أحاديث متفرقة - الدرس : 038 - يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك 3 - لله فضله كبير، وفضله عميم، وفضله واسع - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 038 - يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك 3 - لله فضله كبير، وفضله عميم، وفضله واسع


1991-09-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، حديث من أصول الدين، كنت قد بدأت شرحه من درسين سابقين، إنه قول النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ:

((يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))

[ الترمذي، أحمد ]

  شرحنا في الدرس الماضي:

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ))،

 واليوم:

((إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ))

 السائل دائماً مفتقر، السائل دائماً ذليل، السائل دائماً يشعر بالضعف، والمسؤول دائماً قوي، ودائماً غني، ودائماً مسيطر، عبوديتك لله عز وجل تقتضي ألاّ تقف موقفاً ذليلاً إلا لله عز وجل، كرامتك الإنسانية، عزتك كمؤمن، مكانتك كإنسان أنعم الله عليك بنعمة الوجود، ونعمة الهداية، ألاّ تقف موقفاً ضعيفاً ذليلاً مفتقراً لجهة ما، كائنة من كانت، إلا لله عز وجل، فإذا وقفت الموقف الذليل لحضرة الله عز وجل فهذا قمة العزة، وقمة الشرف، لذلك: ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، حينما تسأل فأنت ضعيف، حينما تسأل فأنت ذليل، حينما تسأل فأنت فقير، لا ينبغي أن تقف هذا الموقف الضعيف أمام مخلوق مثلك، لذلك من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
 أين كرامته ؟ أين عزته ؟ أين مروءته ؟ أين موقفه الشهم ؟ ضاعت، لذلك مهما مرغت جبهتك في أعتاب الله، مهما رجوت ربك في السجود، مهما ألححت عليه في الدعاء فهذا شرف لك، وهذا عز لك، وهذا رفعة لك، أما أن تقف موقف السائل أمام إنسان قد يجيبك، وقد لا يجيبك، قد يشفق عليك، وقد يشمت بك، قد يحبك، ويتمنى أن يعطيك، ولكنه لا يملك، فلذلك:

((إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ))،

 طبعاً هذا الكلام مستنبط من آية الفاتحة، }إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{، دائماً النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

 

((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ ))

[الترمذي]

 من أين جاء بهذا الكلام ؟ الله عز وجل قال:

 

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

 

[ سورة غافر: الآية 60]

  دققوا:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾

 

[ سورة غافر: الآية 60]

  لو قال: إن الذين يستكبرون عن دعائي بدل كلمة دعائي، بعبادتي إذاً الدعاء عبادة، بل على الداعي يكون في لهفة وضيق وشدة واستغاثة، فعندئذ تكون صلته بالله عز وجل من أوثق الصلات، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ ))

  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ))

[ الترمذي ]

  الله فضله كبير، وفضله عميم، وفضله واسع، قد تسأل إنساناً وظيفة، يقول لك: واللهِ كان عندنا مكان شاغر واحد فملأناه، نحن آسفون، قد تسأل إنساناً زكاة، فيقول: واللهِ أديت زكاة مالي، ما معي، الإنسان محدود، ماله محدود، إمكانياته محدودة، سلطته محدودة، شواغره محدودة، فإذا ملئ الشاغل انتهى، أما الله عز وجل فضله عميم، وفضله كبير، وفضله واسع، وأنت عبد له، وهذا الذي يسأله فيعطيه هل أنت أقل منه ؟ لا، حينما تشعر أنك عبد لله، وأنه بإمكانك أن تسأله كما سأله غيرك، وأن الله عز وجل يعطيك كما يعطي غيرك، وأنه ليس بين العباد تفاضل، إلا طاعتهم له، لذلك:

ملك الملوك إذا وهب      قم فاسألن عن السبب
الله يعطـي من يشاء          فقف على حـد الأدب

