أحاديث متفرقة - الدرس : 036 - يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك 1 - احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره ونواهيه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 036 - يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك 1 - احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره ونواهيه


1991-09-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم: النص الذي يلي نص القرآن الكريم من حيث القوة في النظم، والقوة في التعبير، ومن حيث المضمون المطلق في صحته هو نص النبي عليه الصلاة والسلام، ومهما وجدنا متسعاً لفهم كلام النبي عليه الصلاة والسلام فهماً دقيقاً واسعاً شاملاً عميقاً فنحن في أعلى درجات الفوز.
من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام الجامعة المانعة، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ:

((يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))

[رواه الترمذي و قال حديث حسن صحيح]

  وفي رواية غير الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((يَا غُلَامُ، أَوْ يَا غُلَيِّمُ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ))

[ الترمذي، أحمد ]

  الذي أراه أن هذا الحديث فيه عدد من أصول الدين، والأحاديث التي تنطوي على أصول للدين تعد من أركان الأحاديث، فكلمة احفظ الله يحفظك مثلاً:

 

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

 

[ سورة الصف: الآية 5]

  احفظ الله يحفظك، فاذكروني أذكركم، إن تنصروا الله ينصركم، هذه العلاقة والمشاكلة بين فعل الطلب وجواب الطلب، هذه المشاكلة والعلاقة الحتمية يمكن أن يعبر عنها بقانون، أحياناً بين هذا الشيء وهذا الشيء علاقة ضرورية، المعادن تتمدد بالحرارة، قانون، العلاقة بين الحرارة والتمدد علاقة حتمية ضرورية شاملة، لذلك حينما تجد تركيبًا شَرطيًّا أو تركيبًا طلبيًّا جزائيًّا، التركيب الشرطي مثل:
 من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
هذا تركيب شرطي، أو اجتهد تنجح، هذا تركيب طلبي جزائي، فإذا ورد في اللغة تركيب كهذا التركيب فاعلم أن العلاقة حتمية بين المقدمة والنتيجة، احفظ الله، ما معنى احفظ الله ؟ نرجو الله سبحانه وتعالى أن نمضي هذه الساعة بتوفيقه بفقرة أو فقرتين من هذا الحديث،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 الفعل و الجواب من صيغة واحدة، احفظ يحفظ، اذكر يذكر:

 

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 152]

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

[ سورة محمد: الآية 7]

  احفظ يحفظ،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 الجواب حتمي، العلاقة بين الطلب والجواب علاقة حتمية، أيْ علاقة سبب بنتيجة،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 ومن منا لا يتمنى أن يحفظه الله تعالى ؟ من منا لا يتمنى من كل أعماقه أن يكون في حفظ الله ؟ أن يكون في رعايته ؟ لأن الله هو القوي، أنت كلما التجأت إلى قوي تشعر بالطمأنينة أكثر، لو اعتمدت على إنسان عنده بعض القوة، وجاء من هو أقوى منه انهار ظهرك، لكن إذا التجأت إلى أقوى الأقوياء، إذا التجأت إلى خالق الأرض والسماوات،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))،

 الآن نريد أن نفهم ماذا يعني النبي عليه الصلاة والسلام من قوله:

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

  أولاً: احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره ونواهيه، من هو ولي الله ؟ يا جنيد أهو الذي يطير في السماء ؟ قال: لا، أهو الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال: لا، أهو الذي يبكي في الصلاة ؟ قال: لا، من هو الولي ؟ قال: الذي تجده عند الأمر والنهي، مقياس واحد يرفعك عند الله أن تكون مطبقاً لأمره ونهيه، احفظ حدوده:

 

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 229]

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[ سورة البقرة: الآية 187]

  هذا لا يجوز، لا أفعله وربِّ الكعبة، هذا لا أوافق عليه، هذا العقد لا أوقعه، البضاعة محرمة، هذا اللقاء لا أحضره، لأنه مختلط، هذه الطريقة في البيع لا أوافق عليها، فيها شبهة، هذا العمل لن أمضيه، فيه إيقاع أذى بمؤمن، أو بإنسان، معنى

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 دوده في الأمر والنهي، لذلك المؤمن:

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 36]

  التردد، واللهِ هل من المعقول أن أفعل هذا أو غير معقول ؟ من أنت حتى تقول: معقول أم غير معقول ؟ أنت أمام أمر إلهي، فإذا فكرت في أن تفعله أو ألاّ تفعله فلست مؤمناً:

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 36]

  إذاً احفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه.
 التفصيل: وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، أمرك أن تصلي، أمرك أن تغض البصر، أمرك أن تقول للناس حسناً، أمرك أن تصل رحمك، أمرك أن تنصف الناس من نفسك، أمرك أن تقرأ القرآن، أمرك أن تحسن إلى كل الأنام، هذه أوامر، وعند نواهيه بالاجتناب هذه الحفظ، تطبيق الأمر، واجتناب النهي، وعند حدوده بعدم التجاوز، فمن فعل هذا كان من الحافظين، أنت حفظت، احفظ الله يحتاج إلى تفسير، احفظ أوامر الله بالتطبيق، احفظ نواهيه بالاجتناب، احفظ حدوده بعدم التجاوز، نشب خلاف بينك وبين زوجتك، هذا الخلاف يستحق أن تعاتبها، أن تعرض عنها، لكن لا يستأهل أن تطلقها، تجاوزت الحدود، لا تطلق المرأة إلا من ريبة، إذا شككت في أخلاقها، إذا خانتك، هذا العمل يقتضي الطلاق، أما إذا غاضبتك أو غاضبتها أو قصرت في حقك عاتبها، اهجرها، أعرض عنها، أما أن توقع الطلاق بسبب لا يستأهله الطلاق فقد تجاوزت الحدود.
 استمعوا أيها الإخوة إلى قول الله عز وجل حينما قال:

 

﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾

 

[ سورة ق: الآية 32]

  من هو الحفيظ ؟ يحفظ حدود الله، يحفظ الأوامر فيطبقها، يحفظ النواهي فيجتنبها، يحفظ الحدود فلا يتجاوزها:

 

﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33)﴾

 

[ سورة ق ]

  الآن ما هي أبرز هذه الأوامر ؟ فهمنا قبل قليل أن حفظ الله هو حفظ أمره بالتطبيق، ونهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم التجاوز، ما هي أبرز أوامر الله عز وجل ؟ أجمع العلماء على أنها الصلاة، من أقامها فقد أقام الدين، و من هدمها فقد هدم الدين، لا خير في دين لا صلاة فيه.
 ربنا عز وجل يقول:

 

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 238]

  وقال:

 

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾

 

[ سورة المؤمنون: الآية 9]

  وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ e:

((أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَحَافَظَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُضَيِّعْهَا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا فَلَهُ عَلَيَّ عَهْدٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ))

[ أحمد، الدارمي ]

  وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ:

((مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...))

[ أحمد، الدارمي ]

 هذا أول بند: الحفاظ على أول أمر في العبادة، وهو الصلاة.
 عندنا أمر آخر: الطهور، لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، المؤمن دائماً متوضئ، خرج من بيته متوضئاً، أذن المغرب دخل وصلى، كان في مجلس الوضوء صعب، في هذا المجلس نصلي، أنا متوضئ، والحمد لله، فالمحافظة على الوضوء من فروع المحافظة على الصلاة، مادام همك أن تصلي في الوقت المناسب، في الوقت المستحب، وأن تؤدي الصلاة على وجهها، إذاً يجب أن تستعد لها بالوضوء الدائم، لذلك عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((... لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ))

[ ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

  يوجد قول يرويه أكثر العلماء، وإن كان هناك تحفظ في بعض فقراته أنه: من أحدث، ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن توضأ، ولم يصلِّ فقد جفاني، ومن صلى، ولم يدعني فقد جفاني، ومن دعاني، ولم أجبه فقد جفوته، ولست برب جاف، ولست برب جاف، ولست برب جاف .
 إذاً المحافظة على الصلوات، والمحافظة على الوضوء هذا معنى:

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

  يوجد حفظ ثالث:

 

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 89]

  لأتفه سبب تقول: واللهِ العظيم كذا، طول بالك، لكي تبيع بنطالاً تقسم أيمانًا مغلظة، الله قال:

 

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 89]

  لا تحلف إلا لأمر ذي بال، وقد استحلفت، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ والْبَرَكَةَ))

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، أحمد ]

 اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع:

 

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 89]

  احفظ الله يحفظك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى))

[ الترمذي، أحمد ]

  الرأس وما وعى، ما في الرأس ؟ فيه لسان، وفيه عين، وفيه أذن، يبدو أن اللسان لخروج المعاني، والعيون والأذن لتلقف الصور الصوتية والبصرية، فإذا غضضت بصرك عن محارم الله فقد حفظت عينك، وإذا كففت عن سماع الغيبة والنميمة والمنكر والفحش وقول الزور وشهادة الزور والغناء فقد حفظت أذنك، وإذا استقام لسانك، فلم ينهش أعراض المؤمنين، ولم يتكلم بما لا يرضي رب العالمين، فالرأس فيه العين والأذن واللسان، وحفظ اللسان بقول الحق، واجتناب ما نهى الله عنه، وحفظ العين بغض البصر عن عورات المسلمين، وحفظ الأذن بكفها عن سماع ما لا يرضي الله عز وجل، قال:

((أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى))

 ماذا في البطن ؟ ماذا في أعلى البطن ؟ القلب، ما المعصية التي يمكن أن يرتكبها القلب ؟ أن يعقل، أن يصر على جهل أو استكبار، أو أن يسيء الظن بالله عز وجل، إذاً أن يحفظ قلبه من سوء الظن بالله، أن يحفظ قلبه من أمراض النفس، من العجب، الكبر، الاستعلاء، الحقد، الأنانية، وأيضاً يوجد معدة، أن يحفظ هذا البطن من أكل المال الحرام،

((يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))

[الطبراني في الصغير عن سعد]

  أصبح معنا الحفاظ على الصلاة، والحفاظ على الوضوء، والحفاظ على الطهارة، والحفاظ على الأيمان، والحفاظ على الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، هذا كله تحت قول النبي الكريم:

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

  القلب: قال تعالى:

 

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 235]

  عبدي طهرت منظر الخلق سنين، أفلا طهرت منظري ساعة ؟ الله عز وجل دائماً وأبداً ناظر إلى قلبك، فما في هذا القلب ؟ هل به حقد، به ضغينة، فيه شحناء ؟ فيه بغض لمسلم ؟ فيه قطيعة رحم ؟ فيه استعلاء على خلق الله ؟

 

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 235]

  الله عز وجل جمع هذا كله فقال:

 

﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 36]

  من أغرب ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ))

[ البخاري، الترمذي، أحمد ]

  اللحيان الفكّان، ماذا يُفهم ؟ هناك شيئان كافيان لإدخال الإنسان جهنم، لسانه وفرجه، قال عليه الصلاة و السلام:

((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ))

 أي اللسان، في اللسان غيبة، في اللسان نميمة، في اللسان قول زور، في اللسان كذب، في اللسان تدليس، في اللسان بذاءة، في اللسان استعلاء، في اللسان احتقار، آلاف المعاصي.
 عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ:

((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))

[ الترمذي، النسائي، ابن ماجه، أحمد ]

  أي يمكن أن يدخل إنسان إلى النار من اللسان فقط، إذا قال شخص لزوج مازحاً انتبه لبيتك ؟ فظن الزوج أن في أخلاق زوجته خللاً فطلقها تعسفاً، وشردها، وشرد أولادها، أسرة تدمرت، لأن إنسانًا تكلم بكلمة ليس متيقناً منها، لهذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:

((قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة))

[الفردوس بمأثور الخطاب عن أبي هريرة]

  أن تخوض في أعراض المسلمين، أن تفرق بين شريكين، بين زوجين، بين أخوين، بين جارين، بين مؤمنين، فلان إياك أن تسلّم عليه، هذا من أخلاق المؤمنين ؟ فلذلك:

((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ))

 معنى هذا أن إرادته قوية جداً، فهو ضابط للسانه، وضابط لشهوته، انتهى الأمر:

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾

 

[ سورة المؤمنون ]

