الشمائل المحمدية إصدار 1995 - الدرس : 32 - خاتمة - عن فوائد وأهمية الشمائل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الشمائل المحمدية إصدار 1995 - الدرس : 32 - خاتمة - عن فوائد وأهمية الشمائل


1995-06-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الأخير من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وهو الدرس الثاني والثلاثون.
 أيها الإخوة ؛ لابد من حقائق أضعها بين أيديكم بمناسبة انتهاء دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم.
 الحقيقة الأولى: أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الأول، الذي اصطفاه الله على العالمين جميعاً، وأقسم الله بعمره إذ قال:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

( سورة الحجر )

 هذا النبي صلى الله عليه وسلم له دوران خطيران في حياة المسلم، أولاً سنته صلى الله عليه وسلم بيانٌ لكتاب الله عز وجل، فإذا أردت بياناً، وتفصيلاً، وإيضاحاً لكلام الله جل جلاله، فعليك بسنة النبي التي هي في علم التوحيد وفي علم العقيدة وحي ثانٍ، علماء العقيدة متفقون على أن هناك وحيين ؛ وحياً متلواً وهو القرآن الكريم، ووحيًا غير متلو، وهو السنة النبوية القولية.
 لذلك يجب أن نعلم علم اليقين ـ وهذا عودٌ على بدء ـ أنَّ تَعَلُّم سنة النبي القولية، أيْ قراءة الأحاديث الشريفة الصحيحة، وفهم معناها، ومدلولاتها، وأبعادها، هذا فرض عينٍ على كل مسلم، أي كيف أنَّك تشرب الماء ولا خيار لك في ذلك، وكيف أنك تتنفس الهواء، وتنفُّس الهواء ضرورة حياتية، وتعلُّم الأحاديث فرض عينٍ على كل مسلم حي، يجب أن تعلم علم اليقين أن معرفة أحاديث النبي الصحيحة معرفةً دقيقةً، وعميقة، أن تعرف مدلولاتها، وأن تعرف الأحكام المستنبطة منها فرض عينٍ على كل مسلم، وإليك الدليل:
 نحن المسلمين عندنا قاعدة مفادها: " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب "، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، لكن ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

( سورة الحشر: من آية " 7 " )

 كيف تأخذ ما أمرك النبي به إن لم تعرف ماذا أمرك النبي به، كيف تنتهي عما نهاك عنه النبي إن لم تعرف ماذا نهاك النبي عنه، إذاً معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، فرض عينٍ، لأنك بسببها تنفذ قوله تعالى:

 

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

( سورة الحشر: من آية " 7 " )

 قصدي من هذا الدرس الأخير، بعد أن انتهينا من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وأمضينا فيه اثنين وثلاثين درساً تزيد على نصف عام، القصد أن الثمرة الآن من هذه الشمائل أن تترجمها إلى سلوك، أن تعيشها في بيتك، أن تعيشها في عملك، أن تعيشها مع إخوانك، أما أن يكون درس الشمائل لأخذ العلم، وللمتعة العلمية، وللإعجاب بشخصية النبي، فهذا لا يقدِّم ولا يؤخِّر، هذا الذي ضيَّع المسلمين وجعلهم في مؤخرة الركب، أنهم تعلَّموا العلم ليتزينوا به، تعلموا العلم ليستمتعوا به، تعلموا العلم لأخذ العلم، ولكن العلم في الأصل للتطبيق، والعلم كي يترجم إلى سلوك.
 فمثلاً ـ أقرب مثل أضعه بين أيديكم ـ لو أنّ إنسانًا ألقى على الناس ألف درسٍ في سيرة النبي، وبيَّن لهم تواضعه صلى الله عليه وسلم، وكيف كان مع أصحابه كواحدٍ منهم، ولم يفعل ما فعله النبي لظلَّ كلامه مجرّد أقوال، فالنبي ما تكلم، لكنّ النبي فعل، قال:

(( وعليَّ جمع الحطب قالوا: نكفيك قال: أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على قرانه))

 أريد:

(( وعليَّ جمع الحطب))

