآن الكريم مئة آية تتحدَّث عن الصبر ، و الشيء الذي يلفت النظر أن النبي عليه الصلاة و السلام سُئل عن الإيمان فقال : هو الصبر . . . يا سبحان الله أيُختصر الإيمان كله في الصبر ؟! كيف ذلك ؟ في بعض الأحاديث الشريفة :

(( الإيمان نصفان نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن أنس]

 وفي حديث آخر :

(( الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان ..))

[ورد في الأثر]

 الإيمان يختصر كله في الصبر
أيها الأخوة الأكارم ؛ موضوع خطبتنا اليوم هو الصبر ، لأن النبي عليه الصلاة و السلام يختصر الإيمان كلَّه في الصبر ، فقد ورد في القرآن الكريم ما يزيد عن مئة آية تتحدث عن الصبر ، فما الصبر ؟ وهل هو ضرورة من ضرورات الإيمان ؟ بعد قليل تعرفون أهمية الصبر إن شاء الله تعالى من خلال الآيات القرآنية التي تتحدث عن الصبر ، الصبر في أصل اللغة الحبس و الكف ، قال تعالى :

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 اصبر نفسك معهم ، أي : احبس نفسك معهم ، كن معهم ، احضر مجالسهم ، استمع منهم ، تعلم منهم ، اقتبس منهم ، رافقهم ، قال تعالى :

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 الصبر حبس النفس على ما تكره ابتغاء وجه الله عز وجل
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ماذا يقابل الصبر ؟ إن لم نصبر فماذا نكون ؟ الله سبحانه وتعالى يجيبنا عن هذا السؤال ، قال تعالى :

﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾

[سورة إبراهيم: 21]

 فإن لم تصبر فلا بد من الجزع ، إما أن تكون جازعاً أو جزوعاً على المبالغة ، و إما أن تكون صابراً أو صبوراً ، ولكن الصبر الذي أراده الله عز وجل في الآيات المئة هو حبس النفس على ما تكره ابتغاء مرضاة الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾

[سورة الرعد: 22]

 صبروا ابتغاء وجه ربهم ، لم يصبروا قهراً ، لم يصبروا ابتغاء وجه زيد أو عبيد ، أو فلان أو علان ، لم يصبروا حرماناً ، لم يصبروا سياسة ، لم يصبروا مداراة ، لم يصبروا ذكاء، صبروا ابتغاء وجه ربهم ، و أقاموا الصلاة ، وأمرهم شورى بينهم ، إذا حبست نفسك على ما تكره ابتغاء وجه الله عز وجل فهذا هو الصبر الذي أراده الله في مئة آية و نيف في كتاب الله عز وجل .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لعل الصبر في تعريفه الدقيق ، وفي مفهومه الشمولي هو حبس النفس عن مشتهيات الطبع و مقتضيات الهوى ، حمل النفس على طاعة الله وزجرها عن معصية الله هو ما يعنيه الصبر في القرآن الكريم .

 

فروع الصّبر :

 و لكن النبي عليه الصلاة والسلام حينما يلخِّص الإيمان كله حينما يلخصه في الصبر ، فلا بد من أن الصبر له فروع كثيرة ، وهو سمة عميقة لأخلاق كثيرة ، لا بد من ذلك ، فمن صبر عن شهوة البطن والفرج ابتغاء وجه الله عز وجل فهذه هي العفة ، قال عليه الصلاة و السلام :

(( الإيمان عفيف عن المحارم ، الإيمان عفيف عن المطامع . . .))

