الدرس : 27 - سورة النساء - تفسير الآيات 49-54 ، أدب التزكية - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 27 - سورة النساء - تفسير الآيات 49-54 ، أدب التزكية


2002-08-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

خبر الله عز وجل أصدق من رؤية العين :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع والعشرين من دروس سورة النساء، ومع الآية التاسعة والأربعين، وهي قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً* انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ﴾

 أيها الأخوة، الحقيقة أن قول الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ ﴾

 يعني ألم تعلم، ولكن لمَ قال الله: [أَلَمْ تَرَ]، ولم يقل ألم تعلم؟ قال بعض علماء التفسير: إذا أخبرك الله بخبر ينبغي أن تأخذه وكأنك تراه رأي العين، بل إن خبر الله عز وجل أصدق من رؤية العين، من هذا المنطلق يقول الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل ﴾

[ سورة الفيل: 1-2]

 أي ينبغي أن تأخذ هذا الخبر من الله عز وجل، وكأنك تراه رأي العين، يستنبط من هذا أن القرآن الكريم له مصداقية لا تعدلها مصداقية في الأرض، كيف لا وهو كلام خالق الأكوان، كيف لا وهو كلام رب العالمين، كيف لا وهو كلام أحكم الحاكمين، كيف لا وهو كلام أعلم العالمين، هكذا ينبغي أن تكون مع القرآن الكريم، ينبغي أن تأخذ خبر الله عز وجل وكأنه شيء تراه بعينيك من هؤلاء الذين يزكون أنفسهم، نموذج، الحقيقة ليس متلبساً بأهل الكتاب فحسب بل هذا نموذج تجده في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل عصر وكل مصر.

 

المؤمن مع المنعم بينما الكافر مع النعمة :

 الإنسان إما أن يعبد الله، وإما أن يعبد ذاته، فإذا لم يكن عابداً لله، لا شك أنه يعبد ذاته أو يعبد جهةً في الأرض، فمن دأب النفس أن تمجد الذي تعبده، فإن كان الذي يعبد ذاته لا بد من أن يمجدها، لذلك اجلس في مجلس، وافحص قول من حضر المجلس، فمن دعا إلى الله إذاً هو يعبد الله، وباع ذاته في التعتيم، من هو؟ اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، المؤمن يرى أنه لا شيء، وأن الله هو كل شيء، وأن كل خصائص المؤمن من فضل الله عز وجل، ونعمة الله عز وجل.

﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة النحل: 53 ]

 النعمة أنك تتحرك من الله، نقطة دم لا تزيد عن إبرة لو تجمدت في أحد شرايين المخ لأصبح الإنسان مشلولاً، فالحركة نعمة من الله، لأنك متوازن وتنطق بالكلام المناسب في الوقت المناسب، فأنت تتمتع بعقل، ولمئة ألف سبب قد يفقد الإنسان عقله، فيصبح سخرية بين الناس، إذاً نعمة العقل، نعمة الحركة، نعمة البصر، نعمة السمع، نعمة الإدراك، نعمة عمل الأجهزة بالغة الدقة،

﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾

  يكاد يكون هذا الفرق حاسماً بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن مع المنعم بينما الكافر مع النعمة، قد يستخدم النعم استخداماً مخيفاً، يستمتع بالدنيا أشد أنواع الاستمتاع، لكنه كافر بالله، بينما المؤمن يذوب محبةً بالله على أن أوجده، يشكر الله على نعمة الإيجاد، وعلى نعمة الإمداد، وعلى نعمة الهدى والرشاد، فقد كان عليه الصلاة والسلام، وهذا من شمائله أنه تعظم عنده النعمة مهما دقت، الإنسان حينما يفرغ مثانته هذه نعمة لا تعدلها نعمة، كان عليه الصلاة والسلام يقول:

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي ))

[ سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 كان عليه الصلاة والسلام يقول:

(( الحمد لله ـ إذا أكل طعاماً ـ الذي أذاقني لذته، و أبقى فيّ قوته، و أذهب عني أذاه ))

[الجامع الصغير عن ابن عمر]

هذا الذي يزكي نفسه مذموم عند الله :