 أن تكون بين الإخوة المؤمنين، اليوم كنت مع بعض الإخوة في مكان، فلفت نظري أنه حينما انتهى الأكَلَةُ من الطعام، قاموا جميعاً ونظفوا الصحون ـ جميعاً ـ ولم يجلس واحدٍ منهم يتفرَّج عليهم، فهذه هي السنة.
 فيا أيها الإخوة، الذي أتمناه عليكم، وقد شارفنا على الانتهاء من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، أن تعودوا إلى هذه الدروس، أن تعودوا إلى سنته القولية، والعملية، والتقريرية، وتلاحظوا أين أنتم منها ؟ هل أنتم مطبِّقوها ؟ هل أنتم بعيدون عن تطبيقها ؟ هنا محطُّ الشاهد، وهنا القضية الفاصلة.
 الشيء الثاني، أول شيء معرفة أحاديث رسول الله فرض عين، أي إذا كنا في مجلس علم مثل يوم الأحد، هذا اليوم مخصص للسنة، السنة القولية، يجوز أنْ يكون الموضوعُ بحثًا فقهيًا، والبحث الفقهي مبنيٌّ على سنة النبي، فحضور هذا الدرس لمعرفة ماذا أمر به النبي وماذا نهى عنه، وما الحكم الشرعي في أي موضوع ؟ فهذا درس فرض عين، كما قلت قبل قليل.
أي أنك حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله، لتتفهم كلام النبي، وأبعاد كلام النبي، وحكمة كلام النبي، ومدلولات كلام النبي، والأحكام الشرعية المستنبطة من كلام النبي، طلب هذا العلم فرض عينٍ على كل مسلم، إن كنت مثقفًا أو غير مثقف، معك شهادة عليا ؛ طبيب، مهندس، محام، تاجر، صاحب مهنة، صاحب حرفة، كبير في السن، صغير في السن، مِن عِلية القوم، مِن عامة الناس، فرض عين على كل مسلم، كما إن تنفس الهواء فرض عينٍ على كل إنسان، وكما أن شرب الماء فرض عينٍ على كل إنسان..

 

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

( سورة الحشر: من آية " 7 " )

 أنت حينما تفهم كلام الله فهماً أصولياً، وفهماً عملياً، وفهماً إلزامياً، تتحرك إلى تطبيق السنة، وهذه أول نقطة أو حقيقة.
الحقيقة الثانية: معرفة سيرة النبي ـ غير أقواله ـ أحاديثه الصحيحة، معرفتها فرض عين، لأنه ما لا يتوصل إلى الفرض إلاّ به فهو فرض، والله سبحانه وتعالى أمرك إيجاباً أن تأخذ ما أعطاك إيَّاه النبي، وأن تنتهي عما عنه نهاك، وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به كان فرضاً، إذاً معرفة أحاديث النبي فرض عين.
 ثانياً: معرفة سيرة النبي، أخلاقه، النبي كزوج، النبي كصديق، النبي كأب، النبي كمرشد، النبي كقائد، النبي كجار، النبي كقريب، النبي يحارب، النبي يُصالح، النبي يتكلَّم، يخطُب، كيف يتعامل ؟ كيف يغضب ؟ لماذا لا يغضب ؟ لماذا يغضب ؟ لماذا يعطي ؟ لماذا لا يعطي ؟ معرفة سيرة النبي، وشمائله فرض عين، والدليل، قال تعالى:

 

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

 

( سورة الأحزاب: من آية " 21 " )

 كيف يكون هذا النبي أسوةً لنا إن لم نعرف شمائله، وأخلاقه، ورحمته، وحلمه، وعفوه، وتواضعه، ووفاءه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، إذاً أنت لا تدرس موضوعًا ثانويًا للتسلية، لا تدرس موضوعًا قد ينفعك أو لا ينفعك، بل تدرس موضوعًا بمثابة شرب الماء، بمثابة تنفُّس الهواء، فرض عينٍ على كل مسلم، لأنه ما لا يتوصل إلى الفرض إلاّ به فهو فرض، لأنه أساس الفرض المكلَّف به الإنسان.
 الحقيقة الثالثة: ذكرت لكم مرةً، كنت في العمرة قبل عامٍ، وأكرمني الله عز وجل بالصلاة في محراب النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد الله كنت من أسعد الناس بهذه الصلاة، ولكن بعد أن انتهت هذه الصلاة، خطر في بالي خاطر، قلت: لو أن أستاذاً جامعياً يحمل أعلى الشهادات، وله أكبر المؤلَّفات، وجاء الآذن الذي يعمل معه، وجلس في مكانه وراء المكتب في أثناء غيابه، فهذا الآذن الأمي كم ارتقت درجته حينما جلس في مقعد هذا الأستاذ العالم ؟ ولا درجة، إطلاقاً، أما لو حصَّل شهادة الكفاءة فقد سار في طريق العلم.
 فالذي يرفعك عند الله، ليس أن تصلي مكان صلاة النبي، ولا أن تتواجد في الأماكن التي وجِدَ بها، هذه مُسعِدة ولا شك، تذكِّرك بحياة النبي، وبأصحاب النبي، طبعاً الأماكن المقدسة تملأ النفس شعوراً بالسعادة، لكن أنا أتكلم على الرُقي، هل ترقى بأن ترتدي زي النبي ؟ لا والله، هل ترقى بأن تفعل شيئاً فعله النبي في حياته الخاصة ؟ لا، لكنك ترقى إذا اتَّبعت سنة النبي، إذا تعلَّمت العلم، إذا عرفت أخلاقه، إذا عرفت أقواله، إذا قلَّدته في كل أحواله.
 ونحن نعلم أنّ الإسلام دين الله عز وجل، وهذا الدين العظيم لا يحتمل الشكليَّات ولا السلوك الأجوف، لا يحتمل إلا الحقائق، فالذي أرجوه من الله عز وجل أن تكون هذه الشمائل التي أمضينا فيها اثنين وثلاثين درساً أن تكون هذه الشمائل في قلب كلٍ منا أساس السلوك وأساس التطبيق.
 نقطة مهمة أضعها بين أيديكم، حينما تعتقد ـ دقق فيما سأقول ـ حينما تعتقد أن أي إنسانٍ كائناً من كان يسلك سلوكاً هو عندك أقرب إلى القبول من سلوك النبي، فأنت لا تعرف الله أبداً، وأنت لا تعرف النبي أبداً، فدائماً وأبداً سلوك النبي صلى الله عليه وسلم هو السلوك الأكمل، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج، فإذا توهَّمت أن العزوف عن الزواج يقربك إلى الله أكثر فأنت واهم، قَالَتْ عَائِشَةُ صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ:

(( مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً))

(متفق عليه)

 أشد الناس خشيةً هو رسول الله،

(( وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

( من صحيح البخاري: عن " أنس بن مالك " )

 أحياناً الإنسان يعجب بأحد الشعراء أنه ما أكل اللحم في بحياته، لأنه ليس قانعاً بذلك، ويقول: هذا ظلمٌ للحيوان، فهذا شيء فيه جهل كبير، لأنه فعل شيئاً لم يفعله النبي، أو ترك شيئاً لم يتركه النبي، فحينما تعتقد أن إنساناً، فيلسوفاً، عبقرياً، مصلحاً، فأيّ رجل مهما علا شأنه في الأرض، إنْ يفعل شيئاً، وهو عندك أكثر قبولاً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فأنت لا تعرف الله ولا تعرف رسول الله.
 أو حينما تتبع منهجاً فيه غلوٌ عن منهج النبي، بدافع أنك محبٌ لله أكثر، تريد أن تصل قبل كل الناس إلى الله عز وجل، فتفعل شيئاً ما فعله النبي ؛ النبي تزوج، ورعى زوجته وأولاده، فمن أهمل زوجته وأولاده، والتفت إلى الله على حساب تربيتهم، وعلى حساب العناية بهم، وعلى حساب تعليمهم وتهذيبهم، فقد سلك سلوكاً فيه مجاوزة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
النقطة الأولى أيها الإخوة ؛ معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم، ومعرفة سنة النبي العملية فرض عينٍ على كل مسلم، وأن تعتقد أن هناك سلوكاً أكمل من سلوك النبي هذا عين الضلال، وأن تعتقد أن هذا الذي يدع شيئًا، أو يفعل شيئًا، والنبي ما ترك هذا الشيء، أو ما فعل هذا الشيء، وهو في نظرك إنسانٌ كامل، فقد جانبت الصواب مجانبةً كبيرة.
أيها الإخوة ؛ الكمال كله عند النبي صلى الله عليه وسلم، أنا أحياناً أرى بأم عيني أُناساً يدعون إلى الله عز وجل، يسلكون في معاملة تلاميذهم سلوكاً ما فعله النبي، أو يتركون شيئاً ما تركه النبي، وهم يوحون لمن حولهم أن هذا هو الكمال، لا، فالكمال ما فعله النبي، النبي مشى في الأسواق، فإذا ترفَّعت عن أن تكون مع الناس، فهذا ليس سلوكاً كاملاً، هذا إطلالٌ على الناس من برجٍ عاجي، والنبيُّ ما فعل هذا.
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ:

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ))

( من سنن ابن ماجة)

 فهؤلاء الذين يحيطون أشخاصهم بهالةٍ كبيرة، حيث إن تلاميذهم لا يستطيعون أن يروهم أو يجتمعوا بهم، فهذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان مع أصحابه كواحدٍ منهم قال:

(( وعليَّ جمع الحطب...))

