الإيمان هو الخلق - الندوة : 04 - أخلاق المسلم سامية لا تتأثر بالطوارئ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠31برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - الندوة : 04 - أخلاق المسلم سامية لا تتأثر بالطوارئ


2005-10-24

تقديم وترحيب :

أيها السادة المشاهدون ، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق .
كنا قد توقفنا مع أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين .

ملخص لثلاث حلقات سابقة :

ومن خلال هذه الآطرة : " الإيمان هو الخلق " ، توقفنا في الحلقة الماضية عند خطبة سينا جعفر بن أبي طالب ، وأود أن ألخص بكلمتين ما دار في ثلاث حلقات ، تحدثنا أستاذنا عن تعريف هام للأخلاق ، الانضباط والعطاء ، والعبادة يجب أن تؤتي أوكلها وثمارها وأهدافها ، وإلا ذهب الله بها هباء منثورا ، كما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام .
إن الأخلاق تهدي إلى البر ، وتهدي إلى الإحسان ، وتهدي إلى كل تعامل طيب وتهدي إلى كل ما يربط أبناء المجتمع ، وما يقرب أبناء المجتمع من بعضهم بعضا ، وما يجعل من المجتمع نسيجاً واحداً ، لكي يكون في لوحة جميلة متسقة ، هذه اللوحة اعتراها ظلمٌ وحيف ، أثّر على اللوحة بكاملها ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ))

[ متفق عليه ]

(( إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))

[ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح مسلم عن النعمان بن بشير ]

أعود إلى أن الله عز وجل كرم النبي بوسام تفرد به :

 

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ

( سورة القلم )

نعود إلى ما فسرت :

 

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ

( سورة آل عمران الآية : 159 )

ونعود إلى قول السيدة خديجة في بداية الوحي ، عندما وصفت أخلاقه بالفطرة ، عرفت أن الله لن يخزيه طالما أنه على هذا الملتقى الخلقي العالي .
نتوقف عندما أمر صحابته بالهجرة إلى الحبشة ، بعد أن اشتد الظلم عليهم في مكة ، قال لهم : اذهبوا إلى النجاشي ، فهذا الرجل لا يظلم عنده أحد ، وسوف يبسط الأمانة عليكم ، ثم جاء قريشًا الخبرُ ، وعلِموا ، فأرسلوا وفداً لتعكير الصفو ، وإفساد هذه الهجرة ، ولكي يسلمهم جعفراً ومن مع جعفر من الذين هاجروا إلى الحبشة ، وقف جعفر بعد أن تملك يبدو لي في ذلك الوقت عمر بن العاص الذي خطب أمام النجاشي تملّك قلبه ، فوقف سيدنا جعفر ليقول ، وليشهد للنبي ، نعود إلى هذه المحطة الهامة ، والتي كما قلت في الحلقة القادمة : لخص فيها جعفر الدين .
الدكتور :

قواعد مهمة : إذا أردت معرفة الإسلام فارجع إلى ينابيعه الصافية :

1 – إذا أردتَ معرفة حقيقة الإسلام فارجع إلى ينابيعه الصافية :

العودة لنبع الدين الصافي يعرفنا بالدين
ولكن أنا أريد أن أوضح للإخوة المشاهدين أنك إذا أردت أن تعرف حقيقة هذا الدين ، يجب أن تعود إلى ينابيعه الصافية ، انظر إلى نهر بردى مثلاً في ينبوعه ، إنه ماء عذبٍ صافٍ زلال ، لو ذهبت قريبًا من مصبه لرأيت ماءً أسود اللون .
فنحن إذا أردنا أن نعرف حقيقة الدين ينبغي أن نعود إلى ينبوعه الصافي ، إلى الكتاب والسنة ، وإلى السيرة .

2 – معنى التجديد في الدين : نزعُ ما علق به مما ليس منه :

هناك نقطة مهمة جداً ، من أدق التعريفات التجديد في الدين أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه ، هذا هو التجديد ، ذلك لأن الدين توقيفي ، الدين دين الله عز وجل كمال الله المطلق .