[الزهد لابن حنبل عن بشر بن منصور ]

 فروع الصبر تنعكس على أخلاق المؤمن
فالعفة صبرٌ عن شهوة البطن وشهوة الفرج ، فالذي يغضُّ بصره عن محارم الله ، إنما هو صابر ، يعاكس شهوته ، يعاكس ميله الفطري إلى المرأة ، يعاكس داعي الإثارة، فالعفيف صابر ، والذي يصبر عن مغريات المال ، من ملك المال هناك دوافع كثيرة تدفعه إلى أماكن معينة ، وإلى مواقف معينة ، وإلى طرائق معينة في الحياة ، فهذا الذي يستجيب لهوى نفسه إذا كان قد أكرمه الله بالمال سَّماه العلماء البطر ، بطر الغنى أن تأكل ما تشتهي ، وتفعل ما تشتهي ، وتجلس في المكان الذي تشتهي ، وأن تستعلي على عباد الله ، لكن الذي يضبط نفسه وهو غني فيحملها على طاعة الله ، ويحملها على العبادة ، ويحملها على التواضع ، ويحملها على السخاء ، فهذا أيضاً من الصابرين ، صبر عن مغريات المال ، ضبط نفسه ، ولم يكن بطراً ، والذي يصبر في الحرب هو الشجاع ، و نقيضه الجبان ، و الشجاعة صبر ، الضبط في حالة الغنى صبر ، و الشجاعة صبر ، و العفة عن شهوة البطن و الفرج صبر ، و إذا استفزَّك إنسان وبإمكانك أن تسحقه فكظمت غيظك لوجه الله عز وجل ، فأنت صابر ، فكظم الغيظ من الصبر ، وإذا جهل عليك إنسان أنت قادر على أن تكيل له الصاع صاعين ، لكنك اتَّسمت بسعة الصدر فأنت صابر ، و إذا أفشى لك إنسان سرَّه ، وغالبت نفسك وهواك في إذاعته فكتمت هذا السر فأنت صابر ، وإذا عرضت لك الدنيا بزينتها ، وتراقصت أمام عينيك ، فعففت عنها ، وآثرت الله ورسوله فأنت صابر ، إذا حباك الله برزق قليل محدود ورضيت به ، وقنعت به فأنت صابر ، فالقنوع صابر ، والزاهد صابر ، وكاتم السر صابر ، و الحليم صابر ، وواسع الصدر صابر ، والشجاع صابر ، ومن ضبط نفسه و المال بين يديه إنه من الصابرين ، و من صبر عن شهوة البطن و الفرج فهو من الصابرين .
 أرأيتم يا أيها الأخوة الإيمان كيف أن معظم أخلاق المؤمن مردُّها إلى الصبر ، إن معظم أخلاق المؤمن مردُّها إلى الصبر .

 

الحكمة من أن الإنسان وحده كلف بالصبر :

 حقيقة دقيقة من حقائق العقيدة ، هل كُلِّف الملائكة بالصبر ؟ لا ، لماذا ؟ لأن فيهم نزوعاً إلى الله عز وجل ، ليس غير ، ليس هناك قوة أخرى تعاكس هذه القوة ، الملائكة رُكِّبوا من عقل بلا شهوة ، فهم مدفوعون إلى الله عز وجل في بنيتهم و فطرتهم الإنسان مركب من عقل وشهوة لذلك وحده كلف بالصبر
فالصبر ليس له وجود في حياتهم ، و الحيوان رُكِّبت فيه الشهوة ، و لم يُكلَّف حمل الأمانة ، و لم يُكلَّف معرفة الله عز وجل ، و لم يكلف تطهير نفسه ، ليس في حياة الحيوان قوتان متعاكستان ، لذلك لا يكلف الحيوان بالصبر ، إن الإنسان وحده كلف بالصبر لأن الله عز وجل أودع فيه نوازع مادية ، كحب الطعام و الشراب ، وحب النساء ، و حب الذكر و العلو في الأرض ، هذه دوافع أرضية ، و حمَّله الأمانة و كلَّفه أن يطهِّر نفسه ، سخِّر له الكون ، و منحه نعمة العقل ، كلفه بالشرع ، أعطاه حرية الاختيار ، فالإنسان بين قوتين ، قوة تدعوه إلى الأرض ، تدعوه إلى قضاء الشهوة ، تدعوه إلى الاستمتاع بالمادة ، تدعوه إلى اللَّذة ، وقوة تدعوه إلى الله ، تدعوه إلى السموّ ، تدعوه إلى الرقي ، تدعوه إلى أن يكون أخلاقياً ، تدعوه لمعرفة ربه ، الإنسان مركَّب من عقل وشهوة ، العقل يدعوه إلى الله ، والشهوة تدعوه إلى الأرض ، لذلك أنت بين قوتين ، كل أخلاق المؤمن في أساسها أن الباعث الديني يغلب الباعث الشهواني ، و كل أخلاق الكافر في أساسها أن الباعث الشهواني يغلب الدافع الديني ، فأنت في صراع بين الشهوة و بين العقل ، بين الدنيا و بين الآخرة ، وجنود الشهوة هم شياطين الجن والإنس ، يوسوسون للإنسان بفعل المعاصي ، و جنود الحق هم الملائكة الذين يلهمون الإنسان فعل الخيرات ، و المؤمنون الذين ينصحون الناسَ بطاعة الرحمن ، فهذا الصراع بين الباعث الديني و بين الباعث الشهواني ، هو في أساسه يحتاج إلى صبر ، يحتاج إلى أن تسكت الباعث الشهواني استجابة للباعث الديني ، أن تؤثر الآخرة الباقية على الدنيا الزائلة ، لذلك حينما سُئل عليه الصلاة و السلام عن الإيمان فقال : " هو الصبر " .