  المؤمنون عن اللغو معرضون، ولفروجهم حافظون، قال:

((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ))

 والحقيقة من معلوماتكم المنسية أن طريق حفظ الفرج هو غض البصر، لأن الله عز وجل قدم غض البصر على حفظ الفرج، قال تعالى:

 

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 30]

  فتقديم غض البصر على حفظ الفرج دليل أن طريق حفظ الفرج هو غض البصر، والله سبحانه وتعالى أثنى على المؤمنين بصفة واحدة أو بصفات عدة، من أبرزها قال:

 

﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 35]

  انظر إلى هذه الصفة: مؤمن حافظ لفرجه، شهوة أودعها الله في كل إنسان وفي الأنبياء، سمح لك بقناة نظيفة هي الزواج، فضمن المسموح أهلاً وسهلاً، المحرم ممنوع، ولو قطع الإنسان إرباً إرباً، وإن إبليس طلاّع رصّاد ـ إبليس ذكي جداً، لكن ذكاءه شيطاني، أو ذكاء إبليسي، لأنه ـ وما هو من فخوخه ـ عنده خمسون فخاً للمؤمن ـ فخ ـ شبكة أو مصيدة ـ بأوثق بصيده في الأتقياء من النساء، أي المرأة في يد إبليس أكبر فخ، اتقوا الله و اتقوا النساء، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((اتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ))

[ مسلم، الترمذي، ابن ماجه، أحمد ]

 وأنا أعتقد على مستوى الشباب أن يؤتى من أكل المال الحرام أبعد من أن يؤتى من النساء، أي هناك شيئان نقطتا ضعف في حياة الإنسان ؛ المال والمرأة، فإذا كنت محصناً من أن تأكل مالاً حراماً، وكنت محصناً من أن تفعل ما لا يرضي الله مع امرأة فقد حفظت دينك، تسعة أعشار المعاصي من المال والنساء، الشباب أكثر المعاصي من النساء، لذلك إن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهرته من أجلي.
 عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ))

[ أحمد ]

  وكل شيء بحسابه، الذي يعف عن النساء قبل الزواج أول مكافأة له زواج ميمون، زواج موفق، زواج يسعده طوال حياته، ومن شذ قبل الزواج، لعن الله الذواقين والذواقات، عاقبه الله بزواج شقي، كل شيء في حسابه الدقيق، ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن أحد أصحابه سأله: يا رسول الله كيف أحفظ فرجي ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا تضعه إلا في حلال.
 أنا في كتاب الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير كتاب من أشهر كتب الحديث، وفي هذا المسجد من سنوات عدة درست قسماً كبيراً منه، هذا الكتاب ألطف ما فيه أن الأحاديث مبوبة وفق أوائل حروفها، مثلاً كلمة حق، هناك أكثر من خمسة عشر حديثاً تبدأ بكلمة حق، حق المسلم على المسلم، حق الأب على ابنه، حق الابن على أبيه، حق الزوجة على زوجها، إلا في حديث واحد حينما أقرأه يقشعر جلدي، حق المسلم على الله أن يعينه إذا أراد العفاف، مسلم أراد أن يعف عن الحرام حق على الله أن يعينه، الله عز وجل ييسر الأمور تيسيراً عجيباً، في البيت والأثاث والزوجة الصالحة.
سمعت أن شاباً فتح محلا صغيرًا في أحد أحياء دمشق، وبهذا الحي يوجد أبنية شاهقة وأبنية فخمة، وطبعاً الأبنية فيها أسرٌ غنية، والفتيات داخلات وخارجات من هذه البيوت، هذا الشاب تاقت نفسه للزواج، ولا يجد ما يملك، طلب من أمه أن تخطب له من هذه البيوتات سخرت أمه منه، أنت لا تملك شيئاً، وهؤلاء أغنياء، قال لها: لكن أنا مستقيم، ولا أعرف الحرام في حياتي، هو يعتز باستقامته، لكن لا يملك شيئاً، فلما ضغط عليها ذهبت إلى بعض هذه البيوت، ولم تطلب منهم شيئاً، لكنها ذهبت مداراة لابنها، من غير المعقول أن يعطوها، مستحيل، كانت تقول له: يا بني طلبت، ولم يعطوني، كان يصدقها، هي تكذب عليه، و هو يصدقها، البيت الفلاني أمه واقعية، المستحيل أن يقبلوا به، شاب لا يملك شيئاً، ن ثقته بالله عز وجل، قصة واقعية، قبل أشهر جاءه رجل من سكان هذا الحي، قال له: يا بني أمتزوج أنت ؟ قال له: لا، بالله يا سيدي، قال له: عندي فتاة عمرها أربعة عشر عاماً تناسبك، أرسل أمك للبيت الفلاني، فأرسل أمه، البنت مناسبة جداً، لكن لا يوجد شيء، فلما جاءه مرة ثانية، قال له: يا سيدي، البنت مناسبة، أما أنا لا أملك شيئاً، قال له: هي والبيت يا بني، أبت نفسه أن يعصي الله، لكن لا أحد ينتظر مفاجأة كهذه المفاجأة، أما إذا صدقت في طلب الحلال، وعففت عن الحرام فالله سبحانه وتعالى لا يمكن إلا أن يكرمك،إذا أردت العفاف فحق على الله أن يعينك، من هنا قال عليه الصلاة و السلام: ما شكا له أحد ضيق ذات يده إلا قال له: اذهب فتزوج، هو وحده كافٍ نفسه، اسع قليلاً، لكن الله يعينك كثيراً، تحرك، والله يوفق، ابحث، و يهديك، اعمل، والله يرزقك، الناس يفهمون التوكل أنه يجلس في البيت وينتظر الفرَج، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا))