 هذا الذي أتمناه على كل أخ مؤمن، في سجوده، في صلاته، في صلاة الفرض، في صلاة السنة، في قيام الليل، لك حاجة، لك قضية، شبح مصيبة، إنسان عدو، ضيق ذات اليد، مشكلة، تتمنى أن تشتري هذا البيت، تتمنى أن تصل إلى هذا الهدف، ما دام لك عند الله حاجة فالله عز وجل يحب أن تسأله، العبد يكره أن تسأله، والله يحب أن تسأله، ويحبك إذا سألته، وإذا أعطاك يعطيك عطاءً جزيلاً، هو المعطي، لا يُسأل، وهو الكريم لا يبخل، وهو الحليم لا يعجل، إذا آمنت بوجود الله إيماناً قوياً، وبأنه يسمعك، وبأنه يحبك، وبأنك عبد له، وأن فضله عميم، وأنه قدير، وأنه غني، وأنه حليم، اسأله، لا أقول لك: جرب، هذه الكلمة لا تجوز، الله عز وجل لا يجرب، ولا يشارط، ولكن أقول لك: اسأله، وانظر، قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾

[ سورة الحج: الآية 15]

  أنا لا حظ لي، هذا كلام الشيطان، الله لا يحبني، الله لا يعطيني، الله حرمني، أضربها شرقاً تأتي غرباً، أينما سرت الطريق مسدود، هذا كلام المعسرين، قال تعالى:

 

﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾

 

[ سورة الحج: الآية 15]

  ليعمل عملاً صالحاً يرجو به الله عز وجل، ثم ليقطع كل معصية، ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ، تعامل مع الله مباشرةً اسأله، إنسان لو سألك: كم الساعة، أتتجاهله ؟ تقول له: الساعة كذا، إنسان قال لك: كأس ماء، وأنت في محل فيه ماء، تفضل اشرب، "إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر ".
 دققوا، سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، الله يحب أن يسأل، أنت إذا كان لك صديق ترحب به، وتكرمه، لما يقول لك: أقرضني خمسين ألفًا يتغيّر لون وجهك، قلت له: ليس لي إمكانيات، لا تؤاخذنا، الإنسان يكره أن يُسأل، أما الله عز وجل فيحب أن يُسأل،

((سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ ))

  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ))

[الترمذي]
 هذه أبلغ، أنت حينما لا تسأل فلاناً ترى بأعماقك أنه ضعيف، ليس في إمكانه أن يعطيك، ولا أقول هذا الكلام إلا من باب الحفز، أنت حينما لا تسأل الله عز وجل معنى ذلك أنك لا تعرفه، لا تعرف أنه على كل شيء قدير، لا تعرف أنه يستمع إليك، لا تعرف أنه يحب أن يجيبك، حين لا تسأله أنت لا تعرفه، فإذا عرفته تسأله، ف

ـ: ((مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ))

  حديث آخر: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ ٍ))

[ الترمذي ]

  هل هناك أبلغ من ذلك، ليسأل أحدكم ربه ملح عجينه، وعلف دابته، الحياة كلها متاعب، كلها مشكلات، كلها أزمات، شاء الله أن تكون كذلك كي نقبل عليه، كي نسأله، كي نرجع إليه، كي نفتقر إليه.
 الآن ما دام النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى يقول:

((إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ))

 فثمة معنى مخالف للحديث، المعنى العكسي، المعنى المخالف أي المعنى العكسي، يعني يجب ألاّ تسأل غير الله عز وجل، إذاً كان في هذا الحديث نهي عن سؤال المخلوقين، استمعوا، هناك أحاديث صحيحة كثيرة جداً.
 بايع النبي عليه الصلاة والسلام جماعة من أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً، سيدنا الصديق خليفة رسول الله يقع في قمة المجتمع الإسلامي بمرتبة دينية ليس فوقها مرتبة، ومرتبة زمنية ليس فوقها مرتبة، هو بعد رسول الله، ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، ومن حيث الزمن هو خليفة المسلمين، يقع في رأس الهرم، كان يركب ناقته، فسقط سوطه، زمام ناقته على الأرض، وحوله أصحابه، فنزل من على ناقته، والتقط زمام ناقته، وكره أن يسأل أصحابه أن يعطوه إياها.
دققوا، بايع النبي عليه الصلاة والسلام جماعة من أصحابه على ألاّ يسألوا الناس شيئاً، منهم أبو بكر الصديق، وأبو ذر الغفاري، وثوبان، وكان أحدهم يسقط خطام ناقته فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه، هناك قصص عن الصحابة شيء لا يصدق، سيدنا الصديق خليفة المسلمين، وقد جيّش النبي e جيشاً جعل أسامة بن زيد حبه قائداً لهذا الجيش، وكانت سنه لا تزيد على سبعة عشر عاماً، فركب أسامة ناقته، وكان سيدنا الصديق يمشي على الأرض، فتوقف أسامة أدباً، وقال: يا خليفة رسول الله، لتركبن أو لأنزلن، قال: واللهِ لا ركبتُ، و لا نزلتَ، وما علي أن تغبرّ قدماي ساعة في سبيل الله، أراد أن يبجله أمام جنوده.
 هنا نقطة دقيقة جداً، ترى إنساناً يشكو إلى إنسان بحرقة، هكذا حدث معي، من الخامس من بالشهر ليس معي، في حرقة، في ألم، جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، إن بني فلان أغاروا علي فذهبوا بابني وإبلي، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إن آل محمد كذا وكذا، أهل بيت مالهم مد من طعام، أو صاع، فاسأل الله عز وجل، يعني أنا وجماعتي فقراء، فحينما توجهت إلى النبي e، وقلت: يا رسول الله، إن بني فلان قد أخذوا مالي وابني، قال: إن آل محمد كذا وكذا، أهل بيت مالهم مد من طعام، أو صاع، فاسأل الله عز وجل من فضله، فرجع إلى امرأته، فقالت: ما قال لك ؟ فأخبرها فقالت: نعم ما رد عليك، فما لبث أن رد الله عليه إبله وولده أوفر ما كانت، فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبره، فصعد المنبر، وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله عز وجل والرغبة إليه، وقرأ قوله تعالى:

 

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾

 

[ سورة الطلاق: الآية 2]

 حدثني أخ كريم من الدعاة إلى الله عز وجل كان في حديقة الجامعة، فالتقى به طالب من كلية التجارة، قال: يا أستاذ، أنا شاب في ريعان الشباب، وتاقت نفسي إلى الزواج، وأخاف أن أعصي الله عز وجل، وليس لي ما أتزوج به، فما العمل ؟ قال هذا الداعية، وأعجبني جوابه: هذا الكلام لا تقله لي، قله لله في صلاتك، فيأتيه بعد أشهر أن هذا الشاب رزقه الله زوجة وبيتاً بشكل عجيب، قال له: لا تقل هذا الكلام لي، من أنا ؟ أنا ضعيف، أنا عبد فقير، هذا الكلام قله لله عز وجل في صلاتك، روعة الدين أن الإنسان له رب سميع مجيب، قال تعالى:

 

﴿نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾

 

[ سورة مريم: الآية 3]

  بلا صياح، بلا ضجيج، بلا صخب، أحياناً تكون في موقف لا تستطيع أن تحرك شفتيك، بإمكانك أن تدعو ربك بقلبك، في المواقف الصعبة لا تستطيع التمتمة، فحينما تدعو ربك بقلبك تقول: يا رب أنقذني، يا رب ليس لي إلا أنت، أنت رب المستضعفين، إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني ؟ أم إلى صديق وكّلته أمري ؟ فهذا الدعاء، الدعاء يعني أنك تعرف الله عز وجل، علامة معرفتك بالله دعائك.
 فأنا أقول لكم: إن الحياة كلها متاعب، كلها أزمات، كلها هموم، الله جعلها كذلك أراد، أن يجعلها كذلك كي نقبل عليه، كي نتجه إليه، كي نفتقر إليه، كي نستعيذ به، وبصراحة الأنبياء لهم معاملة خاصة، لكن غير الأنبياء على الرخاء يرخيها، عندما يبعث الله له مطالبه كلها تضعف همته، على الرخاء يرتخي، على الرخاء يصبح دعاؤه شكليًا، صلاته شكلية، الله عز وجل يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، لا يأتي إلا بشدة، أذّن يركض ركضاً، كنت أقول لإخواني: ملخص الدروس كلها: إن لم تأته ركضاً جاء بك ركضاً، فالبطولة أن تأتيه وحدك، لا أن تؤتى مقيدًا إليه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ))

[البخاري]

  ثبت في الصحيحين عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ مُنَادٍ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟))

[أحمد ]

  وفي الأثر:

((من ذا الذي دعاني فلم أجبه ؟ من ذا الذي سألني فلم أعطه، من ذا الذي استغفرني فلم أغفر له ؟ وأنا أرحم الراحمين ))

[ورد في الأثر ]