 

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً

( سورة المائدة الآية : 3 )

والصفوة دائماً من المفكرين يفرقون بين الإسلام والمسلمين ، وبين الدين والمتدينين ، وبين أصل الفكرة وسوء تطبيقها .

أركان الأخلاق :

نريد أن نعود الآن إلى ينابيع الدين الصافية ، فهذا صحابي كبير ، وهو يقف موقف الحديث عن حقيقة هذا الدين أمام ملِك ، فقال :

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ))

[ أحمد عن أم سلمة ]

أستاذ علاء ، هذه أركان الأخلاق ، يعني هذا الإنسان المؤمن الأخلاقي إن حدثك فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف ، وإن حدثك فهو صادق ، إن عاملك فهو أمين ، إن استثيرت شهوته فهو عفيف ، الآن تتوج هذه كلها بنسب عظيم ،

(( نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ ))

من يعبد حجرا أو شمسا أو قمرا فقد ضل
خالق السماوات والأرض ، لا إلى إله من تمر لما جاعت من تعبده أكلت ربها ، لا إلى إله يبول الثعلبان على رأسه ، فقد ضل من بالت عليه الثعاليب .
فهذا الذي يعبد خشباً ، أو حجراً ، أو شمساً ، أو قمراً ، ونسي خالق السماوات والأرض هو في ضلال مبين .
إذاً :

(( فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ ))

الكون كله ينطق بوجود الله وكماله ، ووحدانيته ،

(( وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ))

الآن المنهج :

(( وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ))

هذه قيم أخلاقية ، منهج أخلاقي ، منهج انضباط منهج عطاء ، منهج إحسان ، لذلك نشير إلى حديث رسول الله الصحيح :

(( بني الإسلام على خمس ))

[ متفق عليه عن ابن عمر ]

هناك أعمدة ، وهناك إسلام ، فكأن الإسلام منظومة هذه القيم الأخلاقية ، لكنها يجب أن تبني على إقامة صحيحة ، على حوامل ، أنا أحياناً أكون أخلاقياً لهدف أرضي دنيوي محض آني طارئ ، فإذا استثيرت مكانتي ، أو ضُربت مصلحتي انقلب الإنسان إلى وحش كاسر ، هذه الأخلاق لا تعنينا في هذا البرنامج ، نريد الأخلاق التي نتجت عن اتصال بالله ،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

(( إن محاسن الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبدا منحه خلقا حسنا ))

[ أخرجه الحكيم عن العلاء بن كثير ]

أخلاق المسلم لا تتأثر بالطوارئ :

الأخلاق العبادية الناتجة عن إحكام اتصال بالله هذه أصيلة ، وثابتة ، ولا تتبدل ولا تتغير ، ولا تتأثر بالظروف الطارئة ، والمستجدات ، والشبهات ، والشهوات ، هذه فوق كل ذلك ، هذه الأخلاق التي ندعو إليها في هذا البرنامج إن شاء الله ، لا أخلاق الأذكياء أخلاق المصالح ، أخلاق المساومات ، أخلاق ركوب الأمواج ، أخلاق استرضاء الناس ، هذه كلها أخلاق ساقطة عند الله ، قد تجد لها من يقدرها من بين البشر ، لكنها عند الله ساقطة .
المذيع :
وهي غير مقبولة .
دكتور لو أتينا إلى قوله تعالى :

 

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى

( سورة الليل )

البشر بين تقسيمات الأرض وتقسيم الإسلام :

الدكتور :
أستاذ علاء ، أقول لك بصدق وبتجرد : إن الناس على اختلاف مللهم ، ونحلهم وأديانهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، وطوائفهم ، وانتماءاتهم ، وكل ما يخطر في بالك من تقسيمات من صنع البشر ، دول الشمال ، دول الجنوب ، أبناء الريف ، أبناء المدن ، العرق الأبيض ، العرق الملون الأنكوسكسوني ، السامي ، الآري ، هذه تقسيمات جملة وتفصيلاً ليس لها وجود في منهج ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( كلكم بنو آدم وآدم من تراب ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ورواه الترمذي عن ابن عمر ]

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ الحجرات : 13 ]

هؤلاء الناس يتمايزون بقيم ترجّح بعض الناس على بعض ، هذه لم يعتمدها القرآن أبداً ، فماذا اعتمد القرآن ؟ تقسيم خالق السماوات والأرض للبشر ورد في هذه الآية التي ذكرتها .