 من أشد خصائص المؤمن أنه مع المنعم، ومن أشد صفات المعرض أنه مع النعمة، فأنت حينما تعبد الله تثني على الله، وتمجد الله، وتسبح الله، وتحمد الله، وحينما تعبد نفسك من دون الله تثني على نفسك، وتمدح نفسك، فحينما تتكلم عن نفسك، وعن باعك الطويل في كسب الأموال، وعن باعك الطويل في إيقاع المكر والخديعة بين الناس، فهذا الذي يزكي نفسه في نص هذه الآية مذموم عند الله، لا تزكي نفسك، لأنك إن زكيت نفسك، فالذين من حولك يصدقونك، لكن الله:

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

[ سورة طه: 7]

 يعلم ما أنت عليه، ويعلم ما خفي عنك، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون:

﴿ أَلَمْ تَرَ﴾

 يخاطب الله عز وجل نبيه الكريم:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾

 بربك هل وجدت في الأرض إنساناً شارداً عن الله إلا ويزكي نفسه، بحق أو بباطل، بكلام مقبول أو غير مقبول، يزكي نفسه، يمدح ذكاءه، يمدح عقله، وعامة الناس يمدحون أولادهم مديحاً غير معقول، والنساء يمدحن بناتهن مديحاً غير معقول، نوع من نمو الذات، نوع من الكبر، نوع من الغطرسة، نوع من الاستعلاء، نوع من التعالي.

 

من صفات المؤمن الدقيقة أنه متواضع لله عز وجل :

 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾

 ما رأيت إنساناً موصولاً بالله إلا وكان متواضعاً، ما رأيت إنساناً يعرف الله عز وجل إلا وهو متواضع، يقدم كل شيء ولا يدعي أنه يقدم شيئاً، يقول: هذا من فضل الله علي، لذلك من علامة المؤمن أنه لا يذكر نفسه بشيء إلا ويقول: من فضل الله علي، لولا أن الله منَّ علي لكنت من الهالكين.

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾

[ سورة النور: 21 ]

 لذلك الله عز وجل يخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام يقول له:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾

 معنى يزكون أي ينفون عن أنفسهم النقائص أولاً، ثم يدعون الكماليات ثانياً، هو لا يخطئ، وهو إنسان عظيم، بينما يقول الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾

 من باب التوبيخ، من باب الانتقاص، من باب الذم، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

 حينما يتواضع الإنسان يزداد رفعة عند الله، وعند الناس، وحينما يتكبر يفقد مكانته عند الله، انظر إلى الأكحال وهي حجارة لانت فصار مقرها في الأعين، أنت حينما تتواضع لا يعني ذلك أنك وضيع أبداً، قد تكون عند الله عظيماً، لكن من صفات المؤمن الدقيقة أنه متواضع لله عز وجل.

 

الإنسان حينما ينجح في الحياة أمامه مزلق خطير هو مزلق الغرور والكبر :

 ما من قائدٍ فتح بلداً إلا ودخلها متغطرساً متكبراً مستعلياً، إلا النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل مكة فاتحاً دخلها مطأطأ الرأس، كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل، لذلك حينما ينجح الإنسان في الحياة أمامه مزلق خطير هو مزلق الغرور، ومزلق الكبر، ومن أروع ما في القرآن الكريم في هذا الموضوع قوله تعالى:

﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾

[ سورة الإسراء: 80 ]

 قد يقول قائل: لمَ لم يقل الله عز وجل ربي اجعلني صادقاً، لمَ هذا التفصيل؟ لأنه قد تدخل في مجالات كثيرة مدخل صدق ولا تخرج من هذه المجالات مخرج صدق، قد تغريك الدنيا، قد تأخذك الدنيا، قد يأخذك العجب، كان بعض العلماء الأجلاء إذا دخل على أخوانه يقول: اللهم لا تحجبني بهم، ولا تحجبهم عنك بي، أن نبقى موحدين، أن نبقى عابدين لله عز وجل، ألا تحجب عن الله بإنسان، وألا يحجب الإنسان عن ربه بمجموع:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾

 معنى يزكون؛ أي يبرؤون أنسفهم من العيوب، وقد قيل: رقصت الفضيلة تيهاً بفضلها فانكشفت عورتها. لمجرد أن تتيه بفضلك فهذه نقيصة، المؤمن الصادق يفعل الخير مع كل الناس وينساه كلياً، أما إذا فعل معه أحد الخير لا ينساه مدى الحياة، إذا فعل معك الخير ينبغي ألا تنساه، أما إذا فعلت الخير ينبغي إذا كنت مؤمناً صادقاً أن تنساه، أن ترى أن الله سمح لك، وسخرك، وأمدك، وألهمك، لذلك قالوا: إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، وكلما أتيت الله من باب التواضع، ومن باب الانكسار، ومن باب التذلل، كنت من أفضل الناس عند الله لأن العبد عبد ولأن الرب رب.