 باللغة الدارجة: هاتوا لي إنسانًا دعاني، ولم أستجب له، أين هو ؟ ما من عبد سألني إلا أعطيته، دعاني إلا أجبته، استغفرني إلا غفرت له، الطالب بدراسته، يا رب توفقني، يا رب تلهمني الإجابة الصحيحة، التاجر بمحله، يا رب تجبر بضاعة فوق بعضها كاسدة، ما من منظر للتجار مزعج من مستودع ملآن، لا حركة، لذلك لما ربنا قال عن التجارة:

 

﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 24]

  أصعب شيء بالتجارة كساد البضاعة، ما أحد يقول لك: ماذا عندك،

((من ذا الذي دعاني فلم أجبه ؟ من ذا الذي سألني فلم أعطه، من ذا الذي استغفرني فلم أغفر له ؟ وأنا أرحم الراحمين ))

  لذلك ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه، ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا.
 والحياة الدنيا مليئة بقصص تؤكد هذه الحقيقة، اعتصم بالله، وأخلص نيتك لله عز وجل، ولا تخش أحداً، كل من تراه عينك بيد الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

 

[ سورة هود ]

  كان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يدعو ربه، ويقول: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك، ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك، والآية الكريمة:

 

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 17]

  قال بعضهم: إن الله جل وعلا يحب أن يسأل، ويرغب إليه في الحوائج، ويلح في سؤاله ودعائه، ويغضب على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه كلهم سؤلهم من غير أن ينقص من ملكه شيء.
 عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

((يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))

[ مسلم، الترمذي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

((إِذَا سَأَلْتِ فَاسْأَلِ اللهَ))

 إذا سألت الله فأنت تعرفه، وإن سألت غيره فأنت قد أشركت به، عدم سؤالك لله جهل، وشرك، وسؤالك إياه معرفة وتوحيد، والسؤال فيه ذل، بصراحة أي سؤال فيه ذل، فيه موقف ضعيف، فيه شيء من الضعف، والذل، والفقر، والمسؤول دائماً قوي، وعزيز، فأنت كعبد لله عز وجل لا يجوز أن تقف موقفاً ضعيفاً أمام مخلوق من العالمين، السيدة عائشة رضي الله عنها لها موقف عجيب، حينما أنزل الله عز وجل براءتها، فقال لها أبوها: قومي إلى رسول الله، قالت: والله لا أقوم إليه، لا أقوم إلا لله، هو الذي برأني، فالنبي تبسم، ولم ينزعج، عرفت الحق لأهله.
 النبي عليه الصلاة والسلام احتار، بقي شهراً في حيرة ماذا يفعل ؟ أنت حينما توحد ترتاح، ولا تنسوا قول سيدنا إبراهيم في القرآن:

 

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾

 

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)﴾

[ سورة الشعراء ]

  خلق، وهدى، ورزق، وشفى، وأحيا، وأمات، وغفر، الله عز وجل تفرد بالخلق، والهداية، والرزق، والشفاء، والإحياء، والإماتة، والمغفرة، فيجب أن تفرده بالسؤال، والطاعة، والحب، والإخلاص، والتفويض، والاستثناء، والتوكل، ما دام هو وحده يخلق، ويهدي، ويرزق، ويشفي، ويحيي، ويميت، ويغفر، إذاً يجب أن تسأله وحده، وأن تحبه وحده، وأن تخلص له وحده.
 الآن تتمة الحديث

(( إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))