الصّبر وحده مناط الفلاح في الآخرة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ من منا يصدِق أن القرآن الكريم في آيات ثلاث جعل ثمن الجنة كله الصبر ، بل إن الصبر بمعناه الواسع ، الحليم صبور ، الزاهد صبور ، و القنوع صبور ، و الرحيم صبور ، والعفيف صبور ، و الشجاع صبور ، إن الصبر سمة عميقة في النفس ، تظهر على ساحة السلوك بالعفة و الشجاعة و الحلم و ضبط النفس والزهد و القناعة ، لذلك جعل القرآنُ الكريم الصبرَ وحده مناط الفلاح في الآخرة الصبر ثمنه الجنة
قال تعالى :

﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾

[سورة الإنسان: 12]

 في آية ثانية قال تعالى :

﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً﴾

[سورة الفرقان: 75]

 في آية ثالثة قال تعالى :

﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾

[سورة الرعد: 24]

 إذًا أنت في الدنيا بين أن ترضي نوازعك الشهوانية و بين أن ترضي نوازعك الروحية ، بين أن تكون مع الله و بين أن تكون مع الشيطان ، بين أن تسعى إلى اللذة الآنية و بين أن تسعى إلى السعادة الأبدية ، أنت بين هذا و ذاك .

 

الصّبر ثبات لداعي الحق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الصبر ثبات لداعي الحق ، و عدم الصبر انحراف عن الحق ، لذلك قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[سورة المعارج: 19-21]

 من عرف حقيقة الدنيا فقد سار في طريق الجنة
هذا الذي اتصل بالله وذاق طعم القرب ، ذاق حلاوة الإيمان ، ذاق معنى الرضوان ، هذا الذي اتصل بالله و عرف الدنيا ، وكيف أنها زائلة ، و كيف أنها مزرعة الآخرة ، و كيف أنها دار ابتلاء ، وكيف أنها دار تكليف ، هذا الذي عرف حقيقة الدنيا ، عرف سرعة زوالها ، عرف تفاهة قيمتها ، عرف أنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، آثر ما يبقى على ما يفنى ، آثر الجنة التي فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، على الدنيا المحفوفة بالهموم ، المحفوفة بالقلق ، المحفوفة بالمكاره .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

(( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا ، فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا ))

[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 أي لمجرد أن تستسلم لشهوتك ، وتسير مع رغبتك ، وتميل مع الهوى فقد سرت في طريق النار ، و لمجرد أن تسعى إلى الله و رسوله ، وإلى الدار الآخرة ، وأن تكافح رغبتك ، وأن تعاكس شهوتك ، و أن تعصي هواك فقد سرت في طريق الجنة ، يلخِّص هذا قوله تعالى :

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾

[سورة النازعات: 40-41]