[ الترمذي، ابن ماجه، أحمد ]

  الطير له قاعدة:

((تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا))

 يوجد حركة، الحركة فيها بركة، اسع، اسأل.
 أجمل حديث قرأته مرة: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ أبو داود، أحمد ]

  دقيق جداً، تقعد بلا سعي لست مؤمناً، تحرك، اسأل، ابحث عن وظيفة، ابحث عن عمل، ابحث عن بيت، أخي لا أحد يؤجر ؟ أنت ابحث، من قال لك ؟ يوجد حالات استثنائية، ابحث، دبر أمرك، و المدبر، وعلى الله الباقي،

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ))

 أي بالتدبير، بالسعي، عليكم بالسعي والتدبير والبحث والأخذ بالأسباب، وعلى الله الباقي،

((فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

  المحافظة على الصلاة، المحافظة على الوضوء، المحافظة على الأيمان، المحافظة على الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، هذه بعض الآيات والأحاديث التي وردت في المحافظة، لذلك: احفظ الله.
 الآن الجواب: يحفظك، ما معنى يحفظك ؟ دققوا في هذا الجواب، حفظ الله لعبده نوعان، النوع الأول: حفظه له في مصالح دنياه كحفظه في بدنه، صحة طيبة، وحفظه في ولده، يوجد كثير من الأخطار في المنزل، أحياناً إبريق شاي يصيب وجه طفل صغير يسبب شقاء للأسرة، وجه تشوه، أو فتاة كلما ألقت أمها عليها نظرة زادت ألماً، إذا الله عز وجل حفظ لك أولادك، الطفل سليم معافى، ثقب بوتان مغلق، لو كان مفتوحاً لكان الخطرُ كبيرًا جداً، عملية قلب مفتوح، وبعد عشر سنوات يعافى، ويريد ثمانمئة ألف، نجاحها بالمئة ثلاثون، إذا حفظ الله عز وجل للشخص صحته وصحة زوجته وأولاده فهذا شيء عظيم جداً، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، احفظ الله يحفظك، يحفظ لك بدنك من الأسقام والأمراض والأدواء، ويحفظ لك أولادك، ويحفظ لك زوجتك، ويحفظ لك مالك.
 سمعت من يومين عن طفلة أصابها مرض عضال، دفع عليها أبوها مليونًا و نصف المليون، ثم ماتت، لم تمت فقط، قبل أن تموت أنفق عليها كل ما يملك، الله عز وجل قادر أن ينزع عنك كل مالك، وأنت راض، ثم توفت، طبعاً هذا موقف بطولي، لكن يمكن لكل شيء تدخره أن يدفعك إياه، وأنت راض، فإذا حفظ الرجل الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وحفظ أمر الله فلم يعصه، وحفظ أمره فلم يتجاوزه، فلم يقترفه، وحفظ حدوده فلم يتجاوزها، ألا يحفظه الله عز وجل ؟ الحفظ في بدنك، وفي أولادك، وفي زوجتك، وفي أهلك، والمال شقيق الروح، أحياناً المال يصادر، أحياناً البيت تدفع ثمنه مبلغاً كبيراً جداً، ثم يظهر أنه متضعضع، أمر بإخلاء البناء، وليس له غيره هذا البيت، أحياناً منزل يذهب بأرخص الأثمان، تنظيم، خذ عشرة آلاف ليرة، وهو سعره ثمانمئة ألف، أحياناً بضاعة تفسد، بضاعة تلفتْ في الطريق، البراد تعطل، فواكه سعرها ملايين تخلصوا منها بالصحراء، ذهب المال كله، قصص الإفلاسات كبيرة جداً، لأتفه الأسباب شخص معه بضاعة في سيارة، السائق لجهله دخل قريته فنام ثلاثة أيام، أغلق البراد، فتلفت جميعها على حساب صاحبها، وعلق بالمحاكم، فاحفظ الله يحفظ لك بدنك من الأمراض، احفظ الله يحفظ الله لك زوجتك، إذا أصيبتْ زوجةُ شخص بمرض عضال فهذه من المصائب الكبيرة جداً، احفظ الله يحفظ لك أولادك، احفظ الله يحفظ لك مالك.