  الإنسان عاجز قطعاً عن الاستقلال عن الله عز وجل بجلب منافعه، ودفع مضاره في الدنيا والآخرة، لا نبتعد، أي غلطة بجسمك تساوي جحيم الحياة، إذا زاد الكولسترول في الشرايين قليلاً، ووصل إلى الشريان التاجي، وضاقت لمعة الشريان على الجهد تشعر بألم في الصدر، تحتاج إلى عملية، مليون ليرة، وقسطرة، وإدخال مواد ظليلة، وأين التضيق، وبعد التضيق ننشر الصدر، ونفتح الصدر، ونوقف القلب، ونصله بقلب اصطناعي، ونفتح القلب، وندخل.
 غلطة في الكليتين تجعل الحياة جحيماً، أخ كريم قبل أن يتوفاه الله أصيب بمرض توقف الكليتين عن العمل، فزار المستشفى، في أثناء الغسيل قالت له الممرضة بقسوة: لا تشرب ماء كثيراً، الجهاز معطل، شرب الماء نعمة، ما دامت الكليتان تعملان بانتظام فشرب الماء من نعم الله الكبرى، كليتاك، دسامات قلبك، شرايينك، لمعة شرايينك، مرونة شرايينك، ضغطك، عضلاتك، أعصابك، البنكرياس لو تعطل لأصابك مرض السكري، الغدة النخامية لها مشكلة، الغدة الدرقية لها مشكلة، الكظر له مشكلة، أين ؟ مركز توازن السوائل، لو اختل المركز لا تستطيع إلا أن تقبع إلى جانب المرحاض وصنبور الماء طوال عمرك، تشرب خمس لترات ماء يخرجهم، إذا اختل مركز اسمه مركز توازن السوائل.
 أنت فقير إلى الله، فقير بجسمك، فقير بعضلاتك، بأعصابك، بقلبك، بكليتيك، بأمعائك، آلاف الأمراض، ملايين الأمراض، كل مرض له اسم خاص، له أعراض خاصة، وأدوية خاصة، وعلاج خاص، مرض أهل البيت، إذا مرضت الزوجة، وصار معها ورم خبيث ترى البيت كله جحيماً، البيت تعطل، لا طبخ، ولا تنظيف، ولا كوي، ولا غسيل، الأولاد صغار يحتاجون إلى مدارس، وأنت لا تطيق ذلك، وهي في الفراش تحتاج إلى نفقات تصوير، وتحليل، أنت تعيش بفضل الله، لذلك:

((وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ))

 أنت فقير، فقير في كل شيء، نقطة دم صغيرة بأي مكان تجمدت جعلت مشكلة في الجسم، الغرغرين يحتاج إلى قطع، ليس معقولاً، قطع الكعب، غير معقول قطعت الركبة، في وقت قليل قطع الفخذ كله، بيدك الأمر ؟ نرجو الله سبحانه وتعالى أن يعافينا من كل داء عضال.
 لكن الإنسان إذا كان في طاعة الله، جوارحه ملتزمة، دخله حلال، عمله طيب، إخلاصه عالٍ، استقامته جيدة، طلبه للعلم شديد، باب للخير، الله عز وجل يحفظه، ويطمئنه، وأيضاً يلقي بقلبه الأمن، قال تعالى:

 

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

 

[ سورة الأنعام ]

  أريد أن أقول لكم كلمة، أنا أتذوقها جيداً: هذا الشاب المستقيم، الذي عرف الله عز وجل، والذي غض بصره عن محارم الله، والذي ضبط لسانه عن الغيبة والنميمة، والذي حرر دخله من الشبهات، والذي أنفق ماله في طاعة الله، والذي كان محسناً لخلق الله، الله عز وجل يهيئ له جوًّا مريحًا، قال تعالى:

 

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

 

[ سورة النحل: الآية 97]

  أنت تعامل خالق الكون، تعامل رب العالمين، أنت ترجو الله، ترجو رضوانه، وهو يسعدك، ويسلمك، ويحفظك، وينصرك، ويؤيدك، ويريك آياته.
 أقول لكم هذه الكلمة: الإنسان حينما يستقيم على أمر الله، وحينما يعمل الصالحات ماذا يعمل ؟ يخطب ود الله عز وجل، إذا أحب ابن أن يخطب ود والده يرى والده الحذاء ملمعًا، فلان، نعم بابا، كأس ماء، حاضر، باردة، نظيفة، إذا أحب الابن أن يخطب ود والده لبى له حاجاته، وقدم له بعض الهدايا، وعاونه، ترى الأب مال إلى الابن، فيجب على الأب أن يبادر ابنه بشكل لا شعوري بعمل، بعطاء، يعطيه مبلغًا، هذا احفظه معك، هكذا الحياة طبيعتها.
 لما يبادر الإنسان في طاعة الله ماذا يفعل ؟ إنه يخطب ود الله عز وجل، ربنا شيء طبيعي أن يبادره الحفظ، خطر حفظه الله منه، ورطة الله أنقذه منها، مشكلة الله حماه منها، أرسل له رزقاً، وهو لا يحتسب، أنقذ ابنه من مرض، الله شفاه، جعل زوجته تعززه، يلقي عليه ثوب الهيبة، له قيمة عند أهل بيته.
مرة كنت في الحج رأيت شخصاً صديقًا يريد أن يطلق زوجته، ما السبب ؟ قال: أنا جالس أرى برنامج في التلفزيون غمزتني بقدمها أنْ غيِّر القناة، أيّ هيبة هذه ؟
 إذا كان الإنسان شهوانيًا الله ينزع هيبته من زوجته، ليس له في بيته قيمة، يخاطب باسمه، وبقسوة، وتكيل له الصاع صاعين، فلذلك الإنسان حينما يطلب ود الله عز وجل، حينما يطيعه الله عز وجل يتولاه بالرعاية والعناية والتوفيق والتأييد والنصر، وهذا معنى قول الله عز وجل:

 

﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 249]

  هذه معية خاصة.
 العبد محتاج إلى الله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات، أنت محتاج، سيدنا يوسف قال له:

 

﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾

 

[ سورة يوسف: الآية 33]

  أي إذا كنت ماشياً في الطريق، أخي أنا مؤمن مستقيم، أنا أغض بصري غضاً حازماً، هذا كلام فيه شرك، ربي احفظني، هكذا علمنا النبي e، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ))

[البخاري]

  فإذا خرجت من بيتك فقل: يا رب احفظني، يوجد مزلات في الطريق، يوجد منزلقات، يوجد مشكلات، فدائماً الإنسان في فعل المأمورات وترك المحظورات والصبر على المقدورات أنت بحاجة إلى أن تستعين بالله عز و جل.
 الآن: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ.))

[ مسلم، ابن ماجه، أحمد ]

  دائماً عندنا موقف دقيق جداً، يا أيها الإخوة، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ أبو داود، أحمد ]

  حديث خطير جداً، أي أنت أمام مشكلة، مهمتك كمؤمن أن تشمر، وأن تقول: يا رب أعني، هيئ، خطط، قابل، اعمل استدعاء، اطلب، وسط، لا تستسلم، تنهزم، تستخزي، تضعف، ليس بيدي، كلا، إنه بيدك، الله يعينك، وما أكثر الإخوة الأكارم الذين استعانوا بالله فأعانهم، أخي ابني لا يوجد منه جدوى، لماذا لا جدوى منه ؟ اعمل له برنامجاً، اجلس معه كل أسبوع جلسة، دعه يرافقك بكل حركاتك مثلاً، ييأس بسرعة، هذا اليأس علامة القنوط من رحمة الله عز وجل، أخي زوجتي لا جدوى منها، لا يمكن أن تُصلح، لماذا ؟ كلام فيه تألٍّ على الله عز وجل، الله تعالى قال:

 

﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾

 

[ سورة الأنبياء: الآية 90]

  تعال من باب البر والإحسان واللطف، أكرمها، أقنعها، غض البصر عن بعض أخطائها، تجد أنها قد تغيّرت بعد شهر، ألم يقل له سيدنا معاوية عندما جاءته رسالة من أحد المواطنين اسمه عبد الله بن الزبير، قال له: " أما بعد فيا معاوية - مباشرة، وهو خليفة المسلمين - إن جنودك قد دخلوا أرضي، فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن، والسلام، ابنه يزيد جالس أمامه، ماذا نفعل ؟ قال له: أرى أن ترسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك، يأتوك برأسه، هذا تجاوز، تطاول، تبسم سيدنا معاوية، فقد كان حليماً، قال له: غير ذلك أفضل، أمسك القلم، وقال للكاتب: اكتب: " أما بعد، فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله - هو ابن الزبير - و لقد ساءني ما ساءك، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها، يأتي الجواب: " أما بعد، فيا أمير المؤمنين - أول كتاب: فيا معاوية - الثاني: "فيا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل، قال له: يا بني تعال إلى هنا، تريد أن تبعث له جيشاً أوله عنده، وآخره عندك، نأتي برأسه، قال له: يا بني اقرأ، قال له: يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب ".
 كلمة: لا أستطيع، زوجتي لا تصلح، ابني لا جدوى منه، لا خير فيه، هذا العمل لا خلاص منه، حسنها، وانظر أين الأغلاط، لا يوجد بيع، أنت محضر بضاعة قديمة غير مطلوبة بالسوق، تريد أن تبيعها بسعر غال، طبعاً لن يشتريها أحد، نزل سعرها، وبعها برأسمالها، أو أقل من رأسمالها، وأحضر بضاعة مستواها أرقى فستبيع، بسرعة ييأس في العمل، بالتجارة، بالوظيفة، بالزواج، مع أولاده، هذا اليأس السريع دليل الجهل، استعن بالله، ولا تعجز، فالحديث: إن الله يلوم على العجز، فوراً انهارت أعصابك، فوراً استخزيت، هربت، انسحبت،