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))

[أبو داود وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة]

الكبر يفسد العمل كما يفسد الخل العسل :

 قد يأتيك الضيوف، وليس عندك شيء، عندك كمية من اللبن لا تكفي واحد منهم، قد تضيف لهذا اللبن خمسة أضعاف حجمه ماء، وتجعله شراباً سائغاً، ويبيض وجهك، أما إذا أضفت إلى هذا اللبن قطرة من البترول لا يمكن أن يستخدم إطلاقاً. فالكبر يفسد العمل كما يفسد الخل العسل:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾

 لمجرد أن تسلط الأضواء على ذاتك، لمجرد أن تجعل الحديث محوره مديح ذاتك، لمجرد أن تعيش مقدساً لذاتك، وأنت تنسى الذي منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، فأنت في بعد عن الله عز وجل.
 لا أعتقد أن في الأرض إنساناً هو أشد تواضعاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل عليه أحد الناس وقد أخذته رعدة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام من شمائله أنه شديد الهيبة، فمن رآه بديهة هابه، ومن عامله أحبه، فأخذته رعدة، قال: هوّن عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة، هو سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، أقسم الله بعمره الثمين، وفي معركة بدر الرواحل ثلاثمئة، والجنود يقتربون من الألف، فقال عليه الصلاة والسلام: كل ثلاث على راحلة وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، فركب النبي الراحلة في نوبته، فلما جاء دوره في المشي توسل صاحباه إليه أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾

المؤمن متواضع لله عز وجل يمرغ جبهته في أعتاب الله ولكنه عزيز النفس :

 سيدنا عمر أيها الأخوة أحد العشرة المبشرين بالجنة، في حياة المسلمين من بعثة النبي إلى يوم الدين هناك عشرة رجال هم في الجنة يقيناً، لأن النبي بشرهم، والنبي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ومع ذلك من شدة تواضع عمر، ومن شدة خوفه من الله، ومن شدة هيبته لله سأل حذيفة بن اليمان، وكان أمين سر رسول الله، قال: بربك اسمي مع المنافقين؟ قال: معاذ الله يا أمير المؤمنين، هذا هو الإيمان، الإيمان تواضع، الإيمان تذلل لله، أي هذا المستكبر، هذا المستعلي، هذا المتغطرس، لو رأيته أمام من هو أعلى منه رأيته كالطفل يتذلل أمامه، لكن المؤمن متواضع لله عز وجل، يمرغ جبهته في أعتاب الله، ولكنه عزيز النفس، يقول: لا، حيث لا يستطيع أن يقولها أحد.
 دخل أبو حنيفة النعمان على أبي جعفر المنصور، وكان عند أبي جعفر أحد القضاة الذين هم من أعداء أبي حنيفة، أراد هذا القاضي أن ينتقم من أبي حنيفة، فقال: يا إمام إذا أمرني الخليفة ـ وعلى مسمع من الخليفة ـ بقتل امرئ أأقتله أم أتريث ـ ماذا يقول له؟ قال له: الخليفة على الحق أم على الباطل؟ قال له: على الحق، قال له: كن مع الحق، فلما خرج قال: أراد أن يقيدني فربطته.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ* وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى: 39 ـ 40]

 أيها الأخوة، الله عز وجل يذم أولئك الذين يمدحون أنفسهم، والأولى ألا تزكي نفسك، وألا تزكي على الله أحداً، لأن الجهة الوحيدة التي تعرف كل شيء تعرف الظاهر، وتعرف الباطن، وتعرف السر، وتعرف ما خفي عن صاحبها، هي الله جل جلاله، لا تخفى عليه خافية، كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ من خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، قد تكون في موقف لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يحاسبك، لكن الله معك ويحاسبك، فالذي يخشى الله فيما بينه وبين الله هذا من قوة إيمانه، ومن شدة توحيده لله عز وجل.