 أنا في الخطبة أحياناً حينما أدعو إخواننا إلى التبرع أقول لهم: ادفعوا يدفع الله عنكم كل مكروه، ادفعوا ليحفظ الله لكم أموالكم وأهليكم وأولادكم وصحتكم، حديث من أروع الأحاديث احفظ الله يحفظك، احفظه يحفظك، لا أعتقد أنه يوجد شخص من الحاضرين لا يتمنى من أعماقه أن يكون في صحة جيدة هو و زوجته وأولاده، وأن يحفظ الله له ماله، كل هذا إذا حفظ حدود الله، حفظ أوامر الله فطبقها، حفظ نواهيه فلم يقترفها، حفظ حدوده فلم يتجاوزها، حافظ على الصلاة، على الطهارة، حافظ على أيمانه، حافظ على رأسه وما وعى، وبطنه وما حوى، هذا من جوامع الأحاديث.
اسمعوا إلى قوله تعالى:

 

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11]

 هذا المؤمن، تصور شخصًا غاليًا على جهة معينة، يقول لك: حراسة مشددة، ومرافقة، وكذا، إذاً أنت أيضاً كمؤمن غال على الله كثيراً:

 

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11]

  يعطي ربنا توجيهًا للملائكة أن احفظوا فلاناً، تجد هذا الطريق لا تذهب منه، يكون فيه مشكلة، هذه الصفقة لا تشترها يقول لك: عصّ قلبي، يكون فيها تفليس، يحفظونه من أمر الله، الله يوجهك، أنت معه، يوجهك في أمر حياتك، في علاقاتك، في تجارتك، في صناعتك، في زراعتك، هذه رائعة جداً:

 

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11]

  قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فأنت أيضاً معك مرافقة كبيرة جداً، أنت كونك مؤمنًا معك ملائكة من أمر الله تحفظك يا عبد الله، حياتك غالية على الله، وسلامتك غالية على الله عز وجل، المؤمن لا يذهب رخيصاً بسبب تافه، فهو غالٍ على الله، يوجد حوله من يحفظه، قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، ويقول علي رضي الله عنه: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر الله عليه، وإن الأجل جنة حصينة، مادام الأجل في فسحة فهو في حفظ الله.
 مريضة جاءها طبيب، قال لها: معك مرض خبيث، ثلاثة أيام وستموتين، بكل صراحة، انهارت انهيارًا نفسيًا نهائيا، فطلبوا طبيبًا مؤمنًا، أول ما جاء قالت له: أموت ؟ قال لها: نعم، وأنا سأموت، يمكن أن تحضري أنتِ جنازتي، هكذا قال لها الطبيب، لكن الله خلق الشفاء، وعالجها، ولحكمة أرادها الله عز وجل جعل شفاءها على يد هذا الطبيب، وعاشت، قال مجاهد: " ما من عبد إلا له ملك يحفظه في نومه ويقظته من الإنس والجن والهوان "، أحياناً الإنسان ينام في خيمة بمنطقة كلها أفاعٍ وعقارب، أنت مؤمن، نم وخذ احتياطك، و لكن لا حيلة لك، فإذا نام تحفظه الملائكة من أمر الله.
 عَنْ جُبَيْرِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي ))

  قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي الْخَسْفَ.

 

[ النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]

  يمشي على لغم، يقول لك: لم يعد موجوداً، طار، دعاء لطيف.
 من القوانين الثابتة أنه من حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره، وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله، وقد كان بعض العلماء قد تجاوز المئة، أحد شيوخ الأزهر الصالحين عاش مئة وثلاثين عاماً، وكان يتمتع بعقله وقوته وسمعه وبصره، هنا ورد أنه أحد العلماء جاوز المئة، وهو متمتع بقوته وعقله، فوثب يوماً وثبة شديدة، فعوتب في ذلك، معقول بالمئة هذه الوثبة، فقال هذا العالم: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً، عكس ذلك رأى بعض السلف شيخاً يسأل الناس، والإنسان وهو في شيخوخته في أمسّ الحاجة إلى دخل وفير ؛ أصبح إنتاجه قليلا، وحاجاته كثيرة، عكس الشاب، إنتاجه كثير، وحاجاته قليلة، فبعض السلف الصالح رأى شيخاً يسأل الناس يتكففهم، فقال: إن هذا ضعيف، ضيع الله في صغره، فضيعه في كبره، أروع شيء في الحياة شيخوخة مؤمن تجده متمتعًا بكرامة، بعزة، بمحاكمة جيدة، بعقل كبير، بمكانة اجتماعية، و في الثمانين، واللهِ التقيت مع أحد الإخوان العلماء قال لي: أنا عمري خمس وثمانون سنة، قلت له: كيف صحتك ؟ قال لي: على هذا العمر ممتازة، عندي متاعب، لكن في هذا السن ممتازة، يأتي من آخر المدينة إلى مركز عمله، أحياناً يأتي مشياً، وأحياناً يكون راكباً، وهو في الخامسة والثمانين،  لذلك العبارة الثابتة: حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
 عندنا بشارة أبعد من ذلك، عندما قال ربنا:

 

 

﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 82]

  معنى ذلك أن المؤمن يحفظ الله له أولاده، قال سعيد بن المسيب لابنه: "إني لأزيد في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك "، أي أنا أزيد من صلاتي من أجلك، لعل الله يحفظك بعد مماتي، ثم تلا هذه الآية:

 

﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 82]

  سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول: " ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه، وعقب عقبه "، بل إن أحد العلماء يقول: "إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله، فما يزالون في حفظ الله وفي ستره "، حتى إن بعض الحيوانات المؤذية قد يسخرها الله لحفظ الإنسان، وهناك قصص كثيرة جداً، بعضهم قال: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي.
 إن شاء الله في الدرس القادم نتابع هذا الموضوع، ولكن أبرز ما في هذا الحديث أوله، اجعل هذا الحديث أو هذه الفقرة من الحديث شعاراً لك

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 ملخص الدرس: بالحفظ حفظ أمر الله بتطبيقه، حفظ نهيه باجتنابه، حفظ حدوده بعدم تجاوزها، هذا الحفظ.
 الآن يحفظ الله لك صحتك وأولادك وزوجتك ومالك، بقي في الدرس القادم الحفظ الأرقى، وهو أن يحفظ لك دينك واستقامتك، أن يحفظك من الشهوات المردية، من الشبهات المضلة، هناك حفظ أرقى، فهذا الحديث من جوامع الكلم، ومن أصول الدين، وأرجو الله سبحانه و تعالى أن يوفقني في درس قادم إلى متابعة شرحه.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018