(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ))

  دبر، فكر، أين يوجد الأخطاء ؟ أين يوجد الثغرات ؟ فكر، فلان من يعرفه، اعمل له استدعاء، قال لي رجل: في عمله التجاري عقبة كبيرة جداً، عمله في المواد الغذائية، والطريق مسدود، وما سمحوا له، فكتب كتاباً، واشتكى، ثاني يوم أجابوه، قال لي: كتبت كتاباً، قدمت شكوى معي مبرر قوي، ثاني يوم جاء الجواب بالموافقة، تحرك، ولكن عليكم بالكيس.
 إذا كان الله عز وجل له إرادة أن هذا الشيء لا يناسبك سدّ لك إياها

((فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ ))

 بعد ما سعيت، وقابلت، واتصلت، ووسطت، وبينت، ووضحت، وأخذت بكل الأسباب، وما حدث معك شيء، الآن قل:

(( حَسْبِيَ اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

  هذا الموقف الدقيق، أولاً: اسعَ، العجز ألام عليه، والسعي مطلوب، وحينما أغلب أقول: حسبي الله ونعم الوكيل، هذه مشيئة الله عز وجل.
 أعرف أسرة ابنها دراسته وسط، أو أقل من وسط، بتصميم من أمه أن يجعلوه طبيباً، أنا ما رأيت أسرة عندها إلحاح مثلها، أول سنة رسب، والثانية رسب، الثالثة أخذ البكالوريا، ثم ثماني سنوات في الطب، وبعد هذا صار طبيباً، وفتح عيادة، والآن دكتور فلان، أعجبني في هذه الأسرة إلحاحها.
أحيانا إنسان ابنه من أول سنة يرسب، هذا ليس أهلا للدراسة، يرسب الإنسان في سنة وقد يصبح عبقريًا، أديسون كان ضعيفًا في الفيزياء، وإنشتاين أكبر عالم رياضيات طرد من المدرسة لضعفه بالرياضيات، وعميد الأدب العربي بمصر توفيق الحكيم توفي وكان ضعيفًا باللغة العربية، يمكن أن يكون ابنك ضعيفًا باللغة فيصبح أديباً، يمكن أن يكون ضعيفًا في الرياضيات فيكون عالماً كبيراً، اليأس جهل كبير، لا تيأس، القنوط دليل عدم معرفة الله عز وجل، وإذا استعنت فاستعن بالله.
 اسمعوا الآن، من ترك الاستعانة بالله قال واستعان بغيره وكّله الله إلى من استعان به فصار مخذولاً.
 سيدنا الحسن كتب إلى سيدنا عمر بن عبد العزيز قال:

(( لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه ))

  بعض السلف قال: " يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك، وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك "، علامة إيمانك أن تسأل الله، وأن تستعين بالله، هات معرفة واستعانة، وخذ كل شيء، خذ حلاً لكل مشكلة، لكن وأنت تارك الله، وقاعد مع عبد الله، وعبد الله لئيم، عبد الله قصدي، مصلحته فوق كل مصلحة، تارك خالق الكون، ولاحق العبيد، والعبيد لهم مصالح قد تكون عكس مصالحك.
 مرة أخ أحب أن يعمل في مصلحة، فقلت له: اسأل أصحاب المصالح يفيدوك، قال لي: سألت السوق بكامله، قالوا له: انتبه المصلحة فقيرة صعبة، ما فيها أرباح، المواد الأولية غير مؤمّنة، ما من واحد إلا حطم له أعصابه، واللهِ كل هؤلاء أصحاب مصالح، أبعدوه عنها، قلت له: اسأل فلاناً، أعرفه إنسانًا مؤمنًا، قال له: بالعكس، مصلحة ممتازة، موادها الأولية موفورة، وأرباحها جيدة، وأنا أساعدك بها، فلذلك الإنسان إذا استعان بغير الله وكّله الله إليه.
 وما توفيقي إلا بالله، أساساً التوفيق بيد الله عز وجل، ما يمكن أن ينجح شيء لا تجارة، ولا صناعة، ولا زراعة، ولا عمل، ولا وظيفة، ولا طبابة إلا بتوفيق الله، ترى الطبيب علاماته قلائل عائدوه كثير، وطبيب له بورد لا أحد يعوده، إذا استعان الطبيب بالله يجعل شفاء الناس على يده، وكل واحد عند واحد معتد بشهاداته سوف يموت ويرسله إليه يدخل حيا، فيخرج ميتاً.
 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:

((فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْه))

[ أحمد، الترمذي ]

((وإن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[الترمذي ]

 هذا تتمة الحديث الشريف.
 الآن شيء عندنا من السيرة كما وعدتكم في كل درس، أن نجمع بين السيرة والحديث.
 وفد رجل على النبي عليه الصلاة والسلام له موقف جدير أن نستمع إليه.
 قال ابن إسحاق: كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلاً شريفاً شاعراً أريباً.
 رجل شريف أي سيد في قومه، شاعر، لبيب، ذكي، قال هؤلاء الرجال له: إنك قدمت بلادنا، وإن هذا الرجل - يقصدون النبي الكريم - وهو الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد حلّ علينا فلا تكلمه، ولا تسمع منه، هو ذكي، لبيب، وشاعر، وشريف، سيد في قومه، وشاعر لبيب، عاقل، فلما قدم مكة خافوا أن يؤمن برسول الله e، فنبهوه أن هذا الرجل إياك أن تستمع إليه، إياك أن تلتقي به، إياك أن تحضر مجلسه، لأنه شتت جماعتنا، كلامه كالسحر، يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وإنما نخشى عليك منه وعلى قومك ما قد حلّ علينا، فلا تكلمه، ولا تستمع إليه، قال: فو الله مازالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئاً، أنا قنعت، هذا شيء مخيف، ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفاً، أي كالقطن، فرقاً من أن يبلغني منه شيء، قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، سمع شيئاً من القرآن الكريم، فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي: واثكلى أمياه، واللهِ إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، عندي عقل، وعندي ميزان، أنا أسمع إذا كان شيئًا جيدًا أقبله، وإذا كان شيئًا سيئًا أرفضه، فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا اسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض علي أمرك، أي ما قصتك ؟ فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، وتلا عليّ القرآن فلا والله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت، وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله لي أن يجعل لي آية تكون عوناً لي عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: اللهم اجعل له آية، أي علامة، قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح، قلت: اللهم غير وجهي، إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم، أي يشمتوا بي، فتحولت فوقع في رأس صوتي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم، وأصبحت فيهم، فلما نزلت أتاني أبي، وكان شيخاً كبيراً، فقلت: إليك عني يا أبت فلست مني، ولست منك، قال: لمَ يا بني ؟ قلت: قد أسلمت، وتابعت دين محمد، قال: يا بني فديني دينك، أنا أيضاً معك، قال: فقلت: اذهب فاغتسل إذاً، وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت، قال: فذهب، واغتسل، و هر ثيابه، ثم جاء، فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتني صاحبتي، أي زوجته، فقلت لها: إليك عني فلست منك، ولست مني ؟ قال: لمَ، بأبي أنت وأمي ؟ قلت: فرق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت دين محمد، قالت: فديني دينك، أنا معك، لأنه له قيمته، قال: قلت: فاذهبي فاغتسلي، ففعلت، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت، ثم دعوت دوساً إلى الإسلام، القبيلة، الآن فأبطؤوا علي، فجئت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقلت: يا رسول، إنه قد غلبني على دوس الزنا، أكثرهم زناة، فهذا الزنا حجبهم عني، ولم يسلموا معي، فادع الله عليهم كي يهلكهم، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم اهد دوساً، لماذا تدعو عليهم ؟ ادع لهم بالهدى، الشخص بسرعة يدعو على الآخر، ادع له بالهدى، ولو كان عدوك، لأنه إذا هداه الله سيخدمك، فقال: اللهم اهد دوساً، ثم قال:  ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله، وارفق بهم، احلم عليهم، خذهم باللين، بشر، ولا تنفر، يسر ولا تعسر، سدد وقارب، فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس، أسلموا معه، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين، فهذا الذي وضع في أذنه قطناً كي لا يسمع أسلم هو، وأبوه، وزوجته، وسبعون أو ثمانون بيتاً من قومه، فإياك أن تحظر، إياك أن تذهب، اذهب، واسمع، الله أعطاك عقلاً، هذا العقل ميز به.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018