 

على الإنسان أن يبتعد عن مدح ذاته لأن الله متكفل أن يجعله في حجمه الحقيقي :

 إذاً يزكون؛ ينفون عن أنفسهم المعايب، ويلبسونها الفضائل، وكله كلام بكلام، ألا تعلمون أن شعر الفخر في الجاهلية كلام بكلام، ألم يقل المتنبي:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي  وأسمعت كـلاماتي من به صمـم
أنام ملء جفوني عن شواردها  ويســهر الخلق جراها و يختصم
الخيل والليل والبيداء تعرفني  والسيف والرمح والقرطاس والقلم
* * *
وجاهل مده في جهله ضحكـي  حتى أتته يـــد فـراسة و صم
* * *
إذا رأيت نيـوب الليث بـارزة  فلا تظنــن أن الليث يبتــسم
* * *

 كلام بكلام، كان في طريقه من البصرة إلى حلب مع غلامه فجاءه بعض الأعداء فولى هارباً، قال له غلامه ألم تقل:

الخيل والليل والبيداء تعرفني  والسيف والرمح والقرطاس والقلم
* * *

 قال له: قتلتني قتلك الله، فعاد وقاتل حتى قتل.
 أي تجد الإنسان يتبجح ويفتخر ويتحدث، أما في المحك العملي، أما عند الضرورة تجده جباناً متخلفاً بخيلاً، فهذا الذي يمدح نفسه لو أن الله يمدحه لانكشف، على كلٍ اعلموا علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى لا بد من أن يحجم خلقه، لا بد من أن يمتحنهم، تكلم ما شئت، أثني على نفسك بما شئت، أعطي نفسك الحجم الذي تشاء، اجعل نفسك محور العالم تكلم، تحدث، امدح علمك، وفهمك، وحكمتك، وغناك، ومالك، وقدرتك لكن الله عز وجل متكفل أن يجعلك في حجمك الحقيقي وهذا هو الابتلاء، لذلك الأفضل أن تبتعد عن مدح ذاتك كلياً.

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

[ سورة النجم: 32 ]

حينما تتواضع تزداد رفعةً :

 نهي إلهي بآية ثانية:

﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾

[ سورة النجم: 32 ]

 أحد الأصحاب مدح سيدنا الصديق رضي الله عنه، فتوجه إلى الله، وقال: يا رب أنت أعلم بي من نفسي، أنا لا أعلم، ولكنك تعلم، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون ـ كان طموحاً ـ واغفر لي ما يعلمون، ولا تأخذني بما يقولون، هذا أكمل موقف لمن أثنى عليك.
 عالم جليل سافر إلى بلد غربي للمعالجة، انهالت الرسائل والاتصالات بشكل غير طبيعي، أجريت معه مقابلة بالإذاعة، فسألوه عن هذه المكانة التي حباه الله بها، تواضع لله عز وجل، فلما ألحوا عليه قال: لأنني محسوب على الله، هناك من هم محسوبون في الأرض على جهة، أو على فئة، أو على طائفة، أو على حزب، قال: لأنني محسوب على الله.
 حينما تتواضع تزداد رفعةً، النبي عليه الصلاة والسلام توفي ابنه إبراهيم، ولحكمة أرادها الله انكسفت الشمس في يوم وفاته، فالصحابة الكرام ببراءة عجيبة ربطوا بين كسوف الشمس وبين موت إبراهيم، وظنوا أن هذا لكرامة النبي عند الله، أي معجزة، موت إبراهيم رافقه كسوف الشمس، فلما علم ذلك، وكان بإمكانه أن يسكت، جمع أصحابه وقال: إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت أحد من خلقه، أنقذ التوحيد، إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت أحد من خلقه:

﴿ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي﴾

 أنت حينما تزكي نفسك، أنت نفسك لا تعلم ماذا تفعل لو كنت في ظرف آخر، إن الله وحده يعلم، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أنت الآن مستقيم جيد، قل: أرجو الله أن يثبتني، لو وضعت في مكان آخر، لو وضعت في مركز قوي، أو وضعت في ثروة طائلة هل تبقى هكذا؟ الله يعلم، أنت لا تعلم، لذلك ليس في الإمكان أبدع مما كان، الله وحده يعلم للذي لم يكن لو كان كيف يكون، كيف أنت تكون مع الذي لم يكن أن يكون:

﴿ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾

 الله عز وجل وحده يعلم، يعلم ما يبدو للناس، ويعلم ما يستتر عن الناس، ويعلم ما ظهر، ويعلم ما يخفى عنك، كيف هو.