 قال:

(( أنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة))

 فلما جاء دوره في المشي توسلا إليه أن يبقى راكباً قال:

(( لا ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر))

 هكذا فعل النبي، لذلك إياك أن تزل منك القدم، إياك أن تعتقد الكمال في غير النبي، إياك أن تعتقد أن هناك إنساناً أكمل عندك في فعله من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم عرف قدر أصحابه واحداً وَاحداً، فهذا يقول له:

(( ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))

( من صحيح البخاري: عن " سعد بن أبي وقَّاس " )

 وهذا يقول له:

(( أَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ))

( من مسند أحمد: عن " عبيدة بن الجرَّاح " )

(( إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ))

( من صحيح البخاري: عن " جابر " )

(( لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب))

( من الجامع الصغير: عن " عصمة بن مالك " )

(( وما طلعت شمسٌ على رجل بعد نبيٍ أفضل من أبي بكر))

 هؤلاء أبرز أصحابه عرف أقدارهم، سلَّط عليهم الأضواء تكريماً لهم، ولم يطْمِس شخصيَّتهم، ولم يضعهم في الظِل، ولم يعمِّ عنهم كي يبقى هو الوحيد في الساحة، هذا ما فعله النبي، لأن الإنسان حين يتعامل مع أناسٍ يعرف أقدارهم، ويعرف إمكاناتهم فهذا أكثر عونًا على دوام الصلة بينه وبينهم.
 أيها الإخوة ؛ على كلٍّ ؛ هذه الشمائل المحمدية التي أمضينا فيها نصف عامٍ تقريباً، كلِّي أملٌ ورجاءٌ أن تترجم إلى سلوك، كيف عامل النبي زوجاته ؟ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ غَارَتْ أُمُّكُمْ ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ))

( صحيح البخاري)

 أدرَكَ شعور الغيرةِ الذي أصاب زوجته وفهِم حالها، فما من إنسان مؤمن إذا أخطأت زوجتُه بدافع من أنوثتها، أو من غيرتها، إلاّ و يقيم عليها النكير، لكنه يتأدب بأدب النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:

(( التمس لأخيك عذراً، ولو سبعين مرة))

 فدائماً المؤمن الصادق، دائماً يقيس أفعاله، وأقواله، وتصرفاته، ومواقفه، وعطاءه، ومَنْعَه، وصلته، وقطيعته بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
 فأول تطبيق عملي لنا جميعاً أن نأخذ مواقف النبي، أن نأخذ شمائل النبي، وأن نقلِّده بها، فهناك آباء لا يمكن أن يبتسموا لأولادهم أبداً، ولا أن يلاعبوهم، ولا أن يتصابوا لهم، هذا خلاف السنة، النبي عليه الصلاة والسلام داعبَ الحسن والحسين حتى ارتحلاه، أي ركبا على ظهره، وهو نبي هذه الأمة، ماذا فعل ؟ قال:

(( كرهت أن أفسد عليهما ارتحالهما لي))

 بقي ساجداً طويلاً حتى يستمتعا بركوب ظهر النبي صلى الله عليه وسلَّم، هكذا كان مع أولاده، الإنسان المؤمن في بيته واحدٌ من أهل البيت ؛ يداعب أولاده، يضاحكهم، يسلِّيهم، يتصابى لهم، يؤنسهم، يرعاهم، يوجههم، هو لهم جنة، وجوده في البيت جنة، هكذا فعل النبي.
 مع زوجاته كان حليماً، كان لطيفاً هل تحبني ؟ الآن أكثر الناس عيوب زوجته يضخمها، فيقول لها: لولا خمسون علة لكنت وكنت، ويذكرهن واحدة واحدةً، فلم يعد بينهما أي محبة، أما النبي عليه الصلاة والسلام سألته السيدة عائشة: أتحبني قال:

(( كعقدة الحبل))

 فأصبحت هذه الكلمة شفرة بينهما، من حين لآخر تسأله:

(( كيف العقدة ؟))

 يقول:

(( على حالها))

 زوج كامل، زوج يعرف قيمة زوجته، ويعرف ويحترم شخصيتها، السيدة أم سلمة أشارت عليه فأخذ برأيها تكريماً لها.
 فأتمنى والله من كل قلبي أن تراجع حساباتك كلها ؛ سواء علاقاتك مع أهلك، ومع أولادك، ومع جيرانك، أين حقوق الجار ؟ يصلي في أول صف، وإذا كان جاره غلط غلطة طفيفة يكيل له الصاع عشرة أصوع، أين:

(( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ))

( من صحيح البخاري: عن " عائشة " )