نماذج البشر :

البشر على كل اختلاف تقسيمات الأرض لا يزيدون على نموذجين :

النموذج الأول :

الأول : صدَّق أنه مخلوق للجنة ، وأنه في الدنيا من أجل أن يدفع ثمنها والجنة :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه ]

والإيمان بالجنة وباليوم الآخر جزء كبير وأساسي من عقيدة المسلم ، وما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن كركن الإيمان بالله واليوم الآخر ، فهذا الإنسان حينما يؤمن أنه مخلوق للجنة ، هذا الإيمان يبنى عليه أنه يتقي أن يعصي الله ، ويبنى عليه أنه يعطي ،

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

الترتيب معكوس ، صدق بالحسنى ، وقد قال الله عز وجل :

 

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ

( سورة يونس الآية : 26 )

الحسنى هي الجنة ، هذا الإنسان صدق بالحسنى ، بنى على تصديقه العميق أنه يتقي أن يعصي الله ، وبنى على هذا التصديق أن حياته بنيت على العطاء ،

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

بعد قليل أشير إلى النتيجة ، أو إلى رده له .

النموذج الثاني :

حتى النمل يأخذ ويعطي والكافر يأخذ فقط
الآن النموذج الثاني : كفر بالجنة وآمن بالدنيا ، لم يعبأ بما بعد الموت ، هذه الدنيا محط رحاله ، ومنتهى آماله ، من كان غنياً فهو في جنة ، ومن كان قوياً فهو في جنة ، وهذه الدنيا فلا شيء سواها .

وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى

( سورة الليل )

لأنه كذب بالحسنى استغنى عن طاعة الله ، وبنى حياته على الأخذ .
أستاذ علاء ، النملة عندها جهازان ، جهاز مص ، وجهاز ضخ ، فإذا التقت نملة شبعى بنملة جائعة تعطيها من عصارة هضمها عن طريق جهاز الضخ ، فالنملة تأخذ وتعطي ، بينما الذي كفر بالآخرة ، وآمن بالدنيا يبني حياته على الأخذ فقط ، يأخذ ولا يعطي ، أما المؤمن الذي بنى حياته على الإيمان باليوم الآخر فيعطي ولا يأخذ ، أو يأخذ ويعطي ، لكن في النهاية يمكن أن نتلمس في بني البشر شيئين كبيرين نبيًّا وقويًّا .

البشر تَبَع لنبيّ أو قويّ :

تاريخ البشرية شهد أقوياء كثر ، فالنبي أعطى ولم يأخذ ، القوي أخذ ولم يعطِ ، النبي ملك القلوب ، والقوي ملك الرقاب ، النبي عاش للناس ، والقوي عاش الناس له ، النبي يمدح في غيبته ، ولو بعد ألف عام ، والقوي يمدح في حضرته فقط ، أعطى ولم يأخذ ، أخذ ولم يعطِ ، ملك القلوب ، ملك الرقاب ، عاش للناس ، عاش الناس له ، يمدح في غيبته ، ذاك يمدح في حضرته ، والناس جميعاً على امتداد العصور والأزمان أتباع لنبي أو قوي .
فالذي يستخدم كماله ، وعلمه ، وأدبه ، وعفته ، وعطاءه ، وكرمه ، واستقامته ليؤثر في الآخرين هذا من أتباع الأنبياء ، والذي استخدم سلطته ، أو حتى الشرطي استخدم دفتر الضبط كسلاح يملكه ، هذا من أتباع الأقوياء ، فالبطولة أن تكون من أتباع الأنبياء ، وأن تملك القلوب ، وأن تعطي ولا تأخذ ، وأن تمدح في غيبتك .
هذه الآية رائعة جداً ، هذا تصنيف خالق البشر للبشر :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