 

الذي يرفعه الله لا يستطيع أحد أن يخفضه :

 الصحابة الكرام بأمر الله عز وجل منعوا من العمرة في مكة، ووقعوا صلح الحديبية، واشتد الألم اشتداداً كبيراً عند أصحاب رسول الله، لأنهم كانوا يحلمون أن يطوفوا حول الكعبة، فمنعوا، وعقد الصلح سمح لهم في العام القادم بالعمرة، قال الله عز وجل:

﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾

[ سورة الفتح: 25 ]

 أي في مكة أناس آمنوا بالله وأسلموا ولكن سراً، فلو دخلوا مكة عنوة لقاتلوهم.

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النور: 19 ]

﴿ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾

 إن الله عز وجل إذا زكى إنسان أظهر فضله للناس، فالذي يرفعه الله لا يستطيع أحد أن يخفضه، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح: 1-4 ]

 إذا زكى الله إنساناً فإنها تزكية صاعدة إلى ما شاء الله، أما إذا زكى الإنسان نفسه قد يفتضح.

 

إذا أراد الله إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك :

 جرت مناظرة بين عالم إسلامي، وعالم آخر من دين آخر، الحديث كان طويلاً، فقال الطرف الآخر: لأنني متخلق بفضائل الأخلاق فكلامي حق، فكان الذي حصل بعد حين أنه ضبط في فضيحة جنسية شاذة، هذا الذي زكى نفسه، وأنت حينما تزكي نفسك دون أن تشعر قد تجر إلى موقف تفتضح فيه، حين تزكي نفسك تزكية باطلة منهياً عنها قد تستدرج إلى موقف تفتضح فيه، فلذلك كن متواضعاً، وكن موحداً، ولا تر لك فضلاً، وإذا أراد الله إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك.
 النبي عليه الصلاة والسلام حينما بلغه أن بعض الأنصار وجدوا عليه في أنفسهم، قال: يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم من أجل لعاعة تألفت بها قوماً ليسلموا، وكلتكم إلى إسلامكم، يا معشر الأنصار، لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدقتم به، أتيتنا مكذباً فصدقناك، طريداً فآويناك، عائلاً فأغنيناك، يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً ـ ما قال فهديتكم ـ فهداكم الله بي، ألم تكونوا عالةً فأغناكم الله، ألم تكونوا أعداء فألف بين قلوبكم، إلى آخر القصة. إذاً:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

 من بيئة العرب في الجاهلية النخيل، والتمر من ثمر النخيل، والتمرة لها نواة، والنواة فيها فتيل، وفيها نقير، وفيها قطمير، فالنقير نتوء مأنف في أحد زوايا النواة، نتوء مدبب مأنف كالإبرة تماماً تحسه بلسانك، هذا هو النقير، وبين فلقتيها فتيل، ولها غشاء رقيق هو القطمير، فهذه الأشياء الثلاثة ليس لها قيمة إطلاقاً ليس الحديث عن النواة، عن نتوء في النواة، وعن خيط بين فلقتي النواة، وعن قشرة رقيقة في النواة، هذه الأشياء الثلاثة لا يمكن أن تظلموا بمستواها.

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾

[ سورة النساء: 124 ]

 لذلك الله عز وجل حينما يزكي من يشاء لا يظلم عبده إطلاقاً، يعطيه حقه، أما إذا تواضعت لله يرفع الله لك ذكرك، يعلي قدرك، يرفع شأنك.

 

ما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة :

 قال:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

[ سورة طه: 39 ]

 من أدق تفسيرات هذه الآية أن الله إذا أحب عبده ألقى محبته في قلوب العباد، وإذا أبغض عبداً له ألقى بغضه في قلوب العباد، فالعبد المنحرف عن منهج الله مهما حسن صورته، ومهما لمع شكله، ومهما تجمل أمام الناس يبغضه الناس، والمؤمن الذي اتصل بالله، وأخلص له، وخطب وده، مهما قصر في تحسين صورته فالناس يحبونه، وما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة:

﴿ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي ﴾

 دع التزكية لله، أنت حدث عن الله، أنت أثن على الله، أنت مجِّد الله، سبح الله، كبِّر الله، وحِّد الله، عرِّف الناس بالله، اذكر الله للناس، وعتم على نفسك، ضع نفسك في التعتيم، من أنت؟ أنت حسنة، أنت من فضل الله، أنت من حسنة الله، أنت من توفيق الله، كنت لا شيء فأصبحت به خير شيء في الورى قد صنعك كيفما شاء فكن في يده لك إن فرق أو جمعك.