 أين حق الجار ؟ إذا كان الجار مسلماً له حقَّان ؛ حق الجوار وحق الإسلام، وإذا كان مسلماً ذا قرابة فله ثلاثة حقوق ؛ حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة أين ؟ لماذا هان أمر الله علينا ؟ لماذا هنا على الله ؟ لأن أمر الله هان علينا، وإذا كان في قصر العدل عشرات ألوف القضايا، فكلها بين الأقارب ؛ بين الأخ وأخيه، وبين الزوجة وزوجها، هكذا المسلمون ؟ هذا هو الإسلام ؟ شعائر شكلية فارغة، وعلاقات كلها سلبية، عِداء، وشحناء، وبغضاء، وتجاوز، ليس هذا هو الإسلام.
 لذلك أيها الإخوة استمعوا إلى هذه الآية، قال تعالى:

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

 

( سورة الأنفال: من آية " 33 " )

 فما قولكم ؟ المعنى الأول ما دام النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني أمته فهم في بحبوحة، لكنّ النبي عليه الصلاة والسلام توفي، فما معنى هذه الآية بالنسبة إلينا ؟ قال العلماء: وما كان الله ليعذبهم وسُنَّتك في حياتهم ؛ بيتك إسلامي، تأكل وفق السنة، تكسب المال وفق السنة، تنفق المال وفق السنة، تربي أولادك وفق السنة، قال لك:

(( أدبُّوا أولادكم على حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن))

 أنت عندك تلفاز، ومعه صحن، ديدن أولادك كرة القدم، والممثلون والممثلات، الأحياء منهم والأموات، هذا دينهم وديدنهم، والرياضيّون، ولاعبوا الكرة، أين ؟

(( أدبُّوا أولادكم على حب نبيكم وحب آل بيته، وتلاوة القرآن))

 كيف ينشأ ابنك على حب رسول الله إن لم تتلُ عليه سيرة رسول الله كيف ؟ شبعنا كلاماً، كلام، وكتب، ومؤلفات، ومحاضرات، وخطب الجمعة، وشرائط كاسيتات، نريد تطبيقًا، نريد بيتًا مسلمًا، نريد أولادًا نشؤوا في طاعة الله، نريد أولادًا من روَّاد المساجد، أنا أريدك مع ابنك في المسجد، ونتحمل كل شيءٍ من ابنك، ابنك غالٍ وعزيز، لأن الأمل معقود على الصغار، ابنك امتدادك، خليفتك، ثمرة عملك، كسبك الحقيقي..

(( خير كسب الرجل ولده))

 فأين نحن من ذلك ؟ أَيُعقَل أنْ إنسان يطبق الإنسانُ منهج الله ويكون في المؤخرة ؟ إذًا يكون الدين باطلاً، أنت تمشي على منهج خالق الكون، يجب أن تكون في المقدمة، يا ترى بيعك إسلامي وفق السنة ؟ غير إسلامي:

(( لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ))

( من سنن الترمذي: عن: حكيم بن حزام " )

 انظر الآن إلى التجار يأخذ أحدُهم مسطرة يديرها يبيع على بعضهم، لم يشترها،

(( لا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ))

( من مسند أحمد: عن " عبد الله بن عمر " )

 ليست مطبقة..

(( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا))

( من سنن أبي داود: عن " أبي هريرة " )

 هذا الحديث كذلك ليس معمولاً به ولا مطبق، كيف تريد أن ينصرنا الله عز وجل، لا بيعنا بيع إسلامي، ولا شراؤنا شراء إسلامي، والآن تجد أكثر الأعراس فيها تصوير فيديو، هذه أكبر معصية على الإطلاق أن تصور النساء في أبهى زينة، وأن يُعرض هذا الفيلم في البيوت، وتشير إحداهن وتقول: هذه زوجة فلان، كشف العورات، وفضح البيوت، وإظهار النساء الأجنبيات أمام الأجانب بأبهى زينة، ثم يقول لك: نحن مسلمون والحمد لله، في صحوة إسلامية. أي صحوة إسلامية هذه ؟ نريد التمسك بأهداب الدين.
 ما أردت من هذا الدرس الأخير من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون حافزاً لنا جميعاً على مراجعة الحسابات، راجع عملك، هناك مخالفات ؟ يقول: أنا أبيع دخان، ومعي رخصة فهل أتركها تذهب من يدي ؟ ما دام الدخان بأفضل أحكامه مكروه كراهة تحريمية، فالذي يبيعه يقع في مشكلة كبيرة عويصة، يبيع طاولات زهر، ويصلي أول صف، لا يجوز أن تبيع شيئاً محرماً، لا ينبغي أن تعين على معصية، لا ينبغي أن تروّج معصية، لا ينبغي أن تسهم في نشر معصية، ألم يقل النبي الكريم:

(( لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ))

( من سنن ابن داود: عن " ابن عمر " )

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

( سورة المائدة: من آية " 2 " )

 فالذي أتمناه على كل إخوتنا أن نترجم هذه الشمائل إلى حقائق ووقائع نمارسها فعلاً وقولاً، طبعاً شمائل النبي أمضينا فيها نصف عامٍ تقريباً.
 ولقد آن الأوان أن تكون هذه الشمائل بين أيدينا، اسمحوا لي أن أسوق هذا المثل.
 إذا قال شخصٌ بلسانه: خمسمئة مليون دولار، ولا يملك في جيبه ثمن رغيف خبز، ماذا ينفعه هذا اللفظ ؟ وما هو الفرق بين أن تلفظ هذا الرقم وبين أن تملكه ؟ كم هي المسافة كبيرة جداً، كبيرة جداً جِداً بين أن تلفظ هذا الرقم خمسمئة مليون دولار وبين أن تملكه، كذلك الفرق بين أن تتحدَّث عن سنة النبي، وعن شمائل النبي، وعن أخلاق النبي، وعن تواضع النبي، وعن حكمة النبي، وعن رحمة النبي، وعن عَدل النبي، وعن عفَّة النبي، وعن شجاعة النبي، وبين أن تتمثَّل هذه الأخلاق.
 فلذلك هذه المعلومات التي تقرؤها في كتب السيرة، وعن شمائل النبي، لا يمكن أن تكون لأخذ العلم، إنما هي من أجل التطبيق، فلا مانعَ للإنسان أن يقرأ هذه الكتب التي بين أيدي الناس، مرة ثانية ولْيراقب نفسه: إذا دخل البيت ماذا يقول ؟ وإذا خرج منه، إذا جلس إلى الطعام، وإذا قام عنه، إذا دعا إلى وليمة، إذا دُعي إلى وليمة، ماذا يفعل ؟ وماذا يقول ؟
 في مناسبات الحزن، وفي مناسبات الفرح، كيف كان عليه الصلاة والسلام يتصرف ؟ فمثلاً لما دخل مكة المكرمة فاتحاً، فما من قائد في الأرض يفتح بلدةً إلا ويصيبه العُجب والكِبر والغطرسة والتجبر ؛ إلا النبي عليه الصلاة والسلام، حينما دخل مكة فاتحاً كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل.
 ثم أيها الإخوة ؛ لماُ تطبِّق سنة النبي اللهم صلِّ عليه تغدو عَلماً في الأرض، تغدو متألِّقاً، تغدو كالكوب الدري، يلتف الناس حولك، يحبك الناس، لأن الناس يحبون الكمال، وشمائل النبي هي الكمال المطلق، فكلما اقتربت من سنة النبي اقترب الناس منك، وأحبك الناس.
 سيدنا عمر بن عبد العزيز كان ـ كما يقول المؤرخون - خامس الخلفاء الراشدين، مرة جاء رجل يشكو عمر إلى أحد ملوك بني أمية، وقال له بالحرف التالي: " إن جدك أقطعني أرضاً، وجاء عمر رحمه الله فأخذها مني ". فقال هذا الملك: "عجبت لك تذكر الذي أعطاك الأرض ولا تترحم عليه، وتترحم على من أخذها منك" !!، لأن سيدنا عمر طبق السنة، نزع الأرض من أصحابها، ونزع الأموال المغتصبة من أصحابها، فألهمهم الله تعالى أنْ يترحموا عليه.
 أيها الإخوة ؛ والله الذي لا إله إلا هو لو طبقتَ هذه السيرة، أو هذه الشمائل، أو هذه السُنَّة لأصبح بيتك جنةً، ولسعدت بأولادك، لأنه كما قال لك:

(( ربوا أولادكم على حب نبيكم وحب آل بيته وتلاوة القرآن))

 أفليس من الواجب أن ترعى أولادك وأن تنشئهم على حفظ القرآن الكريم، وعلى معرفة أحكام الدين ؟ ألا ينبغي أن تلحقهم بمعهد شرعي، أو مدرسة شرعية، ولو في الصيف دورة شرعية ؟ فهذا الابن علماني ؛ فيزياء، كيمياء، رياضيات، طب هندسة، فقط ؟! لا ترجو منه إلا أن يكون شخصيةً متألقة، دخله وفير، ومكانته رفيعة، ولا تعبأ بدينه أبداً ؟! هل بلغ علمك أن بعض الأولاد يقول يوم القيامة: " يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، لأنه لم يعلمني، لم يوجهني، لم يربِّني "، كان همه أدرست، أنجحت ؟ لكن أصليت ؟ لا سؤال عن الصلاة، أقرأت القرآن ؟ لا سؤال عن القرآن، كنت معنا بالدرس ؟ لا يسأل عن كل هذا، يريد فقط الشهادة، ويريد تأمين مستقبلٍ، في تصور الأب متألِّق.