 نهى النفس عن الهوى ، داعي الهوى يدعوك ، وداعي الرحمن يدعوك ، الملَك يلهم ، و الشيطان يوسوس ، الجسد يطلب ، و الروح تطلب ، وأنت مع من ؟

الصّبر من لوازم النجاح في الدنيا قبل الآخرة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ شيء آخر ، من منكم يصدِّق أن الصبر من لوازم النجاح في الدنيا قبل الآخرة ، ما من إنسان حقَّق في الدنيا نجاحاً كبيراً إلا و السببُ هو صبره على متاعب العمل في أوله ، فلولا صبر الزارع على بذره لما حصد ، ولولا صبر الغارس على غرسه لما جنى ، ولولا صبر الطالب على درسه لما نجح ، ولولا صبر المقاتل على عدوه لما انتصر .
 الناجحون في الدنيا حققوا آمالهم بالصبر
أيها الأخوة المؤمنون ؛ كلُّ الناجحين حقَّقوا آمالهم ، وبلغوا مُناهم بالصبر ، إذا كانت الدنيا الدنية التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، لا بد للنجاح فيها من الصبر ، هذا الطبيب الذي يجلس وراء مكتبه ليعطي الملاحظات و يصف الوصفات ، لولا أنه درس سنوات طويلة ، و سهر إلى قبيل الفجر ، وتعب من الامتحان لما جلس هذه الجِلسة ، وهذا التاجر الذي يحقق أرباحاً طائلة بهاتف أو بتوقيع أو بإيجاب أو بقبول ، لولا أنه عمل صانعاً بجهد كبير، وأجر قليل لما وصل إلى هذه المكانة ، وما من إنسان في عالم المال ، أو في عالم التجارة ، أو في عالم الصناعة ، أو في حقل العلم ، أو في حقل الخبرة ، ما من إنسان حقَّق نجاحاً إلا بثمن باهظ ، ألا وهو الصبر ، إذا كان هذا قانون الدنيا الدنية من أجل سنوات معدودة أفلا يجب أن يكون هذا القانون مطبَّقاً على الآخرة الأبدية ؟ لذلك ادخلوا الجنة بما صبرتم ، و قال تعالى :

﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾

[سورة الإنسان: 12]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كل الناجحين - كما قلت قبل قليل - حقَّقوا آمالهم بالصبر ، و استمرؤوا المرَّ ، و استعذبوا العذاب ، و استهانوا بالصعاب ، و مشوا على الشوك ، و حفروا الصخور بالأظافر ، و لم يبالوا بالأحجار تقف في طريقهم ، و لم يبالوا بالطعنات تُغرس في ظهورهم ، و بالشراك تُنصب للإيقاع بهم ، و لم يبالوا بالكلاب تنبح من حولهم ، هؤلاء الناجحون في الدنيا ، قال تعالى :

﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾

[سورة النساء: 104]

 أهل الباطل يصبرون على أهدافهم ؟ قال تعالى :

﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾

[سورة النساء: 104]

 أيُعقل أن يصبر الكافرُ ليحقِّق هدفه ؟ والمؤمن صاحب الرسالة العظمى ، صاحب الهدف الكبير ، يستمرئ الرخاء ، و الراحة ، و المتعة ، و يطلب الجنة من غير عمل؟ لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه : " طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب " ذنب عظيم ، إنه استهزاء بالله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[سورة الأنفال: 72]

 قال تعالى :

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

[سورة البقرة: 111]

 و قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾

[سورة البروج: 11]

 و قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

[ سورة فصلت: 30 ]

 و قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 و قال تعالى :