كن مع الله تر الله معك  واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمـنعه  ثم من يعطي إذا ما منـعك
* * *

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

عتِّم على نفسك ولا تبرز فضائلك وتحدث عن الله ودع أمر تزكيتك لله يعطيك حقك :

 حينما تسكت ولا تزكي نفسك الله عز وجل هو الذي يرفع قدرك، ويعلي شأنك، ويلقي محبتك في قلوب الخلق، لا تخف لن تُظلم، أما إذا زكاك الله عز وجل لا تستطيع جهة في الأرض أن تخدش مكانتك، وأما إذا أهان الله عبداً لو فعل المستحيل فهو في الوحل، هو في مزبلة التاريخ، وقد ترون أناساً كانوا أقوياء وأذكياء، لكنهم كانوا أعداء لله عز وجل هم الآن في مزبلة التاريخ، هؤلاء الذي عارضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا سادة قريش، كانوا زعماء قريش، كانوا أبطالاً صناديد، أغنياء، هم في مزبلة التاريخ، وأما الذين نصروه وهم ضعاف فخلَّد الله ذكرهم.
 ماذا يقول الصحابة عن بلال الحبشي؟ كانوا يقولون عن الصديق: هو سيدنا، وأعتق سيدنا، يعني بلال، من هذا العبد الحبشي الذي يخرج سيد قريش أمير المؤمنين عمر لاستقباله في ظاهر المدينة، من هذا؟!

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح: 1-4 ]

 إذا رفع الله عز وجل لك ذكرك فلا تستطيع الأرض بأكملها أن تحط من هذا القدر، لذلك أنت عتِّم على نفسك ولا تبرز فضائلك، وتحدث عن الله، ومجِّد الله، وسبِّح الله، وكبِّر الله، ووحِّد الله، ودع أمر تزكيتك لله، يعطيك حقك:

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

الكذب والافتراء والفرق بينهما :

 أيها الأخوة، الآيات الكريمة لها سياق، ولها سباق، ولها لحاق، فلو نزعت الآية وحدها لكانت حكمة رائعة خالدة فوق المكان والزمان، ولو أرجعتها إلى سياقها لكان لها معنى آخر، فالله سبحانه وتعالى يتحدث عن أهل الكتاب.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ﴾

[ سورة النساء: 47 ]

 بهذا السياق يقول:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ﴾

 أي بسياق الآيات هؤلاء الذين يزكون أنفسهم هم أهل الكتاب، يكابرون، يرفضون الحق، يرفضون بعثة النبي، يرفضون وحي السماء، يزكون أنفسهم ويبخسون بهذه الدعوة الإلهية الإسلامية. لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾

 الإنسان يكذب وربما لا يشعر، فإذا كذب وهو لا يشعر فهو يكذب، أما إذا كذب متعمداً فهو يفتري، الافتراء؛ الكذب المتعمد، لذلك قد يفتي الإنسان بلا علم، يحاسب عند الله حساباً عسيراً، لكن المجرم هو الذي يفتي بخلاف ما يعلم، أي يفتري الكذب:

﴿ انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ﴾

أشد أنواع الكذب أن تكذب على الله :

 قد تكذب على إنسان، والإنسان الذي تكذب عليه لا يملك أن يرد عليك، أو ليست عنده وسائل أن يكشف كذبك، لكن أشد أنواع الكذب أن تكذب على الله الذي:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[ سورة غافر: 19]

 الذي يعلم حقيقة كل شيء، الذي لا تخفى عليه خافية، هذا إن كذبت عليه فهذه جريمة ما بعدها جريمة، هم يعلمون أنه رسول الله، بل إنهم:

﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 146 ]

 بل إن كتابهم ليذكر صفات النبي بدقة بالغة، لكنهم يفترون ويكذبون متعمدين، ليس هذا النبي الذي ورد اسمه في التوراة، قال تعالى:

﴿ انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾

 لأنه افتراء على الله:

﴿ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ﴾

 أي إثماً كبيراً جداً، واضحاً، لأن الذي تفتري عليه الكذب هو الله. أحياناً يكون الإنسان في مكان وحده، فإذا ذهب إلى مكان آخر يتكلم كلاماً على مزاجه، يكذب، أما إذا كنت في مكان، ويراقبك إنسان، وأنت وقفت موقفاً مخزياً، وكنت في جلسة بعد حين، وتبجحت أمام هذا الذي كان واقفاً أمامك أنني فعلت كذا وكذا، وأنت لم تفعل، فهذا منتهى الوقاحة، منتهى الوقاحة أن تتبجح بشيء لم تفعله أمام إنسان كان معك، ويرى كل حركاتك وسكناتك، فكيف إذا كذبت على الله؟!!

 

الجبت والطاغوت اسمان لصنمين في مكة أو رمزان لمن يدعو لغير الله :

 قال:

﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

[ سورة طه: 7 ]

﴿انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ﴾

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ ﴾

 هؤلاء أهل الكتاب أي على علم بأن لهذا الكون إلهاً، وأن لهذا الكون نبياً ورسولاً، وكتاباً، ومنهجاً، عندهم نصيب من الكتاب:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ ﴾

 يذهبون إلى مكة، ويتفقون مع مشركي مكة على محاربة النبي، ويذمون النبي، فتوجسوا منهم خيفةً، لعله اتفاق بينهم لا نعلمه، فلا بد أن تسجدوا لأصنامنا، للجبت والطاغوت، فإن سجدتم لأصنامنا كنتم صادقين في نقض عهدكم مع النبي، فجاء أهل الكتاب إلى مكة المكرمة، وسجدوا لأصنام قريش، للجبت والطاغوت، وقال بعض العلماء: كل من يدعو إلى غير الله هو جبت، والطاغوت ليس طاغية بل شديد الطغيان، وكل من يطغى في أحكامه وفي تصرفاته فهو طاغوت، إما أن يكون الجبت والطاغوت اسمين لصنمين في مكة، وإما أن يكون الجبت والطاغوت رمزين لمن يدعو لغير الله، ولمن يظلم ظلماً لا حدود له.

 

القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ بل إنه يقدم نماذج حية في كل زمان :

 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ﴾

 ألا تجدوا في حياة المسلمين من يثني على كافر ويذم مؤمناً، ألا تجد في حياة المسلمين من يثني على بلد كافر ترتكب فيه الفواحش على قارعة الطريق، يثني على النظام، وعلى التقدم، وعلى الرقي، وعلى الحرية، وينسى أن هؤلاء قال الله عنهم:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[ سورة آل عمران: 196-197]

 ينسى أن الله عز وجل قال عنهم:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 44 ]

 ينسى ما قال الله عنهم:

﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42 ]

 هذا الذي يثني على أهل الكفر، ويمدح أنظمتهم، ويمدح حياتهم، ويمدح قيمهم، ويمدح إباحيتهم، ويمدح حريتهم، ويمدح استغلالهم للدنيا، ويمدح بعدهم عن الدين، هذا الذي يمدحهم ويذم أمته، ويذم قومه، ويذم المؤمنين، ألا تنطبق عليه صفات هؤلاء تماماً، هذا كتاب هداية ليس كتاب تاريخ، لا يمكن أن يكون القرآن كتاب تاريخ، إنه يقدم نماذج حية في كل زمان.

 

إذا مُدِح الفاسق غضب الله عز وجل :

 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ﴾

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ﴾

 طردهم وأبعدهم.

 

﴿وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾

 قد يلعنك إنسان لا سمح الله ولا قدر، الإنسان مثلك ضعيف، قد يوقع بك الأذى، وربما لا يستطيع، أما إذا لعن الله إنساناً فهل ثمة أمل بالنجاة؟ كم النجاة؟ واحد بالمئة؟ مستحيل:

 

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾

 أي إذا مدح الفاسق غضب الله عز وجل، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، هذا مطب كبير، مزلق كبير.