 

* * * * *

 أيها الإخوة ؛ أمضي بقية الدرس مع بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث الأول عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

(( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))

( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )

 تذكرون أيها الإخوة لما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم أول مرة، وعاد إلى بيته، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:

(( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ خَدِيجَةُ كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ))

(متفق عليه)

 فخديجة من أين انطلقت في هذا التطمين ؟ لم يكن نزل القرآن بعد، والسنة لم تكن وجدتْ، فمِن أين انطلقتْ وأجابتْ ؟ ومن أين جاءت ؟ سؤال دقيق، من الفطرة، هذا الكلام لو طبقناه على أنفسنا، فإذا كان الشاب مؤمنًا مستقيمًا، عفيفًا، صادقًا، أمينًا، متقنًا لعمله، بارًا لوالديه، بارًا بمن حوله، فهل يبقى منبوذًا في حياته، تصور ما دام الإله بيده كل شيء، وليس فعَّالاً إلا الله، فهل هذا الشاب يخزيه الله في الدنيا ؟ أيبقى بلا زواج ؟ أيبقى بلا بيت ؟ أيبقى فقير لا يملك ثمن أكل ؟ مستحيل.
 إخواننا الكرام ؛ كلِّي أمل ألا نفهم كتاب الله وسنة النبي فهماً تاريخياً، افهموها فهماً حياتياً، فهمًا واقعيًا متجددًا، ما دامت السيدة خديجة تقول للنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن عبَّر لها عن بعض مخاوفه قالت: " والله لا يخزيك الله أبداً ـ لماذا ؟ ـ لأنك تعطي الفقير، تحمل الكل، تقري الضيف، صادق، أمين، عفيف، وكان جوابها نابعًا من فطرتها.
 فأنت كشاب الآن يقولون لك: حياة صعبة، لا يوجد أمل للزواج، الأعمال غير متوفرة، الكسب ضئيل، فهل الله عز وجل ليس قادراً على أن يرزقك ؟ ليس قادراً على أن يعطيك ؟ مستحيل، لكن أنت عليك على أن تكون عفيفاً، صادقاً، أميناً، ورعاً، باراً، وعلى الله الباقي.
 والله قرأت مرة حديثًا في الجامع الصغير اقشعر منه بدني:

(( حق الزوج على زوجته، حق الأب على ابنه، حق الابن على أبيه، حق الأخ على أخيه، حق الجار على جاره ـ حوالي عشرين حديثًا، وهذه كلها معروفة، لكن حديث واحد أذهلني ـ حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف))

 شاب لا يريد أن يعصي الله أبداً، يريد زوجة فقط، هذا المطلب مشروع جداً، لكنه لا يملك بيتًا، ولا يجد عملاً، وهو بلا دخل إطلاقاً، فهل الله يخزي هذا الشاب ؟ ينبغي أن نفهم ديننا فهماً واقعياً لا فهماً تاريخياً، قال له:

(احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )

(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ))

( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )

 صليت الفجر في جماعة وانطلقت إلى عملك ؛ أنت في رعاية الله وفي حفظه، وفي تأييده، وفي نصره، أنت في حَصانة، يقول لك: فلان عضو مجلس الشعب معه حصانة. وكل مؤمن معه حصانة، كل مؤمنٍ صلى الفجر في جماعة معه حصانة لا من مخلوقٍ بل، من الخالق،

(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ))

( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )

 لكن أنّ رجلاً صلى الفجر في جماعة وجلس يقرأ القرآن الكريم حتى طلعت الشمس، فهذا بدأ نهاره هكذا، ماذا تنتظرون أن يكون بقية نهاره ؟ أيقع في مطب ؟ لا، وفي فخٍّ ؟ لا، وفي ورطة ؟ لا، بل هو في حفظ الله، وفي تأييدهِ، لذلك:

(( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ))

( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )

 وبعد ذلك ربنا عز وجل قال:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 

( سورة الحج: من آية " 38 " )

 إذا كنت مع الله فقد تولَّى الله في عليائه الدفاع عنك، يسخِّر لك أُناسًا وأنت لا تدري، ينطلقون في الدفاع عنك بأبلغ مما تقول أنت عن نفسك،

(( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ... ))

( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )

 بالمناسبة أصحاب رسول الله والنبي معهم وهم في الجهاد، وقد انتقلوا من معركةٍ إلى معركة، من بدرٍ إلى أُحدٍ إلى الخندق، وبذلوا أرواحهم رخيصةً في سبيل الله، ومع كل هذه الفضائل وهذه العطاءات، وهذه التضحيات، حينما قالوا: " لن نغلب من قلة"، حينما أشركوا شركاً خفياً تخلى الله عنهم..