تعليق :

هذا الذي أيقن أنه مخلوق للجنة فاتقى أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء ، رد الإله له أنه ييسره للجنة ، يعطيه أسبابها ، يعطيه الإيمان ، يعطيه الصحة يعطيه القوة ، يعطيه المال ، كي تكون وسائل لدخول الجنة ، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك ، فأعظم عطاء إلهي أن تسير إلى الجنة ، وأكبر عقاب إلهي أن تسير لغير ما خلقت له ،

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

لا ينفع مال يوم القيامة :

حينما استغنى عن طاعة الله ، وحينما بنى حياته على الأخذ طبعاً جمع أموالاً طائلة قال تعالى له :

 

وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى

( سورة الليل )

الإنسان في ثانية واحدة يصبح خبراً بعد أن كان رجلاً ، قال تعالى :

 

وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ

( سورة المؤمنون الآية : 44 )

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلــى القبور جنازة فــاعلم بأنك بعدها محمول
***

فهذه الآية هي تصنيف من قِبل خالق السماوات والأرض لبني البشر ، ولن تجد إنساناً ثالثاً .
المذيع :
هل هناك غير هذا التصنيف ، لأن هذا التصنيف يصنف البشر مثل ما تفضلت إلى أقوام ، أري ، وسامي ، وملون ، وخلاسي ، وزنجي ، ونورمندي .

تقسيمات الأرض سبب الفرقة والشتات :

كلفة التسليح اليومية لدمار البشر تغني أهل الأرض
الدكتور :
ما أنزل الله بها من سلطان ، عنعنات جاهلية ، سبب فرقتنا ، وسبب ضعفنا ، وسبب تخلفنا ، وسبب حروبنا .
قرأت إحصائية قبل أيام أن ما يصيب الإنسان في الأرض الآن في اليوم من ثمن أسلحة فتاكة تقريباً خمسة آلاف ليرة باليوم ، لو وزعنا كلفة التسليح في الأرض على أهل الأرض نصيب كل واحد خمسة آلاف في اليوم ، لدمار البشر ، ولإفقار البشر ، الإنسان مع تقدمه التقني الآن هو في الحضيض أخلاقياً ، هو في الحضيض اجتماعياً ، هو في الحضيض إنسانياً ، يقول عليه الصلاة والسلام عن آخر الزمان :
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( سِتٌّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ مَوْتِي ، وَفَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَمَوْتٌ يَأْخُذُ فِي النَّاسِ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ، وَفِتْنَةٌ يَدْخُلُ حَرْبُهَا بَيْتَ كُلِّ مُسْلِمٍ ، وَأَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ أَلْفَ دِينَارٍ فَيَتَسَخَّطَهَا ، وَأَنْ تَغْدِرَ الرُّومُ فَيَسِيرُونَ فِي ثَمَانِينَ بَنْدًا تَحْتَ كُلِّ بَنْدٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا ))

[ أحمد ]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ ))

[ مسلم ]

الآن نشاهد كل يوم آلاف الضحايا ، وما ارتكبوا ذنباً ، قال تعالى :

 

وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ

( سورة التكوير )

أُشهد الله أن ما من قطرة دم تهرق ظلماً إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة ، كائناً من كان .

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ

( سورة إبراهيم )

المذيع :
لذلك نعود أستاذنا إلى التقسيم الذي جاء في الآية الكريمة :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

إذاً : التقسيم ثنائي لا ثالث له ، على مستوى البشرية .