 

حينما ظهر من العرب نبياً حسده أهل الكتاب واليهود وكذبوه افتراءً وبغياًً :

 أن تذهب إلى بلاد الغرب وتعود وتقول: يا أخي غير حياة، نظام، قيم، حريات، ديمقراطية، حقوق إنسان، سلام عالمي، كل إنسان غارق في عمله، عمل، إنتاج، حسناً ماذا عن كفرهم؟ وإباحيتهم؟ وزناهم؟ وفسقهم؟ وفجورهم؟ وضياعهم؟ وشقائهم؟ لا يرى إلا الأشياء الإيجابية، ويتعامى عن السلبيات، كل إنسان يذهب إلى بلاد الغرب ولا يرى إلا أنهم نخبة من بني البشر ويزكيهم، ويقبح قومه وأمته، تنطبق عليه هذه الآية:

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾

 هم فوق ذلك بخلاء ماديون:

﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ﴾

 لو أن لهم نصيباً من الملك:

﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

 الحقيقة هذا حسد، حسدوا النبي، هم يعلمون أنه لا بد من أن يظهر نبي، حينما ظهر من العرب حسدوه، وكذبوه افتراءً، وبغياً، وحسداً.

﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً*فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾

 الحديث عن أهل الكتاب الذين عايشوا النبي عليه الصلاة والسلام، الحديث عن اليهود.

 

من خصائص المؤمن أنه يثني على الله عز وجل ولا يزكي نفسه :

 ذكرت في خطبة سابقة كختام لهذا الدرس أن الحصين بن سلام من أحد أكبر أحبار اليهود، علم أنه بعث رجل في مكة، وهو نبي هذه الأمة، عاد إلى التوراة فرأى صفاته منطبقة عليه، فكان ينتظره في المدينة، كان على رأس نخلة، فسمع من ينادي، ويقول: جاء محمد إلى المدينة، فصاح بأعلى صوته وهو على رأس النخلة: الله أكبر، قالت له عمته خالدة: والله لو أن موسى بن عمران أتى لما قلت أفضل من ذلك، قال: يا عمتاه إنه نبي، إنه أخو موسى بن عمران، إنه أتى بما أتى به موسى، فنزل، ودخل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأعلن الشهادة وأسلم، فقال له النبي: من أنت؟ قال: أنا الحصين بن سلام، قال: بل عبد الله بن سلام، قال: إذاً والله ما أحب أن يكون لي بهذا الاسم اسماً آخر، أنا عبد الله بن سلام، بعد حين قال له: يا رسول الله اجمع قومي، وادعهم إلى الإسلام، واجعلني في إحدى حجرات البيت، فجمع النبي قومه، ودعاهم إلى الإسلام، فرفضوا، فقال: ما تقولون في الحصين بن سلام؟ قالوا: هو سيدنا، وابن سيدنا، وحبرنا، وابن حبرنا، وعالمنا، وابن عالمنا، قال: أفرأيتم إذا أسلم، قالوا: معاذ الله أن يسلم، ما كان له أن يسلم، فخرج عبد الله بن سلام إليهم، وقال: لقد أسلمت، وهذا رسول الله، وصفته جاءت في التوراة والإنجيل، فقالوا: هذا جاهلنا وابن جاهلنا، وشرنا وابن شرنا، فقال لسيدنا رسول الله: يا رسول الله ألم أقل لك إن قومي أهل غدر وبهتان.
 قلت هذا في خطبة إذاعية، وتوجهت إلى أخوتنا في الأراضي المحتلة وقلت لهم: هؤلاء اليهود قبل ألف وأربعمئة عام هذا شأنهم من قديم الزمان إلى الآن قوم غدر وبهتان، فالحديث في الأصل عن أهل الكتاب، إلا أن هذه الآية التي شرحتها، وهي قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾

 هذه إذا نُزِعت من سياقها قانون ومنهج، ومن خصائص المؤمن أنه يثني على الله عز وجل ولا يزكي نفسه.

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾

[ سورة النجم: 32 ]

 سيدنا الصديق لما استخلف عمر بن الخطاب، ماذا قال؟ قالوا له: وليت علينا أشدنا، فقال الصديق رضي الله عنه: أتخوفنني بالله، لو أن الله سألني يوم القيامة لمَ وليت عليهم عمراً؟ أقول: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدل وغيّر فلا علم لي بالغيب، أرأيتم إلى هذا الأدب، وأنت إذا سئلت عن إنسان فقل: هذا علمي به، فإن بدل وغيَّر فلا علم لي بالغيب، إن طلب منك أن تزكي إنساناً فقل: أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، والله أعلم.
 هذا الدرس في أدب التزكية، لا تزكي نفسك الله يزكيك، وإذا زكاك الله لا تستطيع جهة في الأرض أن تخدش سمعتك.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018