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

الصّبر على المكاره و الشهوات سبب دخول الجنة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا كانت الرفعة في الدنيا وتحقيق النجاح فيها يحتاج إلى جهد كبير ، وإلى صبر طويل ، فما بالك بالآخرة التي تنعم بها في الجنة إلى أبد الآبدين ؟ لذلك سئل أحد المخترعين عن حقيقة الاختراع فقال : تسعة وتسعون في المئة منه عرق ، أي بذل جهد ، وواحد بالمئة إلهام ، و قديماً قالوا : لا بد دون الشَّهد من إبر النحل ، لكن الجيل الجديد يريد كل شيء من دون شيء ، من دون أن يدفع شيئاً ، يريد أن يصل إلى كل شيء وهو في أتمّ حالات الرخاء و الدَّعة ، إن هذا لن يكون .
 قلة الصبر سبب المعاصي
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ابن سيرين العالِم الذي عُرف بتفسير المنام سأله رجل قال : "يا إمام رأيت في النوم أنني أسبح في غير ماء ، وأطير بغير جناح ، فقال ابن سيرين : أنت رجل كثير الأماني ، و الأحلام ، تتمنى ما لا يقع ، و تحلم بما لم يتحقَّق " ، هذا الذي يقول : اللهم أدخلنا الجنة ، ماذا فعلت من أجلها ؟ ماذا قدَّمت من عمل ؟ ما الموقف الذي وقفته من أجل الجنة ؟ و ما الشيء الذي تركته ؟ ما الشيء الذي دفعته ؟ ما الشيء الذي قبضته ؟ عن أي شيء امتنعت ؟ ماذا وصلت وماذا قطعت ؟ ماذا أعطيت وماذا منعت ؟ لمن غضبت ولمن رضيت ؟ هذا الذي يقول : ربنا أدخلنا الجنة ، وهو على ما هو عليه ، لا يفعل شيئاً ، هذا يضيف إلى ذنوبه ذنباً جديداً .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أحد علماء القلوب ، يقول : الصبر سبب دخول الجنة، قيل له : و كيف ؟ قال : لأن النبي عليه الصلاة و السلام يقول ، كما في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ))

[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 ولا بد من أن تصبر على المكاره ، و ان تصبر عن الشهوات ، حتى يُسمح لك بدخول الجنة ، وما هي أسباب المعاصي ؟ قلة الصبر ، قلة الصبر على ما يكره ، وقلة الصبر عما يحب ، يبتعد عما يكره ، و يقبل على ما يحب ، من هنا تأتي المعاصي ، و النبي عليه الصلاة أصاب كبد الحقيقة حينما قال :

(( الإيمان هو الصبر ))

[ورد في الأثر]

استغلال الأشياء بطريقتين :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الشيء الأخير في هذه الخطبة قول الله عز وجل :

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾

[ سورة الإنسان : 2]

 و في آية أخرى :

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

[ سورة المؤمنون : 30]

 و في آية ثالثة :

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 فالابتلاء أن تقف من الشيء موقفاً تجعله سُلَّماً لك إلى الآخرة ، أو أن تقف منه موقفاً تجعله سلماً إلى النار ، سلماً تنزل عليه ، لا تصعد عليه ، فالمرأة إذا تعاملت معها وفق الشرع كانت المرأة سلماً إلى الله عز وجل ، والمال إن تعاملت معه وفق ما أمر الله عز وجل كان المال سلماً إلى الجنة ، فإذا تعاملت معه خلاف الشرع كان سلماً تهوي به إلى النار ، كل شيء في الدنيا إما أن ترقى به و إما أن تهوي به ، إما أن يرفعك إلى أعلى عليين ، وإما أن يهبط بك إلى أسفل سافلين ، الأشياء يمكن أن تُستغل بطريقتين ، إما بالشهوة - كما قلت في الأسبوع الماضي - شهوة محرِّكة نافعة ، وإما أن تكون قوة مدمِّرة مهلكة ، بحسب طريقة استعمالها .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كل شيء في الدنيا مادة تُمتحن به من قِبَل المولى جل وعلا ، و الشيء الذي خصَّك الله به مادة خاصة ، هناك مواد عامة ، و هناك مواد خاصة ، كل شيء ، امرأة في الطريق ، تخرج سافرة ، إنها مادة امتحان ، إما أن تملأ عينيك منها ، فتكون هذه المرأة سلماً تهوي به ، و إما أن تغضَّ بصرك عنها فتكون هذه المرأة سلماً .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018