الدليل على تقسيم القرآن للبشر :

الدكتور :
الدليل الآخر :

 

فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ

يا محمد :

 

فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ

( سورة القصص الآية : 50 )

فهما خطان لا ثالث لهما ، إما أن تستجيب لوحي السماء ، ولمنهج خالق الأرض والسماء ، وإما أن تستجيب لهوى نفسك ، وشهوتك ، ومصالحك .
المذيع :
الآن الأستاذ الدكتور راتب من المعلوم أن الإنسان هو المخلوق الأول ، وهو المكرم وهو المكلف ، الله عز وجل يقول :

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ

( سورة الإسراء الآية : 70 )

و يقول الله عز وجل في كتابه العزيز :

 

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً

( سورة الأحزاب )

نحن نقف عند هذا المخلوق الذي كُرم ، لماذا كُرم ؟ والذي كُلف ، لماذا كُلف ؟

الإنسان بين التكريم والتكليف :

الدكتور :
أولاً : يجب أن نبدأ بالآية التي مطلعها :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾

ـ يعني السماوات والأرض ـ

﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

إن الإنسان قال : أنا لها ، تصدى لها ، وقبِل حملها ، فلما قبِل بحملها قال الله له :

 

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً

( سورة الإسراء )

ما الأمانة ؟

أستاذ علاء ، لأن الإنسان قبِل حملَ الأمانة فصار المخلوق الأول ، لو سألتني : ما الأمانة ؟ في أدق التعريفات والتفسيرات أنها نفسه التي بين جنبيه ، أطلقت يده في نفسه .

 

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا

( سورة الشمس )

فالذي يُعرّف نفسه بربها ، ويحملها على طاعته ، ويحملها على التقرب إليه بالعمل الصالح هذا زكى نفسه فاستحق الجنة ، وهو ثمن الجنة .

الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي قَبِل حمْلَ الأمانة :

في القرآن آيات ثلاث لا تزيد على ذلك :

 

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى

( سورة الأعلى )

نال الفلاح ، فالنجاح كل النجاح ، والذكاء كل الذكاء ، والتفوق كل التفوق ، والعقل كل العقل في أن تزكي نفسك ، لهذا أنا أقول : ما كل ذكي بعاقل ، قد تجد إنسانا يحمل اختصاصا نادرا جداً ، وفي أعلى مستوى من الذكاء ، لكنه يعصي الله ، فهو ذكي غير عاقل .
إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى مجنوناً في الطريق ، فسأل أصحابه سؤال العارف : من هذا ؟ قالوا : هذا مجنون ، قال : لا ، إنه مبتلى ، المجنون من عصى الله .
ما كل ذكي بعاقل ، الذكاء موضعي ، وجزئي ، قد تحمل أعلى شهادة مثلاً في الفيزياء النووية ، وقد تحمل أعلى شهادة في الفَلَك ، إن لم تعرف من الذي خلقك ، وماذا بعد الموت ؟ وأين كنت قبل أن تحيا في الدنيا ؟ ولماذا جاء الله بك إلى الدنيا ؟ وما هو سبب سلامتك وسعادتك ؟ فأنت لست بعاقل ، ما كل ذكي بعاقل ، فلذلك أنا حينما أُعرّف الناس بخالق الأرض والسماوات أدفعهم إلى سعادة الدنيا والآخرة .
فهذه النقطة الأولى ، الإنسان هو المخلوق الأول ، لأنه قَبِل حمل الأمانة ، فلو أن أبا عنده عشرة أولاد ، قال : كلكم له عندي بيت ، ومصروف شهري ، أما الذي يقبل أن يذهب إلى بلد بعيد ليأتي بدكتوراه أعطيه نصف معملي ، فأحدهم قال : أنا أذهب ، هل يعد هذا الابن الطموح ظلوماً جهولا ؟ لا ، بالعكس هو يعد عالماً منصفاً لنفسه ، عرف قيمتها أما إذا ذهب إلى هناك ، ولم يدرس ، وتبع المعاصي والآثام ، يعد ظلموماً جهولاً ، فالآية فيها ملمح دقيق :