 

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾

 

( سورة التوبة )

 فالمعنى إذا كان النبي وأصحابه وهم مَن هم، إلاّ أنّ الله أدبهم حينما قالوا: لن نغلب من قلة، وفيهم النبي، فما ظنك أنت إذا جئت بعد ألفٍ وخمسمئة عام وقلت: أنا وأنا، فالله عز وجل يتخلى حتمًا عن كل مسلمٍ ادَّعى لنفسه الفعل، ماذا قال سيدنا عمر ؟ قال: " نحن قومٌ قد أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلَّنا الله ؟ "، فالأمة العربية، حينما تعتز بغير الله لا تفلح أبداً، ولن تنجح، ولن تنتصر، أما إذا اعتزَّت بالله، ونصرت دين الله عز وجل أفلحت وأنجحت، أشياء دقيقة جداً، فالله عز وجل قال:

 

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

 

( سورة محمد: من آية " 7 " )

 فهل الله عز وجل بحاجةٍ إلى نصرنا ؟ لا أبداً، فما معنى هذه الآية ؟ معنى هذه الآية: إنك إن نصرت دين الله وسَّعت رقعة الإسلام، وضيقت رقعة المنحرفين، وسعت دوائر الحق وضيقت دوائر الباطل، و إذا أقام المسلمُ شرع الله وكثَّر سواد المسلمين وقلَّل المنحرفين، فهذا كلُّه نصرٌ لدين الله، فلمجرد أن تنتصر لدين الله عز وجل فالله ينصرك، فهذه الآية افهمها فهمًا واسعًا ؛ أنت في كل يوم عندك خمسون معركة، فمعركة الشراء معركة، تزويج فتياتك معركة...إلخ، المعنى أنْت تقابلك مطبات، ومخاوف، وأخطاء، وألغام، ومنزلقات أحياناً، وجهالات، واحتيال، ومن الممكن أنْ تتورط ورطة كبيرة..

 

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

 

( سورة محمد: من آية " 7 " )

 طبعاً نصر مطلق في كل مجال ؛ في دراستك، في تجارتك، في عملك، مع جيرانك، في اختصاصك، في مكانتك الاجتماعية، بزواجك، بأولادك، بتربية أولادك..

 

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

 

( سورة محمد: من آية " 7 " )

 إذاً:

((... يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

( من سنن الترمذي: عن " ابن عباس " )

 وروى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:

(( أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ))

(البخاري)

 وفي رواية الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:

(( أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا))

 كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعُدَّ نفسك من أهل القبور، ولن تفلح إلا إذا تعلقت بالآخرة، ولن تفلح إلا إذا أدخلت في حساباتك اليومية لقاء الله عز وجل، ولن تفلح إلا إذا نقلت اهتماماتك وطاقاتك الفعالة إلى الآخرة، عُدَّ نفسك من أهل القبور.
 وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ:

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ))

( من سنن ابن ماجة )

 المشكلة الآن أن الناس يزهدون بما عند الله، فيغضب الله عليهم ويطمعون بما في أيدي الناس فيغضب الناس عليهم، باؤوا بغضبٍ من الله ومن الناس، الحديث الشريف:

(( ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ...))

( من سنن ابن ماجة )

 أو اطمع بما عند الله يحبك الله، وازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس..

 

لا تسألن بني آدم حاجةً وسل  الذي أبوابه لا تُحجَب
* * *

 الإنسان يغضب إن سألته، لكن الرحمن يغضب إن لم تسأله، هذه مبادئ أساسية.
 وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:

 

(( جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أوصني، قال عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وصلِّ صلاتك وأنت مودع، وإياك وما يعتذر منه))

 والله أيها الإخوة هذه الكلمات المضيئة للنبي عليه الصلاة والسلام يمكن أن تكون منهجاً كاملاً في حياتك، والله لن تخيب، ولن تضل، ولن تشقى، ولن تخفق، ولن تذل إذا طبقت هذا التوجيه النبوي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتقل في دروسٍ قادمة إلى موضوعٍ آخر ينفعنا في الدنيا والآخرة، والله سبحانه وتعالى من وراء القصد.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018