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

حينما قَبِل حمل الأمانة هل هو ظلوم جهول ، لا والله ، هو طموح ، أراد أن يكون فوق الملائكة .
سيدنا علي يقول : << رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة ، وركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركِّب الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة >> .
فالذي تصدى لحمل الأمانة ، وقبِل حمل الأمانة كأنه في الآية استفهاما ،

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

لا ليس

﴿ ظَلُومًا ﴾

ولا

﴿ جَهُولًا ﴾

وفي بالآية إقرار إن ذهب إلى هناك ولم يدرس ، وتبع المعاصي والآثام

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

لأنه ما عرف قدره .
أستاذ علاء ، أنا أحياناً أرفض شيئاً لأنني أحتقره إلا إذا رفضت الدين فأنا أحتقر نفسي .

 

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ

( سورة البقرة الآية : 130 )

الإنسان هو المخلوق الأول ، ولأنه كان مخلوقاً أول كرمه الله .

أنواع تسخير الكون :

الآن هناك فكرة مهمة جداً : كرمه بأن :

 

وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ

( سورة الجاثية الآية : 13 )

تسخير التعريف وردُّ فعْل العبد نحوه :

الآن المُسخر له أكرم من المسخر ، بديهية ، الله عز وجل سخر الكون تسخيرين ، تسخير تعريف وتكريم ، لما قال النبي :

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد ))

[ أخرجه الطبراني في الكبير عن رافع بن خديج ]

أي أن هذا الهلال يرشدني إلى الله ، وفضلاً عن ذلك أنتفع به .
فالآن رد فعل التعريف أن تؤمن .

تسخير التكريم وردُّ فعْل العبد نحوه :

وردّ فعل التكريم أن تشكر ، فإذا آمنت ، وشكرت فقد حققت الهدف من وجودك ، عندئذٍ تتوقف المعالجة ، قال تعالى :

 

مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ

( سورة النساء الآية : 147 )

مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ

حينما تؤمن ، وتشكر حققت الهدف من وجودك ، لماذا العذاب ؟ لماذا القهر ؟ لماذا القلق ؟ لماذا الخوف ؟

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

لذلك سأل النبي الكريم مرة بعض أصحابه : عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ : عُفَيْرٌ ، فَقَالَ :

(( يَا مُعَاذُ ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ، قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ ؟ قَالَ : لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ))

[ متفق عليه ]

لذلك الذين قالوا :

 

نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ

بماذا رد الله عليهم ؟

قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ

( سورة المائدة الآية : 18 )

وإذا توهم المسلمون اليوم أنهم أمة سيدنا محمد يأتي الرد الإلهي :

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ

( سورة المائدة الآية : 18 )

لذلك استنبط الإمام الشافعي أن الله لا يعذب أحبابه أبداً ، ولو أنه قبِل دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه لما عذبهم .
المذيع :
ونريد أن نبين قضية للمشاهد حتى لا تختلط عليه الأمور ، كما نقول : الإنسان المخلوق الأول في الرتب ، وليس في الوجود على الأرض ، هناك من سبقه من الكائنات وإنما رتبة ومكانة علية .

الإنسان المخلوق الأول رتبة وليس وجودا :

الدكتور :
يوضح هذا الإمام علي : فإذا سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، يؤكد هذا يقول الله عز وجل :

 

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ

( سورة البينة )

إطلاقاً .
والطرف الآخر :

أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ

( سورة البينة )

الآية الثانية تحتاج إلى لقاء مطول ، كلفه أن يعبده ، والحديث في اللقاء القادم عن العبادة .

خاتمة وتوديع :

المذيع :
عن العبادة نفسح لها المجال الواسع ، ولا يسعني إلا أن أشكرك دكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، وأشكر السادة المشاهدين على المتابعة ، ونعدكم إن شاء الله في الأسبوع القادم أن نكمل هذا المبحث العلمي الإيماني ، وأن نضع لوناً آخر في لوحة الإيمان هو الخلق .
شكراً جزيلاً وإلى اللقاء .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018